القائمة الرئيسية

كيف نتعلم من إخفاقاتنا؟

كيف نتعلم من إخفاقاتنا؟
ملخص المقال

تشير الأبحاث إلى أننا لا نُجيد دائمًا التعلم من فشلنا، لأننا نصطدم بعقبات عاطفية ومعرفية تحول بيننا وبين الاستفادة من تجاربنا.

[post-views]

ملخص: يكشف المقال أن معظم الناس يجدون صعوبة في التعلم من الفشل رغم أنه يمثل فرصة ثمينة للنمو، إذ أظهرت الدراسات أن الأفراد يتعلمون من النجاح أكثر من الإخفاق حتى مع وجود حوافز أكبر للتعلم من الأخطاء. ويُعزى ذلك إلى عوائق نفسية ومعرفية، أبرزها تهديد الفشل للأنا وما يصاحبه من مشاعر سلبية تدفعنا إلى الإنكار أو الانسحاب. وتقترح الباحثتان لورين إسكريس-وينكلر وأيليت فيشبخ طرقًا للتغلب على هذه العوائق، مثل التعلم من إخفاقات الآخرين، والنظر إلى التجربة من منظور بعيد، ومشاركة قصص الفشل لتحويلها إلى مصدر إلهام، وتعزيز الثقة الذاتية بتذكّر النجاحات السابقة، والسماح بالحزن كجزء طبيعي من عملية التعلم. كما تؤكدان على أهمية التفكير الواعي بعد الفشل عبر تحليل الدروس وتدوينها، والتركيز على هدف طويل الأمد، وممارسة اليقظة الذهنية، والتعامل مع الذات برحمة. فالفشل ليس نهاية الطريق، بل وسيلة لاكتساب معرفة نافعة للجميع حين نشاركها بصدق.

جميعنا يفشل في مرحلة ما من حياته. لكن ليس الجميع يتعلم من إخفاقاته. فالبيانات تشير إلى أن معظم الناس يجدون صعوبة في تحويل الفشل إلى تجربة تعلم ونمو.
حين طوّرت الباحثتان لورين إسكريس-وينكلر وأيليت فيشبخ لعبة "مواجهة الفشل" (Facing Failure)، أرادتا اختبار قدرة الناس على التعلم من أخطائهم. في هذه اللعبة، يخوض المشاركون جولات متتالية من أسئلة متعددة الخيارات، ويمكنهم استخدام التغذية الراجعة من الجولات السابقة لتحسين أدائهم لاحقًا — وكل إجابة صحيحة تعني ربحًا ماليًا أكبر.

لكن المفاجأة أن الناس، في معظم الدراسات، يتعلمون من النجاح أكثر مما يتعلمون من الفشل، حتى عندما تكون الحوافز المالية للتعلم من الأخطاء أكبر بكثير.
تقول الباحثتان: "حتى عندما كانت مكافأة التعلم أكبر بنسبة 900% من مكافأة المشاركة، ظل اللاعبون يتعلمون أقل من الفشل مقارنة بالنجاح." وقد أكدت دراسات أخرى النتيجة ذاتها.
فعلى سبيل المثال، يوضح ما يُعرف بـ تأثير النعامة أن المستثمرين يميلون إلى تجاهل حساباتهم عندما تتراجع قيم الأسهم، بينما يتفقدونها باستمرار عندما تكون السوق في صعود. ووجدت دراسة عام 2012 أن المبتدئين غالبًا ما يتجنبون ملاحظات الأداء السلبية.

فلماذا نتجنب دروس الفشل؟
في بحث حديث نُشر في مجلة Perspectives on Psychological Science، استكشفت إسكريس-وينكلر وفيشبخ هذا السؤال، وحددتا مجموعة من العوائق العاطفية والمعرفية التي تمنعنا من التعلم من إخفاقاتنا، واقترحتا طرقًا عملية للتغلب عليها.

أولًا: تجاوز المشاعر السلبية المرتبطة بالفشل

الفشل يجرح الأنا — ذلك الجزء الذي يمثل احترام الذات والإحساس بالكفاءة. حين نفشل، نشعر بالتهديد، وقد يدفعنا هذا الشعور إلى واحدة من استجابتين: "القتال" أو "الهروب".

في حالة "القتال"، نميل إلى التقليل من أهمية المهمة أو نلقي باللوم على الآخرين أو نرى الموقف برمته غير عادل.
أما في حالة "الهروب"، فننأى بأنفسنا عن المهمة التي هزّت ثقتنا في قدراتنا.

في سلسلة تجارب أجراها هالغير سياستاد وروي بوميستر ومايكل إنت عام 2020، تلقى بعض المشاركين تغذية راجعة إيجابية وأخرى سلبية عن أدائهم في اختبارات معرفية. أظهرت النتائج أن الذين فشلوا توقعوا أن نجاحهم لاحقًا لن يجعلهم سعداء كما كان الحال فعلاً، بل وقللوا من قيمة أهداف التجربة نفسها. وصف الباحثون هذا السلوك بـ تأثير العنب الحامض — أي محاولة التقليل من شأن ما لم ننجح فيه لتخفيف الألم.

فكيف نجعل الفشل أقل تهديدًا لأنا الإنسان؟

راقب إخفاقات الآخرين

تشير الأبحاث إلى أن من المفيد أحيانًا التعلم من فشل الآخرين قبل خوض التجربة بنفسك. ففي إحدى التجارب، تعلّم المشاركون الذين شاهدوا إخفاقات غيرهم في لعبة "مواجهة الفشل" أكثر من الذين تعلموا من أخطائهم الشخصية.
بمعنى آخر، إذا كنت تتعلم التزلج مثلًا، فمشاهدة مقاطع عن الأخطاء الشائعة قبل الصعود إلى المنحدر قد توفر عليك كثيرًا من العثرات.

ابتعد قليلًا عن التجربة

عندما تسيطر المشاعر السلبية على تفكيرك، حاول أن تنظر إلى الموقف من مسافة، كما لو كنت مراقبًا محايدًا. بدل أن تسأل: "لماذا فشلت؟"، اسأل: "لماذا فشل أحمد؟" مثل هذا التباعد الذاتي يساعد على تقليل الانفعال وفهم الموقف بموضوعية أكبر.
تُظهر الأبحاث أن من يتحدثون عن تجاربهم الصعبة من منظور بعيد يفهمون مشاعرهم بعمق أكبر، ويشعرون بضغط نفسي أقل، ويتعاملون مع الأحداث المشابهة مستقبلًا بمرونة أعلى.

يمكنك أيضًا كتابة قصة الفشل بصيغة الغائب أو من منظور ذاتك المستقبلية التي تتأمل التجربة بعد تجاوزها.

شارك قصة فشلك

نخفي إخفاقاتنا عادة بدافع الخجل، لكن تحويل الفشل إلى قصة تعلم يمكن أن يمنحه معنى جديدًا.
في سلسلة دراسات أجرتها الباحثتان مع أنجيلا دكوورث بين عامي 2018 و2019، طُلب من المشاركين إعادة صياغة إخفاقاتهم في العمل أو الدراسة أو الرياضة كقصص ملهمة للآخرين.
النتائج كانت مدهشة: طلاب الثانوية الذين شاركوا إخفاقاتهم مع طلاب الإعدادية حصلوا على درجات أعلى لاحقًا، والطلاب الأصغر سنًا الذين قدموا نصائح لطلاب الابتدائية أصبحوا أكثر التزامًا بالواجبات المدرسية.

الأمر ذاته ينطبق على البالغين — فإذا كنت مديرًا، فمشاركة إخفاقاتك مع فريقك يمكن أن تساعدهم على التعلم، وتفتح أمامك أنت أيضًا بابًا جديدًا للنمو.

عزز ثقتك بنفسك عبر تذكّر نجاحاتك

أظهرت الدراسات أن الخبراء في مجالاتهم يتقبلون الفشل بسهولة أكبر لأن لديهم سجلًا من الإنجازات السابقة. في تجربة أجريت عام 2014، أدى الجمع بين النقد البنّاء والتذكير بقدرات الطالب إلى تحسين الأداء الأكاديمي لاحقًا.
كما يمكن للمعلمين والمديرين إعادة تعريف الفشل ليصبح جزءًا من عملية التعلم نفسها، مما يحفّز المتعلمين على المثابرة بدل الإحباط.

لا تخف من الحزن

وأخيرًا، لا مانع من أن تشعر بالحزن تجاه إخفاقاتك. فالحزن — كما تقول الأبحاث — تطور كآلية للتفكير والتأمل بعد الخسارة.
يساعدنا الحزن على تحسين الذاكرة واتخاذ قرارات أفضل، وقد يزيد الندم من الدافع للتغيير. تشير دراسة عام 2014 إلى أن الأطفال الذين يبدأون في الشعور بالندم يصبحون أكثر قدرة على التعلم من أخطائهم.

ثانيًا: كيف نفكر بعد الفشل

الفشل لا يجرح الأنا فقط، بل يربك التفكير أيضًا.
فبينما يشير النجاح إلى الطريق الصحيح، يتطلب الفشل تحليلًا أعمق لمعرفة ما يجب تجنبه.

في تجربة أجريت عام 2020، عرض الباحثون على المشاركين ثلاث صناديق تحتوي على "نجاح كبير" و"نجاح متوسط" و"فشل صغير"، مع مكافآت مالية حقيقية. صُممت اللعبة بحيث يؤدي اختيار "الفشل" إلى ربح أكبر على المدى الطويل لأنه يوفر معلومات أفضل.
لكن ثلث المشاركين لم يدركوا ذلك. تقول الباحثتان: "حتى عندما يكون الفشل مجرد كشف للمعلومة وليس تجربة شخصية مؤلمة، يجد الناس صعوبة في رؤية قيمته."

ربما لأننا نميل بطبيعتنا إلى ملاحقة النجاح وتجنب الخسارة. لكن لتعلّم الدروس الحقيقية، علينا تدريب عقولنا على الانتباه لما تخبرنا به الإخفاقات.

ركّز على الهدف البعيد

اسأل نفسك دائمًا: هل هذا الفشل يقربني من هدفي؟
وجود هدف طويل الأمد — كأن تصبح طبيبًا أو تتعلم مهارة جديدة — يساعدك على تجاوز الإخفاقات الصغيرة دون أن تفقد الحافز.

مارس اليقظة الذهنية

السبب الآخر الذي يجعل الفشل غنيًا بالمعلومات هو أنه غالبًا ما يفاجئنا. والمفاجأة تنبّه العقل.
لذا، بدل أن تندفع لتجاهل الفشل، توقف وتأمل التجربة بوعي تام. تشير الدراسات إلى أن ممارسة "اليقظة الذهنية" — أي مراقبة أفكارك ومشاعرك دون إصدار حكم — تعزز قدرتك على التعلم من التجارب الصعبة.

دوّن الدروس بوضوح

لأن الفشل يحتاج إلى تحليل أكثر من النجاح، حاول تدوين ما تعلمته فورًا بعد التجربة.
مثلًا: "فشلت في اختبار الرياضيات لأنني لم أدرس بما فيه الكفاية. في المرة القادمة سأدرس أربع ساعات على الأقل."
التدوين بهذه الطريقة يساعد على تحويل الخطأ إلى خطة.

ركّز على مهمة واحدة

لتتعلم من الفشل بعمق، قلّل من عدد المهام التي تقدم فرصًا للإخفاق في الوقت نفسه. ركّز على مهارة واحدة وكررها. فالتكرار يعمّق الفهم — والممارسة لا تصنع الكمال فحسب، بل تصنع الكفاءة أيضًا.

كن رحيمًا بنفسك

يعتقد البعض أن القسوة على الذات بعد الفشل هي طريق التقدم، لكن الأبحاث الحديثة تثبت العكس.
الحديث مع نفسك بلطف، كما يفعل صديق محب، يزيد قدرتك على النمو والتعافي.
ويتضمن التعاطف مع الذات جانبًا مهمًا آخر: الإحساس بالإنسانية المشتركة — إدراك أن الفشل تجربة بشرية عامة لا ينجو منها أحد.
فالسؤال ليس: هل سأفشل؟، بل: متى؟ والسؤال الأهم: ماذا سأتعلم من ذلك؟

وأخيرًا، قد ترغب في التفكير في ما إذا كنت ستحتفظ بتجربتك لنفسك أم تشاركها مع الآخرين. قد يبدو الأمر صعبًا، لكن كما تقول الباحثتان:
"المعرفة التي يولدها الفشل منفعة عامة — فعندما نشاركها، يستفيد الجميع."

المصدر

مقالات ذات صلة