ملخص: تتناول هذه المقالة التحول العالمي المتسارع نحو الطاقة النووية كركيزة لأمن الطاقة والعمل المناخي والنمو الاقتصادي، موضحةً كيف أن دعم البنك الدولي والابتكار في المفاعلات الصغيرة المعيارية يعيدان رسم مستقبل هذا القطاع. كما تبرز أن تحقيق هدف مضاعفة القدرة النووية العالمية ثلاث مرات بحلول عام 2050 يتطلب مضاعفة الاستثمارات السنوية، وتبني سياسات عادلة، وآليات تمويل مبتكرة تجمع بين القطاعين العام والخاص، مع ضرورة تصحيح المفاهيم الخاطئة حول السلامة والنفايات المشعة لتعزيز القبول المجتمعي لهذه الطاقة النظيفة والواعدة.
- يشير دعم البنك الدولي المتجدد للمشاريع النووية إلى تحوّل عالمي نحو الطاقة النووية كوسيلة لتحقيق أمن الطاقة، والعمل المناخي، والنمو الاقتصادي.
- تظهر المفاعلات الصغيرة المعيارية كحلول مرنة وفعالة من حيث التكلفة، وتتمتع بإمكانات قوية في الاقتصادات المتقدمة والنامية على حد سواء.
- ولتحقيق هدف مضاعفة القدرة النووية العالمية ثلاث مرات بحلول عام 2050، يجب أن يتضاعف الاستثمار السنوي أكثر من مرتين. ويمكن أن تساعد آليات التمويل المدمج، وتقاسم المخاطر، والمساواة في السياسات على تحقيق ذلك.
تحول عالمي نحو الطاقة النووية
يمثل الاتفاق التاريخي بين البنك الدولي والوكالة الدولية للطاقة الذرية (IAEA) في يونيو 2025 بداية حقبة جديدة، إذ أصبحت المؤسسات المالية الآن تدعم الطاقة النووية بشكل رسمي.
وهذا ليس مجرد دعم رمزي، بل يعكس زخماً متزايداً على مستوى العالم لتوسيع استخدام الطاقة النووية كركيزة أساسية لأمن الطاقة، وخفض الانبعاثات، والتنمية الاقتصادية.
مسار النمو العالمي
تُظهر التوقعات السنوية للوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتي رُفعت للأعلى للعام الخامس على التوالي، هذا الاتجاه بوضوح. ففي السيناريو المتفائل، يُتوقع أن تصل القدرة النووية إلى 2.6 ضعف مستوى عام 2024 بحلول عام 2050، بينما يتوقع السيناريو الأدنى زيادة بنسبة 50%.
ومن المنتظر أن تبقى المفاعلات الكبيرة جزءاً مركزياً لعقود مقبلة، لكن المفاعلات الصغيرة المعيارية (SMRs) تبدي إمكانات كبيرة، إذ يُتوقع أن تمثل ما يقارب ربع السعة الجديدة في السيناريو الأعلى، وهو ما يعكس تزايد الاهتمام بها في الدول المتقدمة والنامية على حد سواء.
قرار البنك الدولي بإعادة فتح باب التمويل أمام المشاريع النووية يرسل إشارة قوية للمجتمع الدولي، وهي خطوة تستعد بنوك التنمية المتعددة الأطراف الأخرى لاتّباعها قريباً.
دوافع الطلب
تتزايد الحاجة إلى الكهرباء وإزالة الكربون في القطاعات غير الكهربائية بفعل التزامات المناخ العالمية، ومخاوف أمن الطاقة، والنمو الاقتصادي والديموغرافي.
كما أن النمو السريع لتقنيات الذكاء الاصطناعي يعزز الحاجة إلى إمدادات كهرباء موثوقة ودائمة.
ولتحقيق انتقال عادل وموثوق وميسور التكلفة نحو طاقة نظيفة، يجب الاعتماد على جميع التقنيات منخفضة الكربون القابلة للتوسع، بما في ذلك الطاقة النووية.
وقد عكست مؤتمر الأمم المتحدة للمناخ (COP28) هذا الاعتراف بوضوح عبر إدراج الطاقة النووية في أول "التقييم العالمي الشامل" للمناخ.
مزايا رئيسية للطاقة النووية
تتميز الطاقة النووية بمجموعة فريدة من المزايا تجعلها عنصراً أساسياً في التحول نحو الطاقة النظيفة:
إزالة الكربون: تُظهر بيانات دورة الحياة أن انبعاثات الطاقة النووية أقل من معظم التقنيات منخفضة الكربون الأخرى، بما في ذلك الطاقة الشمسية والرياح. فقد تجنبت الأساطيل النووية العالمية أكثر من 70 مليار طن من ثاني أكسيد الكربون خلال العقود الخمسة الماضية، وما زالت تمنع أكثر من مليار طن سنوياً.
المرونة والاستقرار: لم تعد الطاقة النووية مقتصرة على إنتاج الكهرباء المستمر فقط، بل يمكن للمحطات الحديثة تعديل إنتاجها حسب الطلب، وتتميز المفاعلات الصغيرة بمرونة أكبر، مما يساعد على استقرار الشبكات الكهربائية مع توسع مصادر الطاقة المتجددة.
تطبيقات متنوعة: حوالي 11% من المفاعلات في العالم تُستخدم لتوفير الحرارة الصناعية أو التدفئة المركزية. ويمكن للتصاميم المتقدمة أن توفر حرارة بدرجات أعلى، مما يساعد على إزالة الكربون من القطاعات الصناعية الصعبة.
الأثر الاقتصادي: المشاريع النووية الكبرى تُنشّط الاقتصادات المحلية بخلق وظائف عالية المهارة وتحفيز الاستثمارات الثانوية. ووفقاً لصندوق النقد الدولي، فإن مضاعف الاستثمار النووي يزيد بست مرات عن الوقود الأحفوري، وثلاث مرات عن الطاقة المتجددة على المدى القصير.
صعود المفاعلات الصغيرة المعيارية (SMRs)
تتحول المفاعلات الصغيرة المعيارية (بقدرة تصل إلى 300 ميغاواط كهربائي) من فكرة واعدة إلى واقع، إذ يوجد أكثر من 80 تصميماً قيد التطوير، و68 منها تحرز تقدماً ملموساً.
وتنقسم هذه المفاعلات إلى أنواع برية وبحرية ومبردة بالماء أو بالغاز أو بالنيوترونات السريعة أو مصغّرة، وتشكل التصاميم غير المبردة بالماء نحو ثلثي الإجمالي.
توفر هذه المفاعلات مزايا مهمة مثل السلامة المتأصلة، والمرونة التشغيلية، والكفاءة العالية. وبعض التصاميم يمكنها توفير حرارة صناعية لعمليات إزالة الكربون، بينما تناسب أخرى التطبيقات في المناطق النائية أو غير المتصلة بالشبكة.
بفضل طبيعتها المعيارية، يمكنها تقليل تكاليف الإنشاء الأولية، وتسريع الجداول الزمنية للبناء، وتقليل المخاطر المالية، مما يجعلها جذابة للأسواق الناشئة والدول النامية.
حالياً، توجد أربعة مفاعلات صغيرة عاملة في روسيا والصين واليابان، وأربعة أخرى قيد الإنشاء في الأرجنتين والصين وروسيا، في حين تقترب تصاميم أخرى في كندا والولايات المتحدة وأوروبا من مرحلة النشر التجاري.
ما المطلوب لتوسيع نطاق الطاقة النووية؟
لتسريع نشر الطاقة النووية وتحقيق كامل إمكاناتها، يجب معالجة عدة تحديات رئيسية:
تكافؤ السياسات: تحتاج الطاقة النووية إلى مساواة في الدعم والسياسات مع بقية مصادر الطاقة النظيفة. فالدعم الحكومي القوي – من خلال إدراجها في التصنيفات الخضراء، واستخدام آليات مثل عقود الفروقات والتعريفات التحفيزية، وتمكينها من الوصول إلى الحوافز الضريبية والائتمان التصديري – ضروري لضمان قدرتها التنافسية.
القدرة الاقتصادية: التكاليف الرأسمالية العالية تجعل المشاريع النووية حساسة للتقلبات المالية والتأخيرات. وتحسين الجدوى الاقتصادية يتطلب تبسيط إجراءات الترخيص، وتحسين إدارة المشاريع، وضمان سلاسل إمداد مستقرة، وتطوير القوى العاملة الماهرة.
تحدي التمويل: تتطلب الطاقة النووية استثمارات ضخمة، إذ تبلغ تكلفتها مليارات الدولارات للمشروع الواحد. ورغم أن الاستثمارات السنوية ارتفعت إلى نحو 75 مليار دولار في 2024 (مقابل متوسط 50 مليار بين 2017 و2023)، إلا أنها لا تزال دون المستوى المطلوب لتحقيق السيناريو العالي للوكالة الدولية للطاقة الذرية (125 مليار دولار سنوياً)، أو هدف مضاعفة السعة ثلاث مرات بحلول 2050 (150 مليار دولار سنوياً).
تحقيق هذه الأهداف الطموحة يتطلب تناغماً قوياً بين التمويلين العام والخاص. ويُعتبر دعم البنك الدولي مؤشراً واضحاً لهذا التوجه الذي بدأت مؤسسات مالية أخرى بالتحضير لاتباعه، لا سيما في الأسواق الناشئة التي تواجه أصعب تحديات التمويل.
تصحيح المفاهيم الخاطئة
رغم تزايد الاعتراف العالمي بالطاقة النووية كجزء لا غنى عنه من حلول أزمة المناخ والطاقة، ما زالت الشكوك العامة قائمة، خصوصاً حول السلامة والنفايات المشعة.
ولمواجهة هذه المخاوف، من الضروري اتباع نهج منهجي قائم على البيانات في التواصل مع جميع الأطراف المعنية، من صناع السياسات إلى المجتمعات المحلية.
منذ مؤتمر COP28، تسارعت وتيرة الزخم الداعم للطاقة النووية، وتعزز هذا التوجه بالاتفاق التاريخي بين الوكالة الدولية للطاقة الذرية والبنك الدولي في يونيو 2025.
يتم الآن بناء منظومة عالمية لتحفيز إمكانات الطاقة النووية بالكامل – لكن هذا ليس وقت التراخي.
على المجتمع الدولي أن يواصل تعبئة كل الأدوات والإجراءات الممكنة لدعم هذا الهدف. وتلعب مبادرات الوكالة الدولية للطاقة الذرية مثل مبادرة التوحيد والمعايير النووية، ومنصة المفاعلات الصغيرة المعيارية، ومبادرة الذرات من أجل الحياد الكربوني (Atoms4NetZero) أدواراً مهمة في هذا المسار.
ومع ذلك، تبقى الحاجة ملحّة لمزيد من العمل السريع والمنسق لضمان مستقبل طاقة آمن، نظيف، ومستدام.
