القائمة الرئيسية

هل سيخفض الذكاء الاصطناعي أقساط التأمين؟ ولماذا قد يكون ذلك خطرًا

هل سيخفض الذكاء الاصطناعي أقساط التأمين؟ ولماذا قد يكون ذلك خطرًا
ملخص المقال

يقوم نظام التأمين على مبدأ أساسي هو التضامن؛ أي أن الجميع يساهمون معًا لمواجهة المخاطر التي قد تصيب أحدهم.

[post-views]

ملخص: يتناول المقال التحدي الكبير الذي يواجه صناعة التأمين في عصر الخوارزميات والبيانات الضخمة، حيث يهدد التسعير المفرط في الدقة مبدأ التضامن الذي يقوم عليه النظام التأميني. فبينما تسعى الشركات إلى تخصيص الأقساط وفق المخاطر الفردية باستخدام أدوات كالذكاء الاصطناعي وأجهزة التتبع، يؤدي ذلك إلى خطر استبعاد الفئات المصنفة “عالية المخاطر” واهتزاز روح المشاركة الجماعية. ويستعرض المقال جذور التصنيف التأميني منذ القرن السابع عشر وصولًا إلى عصر “ادفع كما تعيش”، موضحًا أن التخصيص لا يعني بالضرورة عدالة أو تمكينًا للمستهلكين. كما يناقش الأبعاد الأخلاقية والقانونية لهذه التحولات، إذ تحاول الأنظمة التشريعية الموازنة بين حرية استخدام البيانات ومنع التمييز، بينما تواجه الشركات ضغوطًا متزايدة لاعتماد سياسات أكثر شفافية وشمولية. ويخلص المقال إلى أن مستقبل التأمين يعتمد على تحقيق توازن جديد بين الدقة الرقمية وقيم التضامن والعدالة الاجتماعية.

يقوم نظام التأمين على مبدأ أساسي هو التضامن؛ أي أن الجميع يساهمون معًا لمواجهة المخاطر التي قد تصيب أحدهم. لكن هذا المبدأ بدأ يتعرض للاهتزاز اليوم بسبب الخوارزميات التي تُستخدم في بناء ملفاتنا الشخصية.

فكلما ازدادت هذه الخوارزميات تطورًا ودقة، أصبحت أقساط التأمين أكثر تخصيصًا للفرد. وهذا قد يؤدي إلى أن يُستبعد الأشخاص المصنَّفون على أنهم “عاليـو المخاطر” من نظام التأمين كليًا، لأن تكلفة تأمينهم تصبح مرتفعة جدًا.
صحيح أن تخصيص الأقساط أمر منطقي من حيث المبدأ، لكنه يجب أن يتوازن مع الحق في الحصول على تأمين عادل ومتاح للجميع.

مفارقة جوهرية في التأمين

يقوم التأمين على مفارقة أساسية:
فمن جهة، يعتمد على آلية جماعية يشارك فيها الجميع بحسب قدراتهم ليستفيدوا من تضامن المجتمع عند وقوع خسارة.
ومن جهة أخرى، تدفع التقنيات الحديثة وتطور البيانات وأساليب التحليل الاكتواري نحو تسعيرٍ أكثر دقة وفردية.

ويزداد هذا التوتر تعقيدًا مع وجود قوانين صارمة تمنع أي تمييز على أساس بيانات شخصية أو “حساسة”، حتى لو كانت ترتبط فعلاً بمستوى الخطر.

بوصفي أستاذًا في الرياضيات بجامعة كيبيك في مونتريال (UQAM)، ومشاركًا في تأليف دليل التأمين ومؤلف كتاب التأمين، والتحيزات، والتمييز، والعدالة، أتناول في هذا المقال التحدي الكبير الذي يواجه قطاع التأمين اليوم: كيف يمكن التوفيق بين روح التضامن الجماعي والتسعير الدقيق القائم على البيانات الضخمة، دون إقصاء أو تمييز ضد المؤمن عليهم؟

جذور تقسيم الأسعار

اعتمدت شركات التأمين منذ بداياتها على التصنيف كعنصر أساسي في عملها، مثل العمر، الجنس، المهنة، المنطقة الجغرافية، وسجل المطالبات.

ففي عام 1662، نشر الإحصائي الإنجليزي جون غراونت جداول الوفيات، أول دراسة إحصائية لسجلات الموت في لندن. وبعدها بثلاثين عامًا، وضع عالم الفلك إدموند هالي أول جدول للوفيات يتيح حساب متوسط العمر المتوقع.
هذان العملان شكّلا الأساس لتسعير يعتمد على العمر والجنس، وهما معياران بقيا أساسيين لقرون في تأمينات الحياة والوفاة.

وبعد حريق لندن الكبير عام 1666، ظهرت أول عقود التأمين ضد الحرائق، وجمعت الشركات بيانات عن مواد البناء وكثافة العمران. ومع الوقت، قُسمت المناطق إلى “عالية الخطورة” و“منخفضة الخطورة” بحسب القرب من المباني الأخرى وتوفر خدمات الإطفاء.

وفي أوائل القرن العشرين، ومع انتشار السيارات، بدأت شركات التأمين الأمريكية بجمع بيانات عن عمر السائقين وجنسهم وسجل حوادثهم. وبحلول العشرينيات، ظهرت فئات تسعير مختلفة مثل “السائقون الشباب” و“النساء” و“ذوو الخبرة”، لتحديد الأقساط وفق كل فئة.

أما اليوم، فقد دخلنا عصرًا جديدًا من البيانات الضخمة والخوارزميات، حيث تعتمد شركات التأمين على أدوات متقدمة كالتعلم الآلي وأجهزة التتبع داخل السيارات والأجهزة القابلة للارتداء وسلوكيات القيادة ونمط الحياة.
يتيح هذا لشركات التأمين تسعير كل فرد وفق مستوى المخاطر الفعلي لديه، ما يقلل الدعم المتبادل بين الفئات المختلفة ويزيد من أرباح الشركة.

لكن الإفراط في الدقة يضعف مبدأ التضامن الجماعي، وقد يجعل التأمين باهظ الثمن أو غير متاح لبعض الفئات. لذلك، يبحث خبراء الاكتواريا اليوم عن توازن صعب: كيف يمكن جمع المعلومات الكافية لتمييز الملفات دون تقويض روح المشاركة والتكافل التي يقوم عليها التأمين؟

وهم "التخصيص المربح"

في أوروبا، يسعى مشروع قانون جديد يُعرف بـ إطار الوصول إلى البيانات المالية (FIDA) إلى تمكين شركات التأمين من الوصول إلى بيانات الأفراد المالية، لفهم سلوكهم في الإنفاق والسداد.
هذا المشروع يعد بتخصيص دقيق للأسعار، ما يثير آمالًا في خفض الأقساط، لكنه أيضًا يثير مخاوف من المبالغة في التصنيف واستبعاد فئات معينة من النظام.

كثير من العملاء يرون أن هذا التخصيص مفيد للطرفين:
إن كنت أدير ميزانيتي بحكمة، سأحصل على خصم؛
إن كانت عاداتي المالية “فضيلة”، سينخفض تأمين صحتي؛
وإن كان سلوكي المالي جيدًا، سينخفض تأمين منزلي.

تبدو هذه الفكرة جذابة — “ادفع كما تعيش” أو “ادفع بحسب قيادتك” — وكأن الفرد يملك السيطرة الكاملة على تكلفة تأمينه.

لكن الواقع أكثر تعقيدًا:

  • مبدأ التضامن لا يختفي: فمَن لا يستطيع تبني السلوكيات “المثالية” سيظل يعتمد على تضامن الآخرين.

  • فجوة المعلومات تتسع: فشركات التأمين تعرف الإحصاءات وتفاصيل الخطر أكثر بكثير من عملائها، وغالبًا ما تبني عروضها على علاقات إحصائية غير واضحة للمستهلك.

  • المنتجات المفرطة في التخصيص قد تدفع أصحاب المخاطر العالية إلى المبالغة في التأمين أو تركه تمامًا، وهو ما يهدد النظام ككل.

بمعنى آخر، “التخصيص” لا يعني بالضرورة “التمكين”. فحتى لو كانت الأسعار مصممة لكل فرد، فإن ذلك لا يضمن عدالة النظام أو شموله.

القوانين والضوابط

يثير استخدام البيانات الضخمة في التأمين أسئلة أخلاقية وقانونية عميقة: إلى أي مدى يمكن استخدام البيانات الحساسة لتقدير المخاطر؟

في فرنسا والاتحاد الأوروبي، تُحظر أي تفرقة على أساس الجنس أو الأصل أو المعتقد أو الإعاقة، وتُلزم توجيهات الملاءة الثانية (Solvency II) الشركات بالشفافية والعدالة في نماذجها.

أما في كيبيك، فالإطار أكثر مرونة؛ إذ يسمح القانون باستخدام معايير مثل العمر أو الجنس أو الحالة الاجتماعية لتحديد الأسعار، إذا ثبت أن لها علاقة إحصائية بالمخاطر.
لكن هذا النهج، رغم قانونيته، يطرح تساؤلات أخلاقية عن حدود العدالة في التسعير.

الأخلاق والمسؤولية الاجتماعية

تتعرض شركات التأمين اليوم لتدقيق متزايد من الإعلام وجمعيات حماية المستهلك، التي تكشف عن حالات تمييز خوارزمي وتضغط على الشركات لتصحيح ممارساتها.

ولهذا، تسعى الشركات إلى إيجاد توازن بين العدالة الاجتماعية والاستدامة المالية. فبعضها بدأ بتقديم صيغ “تضامنية” أو وضع حد أقصى للأقساط لتجنب استبعاد الفئات الضعيفة.

كما تُطالب الشركات بمزيد من الشفافية، عبر توضيح معايير التسعير وجعل منهجيات الحساب مفهومة للجمهور، إضافة إلى دمج حماية الخصوصية في تصميم منتجاتها منذ البداية — ما يُعرف بمبدأ الخصوصية حسب التصميم (Privacy by Design).

الشركات التي ستنجح في الجمع بين التخصيص والعدالة والشمول ستصبح المرجع الأخلاقي الجديد في صناعة التأمين.

نحو توازن جديد بين التضامن والبيانات

التحدي الذي يواجه صناعة التأمين اليوم ليس بسيطًا.
فهو يتطلب التوفيق بين الدقة الحسابية التي توفرها التكنولوجيا وقيم التضامن والمساواة التي قامت عليها الفكرة الأصلية للتأمين.

مستقبل التأمين سيتحدد بمدى نجاحه في تحقيق هذا التوازن.
فلا مكان لتسعير يقوم على تمييز صارم، ولا لتخصيص مفرط يفرّق بين الناس.
بل يجب أن يسهم كل فرد بقدر ما يتحمل من مخاطر، وأن يستفيد الجميع من شبكة الأمان الجماعية التي وُجد التأمين من أجلها.

المصدر

مقالات ذات صلة