ملخص: يتناول المقال تاريخ "بائعي الأقمشة الرديئة" في أستراليا ونيوزيلندا بين عشرينيات وخمسينيات القرن العشرين، وهم باعة متجولون يبيعون أقمشة رخيصة لصنع بدلات الرجال، مستفيدين من رغبة الطبقة العاملة في الظهور بأناقة رغم محدودية الدخل وارتفاع الأسعار بعد الحرب العالمية الأولى. يشير المقال إلى أن هؤلاء الباعة اعتمدوا على المظهر الأنيق والخداع لإقناع الزبائن، وأن انتشارهم ارتبط بأزمات اقتصادية وعودة الجنود العاطلين عن العمل. كما يعكس المقال كيف تتأثر أسواق الأزياء بالعوامل الاقتصادية والاجتماعية، مع إبراز الصور الجنائية والشخصيات المعروفة مثل لويس ستيرلينغ وريجينالد شاربلز كأمثلة على هذا النشاط التجاري الملتوي الذي كان جزءًا من تاريخ الموضة الأسترالية.
معظم أزياء الرجال اليوم تُشترى جاهزة من المتاجر أو عبر الإنترنت، لذا فإن "بائع الأقمشة الرديئة" أصبح جزءًا من التاريخ المنسي.
كان هذا المصطلح العامي يُستخدم في عشرينيات القرن الماضي في أستراليا ونيوزيلندا لوصف الباعة المتجولين الذين يبيعون أقمشة بدلات الرجال، مثل الصوف السميك (السيرج) والتويد. كان هؤلاء الباعة يجوبون الشوارع أو يطرقون أبواب المنازل في المدن والبلدات الصغيرة.
ظهرت هذه المهنة نتيجة أزمة غلاء المعيشة بعد الحرب العالمية الأولى، لكنها اختفت بحلول خمسينيات القرن العشرين مع تحسن الأجور. وتكشف قصتها كيف يمكن لأسواق الأزياء أن تتأثر بسرعة بعوامل اقتصادية مثل العرض والطلب والتضخم ومستويات الدخل.
"محتالون بطول القماش"
كان أنجح بائعي الأقمشة الرديئة من الأذكياء ذوي المظهر الأنيق، يرتدون بدلات مفصّلة بعناية لإقناع الزبائن بأن بإمكانهم الظهور بمثل هذا المظهر إذا اشتروا من بضاعتهم "الفاخرة" بأسعار مغرية لا يجدونها في المتاجر.
ادّعى بعضهم أنهم يتعاملون مع خياطين يمنحون خصومات خاصة، ما يمنح الزبائن فرصة الحصول على بدلات مفصّلة بأسعار زهيدة.
استند مصطلح "shoddy dropping" إلى معنيين لكلمة shoddy:
الأول يشير إلى نوع من الأقمشة الرخيصة المصنوعة من خليط من الصوف الجديد والمعاد تدويره، والثاني يعني "رديء الجودة أو سيئ الصنع".
وقد نُشر عام 1913 مقال في صحيفة ريفية بولاية نيو ساوث ويلز يحذر القراء من "محتالي أطوال الأقمشة"، مشيرًا إلى أن "الأقمشة الرديئة كثيرًا ما تُباع على أنها فاخرة من قبل بائعين غير موثوقين".
يصعب تحديد عدد هؤلاء الباعة لأنهم عملوا خارج الأطر الرسمية، لكن تقارير الشرطة والصحف تشير إلى أن الظاهرة بدأت مع اندلاع الحرب العالمية الأولى.
غلاء الأسعار وأناقة الطبقة العاملة
بلغت تجارة الأقمشة الرديئة ذروتها في عشرينيات وأربعينيات القرن الماضي مع ارتفاع الأسعار بفعل الحروب. وكان السبب الرئيسي وراء رواجها رغبة الرجال من الطبقة العاملة في الظهور بمظهر أنيق.
فقد أوضح عمّال النقل والمصانع في ملبورن أمام اللجنة الملكية للأجور الأساسية عام 1920 أن معظم الرجال كانوا يرتدون بدلات مفصّلة أثناء الذهاب إلى العمل والعودة منه، رغم ارتفاع تكاليفها التي جعلت امتلاكها عبئًا ماليًا.

-ارتفع الطلب على بدلات الرجال بعد الحرب العالمية الأولى. NLA/Trove/Bib ID 7898102
كما ساعدت الموضة في انتشار الظاهرة. فقد كانت بدلة الجاز النحيلة من أبرز صيحات العشرينيات: سترة أحادية الصف واسعة قليلًا عند الخصر، وسروال ضيق قصير يُظهر جوارب الجاز الحريرية.
لم يكن غريبًا أن يتمكن بائع أنيق مثل لويس ستيرلينغ من جذب الزبائن، إذ اشتهر بأناقته اللافتة. وقد ألقت شرطة سيدني القبض عليه عام 1920 بعد سرقته أقمشة، ثم أفلت لاحقًا من تهمة التشرد في ملبورن بعد أن أثبت أنه يعمل بائع أقمشة متجولًا.

--لويس ستيرلينغ كان بائع أقمشة للبدلات، وقد التقطت شرطة سيدني صورته عام 1920. أرشيف التصوير الجنائي لشرطة نيو ساوث ويلز، متحف العدالة والشرطة، متاحف التاريخ في نيو ساوث ويلز.
كما ساهم العدد الكبير من قدامى المحاربين العاطلين عن العمل بعد الحرب في انتشار هذه التجارة. من بينهم الجندي العائد ريجنالد شاربلز، الذي اتُّهم عام 1920 بسرقة أقمشة تفوق قيمتها ألف جنيه إسترليني (تعادل نحو 83 ألف دولار أسترالي اليوم) من خياط في سيدني، ونقلها إلى ملبورن لبيعها. لكنه نجا أيضًا من تهمة التشرد بعد أن قدّم نفسه على أنه بائع أقمشة.
وفي صورته الجنائية عام 1920، بدا شاربلز مثالًا للأناقة بين الحربين: بدلة مقلمة فاتحة اللون، كنزة بياقة عالية، قبعة فيدورا سوداء، وشارة الجندي العائد.

-ريجينالد شاربلز كان بائع أقمشة رديئة في عشرينيات القرن العشرين. أرشيف التصوير الجنائي لشرطة نيو ساوث ويلز، متحف العدالة والشرطة، متاحف التاريخ في نيو ساوث ويلز.
انعكاس لزمن صعب
مع مرور الوقت، تراجع عدد الرجال ذوي الدخل المحدود الذين لجؤوا إلى شراء القماش "من مؤخرة شاحنة" – أي من مصدر غير رسمي – لصنع بدلات لائقة بأسعار معقولة.

-كثير من الرجال في فترة ما بعد الحرب العالمية الأولى كانوا يتوقون لارتداء بدلات مفصّلة وأقمشة عالية الجودة. NLA/Trove/PIC/15611
ورغم أن هذه التجارة ظلت نشاطًا هامشيًا حتى في عشرينيات القرن الماضي، إلا أن تذكّرها اليوم يذكّرنا دائمًا بالممارسات التجارية الملتوية التي تزدهر في أوقات الأزمات الاقتصادية.
كما تُظهر الصور الجنائية التي التقطتها شرطة سيدني بين الحربين لمحات فريدة من تاريخ الموضة الأسترالية ورغبة الرجال في الأناقة.
لطالما قيل إن الرجال الأستراليين كانوا "قضية خاسرة" في عالم الأزياء، لكن تجارة الأقمشة الرديئة تكشف أنهم كانوا، في الواقع، يتوقون إلى ارتداء بدلات فاخرة ومفصّلة، حتى وإن كانت تلك الأحلام بعيدة المنال.
