ملخص: يُظهر المقال أن السعادة ليست مفهومًا عالميًا واحدًا، بل تختلف باختلاف القيم والثقافات حول العالم. فبينما تعتمد معظم الدراسات النفسية على عينات من مجتمعات “WEIRD” الغربية، تكشف دراسة جديدة استندت إلى المسح العالمي للقيم أن ما يمنح الناس الرضا عن حياتهم يتباين بين خمس مناطق رئيسية. إذ ترتبط قيم العائلة والصداقة والعمل من أجل الخير العام بالسعادة في كل الثقافات، بينما تختلف آثار القيم السياسية والدينية والمادية من مكان لآخر: فالمتدينون أكثر سعادة في الغرب وأمريكا اللاتينية وأقل في الدول الشيوعية، والماديون أسعد في أوروبا الشرقية وأقل في الغرب. وتخلص الدراسة إلى أن السعادة تنبع من التوافق بين قيم الفرد وقيم مجتمعه، لا من القيم نفسها، مما يفسّر لماذا تكون بعض الشعوب أكثر أو أقل سعادة من غيرها رغم تقارب مستويات المعيشة.
تختلف الثقافات في ما تقدّره وتعتبره مهمًا، وهذا الاختلاف قد يفسّر كثيرًا من الفروق في مستوى السعادة بين الناس حول العالم.
عندما تُنشر دراسة جديدة في علم النفس — مثل تلك التي تقول إن الامتنان يجعلك أكثر سعادة، أو أن التأمل يحسّن المزاج — غالبًا ما تُقدَّم النتائج وكأنها تنطبق على البشرية جمعاء. لكن في السنوات الأخيرة، بدأ الباحثون يشيرون إلى مشكلة جوهرية: معظم الدراسات النفسية تجرى على أشخاص يُصنَّفون بأنهم “WEIRD”، أي من الدول الغربية، المتعلّمة، الصناعية، الغنية، والديمقراطية.
لماذا يشكّل ذلك مشكلة؟ لأن النتائج التي تُستمد من هذه العينة قد تعكس قيم وتجارب فئة محددة من البشر، وقد لا تكون صالحة أو ذات معنى للأشخاص في ثقافات أو طبقات اجتماعية أخرى.
دراسة جديدة تكشف الاختلافات
في دراسة حديثة، قارن الباحثون بين آراء أشخاص من خمس مناطق حول العالم لمعرفة ما إذا كانت العوامل التي تؤثر على سعادتهم تختلف من مكان لآخر. وجدت الدراسة فروقات لافتة، تؤكد أن ما نعرفه عن الرفاه والسعادة ليس عالميًا كما نتصور.
يقول بروس هيدي وزملاؤه من معهد الأبحاث الألماني DIW Berlin:
"الافتراض الضمني في الأبحاث السابقة بأن نهجًا واحدًا يناسب الجميع هو على الأرجح افتراض خاطئ."
القيم والسعادة
استندت الدراسة إلى بيانات المسح العالمي للقيم (World Values Survey)، الذي شمل مئات الآلاف من المشاركين بين عامي 1999 و2014. وركّز الباحثون على خمس مناطق رئيسية:
الدول الغربية (مثل الولايات المتحدة، بريطانيا، أستراليا، وإسبانيا)
أمريكا اللاتينية
الدول الآسيوية الكونفوشيوسية (هونغ كونغ، اليابان، كوريا الجنوبية، سنغافورة، وتايوان)
الدول الشيوعية السابقة (روسيا وأوروبا الشرقية)
الدول الشيوعية الحالية (الصين وفيتنام)
طُلب من المشاركين تحديد القيم والأولويات الأكثر أهمية في حياتهم، مثل:
القيم الأسرية التقليدية: أهمية العائلة ومساعدة الجيران والعناية بالآخرين.
قيم الصداقة والترفيه: تقدير العلاقات الاجتماعية وأوقات الفراغ.
القيم المادية: السعي للغنى والنجاح والاعتراف بالإنجازات.
القيم السياسية: الاهتمام بالشأن العام والمشاركة السياسية.
القيم الاجتماعية (الخيرية): المساهمة في خدمة المجتمع وحماية البيئة.
القيم الدينية: أهمية الإيمان والدين في الحياة.
بعد ذلك، قارن الباحثون بين أهمية هذه القيم لدى الأفراد وبين مستوى رضاهم عن حياتهم.
نتائج مثيرة
أظهرت النتائج أن بعض القيم ترتبط بالسعادة في كل مكان تقريبًا، بينما يختلف تأثير بعضها الآخر باختلاف الثقافة.
في جميع المناطق الخمس، كان الأشخاص الذين يولون أهمية كبيرة للعائلة، والصداقة، وأوقات الترفيه، والعمل من أجل الخير العام أكثر رضا عن حياتهم. أما القيم المادية، والسياسية، والدينية، فارتبطت بالسعادة بشكل متباين من مكان إلى آخر.
القيم السياسية:
في الدول الشيوعية، كان الأشخاص الأكثر اهتمامًا بالسياسة أكثر رضا عن حياتهم — ربما لأن “المواطن الجيد” يُتوقع منه المشاركة في الحياة السياسية ضمن الحدود المسموح بها من الدولة، كما يوضح هيدي. وكان هذا الاتجاه موجودًا بدرجة أقل في الغرب أيضًا.
أما في الدول الشيوعية السابقة مثل روسيا ودول أوروبا الشرقية، فقد كانت النتيجة معكوسة: المهتمون بالسياسة أقل سعادة. وربما يعود ذلك إلى خيبة الأمل من السياسة بعد انهيار الأنظمة الشيوعية.القيم الدينية:
في الغرب، وأمريكا اللاتينية، والدول الآسيوية الكونفوشيوسية، ارتبط الإيمان الديني بمستوى أعلى من الرضا.
لكن في الدول الشيوعية والحكومات السابقة على الشيوعية، كان المتدينون أقل سعادة — على الأرجح لأن الأنظمة في تلك المناطق كانت ولا تزال معادية للدين، مما خلق صدامًا بين القيم الشخصية والبيئة الاجتماعية.القيم المادية:
رغم أن النزعة المادية لطالما وُصفت بأنها تقلل من السعادة، إلا أنها ارتبطت بزيادة الرضا في أوروبا الشرقية، ربما لأن السعي للغنى هناك يُنظر إليه كرمز للتقدم بعد عقود من الحرمان الاقتصادي.
في المقابل، كان الأشخاص الماديون في الغرب والدول الآسيوية الغنية أقل سعادة، بينما لم يكن للمادية تأثير يُذكر في أمريكا اللاتينية أو الدول الشيوعية.
السعادة والتوافق مع المجتمع
ما الذي يفسّر هذه الاختلافات؟
يرى الباحثون أن الناس يكونون أكثر سعادة عندما تتماشى قيمهم الشخصية مع القيم السائدة في مجتمعهم ونظامهم السياسي. أي أن القيمة بحد ذاتها قد لا تكون مصدر السعادة، بل شعور الفرد بالانتماء والانسجام مع محيطه هو ما يمنحه الرضا.
وتساعد هذه الفكرة أيضًا في تفسير بعض المفارقات في أبحاث السعادة: لماذا شعوب أمريكا اللاتينية أكثر سعادة مما يتوقعه مستوى دخلها، بينما شعوب أوروبا الشرقية أقل سعادة من المتوقع؟
يبدو أن السبب يكمن في طبيعة القيم السائدة؛ فبينما يولي سكان أمريكا اللاتينية أهمية كبيرة للعائلة والدين، تميل مجتمعات أوروبا الشرقية إلى اللامبالاة تجاه معظم القيم، مما يخلق فراغًا معنويًا يصعب أن تُبنى عليه سعادة حقيقية.
ورغم أن الدراسة كانت شاملة، إلا أنها لم تتضمن مناطق مثل إفريقيا جنوب الصحراء أو البلدان الإسلامية في الشرق الأوسط وآسيا، ما يجعل الصورة غير مكتملة بعد.
لكنها مع ذلك تطرح فكرة جوهرية:
طريق السعادة ليس واحدًا للجميع — فالقيم التي تمنحك الرضا في حياتك قد تختلف تمامًا عمّا يجعل غيرك سعيدًا، تبعًا للثقافة والمجتمع الذي تنتمي إليه.
