ملخص: يسلط المقال الضوء على فكرة أن جعل العمل محور حياتنا بالكامل قد يؤدي إلى استنزاف هويتنا ووقتنا، ويجعلنا نشعر بالذنب أو بفقدان القيمة عند التوقف عن العمل. تستعرض سيمون ستولزوف في كتابها الوظيفة الكافية أهمية إيجاد معنى وهوية خارج نطاق العمل، من خلال الاهتمام بالهوايات، والعلاقات الأسرية والاجتماعية، والمجتمع المحلي، والأنشطة الشخصية. ويؤكد المقال أن تنويع الهوية يعزز المرونة النفسية، والإبداع، والرضا عن الحياة، كما يقلل من تأثير الإخفاقات المهنية على شعور الفرد بالذات. لتحقيق ذلك، توصي ستولزوف بتخصيص وقت للأنشطة غير العملية، الاستثمار في العلاقات والمهارات خارج العمل، ورسم حدود واضحة مع العمل، مع الإشارة إلى أن الدعم الثقافي والهيكلي من المؤسسات والحكومات يسهم أيضًا في تمكين الأفراد من حياة أكثر توازنًا ووعيًا.
إيجاد معنى وارتباط وهوية في العمل يمكن أن يكون تجربة مُرضية جدًا. لكننا، وخصوصًا نحن الأمريكيون، أخذنا هذا إلى حد مبالغ فيه. أصبح العمل جزءًا مستهلكًا لحياتنا لدرجة أننا ندفع أنفسنا دائمًا للعمل أكثر، ونشعر بالذنب إذا لم نفعل ما يكفي، ونتحمل ظروف العمل الصعبة باسم "الشغف" أو "الرسالة". وإذا فقدنا وظائفنا، قد نشعر أننا فقدنا جزءًا كبيرًا من قيمتنا وهدفنا في الحياة.
لكن هل يمكن أن نعيش علاقة مختلفة مع العمل؟ هذا ما تتناوله الصحفية سيمون ستولزوف في كتابها الجديد الوظيفة الكافية (The Good Enough Job). يسرد الكتاب قصص أشخاص اتخذوا خطوات واعية لإيجاد معنى وهُوية خارج حياتهم المهنية.
تقول ستولزوف:
"غالبًا ما نعامل العمل على أنه المحور الرئيسي لحياتنا، وندفع كل شيء آخر إلى الهوامش. السؤال الذي يطرحه الكتاب هو: كيف يمكن أن نمارس عملاً ذا معنى دون أن يستهلك العمل هويتنا بالكامل؟"
في هذا الحوار، تتحدث ستولزوف عن سبب أهمية إعادة التفكير في ثقافة العمل الحالية، والعقبات التي تعترض ذلك، وبعض الخطوات الصغيرة التي يمكن أن تساعدك في بناء حياة أكثر توازنًا ومعنى.
تنمية المعنى والهوية خارج العمل
كيرا نيومان: أين يمكننا العثور على معنى وهوية خارج نطاق العمل؟
سيمون ستولزوف: الأمر يختلف من شخص لآخر. يمكنك أن تبدأ بعلاقتك بنفسك واهتماماتك الشخصية. هناك علاقتك بالعائلة والأصدقاء، الأشخاص الذين تحبهم وتشعر بالقرب منهم. كما يمكن الاستثمار في مجتمعك المحلي أو هوياتك الأخرى كمواطن أو ساكن في مدينتك.
نحن أكثر من مجرد موظفين؛ نحن أصدقاء وإخوة وآباء وجيران وفنانون ومسافرون وغير ذلك. كل هذه الهويات تحتاج إلى وقتنا واهتمامنا، تمامًا مثل النباتات؛ فهي تنمو بحسب العناية التي نقدمها لها، وإذا أهملناها فقد تذبل.
فوائد تنويع الهوية
كيرا نيومان: وما الفوائد من ذلك؟
سيمون ستولزوف: هناك فوائد عدة، وبعضها مثبت بالأبحاث. على سبيل المثال، الأشخاص الذين يطورون جوانب متعددة من هويتهم يكونون أكثر مرونة في مواجهة التغيرات. من المنطقي أن أي إخفاق أو انتقاد في العمل لا يسيطر على حياتك بالكامل إذا كنت تمتلك هوية متنوعة. كما أن الأشخاص الذين لديهم اهتمامات وهوايات خارج العمل غالبًا ما يكونون أكثر إبداعًا وابتكارًا.
وبجانب الفوائد العملية، هناك أيضًا فائدة أخلاقية: عندما نستثمر وقتًا وطاقتنا في حياتنا خارج العمل، نصبح نسخة أكمل وأكثر توازنًا من أنفسنا.
ما الذي يعيقنا عن ذلك؟
كيرا نيومان: وما الذي يعيقنا عن الاستثمار في هوياتنا الأخرى؟
سيمون ستولزوف: هناك عوامل ثقافية وهيكلية. في الولايات المتحدة، أحد أسباب ربط حياتنا بالعمل هو أن فقدان الوظيفة له عواقب كبيرة، مثل فقدان التأمين الصحي أو، بالنسبة للمهاجرين، فقدان القدرة على البقاء في البلد.
لكن هناك أيضًا أسباب شخصية. عندما تركت العمل في الشركات وبدأت عملي الخاص، اكتشفت أنني كنت أنا نفسي من يدفعني للعمل بلا توقف، معتقدة أن التقدم في الحياة مرتبط فقط بالإنجازات المهنية. ومع طبيعة الاقتصاد الحالي والعمل المعرفي، يمكن للعمل أن يملأ كل وقتنا وفراغنا، مما يجعلنا ندور في حلقة مفرغة من العمل المستمر وعدم معرفة كيف نقضي أوقاتنا خارج العمل.
لماذا التركيز على العمل أقوى في أمريكا؟
كيرا نيومان: لماذا ثقافة التركيز على العمل قوية جدًا في الولايات المتحدة مقارنة بأوروبا؟
سيمون ستولزوف: نحن نضع قيمة هائلة على العمل. نتعامل مع الرؤساء التنفيذيين كالمشاهير، ونرى شعارات مثل "افعل ما تحب" في كل مكان، وهناك محتوى ضخم عن تحويل الهوايات إلى مصدر دخل. الإنتاجية هنا ليست مجرد مقياس، بل قيمة أخلاقية.
نتيجة لذلك، تراجعت مصادر المعنى الأخرى مثل المجتمع والدين والمجموعات المحلية، وحل العمل محلها في حياة الكثيرين.
خطوات عملية للتغيير
كيرا نيومان: ماذا تنصحين الأشخاص الذين يريدون تغيير حياتهم؟
سيمون ستولزوف: على المستوى الفردي، من المهم تخصيص وقت لا يكون فيه العمل خيارًا. سواء كان ذلك بالجري، أو حضور صف يوغا، أو لقاء صديق، فأنت في هذه اللحظات حاضر بالكامل.
الخطوة الأولى: تخصيص مساحة للقيام بأنشطة أخرى غير العمل.
الخطوة الثانية: اختيار كيف تملأ هذه المساحة. قد يكون الانضمام إلى مجموعة محلية، أو تعلم مهارة جديدة، أو الالتقاء بأشخاص لا يهتمون بما تفعله لكسب المال. هويتنا تتشكل من حولنا، لذا من المهم الاستثمار في هذه العلاقات.
"هوياتنا تشبه النباتات؛ فهي تنمو بما نخصصه لها من وقت واهتمام. وإذا أهملناها، قد تذبل." — سيمون ستولزوف
لكن المسؤولية ليست على الأفراد وحدهم، فهناك حدود هيكلية يمكن للحكومات والشركات فرضها، مثل سياسات الإجازات أو فصل الاحتياجات الأساسية عن الوظيفة. على سبيل المثال، اليابان تمنح الآباء الجدد سنة كاملة مدفوعة الأجر، لكن نسبة ضئيلة منهم استفادت من هذا الحق، مما يدل على أهمية الإرادة الثقافية إلى جانب القدرة العملية.
حتى المحادثات اليومية تؤثر. بدلاً من السؤال التقليدي "ماذا تعمل؟"، يمكننا أن نسأل "ماذا تحب أن تفعل؟"، مما يتيح للناس تعريف أنفسهم على أسسهم الخاصة وليس فقط من خلال العمل.
ماذا عن من هم محدودو الوقت والموارد؟
كيرا نيومان: ماذا عن الأشخاص الذين لديهم التزامات كبيرة خارج العمل؟
سيمون ستولزوف: هذا تحدٍ حقيقي، وقد كتبته مع وضع العاملين في الوظائف المعرفية في الاعتبار، لأنهم يمتلكون وقتًا وموارد أكبر للاستثمار في حياتهم. لكن حتى للأشخاص ذوي الدخل المحدود، يمكن التفكير في تحسين ظروف العمل وجعلها أقل استهلاكًا، رغم القيود الاقتصادية.
ما الذي تعلمته من كتابة الكتاب؟
سيمون ستولزوف: تعلمت الكثير عن الطريقة التي كنت أقيّم بها نفسي من خلال إنتاجيتي وأدائي. أصبحت أفضل في رسم الحدود، واستثمار وقتي في جوانب أخرى من حياتي، وفهم قيمتي خارج نطاق العمل، وهذا لم يحسن عملي فقط، بل حياتي كلها.
لماذا هذا الكتاب مهم الآن؟
سيمون ستولزوف: بعد الجائحة، اضطر الجميع لإعادة التفكير في علاقتهم بالعمل. الناس الآن مستعدون لنص جديد، طريقة جديدة لفهم دور العمل في حياتهم. الكتاب جزء من موجة تصحيحية تشجع على إعطاء الأولوية لهويات متعددة بعيدًا عن العمل، وتحقيق توازن أكبر في الحياة.
أهم ما يمكن استخلاصه: تنويع هويتك واستثمار وقتك وطاقتك في مجالات حياتك المختلفة، بعيدًا عن مجرد حياتك المهنية.
