بعد اجتماع المنتدى الاقتصادي العالمي السنوي في دافوس لعام 2025، أصبحت الحاجة الملحة لمعالجة التلوث وفقدان التنوع البيولوجي أكثر وضوحًا من أي وقت مضى. وفقًا لأحدث تقرير عن المخاطر العالمية، أصبح التلوث الآن من بين أهم عشرة تهديدات بيئية على مستوى العالم، وله عواقب بعيدة المدى على التنوع البيولوجي، وصحة الإنسان، والاقتصاد العالمي. والأكثر أهمية، تم تحديد فقدان التنوع البيولوجي وانهياك النظم البيئية كأخطر المخاطر طويلة الأمد التي تواجه عالمنا.
يعد التلوث البلاستيكي مسببًا صامتًا لتعطيل النظم البيئية، حيث يهدد التنوع البيولوجي على اليابسة وفي المياه من خلال تغيير المواطن، وإدخال السموم، وتدمير الروابط الحيوية في سلاسل الغذاء. وفي إطار إطار العمل العالمي للتنوع البيولوجي في كونمينغ-مونتريال (KMGBF)، الذي يؤكد على ضرورة اتخاذ إجراءات منسقة عالميًا لمعالجة تحديات التنوع البيولوجي، بما في ذلك الهدف السابع المتعلق بتقليل التلوث، والهدف التاسع عشر حول تعبئة الموارد المالية، أصبح التصدي للتلوث البلاستيكي أمرًا لا يمكن التنازل عنه – بل هو ضرورة.
علاوة على ذلك، فإن التلوث البلاستيكي هو قضية شاملة تؤثر على البيئات الطبيعية والحضرية على حد سواء. تمثل المناطق الحضرية، كونها مراكز للابتكار والنشاط الاستهلاكي، فرصًا فريدة لتطوير وتنفيذ حلول قابلة للتوسع لمكافحة التلوث البلاستيكي.
تلوث البلاستيك: تهديد متزايد للتنوع البيولوجي
من أعماق المحيطات إلى البراري النائية التي لم يمسها البشر، تتسلل النفايات البلاستيكية وتعطل العالم الطبيعي بطرق غير مرئية ولكنها مدمرة. لقد تسربت الجزيئات البلاستيكية الدقيقة إلى تربة الأرض، والأنهار، والبحار، مما يزعزع بهدوء الشبكة المعقدة للحياة التي تحافظ على توازن النظم البيئية. بالنسبة للحياة البرية، فإن الرهان هو الحياة أو الموت: يتم اصطفاف الحيوانات بواسطة الحطام البلاستيكي أو تبتلعه، مخطئة إياه كطعام، مما يؤدي إلى إصابات أو تسمم سام أو مجاعة. ولا تتوقف تأثيرات هذه الدوامة عند هذا الحد - فالنظم البيئية بأكملها تتعثر تحت تراكم النفايات البلاستيكية، مما يفقدها قدرتها على الحفاظ على التنوع البيولوجي أو توفير وظائف حيوية مثل امتصاص الكربون وتنقية المياه. إن تلوث البلاستيك ليس مجرد نفايات منتشرة على كوكب الأرض؛ بل هو تمزق لأنظمة دعم الحياة التي تعتمد عليها الأرض.
تعتبر المناطق الحضرية، باعتبارها مراكز للنشاط البشري وتوليد النفايات، مصدرًا لهذه الأزمة المتزايدة وضحية لها في الوقت ذاته. في المساحات الخضراء والزرقاء الحضرية، والأراضي الزراعية أو المواقع السياحية مثل المتنزهات الوطنية، يصبح تلوث البلاستيك أكثر وضوحًا ويؤثر على الصحة البدنية والعقلية والاجتماعية ورفاهية السكان في المناطق الحضرية والمجتمعات الريفية. وإذا تم توعية الناس بتأثير تلوث البلاستيك على التنوع البيولوجي، فإنهم يصبحون في وضع فريد للقيادة في مواجهة تلوث البلاستيك واستعادة التنوع البيولوجي من خلال سياسات مبتكرة وإجراءات محلية.
في مدينة بوانافنتورا: حل مجتمعي مدفوع بالابتكار
تعد بوانافنتورا، الميناء الرئيسي على الساحل الهادئ لكولومبيا، جزءًا من منطقة تشوكو البيوجغرافية التي تُعتبر واحدة من أكثر المناطق تنوعًا بيولوجيًا في العالم. ورغم ثروتها البيئية الكبيرة، تواجه بوانافنتورا تحديات اجتماعية واقتصادية صعبة، حيث تصدرت قائمة البلديات الأقل تطورًا في منطقة فالي ديل كاوكا وفي كولومبيا بشكل عام.
وتفاقم أزمة إدارة النفايات هذه التحديات بشكل أكبر. إذ ينتج السكان في بوانافنتورا حوالي 163,000 طن من النفايات الصلبة يوميًا، ورغم ذلك لا توجد المدينة مكب نفايات دائم. المكب الصحي الموجود قد وصل إلى سعته القصوى، وتم استبداله بخلايا طارئة، وهي حل مؤقت يتم استخدامه للتخلص من النفايات في حالات الطوارئ. وعلى الرغم من أن الحكومة المحلية قد عملت على توسيع سعة المكبات في السنوات الأخيرة، إلا أن غياب نظام مستدام وطويل الأمد لإدارة النفايات يجعل النظم البيئية والمجتمعات المحلية عرضة للضرر.
في مواجهة هذه القضايا الملحة، أسست ماريا تيريزا سينيستيررا، المديرة التنفيذية لـ ""Gestores Ambientales del Pacífico"" (GESAMPA)، إلى جانب إميليانو زامبرانو، المدير، هذه المبادرة في عام 2017. وتهدف هذه المبادرة إلى معالجة التحديات المعقدة التي تشمل الفقر المدقع، والتفاوت الاجتماعي، وتدهور البيئة. تأسست المبادرة بهدف شامل لتحقيق التغيير، حيث تركز على استعادة النظم البيئية وتوفير فرص اقتصادية لتحسين نوعية حياة المجتمعات المحلية.
تعتبر بوانافنتورا مثالًا حيًا على التحديات التي تواجه تقديم حلول مستدامة في المناطق النائية. وفي هذه المنطقة الغنية بالتنوع البيولوجي، تبرز GESAMPA كمبادرة مجتمعية مبتكرة، حيث حولت النفايات البلاستيكية إلى فرص تعود بالنفع على البيئة والاقتصاد المحلي. ومن خلال دمج الاستدامة مع نموذج تجاري ذكي، أثبتت GESAMPA أن مواجهة تلوث البلاستيك يمكن أن يكون له تأثير إيجابي على تمكين المجتمعات المحلية، وإحداث تغيير حقيقي، حتى في السياقات الأكثر تحديًا.
تحويل النفايات إلى فرص
شهدت ""GESAMPA"" نموًا مطردًا لتصبح رائدة إقليمية في جمع النفايات وإعادة التدوير. ويوظف المركز التابع لها ستة عمال دائمين وأربعة عمال مؤقتين، كما يوفر دعمًا اقتصاديًا لـ 300 عائلة تشارك في أنشطة جمع النفايات. في البداية، كانت أنشطتها مقتصرة على مركز مدينة بوانافنتورا، ولكنها الآن تدير 12 نقطة جمع في المناطق الحضرية المجاورة، مما يعزز نطاق تأثيرها بشكل كبير.
تتعامل المنظمة مع مجموعة متنوعة من المواد مثل الكرتون والألومنيوم والورق والترا باك والبلاستيك، مما يجعلها لاعبًا أساسيًا في إدارة النفايات على المستوى الإقليمي. تتجاوز برامجها إعادة التدوير لتشمل مبادرات مبتكرة يقودها المجتمع، مثل:
• متجر ""دون تروكي"": متجر متنقل يبادل الطعام مقابل النفايات بعد الاستهلاك، حيث يشارك فيه 500 أسرة ويجمع 2800 كيلوغرام من المواد القابلة لإعادة التدوير.
• إيكوجول: دورة كرة قدم تتطلب من الفرق ""دفع"" رسوم دخولها بنفايات بلاستيكية مُجمعة، مما يساهم في رفع الوعي لدى 520 شابًا ويسترد 5800 كيلوغرام من النفايات.
• حراس المنغروف: برنامج يحفز 120 امرأة على إزالة حوالي 6900 كيلوغرام من النفايات من نظم المنغروف البيئية، مما يعيد تأهيل المواطن البيئية الحيوية ويولد دخلًا للمشاركين.
تم جمع هذه الكميات من النفايات خلال الفترة من 2017 إلى 2019.
توسيع الحلول المحلية بدعم عالمي
يُظهر نجاح ""GESAMPA"" الإمكانيات التحولية للعمل المجتمعي المحلي في مواجهة تلوث البلاستيك وعدم المساواة الاجتماعية والاقتصادية، ويسهم في بناء مستقبل مستدام يزدهر فيه الإنسان والطبيعة معًا. من خلال دمج إدارة النفايات مع استعادة النظم البيئية وتوليد سبل العيش، تخلق ""GESAMPA"" نموذجًا قابلًا للتكرار لتعزيز المرونة. وفي هذا السياق، تشير ""المرونة"" إلى قدرة المجتمعات على التكيف مع التحديات البيئية والاجتماعية والاقتصادية والتعافي منها، مما يمهد الطريق لتحقيق استدامة طويلة الأمد وتحسين رفاهية الأفراد.
ومع ذلك، يتطلب توسيع المبادرات مثل ""GESAMPA"" أكثر من مجرد الابتكار المحلي – بل يحتاج إلى دعم عالمي قوي. غالبًا ما تواجه المجتمعات المحلية عقبات كبيرة مثل الوصول المحدود إلى التمويل، والبنية التحتية غير الكافية، ونقص الخبرات التقنية، مما يحد من قدرتها على معالجة القضايا النظامية بشكل فعال. يمكن للدعم العالمي أن يساهم في سد هذه الفجوات من خلال تحفيز الموارد المالية، وتعزيز نقل التكنولوجيا، وتوفير فرص بناء القدرات. الوصول إلى التمويل، والخبرات التقنية، والتوافق مع الأطر الدولية مثل إطار التنوع البيولوجي في كونمينغ-مونتريال (KMGBF) أمر بالغ الأهمية. هذه الأدوات تمكّن المنظمات المحلية من توسيع تأثيرها، ومعالجة التحديات النظامية، والمساهمة في تحقيق أهداف التنوع البيولوجي والمناخ على الصعيد العالمي.
ربط تلوث البلاستيك، التنوع البيولوجي، ومرونة المدن
تعد الحلول القائمة على الطبيعة (NbS) واستعادة النظم البيئية الحضرية أدوات حاسمة في مكافحة تلوث البلاستيك. تظهر مبادرات مثل ""GESAMPA"" كيف يمكن لهذه الأساليب أن تحقق فوائد مزدوجة: تقليل تلوث البلاستيك وتعزيز التنوع البيولوجي. على سبيل المثال، فإن إعادة تشجير المناطق الحضرية المحيطة لا تقتصر على تحسين خدمات النظام البيئي مثل تحسين جودة الهواء وتنظيم درجات الحرارة، بل تدعم أيضًا ممارسات إدارة النفايات المستدامة، مما يخلق دورة إيجابية تفيد كلا من النظم البيئية والمجتمعات.
في المناطق الحضرية، حيث تتراكم نفايات البلاستيك دون رقيب، يمثل دمج الحلول الطبيعية مع البرامج المجتمعية المبتكرة مسارًا قويًا نحو التعافي. هذه الحلول لا تحمي التنوع البيولوجي فحسب، بل تعزز أيضًا قدرة المدن على التكيف مع التحديات المناخية مثل الفيضانات وارتفاع درجات الحرارة.
الإطارات العالمية والعمل المحلي: دور شراكة العمل من أجل البلاستيك (GPAP)
تبعث المبادرات مثل ""GESAMPA"" رسالة قوية وواضحة: مع الدعم المناسب، يمكن للعمل المحلي أن يتحول إلى قوة مؤثرة في إحداث التغيير العالمي.
إن التصدي للتحديات المزدوجة المتمثلة في فقدان التنوع البيولوجي وتلوث البلاستيك يتطلب التنسيق بين الإطارات العالمية والتنفيذ المحلي. وتُعد شراكة العمل من أجل البلاستيك (GPAP)، وهي مبادرة من المنتدى الاقتصادي العالمي لمكافحة تلوث البلاستيك، مثالاً حيويًا على كيفية ردم هذه الفجوة عبر منصات متعددة الأطراف.
منذ تأسيسها في عام 2018، كانت ""GPAP"" في المقدمة في تحويل الالتزامات العالمية إلى استراتيجيات قابلة للتنفيذ. من خلال شراكات العمل الوطنية لمكافحة البلاستيك (NPAPs)، تتعاون ""GPAP"" مع الحكومات والقطاع الخاص والمجتمع المدني لإنشاء خرائط طريق مخصصة للتعامل مع تلوث البلاستيك، مع الأخذ في الاعتبار السياقات المحلية والأولويات الخاصة بكل منطقة.
في يناير 2024، تعاونت ""GPAP"" مع حكومة كولومبيا لتأسيس ""NPAP كولومبيا""، الذي يتم تنفيذه محليًا بواسطة WWF كولومبيا. هذه الشراكة تجمع بين الحكومة والمجتمع المدني والأوساط الأكاديمية والقطاع الخاص لتطوير خريطة طريق فعّالة للحد من تلوث البلاستيك، التي من المقرر إصدارها في عام 2025.
ولتعزيز دورها، تتوسع ""GPAP"" أيضًا لتتطرق إلى العلاقة بين تلوث البلاستيك والتنوع البيولوجي. وبالدعم من حكومة كندا، يركز هذا المسار الجديد على حماية النظم البيئية من خلال استهداف المناطق الأكثر تضررًا من تلوث البلاستيك، بهدف الحفاظ على سبل العيش، وتعزيز مرونة النظم البيئية، وتحقيق أهداف التنوع البيولوجي والاستدامة العالمية.
من خلال الجمع بين الإطارات العالمية والخبرات المحلية والعمل الفعّال، تُظهر ""GPAP"" كيف يمكن أن يؤدي التغيير المنهجي إلى تحقيق تقدم بيئي ملموس وفعّال.
المصدر: المنتدى الاقتصادي العالمي
