القائمة الرئيسية

العقيدة الاسرائيلية أمام قمة الدوحة

العقيدة الاسرائيلية أمام قمة الدوحة
ملخص المقال

المقال يستعرض تحوّل إسرائيل نحو استراتيجية أمنية جديدة بعد 7 أكتوبر تقوم على مبدأ الضربات الاستباقية واستخدام القوة المفرطة بلا خطوط حمراء، بهدف صياغة نظام إقليمي يحمي مصالحها ويضمن تفوقها العسكري على المدى الطويل. ترفض إسرائيل الاكتفاء بردع الخصوم وتصر على هزيمتهم وتدمير قدراتهم بالكامل، سواء في غزة أو الضفة الغربية أو لبنان أو إيران، حتى لو تطلب الأمر حروباً متعددة الجبهات. تعتبر تل أبيب أن أي مفاوضات سلام يجب أن تأتي بعد ضمان أمنها ونزع تهديدات أعدائها، وتسعى لترسيخ وجود عسكري دائم في الضفة، وتهجير سكان غزة أو تفريغها من قوتها القتالية، مع تعزيز تحالفاتها الإقليمية والدولية وتوسيع قدراتها التصنيعية العسكرية لتقليل اعتمادها على الولايات المتحدة. ترى القيادة الإسرائيلية أن القوة العسكرية هي الضامن الوحيد للاستقرار والأمن، وأن التنازلات الدبلوماسية أو الحلول السلمية قد تُضعف موقفها، لذا تعطي الأولوية لفرض واقع جديد بالقوة على الأرض.

تنعقد اليوم في الدوحة القمة العربية و الاسلامية للتضامن مع قطر و توحيد الموقف السياسي من الغطرسة الاسرائيلية تتجه أنظار العرب والمسلمين إلى الدوحة في هذه المرحلة التأريخية الحرجة في ظل التهديد الوجودي الاسرائيلي للدول العربية والاسلامية

"" المترجم ""

هزت أحداث 7 أكتوبر إسرائيل حتى النخاع، ما جعل الاسرائيليون يتبنون نهجاً أمنياً جديداً، وفق مبدأ ""انهض واقتل أولاً ثم فاوض""، بحيث لا مكان في هذا النهج لأي خطوط حمراء ولا اعتبار لأي طرف بما في ذلك أقرب الحلفاء. وحدها القوة المفرطة الاستباقية سيدة الموقف أينما دعت الحاجة لذلك حتى لو تطلب الأمر قصف العواصم العربية والإسلامية. إن ما تسعى إليه إسرائيل اليوم هو صياغة نظام إقليمي جديد يحمي مصالحها أولاً وآخراً، حتى لو تطلب ذلك منها فتح جبهات متعددة ولمدى غير منظور، بحسب تقرير نشره معهد ""مسغاف"" للأمن القومي الإسرائيلي في مجلة الشؤون الخارجية الأمريكية ""فورين أفيرز"".

طوال العامين الماضيين، تخلى صنّاع القرار في إسرائيل عن النماذج الأمنية القديمة لصالح استراتيجيات جديدة.

في السابق، كانت إسرائيل تسعى لإبقاء أي صراع تخوضه محدوداً، وكانت تركز على التهديدات المباشرة. أما اليوم فإنها لن تكتفي بإضعاف الخصوم، بل ولن ترضى إلا بهزيمتهم و تدميرهم بشكل كامل. وقادتها أصبحوا أكثر إستعداداً لاستخدام القوة المفرطة على أنواعها) لصياغة نظام شرق اوسط جديد يحمي مصالحها الوطنية أولاً وقبل أي شيء وبشكل استباقي.

وقد بدأت هذه الاستراتيجيات الجديدة تترسخ برغم معارضة بعض النخب التقليدية. فبالإضافة إلى مواصلة الحرب البرية في غزة والسيطرة العسكرية في الضفة الغربية والقصف المستمر على جنوب لبنان والتدخل العسكري المباشر في سوريا واحتلال اجزاء من الجولان السوري.

و قد شنت إسرائيل عملية عسكرية لإضعاف قدرات طهران النووية والصاروخية، واغتالت العديد من كبار مسؤولي الأمن والعلماء النوويين الإيرانيين. كما ضربت أهدافاً في لبنان لمنع إعادة تسليح المقاومة اللبنانية وأقامت وجوداً عسكرياً لها في سوريا، وتدخلت مباشرة لدعم الدروز ضد القوات المتحالفة مع النظام الجديد في دمشق. وقبل أيام استهدفت الدوحة بهجمة بغارة جوية استخدمت فيها عشرات الصواريخ، يمثل تهديد عاصمة عربية خليجية ضربة عسكرية نوعية و جديدة تؤكد اليد الطولى لإسرائيل وان لا أحد كائناً من كان بمنأى عن القوة الاسرائيلية المفرطة.

لا خطوط حمراء بعد اليوم

الرسالة التي تريد إسرائيل إيصالها من خلال عمليات الغارات الجوية والاغتيالات التي تشنها في إيران ولبنان وقطر وأماكن أخرى مختصرها أنها لم تعد تلتزم بالخطوط الحمراء التي لطالما اعتقد جيرانها أنها لن تتجاوزها أبداً. وأنها لن تمنح حصانة لأي شخص أو طرف تعتبره ""معادياً""، بغض النظر عن منصبه السياسي أو موقعه. و لن تقيم وزناً لأي دولة عربية أو إسلامية. وهي وإن كانت في الماضي تُنفذ هذه الأعمال بهدوء أو تُحاول إخفاء دورها فيها، أصبحت الآن تتبناها علناً ومن دون أي حساب لأي شيء.

البعض قد يفسر هذه الاستراتيجية الجديدة على أنها سعي للهيمنة الإقليمية. في الواقع، وبرغم أنها القوة العسكرية الأقوى في المنطقة، إلا أن إسرائيل ليست قوة إقليمية مهيمنة - لكنها تسعى بلا هوادة إلى أن تكون كذلك. فالاقتصاد الإسرائيلي لا يُمثل حصة غير متناسبة من الناتج المحلي الإجمالي الإقليمي، ولا يمكن تشکیل ترتيبات اقتصادية في المنطقة من جانب طرف واحد. كما أنها، مع قلة حلفائها الطبيعيين في المنطقة، تتمتع بقوة ناعمة ضئيلة نسبياً بين جيرانها.

ومع ذلك، تسعى إسرائيل اليوم، وأكثر من أي وقت مضى إلى تشكيل نظام إقليمي، يشمل ضمان الدفاع عن أصولها و تتوسع جغرافياً طالماً ان مصالحها العليا تتطلب ذلك، و تعمل على الاحتفاظ بالأراضي وتعديل الحدود عند الضرورة، وإقامة تحالفات متنوعة حول المصالح المشتركة، ومنع أي عدو"" (حالي أو محتمل من تطوير قدرات من شأنها تهديد وجودها وأمنها.

إن إسرائيل اليوم مستعدة لوضع أهداف حربية أكثر طموحاً بكثير من تلك التي سعت إليها في الماضي، حتى لو كان تحقيق هذه الأهداف مكلفاً ويتطلب عملاً عسكرياً متواصلاً أو متعدد الجبهات.

لا عزاء للدبلوماسية بعد اليوم

يعتقد عدد متزايد من صناع القرار في الحكومة الإسرائيلية إلى جانب محللين خارجيين بمن فيهم كاتبا هذا التقرير من معهد مسغاف للأمن القومي الاسرائيلي)، أن هذه الاستراتيجية قادرة على تحقيق الاستقرار في المنطقة وضمان أمن إسرائيل أكثر بكثير من الاستراتيجيات السابقة التي اعتمدت بشكل أساسي على مبدأ الردع.

من الآن وصاعداً: لا تنازلات أمنية تقوم على رؤى سلام، لا تجاهل للكراهية والآراء المتطرفة التي ترسخت بين الفلسطينيين وغيرهم من العرب والمسلمين و أعداء السامية، وتعمل إسرائيل على الاحتفاظ بالانتصارات التي تتحقق على الأرض وتعتبرها غير قابلة لأي نوع من التراجع و المقايضات. لا مجال لوعود دبلوماسية مشكوك فيها مع شركاء غير موثوق بهم، وأي مفاوضات سلام مشروطة بتبديد المخاوف الأمنية أولاً.

يعتقد قادة إسرائيل اليوم أن جاذبية بلادهم كشريك وحليف دبلوماسي تنبع من قوتها. وأن التنازلات في المصالح الجوهرية لا تؤدي إلا إلى إضعاف قيمة إسرائيل كحليف إقليمي، وأنه بمجرد أن تقترح تسوية من أجل السلام، سترى الدول المعادية في ذلك دليلاً على الاستسلام للضغوط.

والدليل أن الدول العربية التي طبعت العلاقات، في إطار اتفاقيات أبراهام "" في 2020، استمرت في شراكتها الدبلوماسية والدفاعية والتجارية حتى بعد 7 أكتوبر 2023 مستفيدة من فوائد التعاون مع ""إسرائيل القوية "" مدركة الفرق بين الحليف القوي القادر و الحليف الضعيف.

إسرائيل تسعى جاهدة لتشكيل نظام إقليمي يشمل الدفاع عن أصولها وحلفائها، والاحتفاظ بالأراضي، وتعديل الحدود عند الضرورة، وإقامة تحالفات متنوعة، ومنع أي شيء من شأنه تهديد وجودها أو أمنها وهي مستعدة لوضع أهداف حربية أكثر طموحاً حتى لو تطلب تحقيقها عملاً عسكرياً متواصلاً و متعدد الجبهات.

سيكون الاختبار النهائي لهذه الاستراتيجية هو قدرة إسرائيل على تحقيق أهداف الحرب في غزة وتدميرها تمهيداً لتهجير سكانها لتكون عبرة لكل الأقاليم والجماعات التي تعرض أمن إسرائيل للخطر.

من المؤسف أنه منذ بدء الحرب أصبحت وجهات النظر تجاه إسرائيل سلبية بشكل متزايد في العديد من البلدان، بما في ذلك الولايات المتحدة. لكن في الوقت الحالي يجب إعطاء الأولوية لأهداف هذه الحرب من دون الإكتراث للإنتقادات الخارجية.

إن السماح لحماس بالبقاء قوة عسكرية وحكومية مهيمنة، سواء بحكم القانون أو بحكم الأمر الواقع، أمر غير مقبول. والسبيل الوحيد للحفاظ على الأمن هو نزع سلاحغزة بالكامل، حتى لو اضطررنا لإستخدام القوة المفرطة إلى أجل غير مسمى.

من الركائز الأساسية لاستراتيجية الأمن القومي الجديدة تعزيز الجهوزية الدائمة لاستخدام القوة لمنع ""الأعداء "" من تطوير قدرات تهدد إسرائيل في الدول العربية و الاسلامية، مثل برنامج إيران النووي وصواريخها الباليستية، في يونيو الماضي، شنت إسرائيل عملية عسكرية غير مسبوقة ضد إيران، برغم إدراكها بالعواقب والأثمان والرد الانتقامي، واحتمال أن تشعل حرباً إقليمية، وحتى بعد وقف إطلاق النار، لم تُغيّر إسرائيل هدفها المتمثل في منع إيران من إعادة بناء قدراتها النووية والباليستية والصاروخية.

اسرائيل اليوم مستعدة لشنّ هجوم جديد إذا لزم الأمر حتى لو أدى ذلك إلى جولات أخرى ومتتالية من القتال. إن زمن الهجمات السرية ضد البرنامج النووي قد ولى، وحان وقت المواجهة المباشرة. كما تصر إسرائيل على ترتيبات مستدامة لمنع إيران من تخصيب اليورانيوم، أو التحكم في دورة الوقود النووي، أو تطوير قدراتها النووية، أو إنتاج صواريخ باليستية وأسلحة دقيقة، وتعمل على أن يتضمن أي اتفاق نووي مرتقب تدابير إنفاذ فعالة، مع إدراكها أن الإنفاذ بدون اتفاق أفضل من اتفاق رسمي لا يلجم إيران و الدول العربية والإسلامية التي تخطط لامتلاك قوة ردع قد تضر بأمن و مصالح إسرائيل، كما تأمل إسرائيل في تشجيع الولايات المتحدة والدول الأوروبية على إعادة فرض عقوبات اقتصادية صارمة، وزيادة عزلة النظام الإيراني و فرض أنظمة العقوبات على اي دولة قد تكون مصدر تهدید آني او مستقبلي لإسرائيل.

الترحيل من غزة.. آت لا محالة

تعني استراتيجية إسرائيل الجديدة أيضاً أن قيادة البلاد لم تعد تقيد نفسها بالنماذج التقليدية للتعامل مع الحرب الدائرة في غزة والصراع المستعر في الضفة الغربية في نهجها الجديد، لا يوجد سوى سبيل واحد لإنهاء حرب غزة: إقصاء حماس وتجريد القطاع من الأسلحة، قتل أو أسر أو نفي الغالبية العظمى من القادة والمقاتلين الفلسطينيين؛ تفكيك أي بنية تحتية تمكن حماس من تصنيع أسلحة أو الحفاظ على حكمها. فلو خرجت حماس من الحرب وهي لا تزال تسيطر على غزة، فسيعتبرها حلفاؤها الإقليميون منتصرة، مما سيشجع جماعات جهادية أخرى على مهاجمة إسرائيل والانتصار. ويرى صناع القرار في إسرائيل ضرورة الاستعداد للسيطرة على أجزاء من القطاع خصوصاً في الشمال وعلى طول الحدود الإسرائيلية - بهدف تحييد الغالبية العظمى من المقاتلين وتدمير الأنفاق والأسلحة. وعلى المدى البعيد، يجب الاحتفاظ بالقدرة على استخدام القوة لاجتثاث الإرهابيين""، حتى لو تولت جهات محلية ودولية مسؤولية الإدارة المدنية في القطاع، في حين أن الهدف الرئيس هو تفريغ غزة من سكانها وتدمير بناها التحتية ومستشفياتها و مدارسها و مساجدها.

على الرغم من دعوة بعض المراقبين إلى إنهاء الحرب واقتراح تمكين جماعات بديلة لإدارة غزة، إلا أن هذه المقترحات ستفشل ما دامت حماس القوة الأقوى في القطاع.

لا ثقة في أن أي قوة حفظ سلام أجنبية ستكون مستعدة أو قادرة على القيام بالعمل الشاق المتمثل في مكافحة ما تبقى من قدرات حماس أو منعها من إعادة بناء قوتها العسكرية.

إسرائيل تنظر إلى الضفة الغربية على أنها أرض متنازع عليها وحق سيادي مشروع وليس محاولة ضم. ولديها حجج قانونية ودبلوماسية وتاريخية قوية لفرض سيادتها عليها

التدبير الأمثل لليوم التالي ما بعد الحرب في غزة هو تنفيذ مشروع الهجرة الطوعية، الذي اقترحه الرئيس الأميركي دونالد ترامب، العديد من قادة العالم رفضوا الاقتراحباعتباره ""غير واقعي "" أو ""خطير""، لكنه من الأفكار القليلة الممكنة للخروج من الصراع المستعصي، ويجب على جيران إسرائيل التعاون في تهيئة الظروف التي تسهل ترحيل الغزاويين إلى دول ثالثة. إن مصر والأردن غير راغبتين في استقبال أعداد كبيرة من سكان غزة، لكن هناك دولاً عربية وإسلامية أخرى قد تكون مستعدة لذلك. ويمكن للولايات المتحدة أيضاً تسهيل العملية من خلال جعل استثماراتها في مشاريع إعادة الإعمار في سوريا مشروطة بأن تقبل حكومة دمشق باستقبال وتوظيف غزاويين للقيام ببعض الأعمال.

ضم الضفة الغربية وتهجير الفلسطينيين مسألة وقت

ينبغي تطبيق مبادئ مماثلة تجاه الضفة الغربية. لقد فشلت اتفاقيات ""أوسلو "" في حل الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، بل وأوحت للقادة الفلسطينيين بأن إسرائيل ضعيفة وبالتالي يمكن الضغط عليها لتتنازل عن أراض لصالح الفلسطينيين.

لا حاجة لتقديم تنازلات أمنية لحماية السلطة الفلسطينية في الضفة من الانهيار لمجرد أنها أفضل من حماس. المطلوب اليوم، وفق النهج الأمني الإسرائيلي الجديد، تكثيف العمليات العسكرية في عمق مناطق الضفة، والحفاظ على وجود عسكري طويل الأمد هناك.

الإسرائيليون لا يثقون بالسلطة الفلسطينية، وبعد هجمات 7 أكتوبر، باتت الأغلبية مقتنعة أن السلطة ليست شريكاً قادراً على ضمان أمنهم. إن حل الدولتين غير ممكن تحقيقه لأن قادة السلطة والعديد من الفلسطينيين لا يزالون يرفضون الاعتراف بشرعية وجود إسرائيل.

بحسب استطلاع للرأي، في مايو 2025، فإن نصف الفلسطينيين في الضفة يعتقدون أن الكفاح المسلحهو أفضل سبيل لإقامة دولتهم.

إن الحل الوحيد الذي تقبله إسرائيل يتطلب من الفلسطينيين نبذ الإرهاب قولاً وفعلاً والالتزام بقبول إسرائيل كدولة يهودية مهيمنة ذات سيادة.

من أجل المضي قدماً في الضفة، ينبغي على إسرائيل تطبيق قوانينها المحلية بشكل رسمي - بدلاً من القوانين العسكرية - على غور الأردن، الذي يخضع 30% من أراضيه تحت السيطرة الإسرائيلية، ويشكل أهمية أمنية كبيرة. ومن شأن هذه الخطوة أن توضح أن إسرائيل تعتزم التمسك بهذه المنطقة بموجب أي ترتيب سياسي مستقبلي، وهو موقف يحظى بإجماع واسع داخل إسرائيل. وبرغم أن بعض النقاد قد يجادلون بأن هذه الخطوات من شأنها أن تنتهك القانون الدولي، إلا أن إسرائيل تنظر إلى الضفة الغربية على أنها أرض متنازع عليها، ولديها حجج قانونية ودبلوماسية وتاريخية قوية لفرض سيادتها عليها. ولذلك، ينظر إليها القادة الإسرائيليون على أنها حق سيادي مشروع وليس محاولة لضم أراضي الآخرين.

القادة الإسرائيليون ما زالوا حذرين من العمل مع قادة إقليميين قد يحملون أيديولوجيات جهادية معادية، مثل الرئيس السوري أحمد الشرع، الذي كان ينتمي سابقاً إلى تنظيم القاعدة

شركاء.. ولكن!

لقد كانت عملية 7 أكتوبر بمثابة تذكير موجع بأن إسرائيل لا تزال تكافح من أجل وجودها. الاستنتاج الذي توصل إليه صناع القرار - والذي يدعمه جزء كبير من الشعب - هو أن على إسرائيل تبني نهج أمني جديد قائم على القوة واستعراض النفوذ، والضربات الاستباقية، وهذا يتطلب تغيير نهجها في الشراكات الحماية استقلاليتها الاستراتيجية.

يؤمن القادة في إسرائيل اليوم بضرورة إقامة علاقات تعاون مع الدول العربية والإسلامية، لكنهم لن يفعلوا ذلك على حساب مصالحهم الأمنية الحيوية. تلتزم إسرائيل بتعزيز اتفاقيات أبراهام"" وبالعمل مع أي من شركائها الحاليين -بما في ذلك البحرين ومصر والأردن والمغرب والإمارات -لتعزيز التنمية الإقليمية ومواجهة إيران والجماعات الإسلامية السنية. كما تهتم بتعزيز المبادرات متعددة الأطراف مثل الممر الاقتصادي الهندي الشرق الأوسط أوروبا، وهو طريق تجاري مقترح يمتد من الهند إلى أوروبا. لكن القادة الإسرائيليين ما زالوا حذرين من العمل مع قادة إقليميين قد يحملون أيديولوجيات جهادية معادية، مثل الرئيس السوري الجديد أحمد الشرع، الذي كان ينتمي سابقاً إلى تنظيم القاعدة.

تظل الولايات المتحدة الحليف الأهم، وتستمر في لعب دور محوري في النموذج الأمني الإسرائيلي الجديد. ولكن يتعين إعادة تقييم جوانب من العلاقة مع واشنطن لإفساحالمجال أمام استقلالية استراتيجية أكبر.

لقد أظهرت الإجراءات التي اتخذها الرئيس الأميركي السابق جو بايدن لمنع أو إبطاء بيع بعض المعدات العسكرية الإسرائيل - والدعم المستمر من بعض المشرعين الأميركيين لفرض قيود أخرى على مبيعات الأسلحة لإسرائيل -الحاجة إلى توسيع الإنتاج العسكري المحلي، وتنويع الشراكات العسكرية، وتعزيز سلاسل التوريد الخاصة.

فبالرغم من دعم ترامب لإسرائيل وتقديمه مساعدات عسكرية جمة، إلا أن القادة في إسرائيل اليوم يدركون ضرورة تطوير شراكات وقدرات جديدة تتجاوز الولايات المتحدة.

ولتحقيق ذلك، يجب استثمار مبالغ طائلة خلال العقد المقبل في تعزيز مشاريع البحث والتطوير والتصنيع العسكري. كما يجب تعزيز مكانة إسرائيل في شراكتها الاستراتيجية من خلال التحول تدريجياً عن الاعتماد المفرط على التمويل العسكري الأميركي والتوجه نحو المشاريع المشتركة مع الدول العربية المطبعة .

تقدر إسرائيل بشدة تحالفها مع أميركا بما في ذلك في مجال التكنولوجيا المتقدمة وتبادل المعلومات الاستخباراتية ولكن في نهاية المطاف يتطلب النهج الإسرائيلي الجديد أن تكون إسرائيل قادرة على العمل بمفردها إذا لم يكن أمامها خيار آخر.

من خلال تبني استراتيجية تُعطي الأولوية للمخاوف الأمنية الحقيقية وليس للدبلوماسية، وبتفضيل التدخل الاستباقي على ضبط النفس التفاعلي، تستطيع إسرائيل أن تعزز و تقوي نفسها لا أن تضعفها . وحتى مع سعيها نحو السلام عليها أن تُدرك الحاجة المستمرة للعمل العسكري في مواجهة التهديدات الإقليمية. وما دام القادة يتبنون هذا النموذج الجديد، فسيضمن حماية إسرائيل ويهيئ الظروف اللازمة لشرق أوسط أكثر استقراراً وازدهاراً.

- ترجمة بتصرف عن ""فورين أفيرز"".

- مائير بن شبات، رئيس معهد مسغاف"" للأمن القومي. شغل منصب مستشار الأمن القومي الإسرائيلي (2021-2017) ، ومناصب قيادية في جهاز الأمن الداخلي الإسرائيلي (الشاباك). 

- آشر فريدمان المدير التنفيذي لمعهد ""ميسغاف"". شغل منصب رئيس الأركان ومنسق الشؤون الدولية الأول في وزارة الشؤون الاستراتيجية الإسرائيلية (2011-2019).

(*) عنوان کتاب ""التاريخ السري لعمليات الإغتيال الإسرائيلية.. انهض واقتل أولاً""، للكاتب الإسرائيلي رونين بيرغمان.

المصدر: فورين افيرز

مقالات ذات صلة