القائمة الرئيسية

كم تساوي كأس ماء؟ كيف يمكن لتمويل الابتكار أن يعزز صمود العالم المائي

كم تساوي كأس ماء؟ كيف يمكن لتمويل الابتكار أن يعزز صمود العالم المائي
ملخص المقال

إن كأس الماء الواحد يحمل قيمة عظيمة غالباً ما نتجاهلها. فهو يمثل الصحة، إذ يمنع الأمراض ويحافظ على الحياة، ويمثل الإنتاجية، لأن الإنسان السليم المَرْوي يعمل بأفضل أداء. كما يمثل النمو الاقتصادي، إذ تعتمد جميع الصناعات – من الزراعة إلى الطاقة – على إمدادات مائية موثوقة.

[post-views]

ملخص: تتناول هذه المقالة كيف يمكن لإعادة تقييم وتمويل المياه أن يصبحا مفتاحاً لصمود العالم أمام أزمات الندرة والتغير المناخي، موضحة أن قيمة المياه تتجاوز كونها مورداً للشرب أو الزراعة لتشمل الصحة والإنتاجية والنمو الاقتصادي. وتبرز المقالة أهمية الابتكار والتمويل المستدام في تحويل أنظمة المياه العالمية، من خلال أدوات مثل "إطار القيمة الاقتصادية الشاملة" و"أداة تقييم أثر المياه"، داعيةً القادة إلى اعتبار الاستثمار في المياه استثماراً في مستقبل البشرية ذاته.

  • تتمتع المياه بقيمة هائلة ومتعددة الأبعاد، لكن هذه القيم غالباً ما تُهمَل في قرارات الاستثمار.
  • إن ضعف الاستثمارات المزمن، وتجزؤ التمويل، ومحدودية مشاركة القطاع الخاص تمنع أنظمة المياه من تحقيق إمكاناتها الاقتصادية والاجتماعية والبيئية الكاملة.
  • لكن اليوم، تظهر أدوات وأطر عمل جديدة تساعد على قياس قيمة المياه، وتوجيه القرارات، وتحديد أولويات الاستثمارات ذات الأثر الأكبر.

إن كأس الماء الواحد يحمل قيمة عظيمة غالباً ما نتجاهلها. فهو يمثل الصحة، إذ يمنع الأمراض ويحافظ على الحياة، ويمثل الإنتاجية، لأن الإنسان السليم المَرْوي يعمل بأفضل أداء. كما يمثل النمو الاقتصادي، إذ تعتمد جميع الصناعات – من الزراعة إلى الطاقة – على إمدادات مائية موثوقة.

ومع تفاقم التقلبات المناخية وازدياد ندرة المياه العذبة، لم يعد إعادة تقييم وتمويل المياه خياراً، بل ضرورة قيادية في كل قطاع.

ستشكل مؤتمر الأمم المتحدة للمياه لعام 2026، الذي تستضيفه جمهورية السنغال والإمارات العربية المتحدة، محطة عالمية مهمة لتسريع العمل الجماعي من أجل نتائج ملموسة.

ومع بقاء خمس سنوات فقط لتحقيق أهداف التنمية المستدامة، سيؤكد المؤتمر على الدور المحوري للابتكار والتمويل في تحويل أنظمة المياه ودعم الهدف السادس: ضمان توافر المياه وإدارتها المستدامة والصرف الصحي للجميع.

“الاعتراف بالقيمة الكاملة للمياه هو الخطوة الأولى لتجاوز حواجز الاستثمار.”

الثروة الخفية في المياه

تتجاوز قيمة المياه أسعارها في الأسواق، إذ تشمل الاستخدامات المباشرة مثل الشرب والري والصناعة، والفوائد غير المباشرة مثل التنقية، والتحكم في الفيضانات، وتخزين الكربون، إلى جانب القيم غير المادية المرتبطة بالإرث الثقافي والأمن المستقبلي.

في عام 2021، قُدِّرت القيمة الإجمالية لاستخدام المياه العذبة – المباشر وغير المباشر – بـ 58 تريليون دولار، أي ما يعادل 60% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي.
وتُظهر الدراسات أن القيم غير المباشرة مثل التنقية وتخفيف الفيضانات وتخزين الكربون تفوق الاستخدامات المباشرة بسبعة أضعاف، ومع ذلك فهي نادراً ما تُدرج في النماذج الاقتصادية.

يتضح ضعف الاستثمار في أنظمة المياه في المدن التي يُفقد فيها نحو 40% من المياه المعالجة بسبب التسرب. تحسين الكفاءة في جميع القطاعات يمكن أن يحقق قيمة اقتصادية واجتماعية ضخمة.

في الزراعة، التي تستهلك حوالي 70% من المياه العذبة عالمياً، يمكن أن تؤدي ممارسات الري والإدارة الحديثة إلى تعزيز سبل العيش وضمان الأمن الغذائي والمائي.

ولا يزال توسيع الوصول العادل للمياه أمراً أساسياً، إذ تقضي النساء والفتيات مجتمعات 200 مليون ساعة يومياً في جمع المياه، وتدفع الأسر في الأحياء العشوائية ما يصل إلى عشرة أضعاف السعر لكل لتر مقارنةً بالأسر التي تمتلك وصلات مياه منزلية.

تقييم المياه وتمويلها معاً

إن إدراك القيمة الحقيقية للمياه يعزز بشكل كبير مبررات الاستثمار المستمر والواسع النطاق. فالتمويل المائي لا يتعلق فقط ببناء البنية التحتية، بل باستثمار في الصمود والمساواة والازدهار طويل الأمد.

ومع ذلك، تبقى نماذج التمويل الحالية مجزأة وغير كافية. ووفقاً لبيانات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية والأمم المتحدة، فإن 3.1% فقط من إجمالي المساعدات الإنمائية الرسمية العالمية، أي نحو 8.5 مليارات دولار عام 2022، وُجّهت إلى إمدادات المياه والصرف الصحي.

كما لا تتجاوز مشاركة القطاع الخاص 2% من إجمالي الاستثمارات في قطاع المياه.

الاعتراف بالقيمة الكاملة للمياه هو الخطوة الأولى لتجاوز حواجز التمويل. فعندما يُدرَك دور المياه الاقتصادي والاجتماعي والبيئي على نحو كامل، يجب أن تتطور أنظمة التمويل لتعكس تلك القيمة المتعددة الأبعاد.

يتطلب ذلك تضمين المبدأ في استراتيجيات الاستثمار عبر تعبئة رأس المال المرن، ودمجه مع صناديق المناخ، ومواءمة الحوافز، وبناء القدرات المؤسسية، وضمان العدالة في الوصول.

ثلاث عدسات لرؤية القيمة الحقيقية للمياه

إذا كان الاعتراف بالقيمة هو الخطوة الأولى، فإن الخطوة التالية هي قياسها وتطبيقها عملياً.

ظهرت مع مرور الوقت مناهج متنوعة تجعل قيمة المياه مرئية في عمليات اتخاذ القرار – أطرٌ تُكمِل المنافع الخفية، وأدوات تُوجّه المفاضلات، ونماذج تعزز الإدارة الجماعية.
كل واحدة منها تقدم زاوية مختلفة، لكنها معاً تحول المبدأ إلى عمل فعلي.

1. إطار "الخير العام العالمي"

يطرح إطار الخير العام العالمي، الصادر عن "اللجنة العالمية لاقتصاد المياه" (GCEW)، رؤية عملية تعتبر المياه موروثاً مشتركاً للبشرية.

فالتعامل مع الدورة الهيدرولوجية كـ«مشترك عالمي» يقرّ بأن تصرفات المجتمعات في المنبع تؤثر على المجتمعات في المصب، بل وعلى النظم المناخية العالمية.

من خلال هذا المنظور، تتحول إدارة المياه من نهج محلي مجزأ إلى مسؤولية جماعية تضمن الأمن المائي والمرونة للجميع.

“تقييم المياه هو أساس الصمود المائي، والاستثمار فيها هو المفتاح لإطلاق تلك القيمة.”

2. التقييم الاقتصادي الشامل (TEV)

يُغطي هذا الإطار الطيف الكامل لقيم المياه: الاستخدام المباشر، والقيم غير المادية، والمنافع الاجتماعية مثل الحماية من الفيضانات، وتخزين الكربون، والأهمية الثقافية.

فعلى سبيل المثال، قدّر تقييم بحيرة بيشهير في تركيا قيمتها بـ 271 مليون ليرة تركية، أي ما يعادل 13% من الناتج المحلي للمنطقة. وأظهر أن المياه المخصصة للاستخدامات البلدية (الشرب والصرف الصحي) تحقق قيمة تفوق تسعة أضعاف قيمة استخدامها في الري، مما يبرز تكلفة التخصيص غير الكفء.

3. إطار "قيمة المياه"

يُساعد إطار قيمة المياه، الذي طورته شركتا BCG وOceanwell، القادة على تجاوز الأرقام المجردة لاتخاذ قرارات مدروسة.
يُميز بين "القيمة الإجمالية" التي تشمل الدور المجتمعي الكامل للمياه، و"القيمة الحدّية" التي تُظهر العائد الإضافي لكل وحدة ماء مستخدمة.

في إسرائيل، على سبيل المثال، تُقدّر القيمة الحدّية للمياه المُحلّاة بنحو 4 دولارات لكل متر مكعب، وهو ما يعكس الخسائر الاقتصادية التي يتم تجنبها عند منع النقص المائي. هذا المنهج يساعد في تحديد أين تحقق كل قطرة أكبر أثر ممكن.

أداة تقييم أثر المياه

في المنتدى الاقتصادي العالمي 2025 في دافوس – سويسرا، أطلقت مجلة The Economist، بدعم من مؤسسة Grundfos، أداة تقييم أثر المياه، وهي أداة كمية تقيس المنافع المجتمعية للاستثمار في المياه الآمنة، وتحول القيم النظرية إلى مؤشرات عملية.

من خلال نمذجة المكاسب الاقتصادية والصحية والإنتاجية، تساعد هذه الأداة الحكومات والمستثمرين وغيرهم على فهم العائد من استثمارات المياه بلغة الأرقام والبيانات.
فهي تربط بين التقييم والتمويل من خلال تمكين:

  • اتخاذ القرارات المبنية على الأدلة في مجالات البنية التحتية والسياسات؛

  • قياس الأثر في البرامج الاستراتيجية للمياه؛

  • تحديد أولويات التدخلات ذات التأثير الأكبر، خصوصاً في المناطق المحرومة.

وبتكميم المنافع الاجتماعية للمياه، تساعد الأداة في توجيه الحوكمة والقرارات الاستثمارية بما يتماشى مع الإدارة المستدامة للمياه.

مبادرات أخرى لتفعيل تقييم المياه

توجد أيضاً مبادرات أخرى تُسهم في تطبيق مفهوم تقييم المياه على أرض الواقع، مثل:

  • مبادرة تقييم المياه (Valuing Water Initiative) التي تقدم خرائط للقيمة وأدوات للتغيير النظامي لدعم القرارات؛

  • مبادرة Ceres لتقييم المخاطر المائية، التي تحدد توقعات الحوكمة للشركات وتحثها على اعتبار المياه عنصراً مالياً مؤثراً؛

  • أداة WWF لتصفية مخاطر المياه (Water Risk Filter) التي تساعد المؤسسات على تقييم وإدارة المخاطر المائية في سلاسل القيمة والتشغيل.

هذه الأدوات تتجاوز الحلول التقنية لتُمكِّن من التعاون والشفافية والمساءلة في إدارة موارد المياه.

نداء إلى القيادة العالمية

مع اقتراب مؤتمر الأمم المتحدة للمياه لعام 2026، يجب أن يكون الابتكار والتمويل في صدارة الجهود العالمية.
على الحكومات والمؤسسات المالية والقطاع الخاص أن يتبنوا فهماً مشتركاً وخططاً طموحة قابلة للتنفيذ.

فالاعتراف بالقيمة الكاملة للمياه يفتح الباب أمام التعاون الحقيقي —
تقييم المياه هو أساس الصمود المائي، والاستثمار فيها هو المفتاح لإطلاق تلك القيمة.

المصدر

مقالات ذات صلة