القائمة الرئيسية

كيف تخسر إسرائيل أمريكا ؟

كيف تخسر إسرائيل أمريكا ؟
ملخص المقال

المقال يناقش تدهور التحالف الأمريكي الإسرائيلي رغم تصريحات نتنياهو عن متانته، موضحاً أن عزلة إسرائيل المتزايدة بسبب حربها في غزة جعلتها أكثر اعتماداً على واشنطن، بينما يتراجع الدعم الشعبي والسياسي الأمريكي لها، خصوصاً بين الديمقراطيين والشباب من الحزبين. يربط المقال هذا التراجع بفظائع الحرب، توسع الاستيطان، وانحياز إسرائيل لليمين، مما جعلها تفقد صورتها كديمقراطية تشارك القيم الأمريكية. كما يشير إلى أن وسائل التواصل الاجتماعي ساعدت في كشف انتهاكات إسرائيل وتغيير الرأي العام، ما يهدد استمرار الدعم الأمريكي المالي والعسكري السنوي البالغ 3.8 مليار دولار بعد 2028. ويرى أن المشكلة أعمق من تغيير الحكومات وأن استمرار الغطرسة الإسرائيلية قد يؤدي في النهاية إلى خسارة الحليف الأمريكي بشكل لا رجعة فيه، وهو ما سيكون خطأً استراتيجياً قاتلاً بالنسبة لإسرائيل.

في مواجهة الكتل الضخمة التي يزيد عمرها عن ف الفي عـام مـن الـحائط الغربي في القدس، قـال بنيامين نتنياهو متحدثاً لوزير الخارجية الأمريكي ماريو روبيو ابان زيارة ال أن التحالف بين بلديهما ""قوي ودائم مثل الحجارة ... التي لمسناها سوياً للتو"" ... تثبت الوقائع إنه مخطئ هذا الحلف بدأ يتزعزع رويداً رويداً.

مع عزل إسرائيل بسبب حربها في غزة، فإنها تعتمد بشكل متزايد على أمريكا، فخلال الجمعية العامة الحالية للأمم المتحدة، إعترف الأصدقاء القدامى، بما في ذلك أستراليا وبريطانيا وكندا وفرنسا بدولة فلسطينية، حتى مع كون توسع إسرائيل للمستوطنات في الضفة الغربية أمر يجعل الدولة الحقيقية أقل احتمالاً.

أمريكا هي من يقف بين إسرائيل والسقوط في وضع منبوذ سيكون له آثار وخيمة على أمنها الدبلوماسي والقانوني والعسكري، و بل و على وجودها.
على الرغم من كل تأكيدات نتنياهو المبهجة بأن العلاقات مع أمريكا قوية كصخور حائط البراق فهي في الواقع ليست كذلك.

أغضب نتنياهو إدارة ترامب بغطرسته و بتجاهله الشقوق العميقة داخل أسس التحالف بين البلدين. ولطالما ابتعد الناخبون الديمقراطيون عن أكثر حليف الأمريكا وهو أكثر مستفيد من الدعم السياسي والمالي و العسكري و الاستخباراتي.

يفقد الناخبون الجمهوريون ، لاسيما الشباب منهم الثقة بشكل متزايد أيضا بالحليف المتغطرس . يمثل فقدان الدعم الأمريكي الشعبي كارثة لإسرائيل - وهي دويلة صغيرة طارئة يبلغ عدد سكانها 10 ملايين نسمة في جوار خطير لم تترك بلداً مجاوراً و غير مجاور إلا وقد آذته، وامتدت يدها الطويلة إلى عواصم الجوار العربي والإسلامي بالمزيد من السوء و الغدر.

ما فعلته إسرائيل من فظائع رهيبة في غزة من قتل للمدنيين و النساء والطفال وتجويع و تهجير عنصري عزل إسرائيل في الفضاء العالمي وعملت وسائل التواصل الاجتماعي لاسيما توك توك على ايضاح حقيقة ما تمثله إسرائيل من قيم غير ديمقراطية و أزاح الجدار السميك من الخداع الذي تحاول إسرائيل الظهور من خلال كديموقراطية في وسط جوار ديكتاتوري، كشف الشباب الأمريكي الزيف الذي دأبت إسرائيل على تسويقه الى العالم وكشفت استطلاعات الرأي في أمريكا أمراً مذهلاً اذ تبلغ نسبة الأمريكيين الذين يدعمون إسرائيل على الفلسطينيين أدنى مستوى لها منذ 25 عاما.

في عام 2022 ، كان لدى 42% من البالغين الأمريكيين وجهة نظر غير مؤيدة لإسرائيل والآن ارتفعت النسبة إلى 53% من الأمريكيين.

وجد استطلاع حديث أجرته الايكونوميست / يو جوف أن 43% من الأمريكيين يعتقدون أن YouGov/Economist إسرائيل ترتكب إبادة جماعية في غزة.

و في السنوات الثلاث الماضية ارتفعت الآراء غير المواتية الإسرائيل بين الديمقراطيين الذين تزيد أعمارهم عن 50 عاما بنسبة 23 نقطة مئوية. وبين الجمهوريين الذين تقل أعمارهم عن 50 عاماً إنخفض تأييد إسرائيل إلى 49% مقارنة 2022 بنسبة 63% في عام 2022.

بين عامي 2018 و 2021 انخفضت نسبة الإنجيليين الذين تقل أعمارهم عن 30 عاما والذين دعموا الإسرائيليين على الفلسطينيين من 69% إلى 34%. يعتقد استطلاع الرأي أن هذا التحول مستمر باتجاه تأييد الحق الفلسطيني بسبب الفظائع التي ترتكبها إسرائيل في غزة. 

لفهم سبب أهمية ذلك، ارجع إلى السنوات التي كانت فيها رابطة أمريكا مع إسرائيل مزيجاً قوياً من القيم والمصالح. كلاهما ديمقراطيتان أسسها رواد يلتمسون اللجوء من الاضطهاد. اعتقد كلاهما أن بلدهما كان استثنائياً: أحدهما مدينة مشرقة على تلة، والآخر نور للأمم من شعب الله المختار المثالي والمضطهد.

في الوقت نفسه، تداخلت اهتماماتهم، فخلال الحرب الباردة، كانت إسرائيل حصناً ضد التوسع السوفيتي في العالم العربي. بعد الانهيار السوفيتي، كانوا لا يزالون متحالفين ضد إيران. بعد هجمات 11 سبتمبر 2001 كانوا في جبهة واحدة و قوية ضد ما أسموه بالارهاب الإسلامي.

ما الخطأ الذي حدث ؟ بالنسبة للديمقراطيين، فإن السقوط المخجل بين إدعاء القيم وعمل نقيضها - خاصة بين الشباب. يميل الديمقراطيون إلى إسقاط استيائهم من تاريخ أمريكا من العبودية والاستعمار الجديد على الفلسطينيين المضطهدين والمستوطنين الإسرائيليين، على الرغم من أن المقارنة متوترة. وقد تفاقم هذا بسبب التحول إلى اليمين في السياسة الإسرائيلية. علاوة على ذلك وضع نتنياهو إسرائيل بقوة في المعسكر الجمهوري، جزئياً على أمل أن يهاجم الجمهوريون أي إدارة ديمقراطية تضغط عليه بشأن المستوطنات أو محادثات السلام.

إن الانخفاض في الدعم بين الناخبين الجمهوريين لا يتعلق بتعارض المعتقدات بقدر ما يتعلق بالمصالح المتباينة.

يمتد الغضب من استخدام أموال دافعي الضرائب لدعم إسرائيل إلى 300 مليار دولار أو نحو ذلك منحتها أمريكا الإسرائيل منذ الاستقلال في عام 1948. قوضت ضربات إسرائيل على قطر وسوريا محاولات ترامب لخلق سلام إقليمي. بقيادة رئيس يعرف مكان الأموال، ينجذب البعض في طبقة المانحين نحو الممالك الخليجية التي لم تسلم من أذى اليد الاسرائيلية الغادرة والطويلة بغطاء أمريكي فضفاض. جعلت الحرب الرهيبة والتجويع في غزة هذا أسوأ بكثير .

عندما يرى الأمريكيون صورا للأطفال الجائعين، فإنهم يرتجفون بحق ويعبرون عن استيائهم بوسائل التواصل الاجتماعي فتصل رسائل تحقير إسرائيل وتوبيخها إلى العالم بدون حجاب الرقيب المتمثل بالإعلام الذي تسيطر عليه النخبة اليهودية . يقود بعض المعلقين الجمهوريين مثل تاكر كارلسون حملة قوية ومنهجية تقوم على فكرة أن إسرائيل قد تجر أمريكا إلى حرب شرق أوسطية أخرى و ربما حرب عالمية ثالثة من خلال مهاجمة الدول العربية الإسلامية.

كلما تعرضت إسرائيل لانتقادات يلقي المدافعون عنها اتهامات بمعاداة السامية - ليس دائما بشكل عادل مع الإفراط في الاستخدام، تفقد الشحنة الشنيعة قوتها . هذا سيء لليهود في كل مكان، بما في ذلك في إسرائيل. لم تعد معاداة السامية ذات قيمة او أهمية وفقدت بريقها وأصبحت وبالاً على إسرائيل.

سيطلق المتفائلون على هذا اسم مخيف. لقد سقطت الحكومتان الإسرائيلية والأمريكية في مستنقع الحرب غير العدوان غير المبرر على الشعب الفلسطيني في غزة و الصفة و أصبح التأييد الامريكي الأعمى لإسرائيل ممجوجاً ولا يُطاق. جنود الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل يحاربون جنباً إلى جنب أقرب من أي وقت مضى حيث يقاتلون معا في يونيو لأول مرة، ضد إيران ويعتمدون على المعلومات الاستخباراتية في ضرب عاصمة قطر و هي دولة خليجية صديقة الأمريكا وتضيف اكبر قاعدة للأمريكيين في المنطقة و تعمل وسيطاً نزيهاً ومحايداً ومع ذلك أصبح الإعلام العالمي لاسيما في وسائل التواصل الاجتماعي يرى الدعم الأمريكي غير المبرر و غير الاخلاقي في أبشع صوره. عندما تنتهي حرب غزة ويتولى رئيس وزراء إسرائيلي جديد منصبه فإن جهود إسرائيل بأن تكون قريبة من الشعب الأمريكي مرة أخرى لن تفلح.

ان التحولات العميقة طويلة الأجل في الرأي العام الأمريكي و العالمي أكثر خطورة من العلاقات بين الحكومات. على الرغم من أن تكوين الرأي العام بطيء في جمع الزخم المعادي لإسرائيل لكنه عميق و متجذر، ومن الصعب عكسه و تناسب الفطائر التي قامت بها إسرائيل مع مرور الوقت.

عندما يغير الناخبون رأيهم يمكن أن تنهار المحرمات السياسية فجأة. حتى اليوم يخشى بعض المحللين الإسرائيليين من أن يكون جو بايدن آخر رئيس أمريكي صهيوني وداعم لإسرائيل لان ترمب في ورطة حقيقية بسبب التجاوزات اللاأخلاقية التي يرتكبها يوماً بعد يوم وتقلل من رصيده أمام الشباب الأمريكي و شباب العالم .

بمثل الدعم العسكري الأمريكي لإسرائيل تحدياً أخلاقياً و قانونياً أمام الناخب و دافع الضرائب الأمريكي ، يدرك الجميع أن إسرائيل بدرت هذا الدعم السياسي والعسكري لن تقوم لها قائمة، كما يدرك العالم أن الأسلحة التي دمرت غزة فوق رؤوس ساكنيها وقتلت الأطفال والنساء وساهمت في تجويع شعب اعزل هي بدعم وتمويل أمريكي لا أخلاقي.

سينتهي الوضع الحالي لا محالة لأنه يثير أسئلة مشروعة في الكونغرس والشارع الأمريكي و لا تكاد تخلو مناظرة تلفزيونية او برنامج من انتقاد إسرائيل ودعم أمريكا لها والتي تزود إسرائيل ب 3.8 مليار دولار سنوياً حيث سينتهي التفويض بمنح هذا المبلغ في عام 2028 ويجب إعادة التفاوض عليه.

لكن إسرائيل قلقة من أن ترامب سيرفض تسليم الأموال وتتطلع إلى إعادة تغليف الاتفاقية باعتبارها شراكة جديدة"".

توفير الأموال أقل أهمية من توفير الدعم السياسي و العسكري والاستخباراتي والأسلحة والذخائر ومشاركة التكنولوجيا وضمان الحصول على الأسلحة المتقدمة - لا سيما في الحرب.

 رؤية جديدة

من الخطأ افتراض أن خليفة نتنياهو يمكنه تصحيح الأمور. أثبتت إسرائيل انها ليست دولة ديمقراطية؛ وهي منقسمة يتبنى فيها العديد من الناخبين اليمين القومي الديني لضم غزة و توسيع المستوطنات وضم الضفة الغربية.

تحدث نتنياهو هذا الأسبوع عن إسرائيل على أنها "" دولة مستقلة وقادرة وعلى استعداد للوقوف بمفردها"". بينما تقاتل إسرائيل في غزة وتهاجم العواصم العربية حسب الإرادة، فإنها تراهن على أن الهيمنة العسكرية على الشرق الأوسط ستجعله أكثر أماناً. هذه الرؤية المتغطرسة هي مفهوم خاطئ مأساوي سيكتشف الاسرائيليون لا محالة انهم في محيط عربي وإسلامي هادر تغذيه الفظاعات التي ارتكبتها إسرائيل في غزة وسيكون جزء كبير من العالم الديمقراطي إلى صف الفلسطينيين. يمكن أن تنتهي الغطرسة الاسرائيلية إلى فقدان الحليف الأمريكي في نهاية المطاف والذي لا يمكن تعويضه بالنسبة لإسرائيل، لا يمكن أن يكون أي خطأ استراتيجي أكثر خطورة من هذا الخطأ القاتل. 

مقالات ذات صلة