ملخص: يتناول هذا المقال كيف أصبح الذكاء الاصطناعي أداة حيوية في حماية الطبيعة واستعادتها، من خلال تطبيقاته في رصد المخاطر البيئية ومراقبة الحياة البرية والتنوّع البيولوجي وإعادة تأهيل النظم البيئية ودعم المعرفة الأصلية، مع التأكيد على أهمية تطوير هذه التقنيات بشكل مسؤول يراعي الشفافية والعدالة البيئية ويقلّل من آثارها المناخية لضمان مستقبل أكثر استدامة للطبيعة والإنسان.
- يشكّل فقدان الطبيعة والتنوّع البيولوجي تحدّياً بالغ الأهمية للشركات، إذ يؤثر مباشرةً على إدارة المخاطر والعمليات التشغيلية والمرونة على المدى الطويل.
- يمكن للذكاء الاصطناعي أن يدعم أنشطة حماية الطبيعة في المؤسسات – بدءاً من الكشف المبكر عن المخاطر وصولاً إلى تحسين العمليات والاستثمارات.
- لكن استخدام الذكاء الاصطناعي في مجال البيئة يتطلّب نهجاً مسؤولاً يضمن الشفافية والعدالة والقيادة المحلية، حتى تعود فوائده بالنفع على المجتمعات والنظم البيئية معاً.
يُنظر إلى الذكاء الاصطناعي اليوم كأحد التقنيات الأساسية القادرة على تغيير الطريقة التي يعمل بها المجتمع وإحداث تحوّلات جذرية في مختلف المجالات، بما في ذلك علوم البيئة والحفاظ على الطبيعة.
ويأتي هذا التحوّل في لحظة حرجة مع تصاعد الصدمات والتحديات المرتبطة بالمناخ في جميع أنحاء العالم. فعلى الرغم من التقدّم في جهود الحماية والاستعادة، إلا أنّ تعقيد هذه القضايا واستعجالها يتطلّبان أدوات جديدة قادرة على العمل بسرعة وعلى نطاق واسع، وهو ما يتيحه الذكاء الاصطناعي بفاعلية كبيرة.
كيف تستخدم الشركات الذكاء الاصطناعي لحماية الطبيعة
من التنبؤ بالمخاطر البيئية إلى مراقبة الأنواع والنمذجة البيئية، إليك بعض الطرق التي توظّف بها الشركات الذكاء الاصطناعي لتحسين عملية صنع القرار وإدارة المخاطر التشغيلية المرتبطة بالطبيعة وفقدان التنوع البيولوجي:
1. الكشف عن المخاطر والتخفيف من آثارها والاستجابة لها
يُعدّ الكشف المبكر أمراً حاسماً في إدارة المخاطر البيئية مثل حرائق الغابات والجفاف أو انتشار الأنواع الغازية. إذ يتيح هذا الكشف المبكر للمؤسسات والوكالات الحكومية والمجتمعات المحلية اتخاذ إجراءات استباقية قبل تفاقم الأزمات.
يُستخدم الذكاء الاصطناعي منذ سنوات في رسم الخرائط البيئية وتحليل التغيّرات في المناظر الطبيعية، مما يدعم تقييم النظم البيئية وإدارتها. كما أن الجمع بين بيانات التصوير الجوي عالية الدقة وأدوات التحليل بالذكاء الاصطناعي يساعد في رصد المخاطر مثل انتشار النباتات الغازية.
فعلى سبيل المثال، تعمل شركة TELUS على تعزيز قدرة الغابات الكندية على التعافي بعد الحرائق، من خلال دمج التقنيات المتصلة في جهود الاستعادة. وبالتعاون مع شركتي Dryad Networks وFlash Forest، تستخدم TELUS شبكات أجهزة استشعار تعمل بإنترنت الأشياء لرصد المخاطر البيئية والكشف المبكر عن الحرائق في مواقع محددة.
كما تساعد منصات مدعومة بالذكاء الاصطناعي مثل Pano AI الحكومات والشركات على التعرف المبكر على الحرائق باستخدام الشبكات الحسية والنماذج التنبؤية لحماية البنى التحتية والنظم البيئية الحيوية.
2. مراقبة الحياة البرية والتنوّع البيولوجي
تُستخدم النماذج التعليمية للذكاء الاصطناعي والكاميرات الحرارية والأنظمة الذاتية لتحليل الأصوات الطبيعية، وتتبع نتائج التنوع البيولوجي الناتجة عن مشاريع الغابات، ومراقبة التهديدات مثل الصيد غير المشروع. تساعد هذه المراقبة المؤسسات على إدارة مخاطر فقدان التنوع البيولوجي والامتثال لمعايير الإفصاح البيئي الحديثة.
في كينيا، وبالتعاون بين الصندوق العالمي للطبيعة (WWF) وهيئة الحياة البرية الكينية، تم تركيب كاميرات حرارية في محمية سوليو، تعمل بأنظمة ذكاء اصطناعي قادرة على تصنيف البشر والحيوانات والمركبات وإرسال تنبيهات فورية عند حدوث أي اختراقات.
وفي أمريكا الجنوبية، يعمل مشروع غوكامايا (Project Guacamaya) مع مختبر الذكاء الاصطناعي للخير التابع لمايكروسوفت (AI for Good Lab) على استخدام ميكروفونات تعمل بالطاقة الشمسية وصور الأقمار الصناعية والفخاخ الفوتوغرافية لرصد الأصوات الطبيعية في غابات الأمازون، بهدف حماية التنوع البيولوجي وتسريع جهود الحفظ.
3. إعادة تأهيل النظم البيئية واختيار مواقع الاستعادة
يمكن للذكاء الاصطناعي في مشاريع “إعادة التوحش” (Rewilding) أن يُستخدم للتخطيط التنبؤي ونمذجة التغيّرات البيئية على المدى الطويل. فعبر دمج بيانات التربة والمناخ والهيدرولوجيا، يمكن للأدوات الذكية محاكاة سيناريوهات مختلفة وتقييم نتائجها المحتملة.
تُستخدم هذه الأدوات أيضاً مع أجهزة استشعار صوتية لرصد تنوّع الملقّحات (كالنحل والفراشات)، ما يقدّم بيانات دقيقة لقياس نجاح جهود الاستعادة.
كما طوّرت غوغل أداة Tree Canopy التي تستخدم الذكاء الاصطناعي والخرائط الجوية لمساعدة نحو 350 مدينة على مراقبة غطائها الشجري وتعزيزه، مما يساهم في مواجهة موجات الحر ودعم مرونة المدن في مواجهة تغيّر المناخ.
ويجري حالياً استكشاف استخدام الطائرات المسيّرة للزراعة الآلية أو إزالة الأنواع الغازية كحلول بديلة قابلة للتوسع عن الأساليب التقليدية.
4. السرد القصصي والتوعية
يمكن للذكاء الاصطناعي أن يكون أداة قوية في سرد القصص البيئية. فقد استُخدمت النماذج التوليدية لإنشاء صور “قبل وبعد” للمناطق المتدهورة والمستعادة، مما يقدّم محتوى بصرياً مؤثراً لأغراض التعليم، وبناء الشراكات، وجذب التمويل، وتعزيز الثقة بين أصحاب المصلحة.
كما يمكن للذكاء الاصطناعي دعم تخطيط السيناريوهات المستقبلية والمشاركة المجتمعية في مشاريع الحفظ.
5. دعم المعارف والممارسات الأصلية
في سانيكيلواك بكندا، يُستخدم نظام ذكاء اصطناعي مخصص يجمع بين المعرفة الأصلية وصور الأقمار الصناعية وأساليب العلوم الغربية لرسم خرائط لمناطق موائل المحار والأعشاب البحرية، التي تتأثر سريعاً بتغيّر المناخ.
هذا النهج المتكامل يساعد في سدّ فجوات البيانات ودعم استزراع بحري مستدام، ويُظهر كيف يمكن لدمج التكنولوجيا والمعرفة التقليدية أن يعزز المرونة ويحمي سبل العيش المحلية.
وضع الطبيعة والإنسان في صميم أدوات الذكاء الاصطناعي
الذكاء الاصطناعي ليس محايداً، فهو يعكس القيم والافتراضات والتحيّزات التي يحملها من يصمّمونه. لذا يجب ضمان ألّا تكرّر أنظمة الذكاء الاصطناعي التفاوتات القائمة في علم الحفظ والممارسة البيئية.
غالباً ما تكون البيانات المستخدمة في تدريب النماذج غير مكتملة أو منحازة، وقد تستبعد نظم المعرفة غير الغربية مثل المعرفة البيئية التقليدية. كما أن خوارزميات الذكاء الاصطناعي يمكن أن تكون غامضة، ما يعيق الشفافية حول كيفية اتخاذ القرارات. ولهذا، ينبغي أن يكون مبدأ السيادة على البيانات والتصميم الشامل جزءاً أساسياً من تطوير هذه الأنظمة.
يلعب الشعوب الأصلية دوراً محورياً في حماية الأراضي والتنوع البيولوجي، ولذلك يجب أن يقودوا تطوير واستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي في هذا المجال، مع اعتماد مبادئهم مثل الترابط والمسؤولية البيئية والتبادلية كأساس لهذه التقنيات.
نحو استخدام مستدام ومسؤول للذكاء الاصطناعي
يجب ألا نغفل أن زيادة استخدام الذكاء الاصطناعي سيكون لها أيضاً آثار بيئية، تشمل ارتفاع استهلاك المياه والطاقة. فمن المتوقع أن يتضاعف استهلاك الكهرباء من مراكز البيانات بحلول عام 2030، كما أدّى نظام التبريد السائل إلى زيادة كبيرة في استخدام المياه خلال السنوات الأخيرة.
ورغم أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يكون قوة إيجابية لدعم الحلول المناخية القائمة على الطبيعة، إلا أن الحد من آثاره البيئية وتطوير تقنيات أكثر استدامة يجب أن يكون أولوية.
ومع توسّع استخدام الذكاء الاصطناعي في مشاريع الحفظ والاستعادة، يجب أن تسعى هذه التقنيات إلى تحقيق منافع مشتركة للطبيعة والإنسان – من تحسين التنوع البيولوجي إلى حفظ الثقافة والهوية.
فالغاية ليست الكفاءة التقنية فحسب، بل تعزيز سلامة النظم البيئية، ودعم تعافي الأنواع، والمساهمة في مرونة المناخ على المدى الطويل.
