ملخص: يسلّط المقال الضوء على أن التقاعد ليس دائمًا مرحلة سهلة أو مريحة كما يُتصور، إذ يمكن أن يؤثر بشكل متباين على الصحة النفسية والجسدية حسب عوامل متعددة مثل نوع الوظيفة السابقة، والوضع الاجتماعي والاقتصادي، ومستوى النشاط البدني، والدعم الاجتماعي والثقافي المتاح. فبينما يجد بعض المتقاعدين الراحة والتحسن النفسي عند ترك وظائف مرهقة، يعاني آخرون من فقدان الروتين، والهوية، والتفاعل الاجتماعي، وزيادة السلوكيات الجلوسية، ما قد يفاقم الاكتئاب ويقلل الرضا عن الحياة. وتشير الدراسة إلى أهمية التحضير المسبق للتقاعد على المستويين الفردي والمجتمعي، مع التركيز على تعزيز النشاط البدني، والصحة النفسية، والدعم الاجتماعي، خصوصًا للفئات الأقل حظًا، لضمان تجربة تقاعد أكثر إيجابية واستقلالية ورفاهية.
غالبًا ما نتصور التقاعد على أنه مرحلة من الراحة والاسترخاء، وقت أخير لنمارس كل ما تمنينا أن نجد له وقتًا خلال حياتنا العملية. ومع ذلك، فإن الحقيقة قد تكون أكثر تعقيدًا. فبينما يواجه الإنسان فقدان العمل تحديات كبيرة للصحة النفسية، فإن التقاعد—الذي يعني التوقف عن العمل أو تقليله—قد لا يكون دائمًا تجربة سارة كما نتوقع.
دراسة حديثة استعرضت 15 مراجعة لأبحاث سابقة حول التقاعد من مختلف أنحاء العالم، بما في ذلك الولايات المتحدة والصين والبرازيل والهند وروسيا ونيجيريا ودول أخرى، لتقدم أحدث وأشمل ملخص للأدلة المتاحة حول تأثير التقاعد على الصحة النفسية والجسدية. وتشير النتائج إلى صورة مختلطة؛ ففي حين وجدت بعض الدراسات أن التقاعد يزيد من احتمالية ظهور أعراض الاكتئاب، أظهرت دراسات أخرى أن التقاعد قد يقلل من خطر الاكتئاب بنسبة تقارب 20٪.
العوامل المؤثرة على تجربة التقاعد
تأثير التقاعد يختلف حسب عدة عوامل: طبيعة الوظيفة التي يغادرها الشخص، حالته الصحية ومسؤولياته، ومستوى دخله ووضعه الاجتماعي. فالمتقاعدون من ذوي الوضع الاجتماعي والاقتصادي المرتفع غالبًا ما يشهدون تحسنًا في صحتهم، بينما يكون المتقاعدون الأقل حظًا أكثر عرضة لتدهور صحتهم. كما أن اختلاف ثقافة المجتمع تجاه العمل وكبار السن يؤثر أيضًا على مستوى الرفاهية بعد التقاعد.
الصحة النفسية والوظيفة السابقة
يؤثر نوع الوظيفة التي يغادرها الشخص على صحته النفسية بعد التقاعد. على سبيل المثال، الأشخاص الذين يغادرون وظائف مرهقة قد يشهدون تحسنًا ملحوظًا في صحتهم النفسية، ويبدو أن هذا التأثير يكون أوضح لدى الرجال.
النشاط البدني بعد التقاعد
النشاط البدني مؤشر مهم على الصحة بعد التقاعد. تشير الدراسات إلى أن الوضع الاجتماعي والاقتصادي يلعب دورًا مهمًا هنا أيضًا. فالأشخاص ذوو الوضع المرتفع يميلون إلى زيادة نشاطهم البدني بعد التقاعد، إذ يتوفر لديهم وقت أكبر لممارسة الرياضة والترفيه. أما الأشخاص الأقل حظًا، فقد ينخفض مستوى نشاطهم، بسبب محدودية الموارد، أو صعوبة الوصول إلى أماكن مناسبة لممارسة الرياضة، أو وجود مسؤوليات إضافية مثل رعاية الأسرة، أو ببساطة عدم إعطاء أهمية كبيرة للنشاط البدني.
هذا قد يزيد من السلوكيات الجلوسية بعد التقاعد، مثل مشاهدة التلفاز أو القراءة، وهي سلوكيات شائعة لدى جميع المتقاعدين لكنها أكثر وضوحًا بين الأقل حظًا. كما أن النشاط البدني المرتبط بالترفيه يعزز الصحة النفسية، في حين أن الكسل والخمول يقللان من الرضا عن الحياة.
التقاعد ليس تجربة واحدة للجميع
تختلف تجربة التقاعد من شخص لآخر. فبالنسبة للبعض، يمثل التقاعد فرصة للابتعاد عن وظيفة مرهقة، بينما قد يعني للبعض الآخر فقدان الروتين اليومي والنشاط العقلي والبدني، وربما فقدان الشعور بالهوية والهدف، إلى جانب تقليل التفاعل الاجتماعي والدخل المالي.
قد يكون التقاعد مخططًا له مسبقًا أو مفروضًا بسبب بلوغ سن التقاعد، أو الحاجة لرعاية الشريك أو الوالدين أو الأحفاد. كما تختلف تجربة التقاعد بين المجتمعات؛ ففي بعض الدول الغربية يحظى كبار السن بالتقدير عند التقاعد، بينما قد لا يحصل كبار السن في دول أخرى على نفس المكانة أو الدعم المالي، حسب سياسات الدولة وبرامج المعاشات.
توصيات الباحثين
تشير الدراسة إلى أن السياسات الحكومية يجب أن تركز على دعم النشاط البدني، والصحة النفسية، والتفاعل الاجتماعي لكبار السن، سواء قبل التقاعد أو بعده، مع مراعاة الاحتياجات الخاصة للفئات الأقل حظًا اقتصاديًا، كونهم أكثر عرضة لمخاطر صحية بعد التقاعد.
كما يقترح الباحثون أن الدراسات المستقبلية حول التقاعد تأخذ في الاعتبار العوامل الفردية والاجتماعية المختلفة لتقييم تأثيرها بشكل أدق.
التقاعد والتحضير له
التقاعد مرحلة يمكن التحضير لها، سواء كأفراد أو كمجتمع، لضمان دعم النفس والآخرين خلال هذا الانتقال الكبير، سواء على المستوى المالي أو النفسي أو الاجتماعي. التحضير المسبق يساعد على جعل التقاعد تجربة أكثر إيجابية، مع تعزيز الصحة والرفاهية والاستقلالية لكبار السن.
