زرت بكين وهونغ كونغ الأسبوع الماضي ، وتأكد لدي خلال هذه الزيارة التي امتدت لأسبوعين أن ""الولايات المتحدة في عالم اليوم هي قوة ثورية -وبشكل أدق، رجعية - في حين أن الصين الشيوعية المفترضة هي قوة الوضع الراهن
يحب حكام الصين الطريقة التي يسير بها العالم بالرغم من ان الصين نفسها ليست راضية عن توجهات و استفزازات ترامب المتتابعة إدراكاً من نخبها للتحديات الاقتصادية والأمنية و الجيوسياسية التي تؤثر على نموها الاقتصادي و ريادتها الدولية ، تعرف أنه يتعين عليها تغيير الكثير لكن الصين أيضا تفضل إلى حد كبير العالم الذي يحاول الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تدميره و لیس العالم الفوضوي الذي يحاول خلقه.
بالنسبة للغرباء، فإن استخلاص أي استنتاجات ذات شأن من زيارة قصيرة إلى هذا البلد الشاسع أمر بطولي لاسيما لشخص عرف الصين على مدى أربعين عاماً فقد كان ازور الصين مرة واحدة على الأقل في السنة منذ عام 1993، وتابعت تطور اقتصاد الصين عن كثب وتعرفت على عدد من الأصدقاء الصينيين بين نخبة السياسة المتعلمة في الغرب. كان صعود الصين إلى حد بعيد أكبر قصة اقتصادية وسياسية في حياتي. و في هذه المرحلة الحساسة من التاريخ والتحول الجيوسياسي العالمي و الذي تلعب الصين خلاله دوراً أساسياً ربما يتوجب على المرء أن يحاول فهم ما يعنيه ترامب للصين والصين للعالم.
و هذا ما تعلمته وأحاول مشاركته معكم
أولاً: محاولة فهم تأثير ما يقوم به ترامب على الصين يتطلب فهماً عميقاً للتحول السياسي والاقتصادي الرحلة الصين من الانغلاق إلى الريادة الاقتصادية و الصناعة والتصدير ، بدأ الصينيون بالتخلص بهدوء و ذكاء من أعباء ثورتهم الثقافية ذات النهج الشيوعي و التي بدأت منذ ما يقرب من 60 عاماً. استخدم ماو تسي تونغ هيبته كزعيم تمرد لشن حرب على النخب البيروقراطية والثقافية في الصين. يستخدم ترامب أيضا سلطته كزعيم منتخب لحركة تمردية للإطاحة بالنخب البيروقراطية والثقافية في الولايات المتحدة. يتم تقاسم الكراهية الشديدة للثورة الثقافية على نطاق واسع بين الأعضاء الأكبر سناً على الأقل في النخبة الصينية اليوم. وفي نفس السياق هم لا يحبون ثورة ترامب أيضاً و هناك شعور مشترك لدى النخبة الصينية أن ترامب يقود تمرداً ذا نهج مشابه لما كان يقوم به ما و قبل ستين عاماً.
ثانياً: أعجب العديد من أولئك الذين تمكنوا من الهروب من الصين في الثمانينيات والتسعينيات ليصبحوا متعلمين في جامعات النخبة الغربية بالقيم التي رأوها في الغرب لاسيما سيادة القانون والحرية الشخصية والعلوم الحديثة التي شكلت جوانب مثيرة للإعجاب بالنسبة لهم. لكن ما يحدث الآن في أمريكا مؤلم ويمثل بالنسبة لهم خيانة الولايات المتحدة لمبادئها التي جذبهم بريقها لعقود طويلة.
ثالثاً: يدركون أن ما يحدث للولايات المتحدة له جوانب واضحة لبلدهم. لقد اتضح للجميع تقريباً الآن أن توقيع ترامب لا قيمة له الرجل الذي يحاول هدم الاقتصاد الكندي بعدوانية و لا مبالاة لن يكون صديقاً موثوقاً به لأي حليف آخر. لذلك من المرجحأن تكون التحالفات التي ستحتاجها الولايات المتحدة لتحقيق التوازن مع الصين هشة للغاية. ينطبق هذا حتى على اليابان وكوريا الجنوبية، ناهيك عن الجيران الآخرين. في هذه البيئة لا بد أن تهيمن الصين القوة التجارية الرئيسية لآسيا والمحيط الهادئ، فضلا عن القوة العسكرية المتصاعدة بسرعة، ليس فقط على المنطقة، ولكن أبعد من ذلك بكثير. حتى أوروبا، التي تهتم بروسيا والتي تخلت عنها الولايات المتحدة علناً ستسعى إلى إقامة علاقة أكثر ودية مع الصين. لا بد أن تعني ""أمريكا أولاً"" الذي ما فتئ ترامب يردده في كل مناسبة بحمل من جانب آخر رسالة تدمير و تخريب متعمد لاقتصادات صديقة للولايات المتحدة الأمريكية و ان أثر هذا الشعار سيضر أمريكا أولاً.
رابعاً: أعطت ديب سيك DeepSeek الصينيين دفعة كبيرة في الثقة. إنهم يعتقدون أن الولايات المتحدة لم تعد قادرة على منع صعودهم الاقتصادي والجيوسياسي. أوضح أحد أصدقائي المقربين أن الوئيد الصيني شي جين بينغ لديه ثلاثة
أهداف:
- استقرار النظام
- الريادة التقنية
- النمو الاقتصادي والسيادة من خلال التموضع الاستراتيجي في سلاسل الامداد العالمية
إنهم أكثر ثقة اليوم مما كانوا عليه قبل بضع سنوات. هذا لا يتعلق فقط بشركة ديب سيك DeepSeek ولكن أيضا بالهيمنة الصينية على قطاع الطاقة
النظيفة"".
من جهة أخرى يعتقد الكثيرون أن التحديات الديموغرافية للصين لا بد أن تدمر
الاقتصاد.
لكن المشكلة الآن هي وجود عدد قليل جداً من الوظائف الجيدة وليس عدد قليل جداً من العمال. إنها مشكلة في الطلب، وليست مشكلة
محتملة في العرض. سيظل هذا هو الحال لفترة طويلة، بسبب فائض العمال الريفيين.
خامساً: مشكلة الطلب هذه ضخمة بالفعل، كما جادلت في الماضي، ولكنها ليست غير قابلة للحل. في مناقشاتي في الصين، كان التركيز، كما كان لسنوات عديدة على القضايا قصيرة الأجل نسبياً، مثل ضعف قطاع العقارات، وتأثير انخفاض أسعار المنازل على الميزانيات العمومية للأسر الصينية من الطبقة المتوسطة، وعواقب هذه التغييرات على الشؤون المالية للسلطة المحلية وانخفاض أسعار التجزئة. كل هذا يذكرنا بظواهر مشابهة شهدها اقتصاد اليابان بعد الفقاعة. ومع ذلك، فإن هذه في الواقع مشاكل هيكلية وليست دورية الحقيقة الأساسية هي أنه كما حدث سابقا مع اليابان وكوريا الجنوبية، فإن القدرة على استثمار مدخرات الصين الهائلة لا تزال أكثر من 40 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي) قد انهارت الآن بشكل مثمر. أحد الأدلة على ذلك هو القفزة الهائلة في نسبة الناتج
الرأسمالي الإضافية - نسبة معدل الاستثمار إلى معدل النمو الاقتصادي.
خلال الجزء الأول من هذا القرن، تم ملء فجوة الطلب جزئياً بفائض ضخم في الحساب الجاري. ثم عندما أصبح هذا مستحيلاً بعد الأزمة المالية، امتلأت الفجوة الأكبر التي ظهرت بعد ذلك بزيادة هائلة في الاستثمار في العقارات والبنية التحتية. الأول يسقط بالفعل. لكن الاستثمار أكثر في التصنيع يضمن فقط المزيد من القدرة الزائدة وبالتالي الحماية التي تهدف إلى الطفرات الحتمية للصادرات الصينية. وبالتالي سيحذو الأوروبيون حذو ترامب في الواقع سيفعلون ذلك بسبب تحويل صادرات الصين إلى أسواقهم التي ستتبع من مثاله.
في الوقت الحاضر، يشير صانعو السياسات الصينيون إلى ""الاستثمار في الاستهلاك"". إنه مفهوم مثير للاهتمام. ومع ذلك، فإن المتطلبات الرئيسية هي خفض معدل المدخرات عن طريق تحويل الدخل نحو ادخارات الأسر المتوسطة ، وتطوير شبكة الأمان الاجتماعي وزيادة الاستهلاك العام.
باختصار، يعتقد الصينيون أنهم يستطيعون النجاة من هجوم ترامب اذ يعتقد الكثيرون أنه قد يساعدهم، من خلال تدمير مصداقية الولايات المتحدة و تحالفاتها واسواقها التقليدية في العالم. هذا لا يعني أن الصين سوف تنتصر. ولكن، كما هو الحال عادة بالنسبة للقوى الكبرى، فإن أكبر تحدياتها هي في الداخل، وليس في الخارج.ك
الكاتب : مارتن وولف هو كبير الكتاب الاقتصاديين في صحيفة فاينانشيال تايمز و هو مختص بالاقتصاد الصيني على مدى الأربعين عاماً الماضية وكان يزور الصين سنوياً على مدى الثلاثين عاماً الماضية.
