القائمة الرئيسية

نُسِيَتْ طبيعةُ الحرب

نُسِيَتْ طبيعةُ الحرب
ملخص المقال

يستعرض فيليبس بايسون أوبراين في مقاله ثلاثة دروس رئيسية استُخلِصت من عام من الحرب الروسية في أوكرانيا، مفندًا الافتراضات التي سادت في بداية الغزو. أولًا، يوضح أن الحرب نادرًا ما تكون سهلة أو سريعة، بل مليئة بالفوضى والمفاجآت، ويُظهِر فشل روسيا في تحقيق نصر سريع رغم تفوقها العسكري المفترض. ثانيًا، يشدد على أن القوة العسكرية لا تنبع فقط من عدد الأسلحة، بل من عمق القوة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية للدولة، وهو ما فشلت روسيا في توفيره بسبب نظامها الكليبتوقراطي المتدهور. ثالثًا، يُبرز أهمية الهوية الوطنية، مشيرًا إلى أن الروح الوطنية الأوكرانية والدافع الديمقراطي منحاها مرونة وقوة في مواجهة غزو كان يُعتقد أنه سيحسم سريعًا. ويأسف الكاتب لأن هذه الدروس، رغم وضوحها التاريخي، لم تكن مُترسخة قبل اندلاع الحرب.

بقلم: فيليبس بايسون أوبراين

رغم أنّ العواقب المُترتبة على الحرب المروّعة التي تخوضها روسيا في أوكرانيا سوف تتكشف على مدى عقود من الزمن، إلا أن ثلاثة دروس مُستفادة من الصِراع أصبحت واضحة بالفعل ــ وإذا نظرنا إلى الماضي، كان ينبغي لها أن تكون واضحة طوال الوقت. عندما بَدأ الغَزو، قبل عام من الآن، ركَّزت مُعظم التعليقات الخارجية على المزايا التي تتمتّع بها روسيا. ويُقال على نطاق واسع إن جيش الرئيس فلاديمير بوتين يتمتع بقوةٍ جويَّة وقوة نارية عظيمة، وقوة بريَّة سريعة الحركة، وقدرة واسعة النطاق على الحرب السيبرانية – مما يؤكد أن روسيا ستغزو جارتها بسرعة. بَدَت قوتها المزعومة كبيرة جدًا لدرجة أنه عندما كانت القوات الروسية تَعبر الحدود للتَوّ، كان بعض المحلّلين يفكرون في أيّ سياسي أوكراني مُوالي لموسكو قد يقود نظام تابع  (بالإنجليزية: puppet regime) في كييف.

لكن الدَرس الأوّل المُستفاد من أحداث السنة الماضية هو أن الحرب نادرًا ما تكون سهلة أو مباشرة، ولهذا السبب فإن شنّها يكون دائمًا القرار الخاطئ لأيّ دولة. لقد جعلت الولايات المتحدة الحرب تبدو بسيطة في بعض الأحيان، وكان ذلك واضحًا في عام 1991، عندما أخرجت عملية عاصفة الصحراء القوات العراقية من الكويت في شهرٍ ونصف. ومع ذلك، لم يكن هذا النصر ممكنًا إلا بعد مرور عقد من الحشد العسكري الأمريكي ومع توظيف التكنولوجيات العسكرية الأكثر تقدُمًا في العالم. وحتى في ذلك الوقت، كانت السِمة المميزة لحرب الخليج هي أن الولايات المتحدة لم تحاول احتلال مجتمع آخر. وعندما سنحت الفرصة للتقدّم نحو بغداد، تراجعت إدارة الرئيس جورج بوش الأبّ.

وفي العقود الثلاثة التي تَلَت ذلك، أثبتت الولايات المتحدة عمومًا، على الرغم من امتلاكها لأكبر اقتصاد في العالم وأقوى قوات مسلّحة، عدم قدرتها على تحويل هيمنتها إلى انتصارات سريعة، وانتهى بها الأمر بدلاً من ذلك إلى صراعات مطولة ذات نتائج مختلطة في أفضل الأحوال. تبدأ الحروب بسرعة ولكنها تنتهي بشكلٍ فوضوي، ولا أحد يعرف حقًا كيف قد تتصرف الجيوش، والتقنيات  والموارد الاقتصادية عندما تدخل في منافسة حركية. تفشل الخطط، ويسود الارتباك، ويفتح التقدّم العسكري المجال لفترات من الجمود.

كان العام الماضي في أوكرانيا أكثر نموذجية للحرب من عاصفة الصحراء. ولم تكن “القوة الساحقة” التي تتمتع بها روسيا بارزة على الإطلاق، فبدلاً من شَنّ حربٍ حديثة على الأوكرانيين، اعتمدت روسيا على الأسلحة القديمة وهياكل القيادة. وبدلاً من الاستيلاء على كييف في غضون أسابيع، شَهدت القوات الروسية أعطالاً كبيرة في الأنظمة. ومنذ ذلك الحين، تفاقمت المشاكل التي تواجهها روسيا: يغيّر بوتين القادة بالسرعة التي يتم بها تغيير الجوارب، وتدهورت جودة المعدات، وارتفع عدد الضحايا بشكلٍ كبير. والآن تواجه القوات الروسية والأوكرانية بعضها البعض في طوابير طويلة من الخنادق الملطخة بالدماء، ولا يحمل بوتين أملاً كبيرًا في إنهاء الحرب بشروطه.

وعلى الرغم من أن أحد طرفيّ الصراع لا يتمكن أبدًا من التغلب على الجانب الآخر، فإن خطر الفشل مرتفع بالنسبة لقوة معيبة للغاية مثل روسيا. الدرس الثاني المُستفاد من الحرب الحالية هو أن القوة العسكرية ليست أساس القوة الوطنية، بل هي نتاج العوامل الاقتصادية والتكنولوجية والسياسية والاجتماعية التي تشكل القوات المسلحة لأيّ دولة. في بعض الأحيان يظهر الغزو الروسي لأوكرانيا على أنه وضع قوة عظمى في مواجهة قوة صغيرة. في دوائر السياسة الغربية، ساهمت هيمنة الخبراء الرُّوس – الذين قضى الكثير منهم حياتهم المهنية وهم ينظرون إلى روسيا كقوة مهيمنة إقليمية وإلى جيرانها في المقام الأوّل كدول ما بعد الاتحاد السوفيتي – في هذا التأطير للأحداث.

تشكّل روسيا قوة نووية بلا منازع، ولكنها، وفقًا لكل المقاييس الأخرى تقريبًا، متخلّفة إلى حد كبير عن سُمعتها، حيث يعاني الاقتصاد الروسي من عيوب خطيرة. ويحتلّ ناتجها المحلي الإجمالي المرتبة العاشرة على مستوى العالم ويُعادل أقل من عُشر حجم الناتج المحلي الإجمالي في أمريكا. إن روسيا، التي تكتسب قدرًا كبيرًا من ثروتها من خلال استخراج الموارد، لا تنتج إلا القليل من المنتجات عالية التقنية، والقليل من المنتجات الأخرى ذات القيمة الحقيقية. وعلى الصعيد الاجتماعي، تُظهِر روسيا – حيث يتقلص عدد السكان ومتوسط العُمر المتوقع منخفض نسبيًا – علامات الضيق الشديد. ومن الناحية السياسية، فقد تحجَّرت روسيا في ظل دكتاتور عزَّز قبضته على بلاده من خلال التسامح مع الفساد الذي قد يقترفه المقربين من العرش.

بعبارةٍ أخرى، المؤسسة العسكرية الروسية اليوم هي نتاج لانحدار النظام الكليبتوقراطي، وليس نتاج قوة عظمى. ومع ذلك، فإن حتى المراقبين الذين يدركون العوامل التي تستنزف القوة الروسية يقلّلون من أهميتها مقارنة بمجموعات المعدات العسكرية التي تمكَّنت البُنية الاجتماعية المتدهورة في البلاد من إنشائها. 

ومن خلال التغاضي عن نقاط الضعف النظامية في روسيا، ساعد المحلّلون الغربيّون في خلق الفوضى التي تجد الدول الديمقراطية نفسها فيها اليوم. كان الافتراض، استنادًا  إلى أعداد الأسلحة، بأن أوكرانيا أضعف بكثير من أن تقاوم روسيا في قتال مفتوح، مما أدى إلى تأخير تقديم مساعدات عسكرية كبيرة للدولة المحاصرة. وكانت هذه حجة دائرية معاكسة: لأن روسيا قوية وأوكرانيا ضعيفة، فيتعين علينا أن نحجب المساعدة عن أوكرانيا.

ومن حسن الحظ أن هذه الحجة أثبتت استحالة دعمها. والدرس الثالث المُستفاد من هذه الحرب – والعديد من الحروب الأخرى منذ عام 1945 – هو أن التقليل من أهمية الهُويَّة الوطنية يؤدي إلى كارثة عسكرية. وفقًا للمعايير التقليدية، فإن أوكرانيا أقوى بكثير مقارنة بروسيا اليوم مما كانت عليه أفغانستان بالنسبة للاتحاد السوفييتي في الثمانينيات، ومن فيتنام الشمالية بالنسبة للولايات المتحدة في الستينيات. لقد شعرت كلتا القوتين العظميين في الحرب الباردة بالذل بسبب محاولتِهما قمع المقاومة المحلية بالقوة، واضطرت كل منهما إلى الانسحاب.

ومع ذلك، في مُقدمة الغزو الروسي لأوكرانيا، وخلال جزء كبير من العام الماضي، فشل كثيرون في الغرب في احترام مدى تقدير الأوكرانيين لاستقلالهم وديمقراطيتهم. ويبدو أن بعض الباحثين الذين يركزون على روسيا قد قَبلوا وجهة نظر موسكو بشأن أوكرانيا باعتبارها كيانًا ضعيفًا ومصطنعًا يتمتع بدعم شعبي سطحي. وركز المتشككون في دعم الناتو لكييف على الفساد الأوكراني (في حين تجاهلوا تأثير الفساد على القوة الروسية). وفي الحالات القصوى، شكّك بعض المحللين في أن الأوكرانيين سيهتمون بما يكفي لمواصلة التمرد ضد المحتلين العسكريين الرُّوس.

تبدو مثل هذه الأحكام والشكوك الآن حمقاء. كانت الهُويَّة الأوكرانية قوية وحازمة منذ البداية. لقد تجاهل العديد من المحللين المزايا العسكرية التي تتمتع بها الديمقراطيات – حتى الديمقراطيات غير الكاملة – على الأنظمة الدكتاتورية. على الرغم من أن الديمقراطيات تبدو في كثير من الأحيان فوضوية ومنقسمة عندما تتعرض للتهديد، إلا أنها قادرة على الرد بقوة ومرونة وذكاء أكبر، ويرجع ذلك جزئيًا إلى شعور مواطنيها بالقدرة على الارتجال والمبادرة مع تغيّر الظروف القتالية. وقد صَدَق هذا النمط في أوكرانيا، فعلى الرغم من امتلاكها في البداية لعددٍ أقل من الأسلحة المتقدمة، إلا أن أوكرانيا قاتلت بقوة، مما ألحق عواقب وخيمة على روسيا، التي فقدت ما يقدر بنحو نصف الدبابات القتالية الرئيسة التي كانت تمتلكها في بداية الحرب.

وكانت النتائج هائلة إلى الحد الذي أدى لتغيير آراء بعض المعلّقين الذين قلَّلوا في السابق من فرص أوكرانيا، فوزير الخارجية السابق للولايات المتحدة هنري كيسنجر، الذي قال إن البلاد يجب أن تظل محايدة بين الغرب وروسيا، كان يصرّ العام الماضي على أن تقدم كييف تنازلات إقليمية. وفي وقت سابق من هذا العام، أعرَب عن دعمه لعضوية أوكرانيا في الناتو.

إنّ الدروس الثلاثة المُستفادة من العام الماضي – الحرب ليست سَهلة على الإطلاق، حيث لا تعتمد القوة على الأسلحة فحسب، لأن الهُويَّة الوطنية لها قِيمة عسكرية أيضًا، إذ تُشعِر مؤيدي الديمقراطية بالراحة والثبات. لكن المأساة الكبرى هي أنّ هذه الدروس تطلَّبت إعادة التعليم، ولم تترسخ من قَبل.

المصدر

 

مقالات ذات صلة