ملخص: يروي المقال تجربة الجراح العام الأمريكي فيفيك مورثي مع الوحدة منذ طفولته، حين كان يشعر بالخوف والعزلة في المدرسة رغم نجاحاته اللاحقة في ييل وهارفارد وتوليه مناصب رفيعة. اكتشف مورثي أن الوحدة ليست مجرد عزلة جسدية، بل شعور بعدم الارتباط والرضا عن العلاقات، وأن آثارها الجسدية والنفسية قد تعادل خطر تدخين 15 سيجارة يوميًا. من خلال أبحاثه وكتابه معًا، دعا إلى اعتبار الوحدة قضية صحة عامة، مؤكدًا أن التواصل الإنساني هو جوهر السعادة والشفاء. يقدّم مورثي تمرينًا بسيطًا لتعزيز الروابط: محادثة صادقة مع صديق حول حدث إيجابي، مع الإصغاء الكامل والاهتمام الحقيقي. فقد أدرك أن الحضور الصادق — لا الكمال ولا الانشغال — هو ما يعيد إلينا الشعور بالانتماء، وأن في أبسط لحظات التفاعل اليومي قوةً علاجية تعيدنا إلى طبيعتنا الاجتماعية الأصيلة.
حين كان مورثي طفلًا، كان يستيقظ كل صباح مثقلًا بشعور عميق من الخوف والضيق. ينهض من سريره، يرتدي ملابسه، يتناول إفطاره، ثم يزداد ذلك الانقباض في صدره كلما اقتربت سيارة والديه من المدرسة.
يقول مورثي في بودكاست علم السعادة الصادر عن مركز "غريتر غود ساينس":
"لم أكن أريد أن أكون وحيدًا في ساحة اللعب، أو حين يطلب المعلم منا أن نكوّن ثنائيات في الفصل، وكنت أرهَب وقت الغداء لأنني لم أكن أعرف إن كان هناك من سأجلس بجانبه. كان ذلك الألم عميقًا، واستمرّ معي لسنوات طويلة."
مع مرور الوقت، التحق مورثي بجامعتي ييل وهارفارد، وأصبح طبيبًا، ثم شغل منصب الجراح العام للولايات المتحدة — وهو أول أمريكي من أصول هندية يتولى هذا المنصب — في إدارات أوباما وترامب وبايدن.
من الخارج، كانت حياته تبدو مثالية ومليئة بالإنجازات، لكنه في داخله ظل يشعر بالوحدة.
يقول مورثي:
"الإحساس بالارتباط الاجتماعي لا يُقاس بما في سيرتك الذاتية، بل بكيف ترى نفسك والعالم من حولك — هل تميل إلى رؤية النور أم تركز على العتمة؟"
يرى مورثي أن بناء علاقات أعمق هو أحد أهم أسس السعادة والرفاه. فالعلاقات الإنسانية هي العمود الفقري للرحمة والامتنان والإحساس بالهدف، وتشير الأبحاث إلى أنها ضرورية لازدهارنا كأفراد ومجتمعات.
كيف تؤذي الوحدة صحتنا
خلال مسيرته المهنية، بدأ مورثي يدرس الوحدة — تجربته الشخصية منها وتأثيرها المجتمعي. اكتشف أنها أصبحت وباءً عالمياً، لا في الولايات المتحدة فقط، بل في دول كثيرة حول العالم.
وتبيّن له من خلال الأبحاث أن الوحدة لا تعني العزلة الجسدية بقدر ما تعبّر عن شعور بعدم الرضا عن علاقاتنا. فعندما نعاني من الوحدة المزمنة، تتآكل ثقتنا بأنفسنا شيئًا فشيئًا، ونبدأ بالاعتقاد أننا غير محبوبين أو ناقصون بطريقة ما، فننكمش على ذواتنا ونشعر بالخزي.
لكن الأمر لا يتوقف عند الجانب النفسي؛ فالوحدة تُرهق الجسد أيضًا. فقد وجدت الأبحاث أن الإحساس بالوحدة ينشّط نفس مناطق الدماغ المسؤولة عن الألم الجسدي، ويضعف جهاز المناعة، ويزيد الالتهابات، ويرفع خطر الإصابة بأمراض القلب والسكتات والسرطان والسكري والخرف والاكتئاب والقلق.
أكثر ما صدم مورثي هو ما أظهرته البيانات حول تأثير الوحدة على العمر:
"مدى تقصيرها لعمر الإنسان يعادل تدخين 15 سيجارة يوميًا."
هذه الأعراض الجسدية — كما يوضح مورثي — هي رسائل من أجسادنا، تنبّهنا إلى افتقادنا لشيء أساسي لبقائنا: الارتباط الإنساني. "في هذا المعنى، الوحدة تشبه الجوع أو العطش."
ورغم أن مكتب الجراح العام لطالما ركّز على قضايا مثل التدخين والسمنة وقلة الحركة، لم يُنظر إلى الوحدة بوصفها قضية صحة عامة إلا بعد جهود مورثي، الذي قرر كسر صمته الطويل بشأن تجربته الشخصية والحديث عنها علنًا.
تمرين بسيط لتعزيز التواصل
في إطار سعيه للتقرب من الآخرين، جرّب مورثي تمرينًا بسيطًا: تواصل مع صديق قديم يعيش في الخارج وطلب منه أن يشاركه شيئًا جيدًا حدث له في يومه. استخدما مكالمة فيديو ليتبادلا الحديث والنظر وجهًا لوجه.
يقول مورثي:
"ما كان مهمًا هو أن نكون حاضرين تمامًا. أن ننظر في أعين بعضنا، نضع هواتفنا جانبًا، ونمنح الطرف الآخر انتباهنا الكامل. أن نصغي بعمق، ونسأل أسئلة تعكس اهتمامنا الحقيقي."
كان مورثي غالبًا ما يبدأ تلك المكالمات وهو متوتر ومنهك بعد يوم طويل في الاجتماعات، يشعر بالذنب تجاه أولاده لصعوبة الموازنة بين العمل والأسرة. لكن ما إن يبدأ الحديث، حتى يشعر بأن الوقت يتباطأ، وبأن الهدوء يعود إلى داخله.
يقول:
"كان الأمر كأن الزمن يتمدد. مجرد التحدث والاستماع بتركيز جعلني أشعر بالسكينة."
لقد أدرك أن في عالمٍ مشغول بالفعل أكثر مما يحتمل، ننسى أحيانًا أن الإصغاء العميق بحد ذاته فعل مؤثر وقادر على الشفاء.
"أحيانًا يكفي أن نكون حاضرين بصدق — فوجودنا بحد ذاته قد يكون علاجًا."
التمرين الذي جربه مورثي يُعرف باسم الاستفادة من الأحداث الإيجابية، وتشير الدراسات إلى أنه يقوّي العلاقات ويُشعر الطرف الآخر بالسعادة.
يمكنك أنت أيضًا تجربته:
اطلب من شخص تعرفه — صديق، قريب، زميل، أو شريك — أن يخبرك عن شيء جيد حدث له اليوم، مهما كان بسيطًا.
ثم أصغِ إليه جيدًا، وكن حاضرًا بكل حواسك:
انظر إليه بعينيك لتظهر اهتمامك الكامل.
عبّر عن مشاعرك الإيجابية — ابتسم، أومئ، أو شاركه فرحته.
علّق بحماس، مثل: "هذا رائع!" أو "لابد أنك فخور بنفسك!"
اسأله أسئلة مفتوحة تدفعه للحديث أكثر عن التجربة.
علّق على آثار الحدث أو فوائده المستقبلية.
معظم الناس يخشون أن تبدو ردودهم مصطنعة في البداية، لكنهم غالبًا ما يجدون أن التجربة طبيعية وممتعة بمجرد أن يبدأوا.
العودة إلى المجتمع
قادته أبحاث مورثي حول الوحدة إلى تأليف كتابه معًا: القوة العلاجية للارتباط الإنساني في عالم أحيانًا ما يكون وحيدًا.
على الصعيد الشخصي، لاحظ أن مزاجه تحسّن بوضوح بفضل مكالماته الأسبوعية مع صديقه. كانت قصيرة، لا تتجاوز 15 دقيقة أحيانًا، لكنها كانت تمنحه طاقة وطمأنينة تستمر لساعات. أصبح أكثر تفاؤلًا وأقل شعورًا بثقل الحياة.
ومع الوقت، بدأ يرى أن لحظات الارتباط يمكن أن تكون في أي مكان: ابتسامة من عامل المقهى، كلمة طيبة من زميل، أو تحية دافئة في المصعد. حين نكون حاضرين تمامًا، يمكن لهذه اللحظات الصغيرة أن تمنحنا شعورًا عميقًا بالانتماء.
يقول مورثي:
"لقد أدركت أننا خُلقنا ككائنات اجتماعية، وأننا في جوهرنا مترابطون. لذا، فإن السعي لبناء مجتمع أكثر تواصلًا ليس محاولة لتغيير طبيعتنا، بل عودة إلى ما نحن عليه أصلًا."
