ملخص: يبيّن المقال أن الكوارث، رغم قسوتها، يمكن أن تكون منطلقًا للتحوّل الإيجابي والنمو الشخصي، كما أظهرت دراسة من جامعة ستانفورد قادتها الباحثة عليا كروم. فقد خضع مشاركون لجلسة قصيرة تعيد صياغة نظرتهم إلى الأزمات بوصفها فرصًا للتطور، وبعد ثلاثة أشهر أظهروا انخفاضًا في الاكتئاب ومستويات الالتهاب في الدم مقارنة بغيرهم. كشفت التجربة أن من يتعامل مع الأزمات بعقلية ترى إمكانات النمو — كتعميق العلاقات، وتقدير الحياة، واكتساب المرونة — يتعافى نفسيًا وجسديًا بصورة أفضل. وأكد الباحثون أن الهدف ليس إنكار الألم، بل تبني نظرة واقعية متوازنة تعترف بالمحنة وتبحث عن المعنى فيها. حتى على مستوى البحث العلمي، دفعت الجائحة الفريق إلى ابتكار أساليب جديدة أكثر مرونة لإجراء الدراسات، ما جعل التجربة نفسها مثالًا حيًا على قدرة الأزمات على توليد الأمل والإبداع.
الكوارث بطبيعتها مدمّرة، لكنها ليست بالضرورة نهاية المطاف. في كثير من الأحيان، تكون الشرارة التي تدفعنا نحو تحوّل إيجابي طويل الأمد. وإذا نظرنا إليها من هذا المنظور، يمكن أن نخرج منها أقوى وأكثر وعيًا، كما توضح الدراسة التي قادها باحثون من جامعة ستانفورد.
في هذه التجربة، خضع عدد من البالغين لجلسة مدتها ساعة واحدة تهدف إلى تغيير طريقة نظرتهم إلى الكوارث — من أحداث مدمّرة إلى تجارب تحمل في طياتها فرصًا للنمو. وبعد ثلاثة أشهر، تبيّن أن الذين شاركوا في هذه الجلسة شعروا بقدر أقل من الاكتئاب مقارنة بغيرهم. كما أظهرت تحاليل الدم لديهم انخفاضًا في مستويات بروتين التهابي يُعرف بـ C-reactive protein، وهو مرتبط عادة بالتوتر والأمراض المزمنة.
تقول أستاذة علم النفس بجامعة ستانفورد عليا كروم، المشرفة على الدراسة:
"قد نتمنى جميعًا أن نعيش حياة خالية من الصدمات، لكن الحقيقة أن أحدًا لا ينجو تمامًا منها. أردنا من خلال هذا البحث أن نساعد الناس على النظر إلى تجربتهم مع الجائحة بعين ترى فيها إمكانات النمو، لا مجرد الألم."
كيف يمكن للأزمات أن تصقلنا
أُجريت الدراسة بين أكتوبر 2022 وفبراير 2023 بمشاركة مجموعتين من البالغين. المجموعة الأولى شاهدت مقاطع فيديو تعليمية عن مراحل الجائحة، بينما شاهدت المجموعة الثانية سلسلة من المقاطع التي تشرح قوة "العقلية" — أي الطريقة التي ننظر بها إلى الأحداث وتأثيرها في صحتنا وسعادتنا.
أوضحت هذه المقاطع أن كثيرين ممن مرّوا بتجارب قاسية، مثل جائحة كوفيد-19، خرجوا منها بملامح نمو واضحة:
تقدير أعمق للحياة،
مرونة أكبر في مواجهة الشدائد،
علاقات إنسانية أقوى،
إيمان أو بُعد روحي أعمق،
واستعداد لاستكشاف فرص جديدة لم تكن ممكنة من قبل.
بعد مشاهدة الفيديوهات، طُلب من المشاركين أن يكتبوا تأملاتهم الشخصية حول تأثير الجائحة على حياتهم، وما التغيّرات أو الفرص التي يرونها ممكنة لأنفسهم بعدها.
يقول الباحث المشارك جيسي بارييرا:
"لم نطلب من الناس أن يتجاهلوا الجانب المظلم للجائحة أو يبالغوا في الإيجابية. أردنا مقاربة متوازنة، واقعية، لكن مبنية على أدلة علمية تُظهر أن هناك فعلًا جوانب إيجابية يولّدها العبور من الأزمات."
ومن المثير أن أبحاثًا سابقة للفريق نفسه كشفت أن من اعتبروا الجائحة كارثة كبرى في بداياتها، هم أنفسهم من استطاعوا لاحقًا رؤية بعض الفرص الكامنة فيها — وهو ما ألهم تصميم هذه التجربة الجديدة.
الأمل بعد العاصفة
حتى الباحثون أنفسهم خرجوا بدروس من التجربة. فقد أُجريت الدراسة عن بُعد، إذ شاهد المشاركون الفيديوهات في منازلهم، ثم أرسلوا عينات دم مجففة بالبريد لتحليلها. هذا الأسلوب المبتكر فتح الباب أمام تجارب علمية أكثر مرونة يمكن تطبيقها في أوقات الأزمات أو في أماكن تفتقر إلى البنية البحثية التقليدية.
تقول ليكسي ستروب، إحدى الباحثات المشاركات في الدراسة:
"المنهجية التي طورناها ما كانت لتحدث لولا الجائحة نفسها. لقد دفعتنا إلى إيجاد طرق بحث أكثر سهولة وانتشارًا يمكن أن تُستخدم مستقبلًا في أزمات الصحة العامة."
وترى كروم أن نتائج الدراسة تمنحنا سببًا للأمل بعد سنوات من التحدي العالمي:
"كنا جميعًا نتمنى لو لم تحدث الجائحة، لكنها حدثت. والآن أمامنا خياران: أن نتركها تمضي تاركة فينا الإنهاك وخيبة الأمل، أو أن نتأملها ونتعلم منها لننمو — كأفراد وكجماعات."
