ملخص: يسلّط المقال الضوء على الارتفاع القياسي لسعر الذهب الذي تجاوز 4,100 دولار أمريكي للأونصة، مسجلاً مكاسب تجاوزت 50% هذا العام و100% منذ بداية الارتفاع الحالي في أوائل 2024. ويشير المقال إلى أن العوامل الاقتصادية التقليدية مثل المخاوف من التضخم، الإغلاق الحكومي الأمريكي، أو الشكوك حول سياسات الاحتياطي الفيدرالي ليست السبب الرئيسي، بل يكمن الدافع الأكبر في زيادة الطلب على صناديق المؤشرات المتداولة للذهب (ETFs)، التي جعلت الاستثمار في الذهب أسهل وأسرع. كما لعبت الاقتصادات الناشئة، خصوصًا الصين وروسيا، دورًا مهمًا بتحويل جزء من احتياطياتها من الدولار إلى الذهب كاستراتيجية لتقليل الاعتماد على العملات الغربية وتفادي مخاطر العقوبات المالية. وبفضل هذا الطلب المتنامي من المستثمرين والبنوك المركزية، من المتوقع استمرار ارتفاع الأسعار، فيما رفع محللو غولدمان ساكس توقعاتهم لسعر الذهب إلى 4,900 دولار للأونصة بحلول نهاية 2026.
ارتفع سعر الذهب يوم الأربعاء إلى أكثر من 4,100 دولار أمريكي للأونصة (ما يعادل 6,300 دولار أسترالي) للمرة الأولى، مسجلاً ارتفاعًا استثنائيًا هذا العام بنسبة تجاوزت 50%.
سرعة هذا الارتفاع كانت أكبر بكثير مما توقعه المحللون، ليصل إجمالي المكاسب إلى نحو 100% منذ بداية الارتفاع الحالي في أوائل 2024.
هذا الارتفاع اللافت اجتذب اهتمام المستثمرين وأدى إلى تكوّن طوابير طويلة أمام متاجر بيع الذهب في سيدني للحصول على السبائك والعملات الذهبية.
ما الذي يفسر ارتفاع سعر الذهب؟
تم طرح عدة أسباب لتفسير الارتفاع القياسي الحالي للذهب، منها: زيادة حالة عدم اليقين الاقتصادي بسبب ارتفاع مستويات الدين الحكومي، والإغلاق الحالي للحكومة الأمريكية، وكذلك المخاوف المتزايدة بشأن استقلالية الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي. فلو تدخلت السياسة وخفضت أسعار الفائدة الأمريكية، قد يعاود التضخم الارتفاع، والذهب يُنظر إليه تقليديًا كوسيلة تحوط ضد التضخم.
لكن هذه العوامل على الأرجح ليست السبب الرئيسي وراء الارتفاع الكبير في الأسعار.
في الواقع، كان سعر الذهب يسير في مسار تصاعدي مستمر على مدى السنوات القليلة الماضية، أي قبل ظهور أي من هذه العوامل.
السبب الأكثر ترجيحًا للارتفاع الحالي هو زيادة الطلب على صناديق المؤشرات المتداولة للذهب (ETFs). هذه الصناديق تتبع حركة الذهب أو أصول أخرى مثل الأسهم والسندات، وتُتداول في البورصة، مما يجعل الذهب متاحًا بسهولة للمستثمرين.
قبل إطلاق أول صندوق ذهب ETF عام 2003، كان الحصول على الذهب صعبًا على المستثمرين العاديين. أما الآن، فيمكن تداول الذهب مثل أي أصل مالي آخر، وهو ما غير نظرة المستثمرين إلى الذهب كمصدر آمن في أوقات الأزمات المالية أو السياسية، بينما تصبح الأصول الأخرى مثل الأسهم أكثر مخاطرة.
دور الاقتصادات الناشئة
إضافة إلى طلب المستثمرين الأفراد، بدأت بعض الاقتصادات الناشئة – وخصوصًا الصين وروسيا – في تحويل احتياطياتها الرسمية من العملات مثل الدولار الأمريكي إلى الذهب.
وفقًا لصندوق النقد الدولي، ارتفعت حيازات البنوك المركزية من الذهب في الأسواق الناشئة بنسبة 161% منذ 2006 لتصل إلى نحو 10,300 طن. وللمقارنة، فقد نمت حيازات الذهب في الأسواق الناشئة بنسبة 50% فقط خلال الخمسين عامًا حتى 2005.
ويعود سبب هذا التحول إلى الاعتماد المتزايد على العقوبات المالية من قبل الولايات المتحدة ودول أخرى تصدر العملات الاحتياطية الكبرى (الدولار واليورو والين والجنيه الإسترليني).
فعلى سبيل المثال، أصبحت روسيا مشترٍ صافٍ للذهب منذ 2006، وزادت مشترياتها بعد ضمها لشبه جزيرة القرم عام 2014، لتصبح لديها الآن واحدة من أكبر مخزونات الذهب في العالم.
وفي المقابل، بدأت الصين في تقليص حيازاتها من سندات الحكومة الأمريكية والتحول إلى شراء الذهب، في عملية يطلق عليها “إلغاء الاعتماد على الدولار”، بهدف تقليل الاعتماد على العملة الأمريكية.
كما زادت البنوك المركزية في الأسواق الناشئة من حيازاتها للذهب بعد استبعاد روسيا من نظام المدفوعات الدولي SWIFT، وما اقترحته حكومات الولايات المتحدة وأوروبا من مصادرة احتياطيات البنك المركزي الروسي لدعم أوكرانيا.
من المتوقع أن تستمر جهود “إلغاء الاعتماد على الدولار”، حيث ترى هذه الاقتصادات أن العملات الغربية الكبرى تحمل مخاطر العقوبات المالية، وهو ما لا ينطبق على الذهب، ما قد يقلل فعالية العقوبات المالية كأداة مستقبلية.
هل سيستمر ارتفاع الذهب؟
الطلب المستمر من روسيا والصين، إضافة إلى طلب المستثمرين على صناديق الذهب ETF، يشير إلى إمكانية استمرار ارتفاع الأسعار. كل هذا يمثل زيادة مستمرة في الطلب، بالإضافة إلى الطلب الحالي على المجوهرات والإلكترونيات.
ومن المرجح أن يؤدي ارتفاع الأسعار إلى زيادة تدفقات صناديق المؤشرات عبر تأثير الخوف من تفويت الفرصة (FOMO).
أفاد مجلس الذهب العالمي مؤخرًا بتسجيل تدفقات شهرية قياسية في سبتمبر، حيث تجاوزت التدفقات لصناديق المؤشرات 26 مليار دولار أمريكي في ربع سبتمبر، وبلغت التدفقات الإجمالية للأشهر التسعة حتى سبتمبر 64 مليار دولار.
أما طلب البنوك المركزية في الأسواق الناشئة فهو أقل تأثرًا بالأسعار وأكثر تأثرًا بالعوامل الجيوسياسية، ما يدعم استمرار زيادة الطلب على الذهب.
بناءً على هذه العوامل، قام محللو غولدمان ساكس برفع توقعاتهم لسعر الذهب إلى 4,900 دولار أمريكي للأونصة بحلول نهاية 2026.
