ملخص: تتناول هذه المقالة كيف يمكن للاستشراف الاستراتيجي أن يحوّل السياسات الحكومية من ردود أفعال آنية إلى أدوات استباقية قادرة على بناء اقتصادات أكثر مرونة وتنافسية. توضح المقالة أن دولاً مثل الإمارات وسنغافورة وفنلندا باتت تستخدم منهجيات استشراف المستقبل لرسم سيناريوهات متعددة، واختبار السياسات قبل تنفيذها، وتعديلها بناءً على نتائج واقعية. كما تبرز أهمية التعاون بين الحكومات والمؤسسات العالمية في بناء منظومات استشرافية مشتركة تضمن استعداد الدول للتغيرات التكنولوجية والاجتماعية المقبلة.
- يمكن استخدام الاستشراف الاستراتيجي للتنبؤ بالاتجاهات والأحداث المستقبلية، مما يساعد على صياغة سياسات حكومية أكثر مرونة، وذكاءً، واعتمادًا على البيانات.
- وقد بدأت دول مثل الإمارات العربية المتحدة، وسنغافورة، وفنلندا بالفعل في دمج هذا النهج في عمليات صنع السياسات لديها.
- تُقدَّم عملية من أربع مراحل للاستشراف الاستراتيجي يمكن أن تجعل السياسات أطرًا حية وقابلة للتكيف يتم اختبارها وتحسينها وتوسيع نطاقها باستمرار.
تُظهر التجارب أن الدول التي تستبق التغيير بدلاً من مجرد التفاعل معه، تمتلك عادة ميزة تنافسية أعلى. فاقتصاداتها الأكثر تنافسية هي تلك التي تُدرج عدة سيناريوهات مستقبلية في خططها الوطنية، لمواجهة التحولات التقنية والاجتماعية المتسارعة.
لهذا السبب، يتجه جيل جديد من صنّاع السياسات حول العالم نحو الاستشراف الاستراتيجي – وهو ممارسة تهدف إلى توقّع الاتجاهات المستقبلية والاضطرابات المحتملة – لتصميم سياسات أكثر مرونة وذكاء واستدامة.
يسمح هذا النهج بتحويل عملية صنع السياسات من كونها رد فعل إلى ممارسة استباقية، مما يمكّن الدول من تحصين اقتصاداتها ضد المستقبل، وتعزيز الابتكار، وبناء مرونة طويلة الأمد.
ومع الأنظمة الذكية، تساعد السياسات القائمة على الاستشراف في توقّع التحديات قبل وقوعها، وتصميم استراتيجيات تجمع بين البيانات والرؤى والخيال لرسم ملامح المستقبل.
وعندما يُنظر إلى الاستشراف الاستراتيجي كأداة حوكمة مستدامة وليس مجرد تمرين مؤقت، يمكنه إعادة تشكيل طريقة تفكير الحكومات وتخطيطها وتنفيذها.
فمن خلال دمج السيناريوهات المستقبلية، ورسم الاتجاهات، وخيارات الاستراتيجية، ومسح الأفق المستقبلي في عملية صنع القرار، يمكن للقادة اختبار الأفكار عبر عدة احتمالات مستقبلية وليس فقط الأكثر ترجيحًا.
يساعد ذلك على جعل الاستراتيجيات الوطنية أكثر قدرة على الصمود أمام الصدمات وأكثر توافقًا مع الطموحات طويلة الأمد مثل الاستدامة والتنافسية والتنمية البشرية.
وعندما يُنفّذ الاستشراف الاستراتيجي بشكل جيد، يصبح بمثابة جسر يربط بين الرؤية والتنفيذ، مما يساعد الاقتصادات على تحديد الأولويات مبكرًا واتخاذ القرارات الصائبة في الوقت المناسب.
كيف نبني مسارًا يربط بين الاستشراف والسياسات
لكي يتم دمج الاستشراف الاستراتيجي في دورة حياة السياسة العامة بالكامل، يجب أن يربط بين جميع مراحلها – من التصميم إلى التقييم – لضمان المرونة والاتساق:
مرحلة التصميم:
يجب أن تعتمد على البيانات والتخطيط القائم على السيناريوهات لتحديد السياق العام مثل الاقتصاد أو التكنولوجيا أو الطاقة والبنية التحتية.مرحلة التشاور:
ينبغي إشراك مجموعة واسعة من أصحاب المصلحة لضمان إدراج وجهات نظر متعددة واكتشاف ما قد لا يكون معروفًا مسبقًا.مرحلة التنفيذ:
تُصمَّم مشروعات تجريبية مرنة لتطبيق السياسات على نطاق صغير – مثل المدن والمناطق الاقتصادية الخاصة – لاختبار جدواها.مرحلة التقييم:
يتم تطوير آليات مراقبة وقياس دقيقة لتقييم نتائج التجارب واستخدامها لتحسين السياسة العامة.
باتباع هذه الخطوات، تصبح السياسات أطرًا حية قابلة للتجربة والتطوير، تُعدَّل وتوسّع بناءً على التغذية الراجعة الفورية من الواقع.
تجربة الإمارات في الاستشراف والذكاء الاستراتيجي
تستخدم الإمارات العربية المتحدة مزيجًا من الذكاء الاستراتيجي والاستشراف لصنع سياسات مبنية على البيانات والتحليل والخبرة المتخصصة لاتخاذ قرارات أسرع وأكثر دقة.
وقد تعاونت الدولة مع المنتدى الاقتصادي العالمي لإنشاء منصة الذكاء الاستراتيجي الوطني ضمن رؤية "نحن الإمارات 2031"، لتحويل الأسئلة الكبرى إلى خيارات واضحة ومحددة.
وأصبحت هذه المنصة جزءًا من حوكمة الدولة اليومية، تتيح للوزارات والمجالس والشركاء رؤية التغيرات العالمية، ومقارنة السيناريوهات، واتخاذ القرارات بثقة.
تُستخدم هذه الرؤى المشتركة لتوحيد الأولويات وتحويل الإشارات المستقبلية إلى خطوات عملية في مجالات مثل الاقتصاد والسياحة والطاقة والبنية التحتية والتكنولوجيا والأمن الغذائي والمائي.
كما دمج مكتب رئاسة الوزراء المنصة في مختلف الوزارات، ودرب الفرق على استخدامها وعلى كيفية توظيف أدوات مثل خرائط التحول في استشراف المستقبل واختبار السياسات.
يساعد هذا النهج صناع القرار على اختبار مسارات متعددة ثم اختيار الأنسب، ما يجعل عملية اتخاذ القرار أكثر وضوحًا وسرعة وأقل مخاطرة.
وبإنشاء أدوات مشتركة وتنفيذها بشكل جماعي، تضمن الإمارات أن الاستراتيجية هي من تحدد جدول الأعمال، وليس الاضطراب.
دروس من تجارب دولية
تُظهر تجارب بلدان أخرى أن الجمع بين الاستشراف الاستراتيجي والتنفيذ المرن يحوّل التوقعات إلى ميزة ملموسة.
في سنغافورة، يدمج مركز استشراف المستقبل الوطني مسح الأفق وبناء السيناريوهات في "سباقات السياسات" لدعم استراتيجيات الذكاء الاصطناعي والمهارات.
وفي فنلندا، يغذي شبكة الاستشراف الوطنية عملية إعداد الميزانية الحكومية بسيناريوهات متعددة بين الوزارات، مما مكّن البلاد من التحول السريع أثناء أزمة ارتفاع أسعار الطاقة.
أما في المملكة المتحدة، فقد طوّرت هيئة الرقابة المالية مفهوم "الصناديق التنظيمية التجريبية" لتحويل التوقعات حول مخاطر التكنولوجيا المالية إلى قواعد مرنة تدعم الابتكار وتحدّ من المخاطر مثل الجرائم الإلكترونية، مما يعزز الإنتاجية والمرونة والتنافسية.
وفي الأردن، أُنشئ المجلس الوطني للتكنولوجيا المستقبلية (NCFT) لتأسيس ممارسات الاستشراف المؤسسي داخل الحكومة، وتشجيع الاستثمار في التقنيات المتقدمة، وجذب المواهب، وتطوير المهارات، وتحديث القوانين لتواكب التكنولوجيا الحديثة.
يمكن للاقتصادات أيضًا التعلم من بعضها البعض عبر شبكات تعاون لتبادل أفضل الممارسات. فمثلاً، يمكن للمجلس الأردني الاستفادة من تجربة الإمارات الشاملة في الاستشراف الحكومي، والعكس صحيح.
الاستشراف التعاوني
ينمو الاستشراف التعاوني بفضل الذكاء الجماعي. فقد تعاونت الإمارات والمنتدى الاقتصادي العالمي من خلال مجالس المستقبل العالمية ومنصة "نحن الإمارات 2031" وغيرها من الشراكات الإقليمية لبناء نماذج سياسات تعكس تنوع الخبرات وتستشرف الاتجاهات الإقليمية والعالمية.
ومن خلال هذا النهج التعاوني، يمكن للاستشراف الاستراتيجي أن يصبح أداة عالمية لتشكيل المستقبل المشترك — مستقبل أكثر ذكاءً، ومرونةً، وتنافسيةً.
