القائمة الرئيسية

هل يمكن للمعلمين التركيز على التواصل بدلًا من الدرجات؟

هل يمكن للمعلمين التركيز على التواصل بدلًا من الدرجات؟
ملخص المقال

قررتُ مؤخرًا أن أجري تغييرًا بسيطًا في طريقة تعقيبي على واجبات الطلاب

[post-views]

ملخص: يروي المقال تجربة معلمة جامعية قررت إجراء تغيير بسيط في طريقة تعقيباتها على واجبات الطلاب، فتحوّل إلى تجربة مؤثرة غيّرت علاقة طلابها بالتعلّم وثقتهم بأنفسهم، بل وأعاد إليها الإحساس بالمعنى في عملها. بدلًا من التركيز على التقييم والدرجات، اختارت أن تجعل التواصل الإنساني محور عملها، فطلبت من الطلاب كتابة تأملات شخصية قصيرة، وردّت عليها بتعليقات صادقة تُشعرهم بأنهم مرئيون ومقدَّرون. ومع الوقت، ازدادت ثقة الطلاب وتفاعلهم ووضوح أهدافهم، وأصبحوا أكثر استعدادًا للحياة المهنية. تؤكد الكاتبة أن التعاطف والانتماء ليسا رفاهية في التعليم، بل أساس للتعلّم العميق، وأن التفاصيل الصغيرة يمكن أن تخلق فرقًا هائلًا في تجربة الطالب والمعلم معًا.

قررتُ مؤخرًا أن أجري تغييرًا بسيطًا في طريقة تعقيبي على واجبات الطلاب — لا أكثر من ذلك. لكن ما حدث بعدها كان مدهشًا. فقد لاحظتُ تحوّلًا حقيقيًا في ثقة طلابي بأنفسهم، وفي تفاعلهم مع المادة، بل وحتى في إحساسي أنا بدوري كمعلمة.

في التعليم الجامعي، يشعر كثير من الطلاب بالوحدة. يظنون أنهم وحدهم من يعيش الخوف من الفشل، أو من خذلان أسرهم، أو من عدم الكفاءة. والحقيقة أن أغلبهم يعاني المشاعر ذاتها، لكن أحدًا لا يجرؤ على البوح بها.

كمعلمين، نحاول أن نوازن بين ما ندرّسه وبين ما يحمله طلابنا من قلق وضغوط ومشاعر متراكمة. وغالبًا ما نقوم بذلك دون تدريب في علم النفس أو الإرشاد. لهذا، من السهل أن نشعر بأننا عاجزون أو مثقلون بما يفوق طاقتنا.

في العام الماضي، قررت أن أجرّب شيئًا مختلفًا: أن أجعل التواصل الإنساني جوهر عملي، بدلًا من التركيز على التقييم والدرجات. كان التغيير بسيطًا في الشكل — لكنه أحدث فرقًا هائلًا في الجوهر. بدأ طلابي الفصل الدراسي وهم مترددون ومتوترون، وأنهوه بثقة ووضوح وتقدير للذات. أما أنا، فوجدت نفسي أستعيد الإحساس بالمعنى والقدرة على التأثير.

ومن خلال هذه التجربة، تعلمت أمرًا أساسيًا:
حتى في التعليم الجامعي، ومع كثافة الصفوف وضيق الوقت، يمكننا أن نخلق صلة حقيقية مع طلابنا.

التواصل أولًا

الانتماء ليس رفاهية عاطفية، بل هو أحد الاحتياجات النفسية الأساسية لدى الإنسان. وكلما تعمّقت في القراءة، ازددت قناعة بأن إعطاء الأولوية للعلاقات الإنسانية لا يقلل من جودة التعليم، بل يعزّزه ويعمّقه.

العلاقات القائمة على الأمان والاحترام والثقة — ما يُعرف في علم النفس بـ “التعلق الآمن” — تساعد الأفراد على تنمية الثقة بالنفس، والمرونة، والتعاطف، والإحساس بال agency أي القدرة على الفعل. ورغم أن نظرية التعلق طُوّرت أساسًا لفهم علاقة الطفل بوالديه، إلا أن مبادئها تنطبق على التعليم أيضًا.
فالمعلم الفعّال هو من:

  • يفهم الحالة العاطفية لطلابه واحتياجاتهم،

  • يفسّر سلوكهم بفضول وتعاطف لا بأحكام مسبقة،

  • يعبّر عن تفهّمه قبل أن يصحّح،

  • ويبحث معهم عن الحلول بدلًا من فرضها عليهم.

قد يبدو التركيز على التواصل مجهودًا إضافيًا في البداية، لكنه يفتح الطريق لتعلّم أعمق. فالعقل المنهمك بالقلق لا يتعلم، أما حين يُقابل بالطمأنينة والتفهّم، يصبح مستعدًا للفهم والتفاعل.

التعاطف أيضًا يُبدّد الإحساس بالعزلة والعجز، وهما شعوران يلازمان كثيرًا من الطلاب الذين يعيشون تحت ضغط التوقعات الاجتماعية والعائلية.

لكن السؤال الذي حيّرني كان: كيف يمكن أن أبني علاقات حقيقية وآمنة مع طلابي وأنا ألتقيهم فقط لساعتين في الأسبوع؟

من التقييم إلى التأمل

الواقع أن الوقت المحدود في التعليم الجامعي يجعل بناء العلاقات تحديًا حقيقيًا. فأنا أدرّس مادة تطوير مهني لستين طالبًا من قسم الأحياء، وأشرف على مئات آخرين. مجرد فكرة التواصل الفردي مع كل طالب بدت مستحيلة.

لكنني تذكرت مقولة الطبيب النفسي فيكتور فرانكل:

“بين الحافز والاستجابة توجد مساحة. في تلك المساحة تكمن حريتنا في اختيار ردّنا، وفي ردّنا يكمن نمونا وحريتنا.”

بدأت أدرك أن تلك “المساحة” موجودة حتى في الصف المزدحم، وحتى في تصحيح الواجبات. يمكنني أن أختار أن أجعل من كل ملاحظة فرصة للتواصل، لا للحكم.

في السابق، كنت أتعامل مع الواجبات كمحطات تقييمية. أما الآن، فقد قررت أن أتعامل معها كمحادثات مفتوحة. قلّلت عدد المتطلبات حتى يجد الطلاب وقتًا للتأمل، وطلبت منهم كتابة انعكاسات قصيرة بعد كل موضوع دراسي — عن أنفسهم، وليس فقط عن المادة.

بعد درس عن “التعبير عن نقاط القوة الشخصية”، مثلًا، كان السؤال بسيطًا:

“ما الذي تغيّر في فهمك لنقاط قوتك أو مسارك المهني بعد هذا الدرس؟”

كنت أطلب منهم أن يكتبوا ما فاجأهم، أو ما لا يريدون أن ينسوه، أو فكرة ألهمتهم، أو تصورًا جديدًا عن المستقبل.
وكانوا يكتبون بصدق. يفتحون نوافذ على دواخلهم، يتحدثون عن أحلامهم، عن مخاوفهم، عن أنفسهم.

حينها، شعرت بمسؤولية مقابلة هذا الصدق بصدق مماثل. فصرت أكتب لهم ردودًا قصيرة لكنها شخصية جدًا — تعليقات تقول ضمنًا:
أنا أراك. أنا أقدّرك. ولست وحدك.

أحيانًا أطرح سؤالًا يزيد عمق تفكيرهم، وأحيانًا أشاركهم تجربة من حياتي، وأحيانًا أكتفي بتشجيع بسيط.
كانت الجمل قصيرة، لكنها صنعت أثرًا حقيقيًا.

ماذا يحدث حين نتخلّى عن التقييم؟

في البداية، كنت خائفة من أن يؤدي هذا الأسلوب إلى فوضى أو إلى تراجع الأداء. لكن ما حدث كان العكس تمامًا.
فقد أصبح الطلاب أكثر تفاعلًا، وأكثر وعيًا بأنفسهم، وأكثر قدرة على التعبير عن قيمهم وأهدافهم.

قالت إحدى الطالبات في نهاية الفصل:

“أحب واجبات التأمل لأنها جعلتني أرى كيف كانت ثقتي بنفسي تكبر مع كل مرة.”

بدأت أحاديث جديدة تنشأ بيني وبين الطلاب، لم تكن لتحدث في السابق. إحدى الطالبات الهادئات اقتربت مني لتقول إنها تقرأ تعليقاتي بامتنان رغم أنها لا ترد عليها. وطالب آخر راسلني بعد انتهاء الفصل بأشهر ليخبرني أن هذه التجربة ساعدته في الحصول على وظيفة مهمة لمسيرته الطبية، وأن الكتابة التأملية ساعدته على توضيح أهدافه.

كتب لي يقول:

“أقدّر كثيرًا الوقت الذي كنتِ تقضينه في الرد على تأملاتنا الأسبوعية. أخذتُ كل نصيحة بجدية، وحاولت تطبيقها. أشعر أن طريقة تصميم المقرر منحتني أساسًا قويًا للنجاح.”

قوة التفاصيل الصغيرة

في نهاية الفصل، قال أكثر من 96% من الطلاب إنهم أصبحوا أكثر ثقة واستعدادًا، وأظهرت الاستطلاعات تحسنهم في جميع مهارات الجاهزية المهنية.

لكن أكثر ما لمسني لم يكن الأرقام، بل الرسائل الصغيرة التي وصلتني.
كتب أحد الطلاب:

“شكرًا لتعليقاتك الدائمة على واجباتي. إنها تمنحني شعورًا بأن صوتي وتجربتي لهما قيمة.”

وكتبت طالبة أخرى:

“كريستينا، جعلتِني أشعر بالدعم والثقة في نفسي أكثر من أي وقت مضى. أنا ممتنة جدًا لهذه التجربة.”

إن تعليقًا بسيطًا، حين يُكتب بصدق، يمكن أن يفتح بابًا واسعًا من الأمل. فحين نختار أن نُقدّم ملاحظاتنا بدافع التواصل لا التقييم، فإننا لا نمنح الطلاب فقط شعورًا بالانتماء، بل نمنح أنفسنا أيضًا إحساسًا جديدًا بالمعنى.

في النهاية، لدى المعلمين قدرة على التأثير أكبر مما يظنون — وتذكّر ذلك بحد ذاته يمنحنا القوة.

المصدر

مقالات ذات صلة