كان يا ما كان في قديم الزمان رجل من أحد الأسر الحاكمة الغنية من سلالات قبائل الفايكينح في مقاطعة نرويجية رزق بثلاث فتيات جميلات توفيت أمهن وهي تلد الابنة الثالثة.
كبرن في كنف رعايته و حبه و دلاله لهن وعنايته بهن حتى أصبحن في عمر الزواج وكن كلهن غاية في الجمال، لكن أكبر هن كانت الأجمل بين الثلاث، وكانت أيضاً الأذكى ولكنها كانت عنيدة صلبة المراس متغيرة المزاج لا يعصى لها أمر و لا ترد لها رغبة.
كان والدها لطيفاً ومحباً و ودوداً، لكنها مع ذلك اعتادت على مشاكسته و تحديه والشجار مع أختيها رغم شدة تهذيبهما.
جاء الكثير من الخطاب من النبلاء وأبناء الأمراء و الأثرياء إلى والدهن في القصر المنيف في مزرعته المترامية الأطراف لكنه كان يخشى ان ابنته الكبرى شرسة جداً و غير مبالية و متقلبة المزاج و لن يطيق التعامل معها و الحال هكذا زوج مهما بلغ من الصبر والحكمة.
في احد الأيام طرق باب الوالد الثري أحدهم راغباً بالزواج من الابنة الكبرى فقال المزارع إنه لا يعارض مصاهرته ولكن في الوقت نفسه ظن أن من واجبه أن يطلعه على سوء طبعها و يقول له الحقيقة.
قال له محذراً إن ابنته الكبرى عنيفة جداً وعنيدة ولن يستطيع رجل العيش معها بسلام. وكتعويض عن هذه الشوائب سيحصل على ثلاثمئة باوند ان هو تتزوج الفتاة الكبرى ويتحمل مهرها و هو أمر لن يفعله مع أختيها.
هذا العرض كان بالطبع مغرياً جداً ولكن الشاب فكر بالأمر بعدما قام بزيارة المزرعة مرات عدة و شهد مدى اعتدادها بنفسها و شراستها و تقلب مزاجها ، و ما كان منه الا ان غير رأيه وطلب يد اختها الوسطى التي قبلت به وكان والدها موافقاً ومستعداً فتزوج الاثنان وعاشا سعيدين معاً.
ثم جاء خاطب آخر واراد أن يتزوج الابنة الكبرى أيضاً. حذره الوالد كما حذر الخاطب الأول وأخبره أنها ستحصل على ثلاثمئة باوند أكثر من أختها الصغرى. ولكن يجب أن يكون حذراً لأنها عنيدة وتثير المتاعب ولا أحد يستطيع العيش معها بسلام فغير الخاطب الثاني رأيه و طلب يد الابنة الصغرى ، وهكذا تزوجا وعاشا سعيدين.
بقيت الآن الابنة الكبرى وحدها مع والدها ولكن لم تكن معاملتها له أفضل من قبل، بل أصبحت سيئة الطباع و أكثر سوءاً من ذي قبل لأن أختيها وجدتا زوجين قبلها و ظلت عنيدة تثير المشكلات، وقد ازداد الأمر سوءاً و طبعها شراسة و عناداً مع الأيام.
وأخيراً جاء خاطب آخر من نبلاء قبائل الفايكنج الدنمركية في الجوار . لم يكن الشاب من منطقتهم ولا من بلادهم ولكن من بلاد نائية خلف النهر بالقرب من الحدود الدنمركية النرويجية.
جاء الشاب إلى المزارع الثري وطلب يد ابنته الكبرى. قال له الوالد : لا أريدها أن تتزوج البتة. سيكون من العار أن أسمح لها بذلك فهي سيئة الطباع وعنيفة. لا يمكن لأي كائن بشري أن يعيش معها بسلام. ولا أريد أن أكون سبب هذه التعاسة لك ولها و لا ان اتحمل تأنيب ظميري طوال حياتي».
لم يغير الخاطب رأيه فهو يريدها مهما كانت عيوبها.
أخيراً، استسلم الوالد شريطة أن تكون ابنته مستعدة للزواج به، لأنه رغم كل شيء، سيسعد بالتخلص منها. وبما أنه أخبر العريس بكل ما يتعلق بها، فإن ضميره مرتاح تماماً. وقد تودد الشاب إلى الفتاة وهي لم تتردد طويلاً بل وافقت على عرضه لأنها سئمت من الجلوس في المنزل كعانس مذمومة.
أخبرهما العريس أنه ليس لديه الوقت للبقاء معهما وأنه يجب أن يعود في الحال وما إن يُحدّد موعد الزفاف سيعود و يصحبها إلى دياره.
وقال لهم ألا ينتظروه في المزرعة يوم الزفاف لأنه سيظهر في الكنيسة في الوقت المناسب. وحين جاء اليوم الموعود ، أخذ المزارع الثري ابنته إلى الكنيسة حيث كان ينتظرهم الضيوف، أي أختا العروس وزوجاهما وجيرانهم وأقاربهم وكل الناس الذي أتوا بلباس العرس، وكان العريس أيضاً موجوداً ولكن بثياب السفر العادية.
سار العروسان حتى الكنيسة وتزوجا، وما إن انتهت المراسم حتى أخذ العريس زوجته الشابة بيدها وأخرجها من الكنيسة وأرسل برسالة إلى حماه معتذراً له غيابه عن الوليمة المعدة للاحتفال بزواجهما لانه ليس لديه الوقت ليضيعه. لم يجلب العريس عربة معه كما جرت العادة في الأعراس بل سافر على ظهر حصان كبير و معه مسدسات محشوان في خرج الحصان.
لم يجلب معه أصدقاء وأقرباء بل مجرد كلب كبير أقعى قرب الحصان خلال المراسم بانتظار العروس.
حمل العريس زوجته ووضعها على السرج كأنها ريشة، ثم قفز راكباً وانطلق مع الكلب الذي كان يهرول خلفه أما الضيوف الذين كانوا واقفين مشدوهين عند باب الكنيسة فنظروا إلى المشهد بتعجب وحيرة . ثم دخلوا عرباتهم وذهبوا إلى المنزل للمشاركة بالاحتفال من دون العروسين. لم تحبذ العروس مغادرتها بهذه السرعة ولكن بما أنها لم ترد أن تتشاجر مع عريسها بهذه السرعة، فقد حافظت على رباطة جأشها لفترة ، وبما أنه لم يتكلم فقد قررت أن تكسر الجليد في النهاية وقالت إن الحصان الذي يركبانه يعجبها أجابها: «نعم. لدي سبعة جياد أخرى في اسطبل المزرعة ولكن هذا هو المفضل لدي. إنه أكثر قيمة من غيره وأنا أحبه أكثر ». ثم قالت إنه أعجبها الكلب الجميل أيضاً . فأجابها: «إنه بالفعل جوهرة الكلاب وقد كلفني الكثير من المال».
وبعد فترة وصلا إلى الغابة حيث ترجل العريس عن حصانه و قطع غصناً صغيراً من شجرة الصفصاف وجرح إصبعه ثلاث مرات وهو يلويه على شكل خاتم ثم ربطه بخيط وأعطاه لعروسه وقال لها : هذه هي هديتي لك بمناسبة الزفاف. اعتني بها واحمليها معك دائماً ! لن تندمي على ذلك.
ظنت العروس انها هدية غريبة ولكنها وضعتها في جيبها وانطلقا مجدداً، وبعد فترة أوقعت العروس قفازها، فقال العريس للكلب «التقطه يا فيدو» ، ولكن الكلب لم ينتبه إلى ما قاله سيده ولم يتمكن الكلب من التقاط القفاز قبل ان يسقط على الأرض. حينها أخرج العريس المسدس من جرابه وأطلق النار على الكلب ، وانطلق غير مبال تاركاً إياه غارقاً في دمه ميتاً على الأرض. قالت له العروس: «كيف يمكنك أن تكون قاسياً؟ أجابها: أنا لا أكرر كلامي مرتين وأكملا طريقهما بسكون
وبعد فترة وجيزة، وصلا إلى جدول ماء متدفق اضطرا إلى أن يقطعاه. وبما أنه لا يوجد جسر على الجدول، فقد قال الرجل لحصانه: انتبه لا أريد أن يتسخ ثوب عروسي !» وحين قطعوا الجدول، تبين أن الثوب اتسخ كثيراً بالوحل. أنزل الزوج عروسه عن الحصان وأخذ المسدس الآخر وأطلق النار على الحصان فخر صريعاً. صرخت العروس يا إلهي يا للحصان المسكين!
أجابها العريس: نعم مسكين ولكني لا أكرر كلامي مرتين. أخذ السرج واللجام عن الحصان الميت حمل اللجام والغطاء بنفسه وأعطى السرج لزوجته لتحمله قائلاً لها: تستطيعين أن تحملي السرج فقد اقتربنا من البيت». انطلق الزوج بسكون وحملت العروس السرج وتبعته، لم تكن ترغب بتكرار ذلك مرتين.
وصلا إلى منزله وكانت مرزعة رائعة فقد هرع الخدم رجالاً ونساء للترحيب به واستقباله فقال لهم الزوج: هذه هي زوجتي وسيدتكم. يجب أن تنفذوا ما تأمركم به كأنها أوامري أنا».
ثم قادها إلى داخل المنزل وأراها كل شيء، غرف الجلوس وغرف النوم والمطبخ والقبو ومصنع الجعة وقبو الألبان وقال لها : ستهتمين بكل الأمور في الداخل وأنا سأهتم بالأمور الخارجية». ثم جلسا لتناول طعام العشاء وبعدها أويا للنوم.
مرت أيام وأسابيع وأشهر اهتمت خلالها الزوجة الشابة بكل أمور المنزل في حين اهتم زوجها بالمزرعة. لم تسمع كلمة واحدة غاضبة بينهما . اعتاد الخدم أن يطيعوا سيدهم طاعة مطلقة وباتوا الآن يطيعون سيدتهم أيضاً . وهكذا مرت ستة أشهر من دون أن يضطر الزوج إلى أن يكرر مرتين كل ما يقوله لزوجته، كان دائماً لطيفاً ومهذباً معها وهي بدورها كانت دائماً لطيفة ومطيعة.
في أحد الأيام قال لها: «أترغبين في زيارة أهلك؟
أجابته: «نعم يا زوجي العزيز أرغب كثيراً في ذلك إن كان يناسبك». قال لها : يناسبني بالتأكيد. لكنك لم تذكري الأمر بتاتاً اعتبري الأمر نفذ في الحال. حضري نفسك ريثما أحضر الجياد وأربطها بالعربة». ذهب إلى الإصطبل واهتم بكل شيء في حين ذهبت زوجته لترتدي ثيابها بسرعة تحضيراً للرحلة.
انطلق الزوج بالعربة وقال : هل أنت مستعدة؟»، أجابت «أجل، إني جاهزة هرعت الزوجة إلى الخارج وصعدت إلى العربة. لم تكن قد انتهت بعد من ارتداء ملابسها فحملت أموراً عديدة بيدها ووضعتها في العربة.
وبدأت الرحلة بعد أن قطعا نصف المسافة، رأيا قطيعاً كبيراً من الغربان يحلق فوق الطريق. قال الزوج: «ما أجمل هذه الطيور البيضاء!»، أجابته الزوجة: «كلا، إنها سوداء يا عزيزي»، أجابها زوجها حينها أظن ان السماء ستمطر». وعاد أدراجه مجدداً.
فهمت الزوجة لما فعل ذلك كانت تلك المرة الأولى التي تخالفه فيها ولكن لم تظهر له أي امتعاض وتحادث الاثنان بطريقة ودية طوال الطريق. وضعت الجياد في الإصطبل ولم تمطر البتة ذلك اليوم!
مرت ستة أشهر على الحادثة، وقال الزوج في أحد الأيام «أعتقد أن اليوم سيكون جميلاً. أتودين أن تزوري أهلك؟»، قالت له بكل تأكيد لطالما رغبت بذلك كثيراً فقد اشتقت لوالدي وشقيقاتي و مراتع الطفولة والصبا. وهذه المرة أسرعت أكثر من المرة السابقة وكانت جاهزة في الوقت المناسب بعدما حضر زوجها الجياد وربطها بالعربة ركبت العربة قربه وانطلقا . يسابقان الريح.
وحين قطعا نصف المسافة، رأيا قطيعاً من الخراف والحملان قال لها الزوج: «ما أجمل هذه الذئاب! »، أجابته: «انت تعني الخراف يا عزيزي أليس كذلك»، أجابها حينها وهو ينظر إلى السماء: «أظن أنها ستمطر هذا المساء. من الأفضل لنا أن نعود أدراجنا إلى المنزل». بهذه الكلمات عاد مجدداً إلى المنزل تناقشا بطريقة ودية حتى وصلا إلى المنزل ولكنها لم تمطر .
مر شهر آخر على تلك الحادثة حتى قال لها زوجها في أحد الأيام ما رأيك بزيارة الأهل أتريدين ذلك ! ما رأيك لو ذهبنا اليوم ؟ يبدو أن اليوم سيكون جميلاً، هذا ما ظنته زوجته أيضاً. حضرت نفسها وانطلقا.
لم يكونا قد وصلا بعيداً حتى رأيا قطيعاً كبيراً من البجع يطير فوق رأسيهما . قال لها الزوج يا لها من لقالق جميلة». أجابته الزوجة: «نعم، إنها كذلك». وهكذا انطلقا، لم يتغير الطقس في ذلك النهار و لم تمطر، لذلك وصلا إلى مزرعة والدها في الوقت المناسب.
رحب والدها بهما وأرسل وراء أختيها وزوجيهما. وكان اجتماعاً عائلياً مرحاً.
ذهبت الأخوات الثلاث إلى المطبخ ليتكلمن بحرية. وكان لديهن الكثير ليتكلمن عنه خاصة الأختان الصغيرتان اللتان أرادتا أن تطرحا على أختهما الكبرى الكثير من الأسئلة لأنهما لم ترياها منذ مدة طويلة. ثم تساعدن في تحضير طعام العشاء. وقد حضرن أشهى المأكولات لهذه المناسبة الاحتفالية.
وفي هذه الأثناء، جلس العدول الثلاثة مع عمهم في غرفة الجلوس وبالطبع كان لديهم الكثير ليقولوه لبعضهم بعض. ثم قال المزارع العجوز : هذه هي المرة الأولى التي تجتمعون فيها في بيتي. ويجب أن أسألكم بصراحة إن كنتم سعداء مع زوجاتكم؟.
أجابه الزوجان اللذان تزوجا الأختين ذوات المزاج الجيد إنهما راضيان ويعيشان حياة هانئة. سأل حينها المزارع زوج ابنته الكبرى وكيف الحال مع زوجتك؟»، فأجابه الزوج لا أظن أن أحداً تزوج امرأة أفضل منها.
جلب الوالد المزارع إناءًا وملأه بالحلي الذهبية الثمينة وقال: «يا أسعاري الأعزاء من منكم لديه الزوجة الأكثر طاعة، ستكون هذه الجواهر و الحلي الذهبية من نصيبه!».
وضع الإناء وسط الطاولة أمام الرجال الثلاثة وقال إنه سيعطيه للرجل الذي لديه الزوجة الأكثر طاعة لزوجها.
وفي الحال وضعوا الأمر قيد الاختبار.
ذهب الزوج الذي تزوج الأخت الأصغر إلى المطبخ ونادى زوجته: أتأتين رجاء يا زوجتي العزيزة في أسرع وقت ممكن! » ، أجابته: حسناً أنا آتية». ولكنها تأخرت لأنها كما قالت كان عليها أن تتكلم بأمر ما مع إحدى أختيها. وحين أنت قالت له: ماذا تريد مني ؟».
اخترع الزوج عذراً معيناً وعادت الزوجة إلى المطبخ مجدداً.
والآن حان دور الرجل الذي تزوج الأخت الثانية. نادى الرجل زوجته من غرفة الجلوس: تعالي إلى هنا بسرعة للحظة رجاء يا زوجتي الغالية !»، أجابته: «أجل، إني آتية في الحال. ولكنها تأخرت لبعض الوقت قبل أن تأتي وقالت له إنها كانت مشغولة بأمر ما وكان عليها أن تنهيه قبل أن تأتي اخترع الزوج عذراً معيناً وعادت زوجته مجدداً إلى المطبخ.
ثم أتى دور الزوج الثالث الذي ذهب إلى المطبخ، فتح الباب قليلاً وقال بصوت منخفض : «زوجتي العزيزة». أجابته بـ «نعم»
وكانت تحمل طبقاً كبيراً من الطعام في يديها. أعطت الصحن فوراً لأختيها صارخةً بوجل بوجوههن : خذا مني صحن العشاء بسرعة
نظرنا إليها بتعجب ولم يأخذا منها الصحن لفرط تعجبهن فإذا بها توقع صحن العشاء على الأرض وتسرع إلى غرفة الجلوس و تجثو بين يدي زوجها وكأنه الوحيد في في الصالون الفخم
قالت مخاطبة زوجها بخضوع وتذلل لا يخلو من حب و تقدير: «ماذا ترغب يا عزيزي ؟»، قال لها : كنت أريد فقط أن أراك. ولكن بما أنك هنا، خذي معك كل ما في الإناء الموجود على الطاولة. إنه لك بكل ما فيه من حلي ذهبية و جواهر.
و بينما هي فرحة مسرورة تجمع الجواهر و الحلي الذهبية في صرة معها، قال لها زوجها:
هل بإمكانك يا زوجتي المطيعة أيضاً أن ترينا أيضاً ما أهديتك إياه يوم زفافنا.
أجابته: «نعم يا عزيزي ها هي الهدية». أخذت الخاتم المصنوع من غصن الصفصاف والذي كانت تضعه في صدرها وأرتهم إياه .
أعطى الزوج الخاتم لعمه المزارع وسأله: هل يمكنك أن تجعل هذا الخاتم مستقيماً؟».
أجابه المزارع كلا هذا مستحيل من دون كسره .
أجابه الزوج حينها حسناً أترى الآن. لو لم ألو الغصن حين كان لا يزال أخضر غضاً لما تحول معي إلى هذا الشكل.
بعد هذا النقاش جلسوا جميعهم لتناول طعام الغذاء ثم عاد زوج الأخت الكبرى معها إلى منزلهما وعاشا سعيدين لسنوات عديدة.
