ملخص: يتحدث المقال عن دول التوازن، وهي ست دول قوية في الجنوب العالمي (البرازيل والهند وإندونيسيا والسعودية وجنوب إفريقيا وتركيا) التي تتمتع بالاستقلالية والنفوذ الجيوسياسي، وتلعب دورًا متزايدًا في الشؤون الدولية بفضل استقلالها عن القوى العظمى مثل الولايات المتحدة والصين. هذه الدول تستفيد من موقعها الاستراتيجي والعلاقات الإقليمية المتنامية، مما يسمح لها بتشكيل ديناميكيات جديدة للقوة العالمية. كما تسهم في قضايا مثل السياسة المناخية، وعقوبات الحرب في أوكرانيا، وعمليات الوساطة الدولية، مما يجعلها لاعبين رئيسيين في النظام الدولي الجديد، وتستمر في تحقيق المزيد من القوة والنفوذ على الساحة العالمية.
كليف كوبشان- مترجم بتصرف: د. محمد الزغيبي
دول التوازن (Swing States): هي ست دول قوية على مستوى العالم -منها المملكة العرية السعودية- ذات استقلالية ونفوذ خاص، وتأثير إقليمي ودولي لا يقع تحت هيمنة القوى العظمى مثل الولايات المتحدة والصين .
قام الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي خلال العام الماضي بخطوة نادرة خارج أوكرانيا، حيث قضى نحو أسبوع في مدينة جدة السعودية ،وكذلك مدينة هيروشيما في اليابان. ولذلك لكسب الدعم من قوى دولية مؤثرة وهي البرازيل والهند وإندونيسيا والسعودية – وهي أربع دول من الجنوب العالمي ليس لديها موقف متحيّز تجاه الحرب الروسية في أوكرانيا.
وتمتلك هذه الدول الرائدة قوة أكبر من أي وقت مضى. وتكمن أسباب قوتها الجيوسياسية بأن لديها مزيدا من الاستقلال، وتستفيد من مواقعها الإقليمية، ومتميزة في استثمار التوترات بين الولايات المتحدة والصين .
وتمتلك مثل هذه القوى مزيدًا من الاستقلال أكثر مما كان عليه الحال منذ الحرب العالمية الثانية. ولدى هذه الدول نفوذ جيوسياسي، حتى وأن كانت لا تصل إلى قوة الدولتين العظميين في العالم - الولايات المتحدة والصين . ويقابلها في القوة في منطقة الشمال العالمي، دول مثل فرنسا وألمانيا واليابان وروسيا وكوريا الجنوبية وغيرها. لكن هذه الدول -باستثناء روسيا- لا تبرز هذه الدول كثيرا في الديناميات المتغيرة للقوة والنفوذ، إذ تظل متوافقة ومتماهية بشكل كبير مع الولايات المتحدة؛ بخلاف الدول المشار لها سابقا من الجنوب العالمي التي تمتلك الاستقلالية.
ويمكن إضافة دولتين لما سبق أيضا لتكون دول التوازن الرائدة في الجنوب العالمي هي: البرازيل والهند وإندونيسيا والسعودية وجنوب إفريقيا وتركيا. هذه الدول المستقلة في الجنوب العالمي ليست متوافقة بشكل كامل مع أي من القوتين العظميين، وبالتالي فهي حرة في خلق ديناميات جديدة للقوة .وجميعها أيضا أعضاء في مجموعة العشرين ونشطة جيوسياسيتا واقتصاديا. وتعدُّ هذه الدول الست أيضًا مقياسًا جيدًا لمعرفة لاتجاهات الجي وسياسية الأوسع في الجنوب العالمي .
وهناك العديد من الأسباب التي تزيد أهمية هذه الدول الست. أولا:
أعطت التطورات منذ الحرب الباردة هذه الدول مزيدًا من الاستقلال في العلاقات الدولية. وقد أدّت الحرب الباردة إلى فصل الدول إلى كتل متعارضة، مما جذب حينها بعض دول التوازن الست البارزة في عالمنا اليوم. وقد كانت الحقبة اللاحقة من الهيمنة الأمريكية تتطلّب بعض الولاء لواشنطن من جميع الدول تقريبًا. أما اليوم، فإن الهيمنة الثنائية بين الصين والولايات المتحدة أصبحت أضعف، ولدى جميع هذه القوى الجديدة مزيد من المساحة لحرية الحركة.
ثانيًا: شهد العالم عملية تفكيك للعولمة خلال العقدين الماضيين، ونتيجة لذلك تشكّلت علاقات سياسية واقتصادية جديدة على المستوى الإقليمي.
وتمثّل دول التوازن الست قيادات إقليمية بذاتها تزداد أهميتها خصوصا في المناطق القريبة منها جغرافيا. وتنجح هذه الدول في إعادة هيكلة عمليات تقليل أثر المسافات من خلال (نقل سلاسل التوريد لتكون قريبة من دولهم) وزيادة تكوين الصداقات من خلال (نقل مواقف الدول الأخرى من خصوم إلى أصدقاء)، ولذلك نجد أن ا لشراكات والعلاقات التجارية تتحرك شيئا فشيئا بعيدًا عن الصين إلى مناطق أخرى، معظمها في الجنوب العالمي ضمن الدول المشار إليها. وستصبح بعض دول التوازن في المستقبل القريب مراكز تجارية إقليمية أكثر نشاطًا. وهنا قد تكون الهند هي المثال الأفضل، حيث تقوم بعض الشركات الأمريكية بالإنتاج وتوجيه سلاسل التوريد الجديدة إلى الهند. كما أن أسواق الطاقة تتجه نحو الهيمنة الإقليمية ،مما سيفيد السعودية بشكل كبير. وبالمثل، فإن العاصمة السعودية الرياض تبرز كمركز مالي إقليمي. وفي ضوء ما يشير له صندوق النقد الدولي؛ فإن العالم يتفكك يوما بعد يوم، وفي عالم متفكك ستلعب قوى التوازن الإقليمية الست دورًا متزايد الأهمية.
ثالثًا، خلال الحرب الباردة، كانت الهند وإندونيسيا قد خرجتا للتو من الحكم الاستعماري. وقد قيّد ذلك دورهما العالمي خلال تلك الحقبة ثنائية القطب بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي. أما اليوم، فإننا نجد دول التوازن الست فاعلة بشكل مستقل تمامًا. كما أن ذلك ليس مجرد تجسيد جديد لحركة عدم الانحياز، أو تجمعات أخرى تهيمن عليها دول الجنوب العالمي، مثل مجموعة الـ (77) ومجموعة البريكس وهي البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب إفريقيا، والتي ليس لها حقيقة تأثير كبير حتى الآن. ومما أضعف مثل هذه المجموعات أنها تتضمن بعض الميول الأيديولوجية ،وهو ما تتفاداه وتحذر منه دائما دول التوازن الست. ويساعدها تفادي الميول الأيديولوجية على اتخاذ نهج صارم في السياسة الخارجية، مما يرفع تأثيرها الفاعل في الشؤون الدولية.
وهناك عوامل أخرى لدى دول التوازن الست نحو الاتجاهات العالمية الأكثر حداثة. إذ تعزز دول التوازن حجم النفوذ الذي تكسبه من رحى المنافسة الدائرة بين الولايات المتحدة والصين، والتي تزداد يوما بعد يوم.
ونلحظ أن كل قوّة عظمى تخطب ود دول التوازن وتريد أن تتماهى تلك الدول معها، مما يخلق فرصًا جديدة لدول التوازن في التوافق الموجّه مع القوتين العظميين فيما يخدم مصالحها الخاصة. على سبيل المثال، زادت قوة الهند ونفوذها بشكل كبير منذ انضمامها إلى حوار الأمن الرباعي؛ وهو الجهد الأمريكي الأكثر أهمية لمواجهة الصين .واستفادت البرازيل وإندونيسيا من حماس الصين لعقد صفقات بشأن المعادن النادرة، وخاصة الليثيوم، والنيكل، والألمنيوم. و تظهر دراسة حديثة أنه بينما تتجه كل من الدول الست نحو الولايات المتحدة أو الصين في قضية معينة، فإن معظمها تبقى متوازنة نسبيًا في ولاءاتها مع هاتين القوتين العظميين. لكن قد تواجه دول التوازن تحديات في مجالات التقنيات الأساسية، بما في ذلك أشباه الموصلات، والذكاء الاصطناعي، وتكنولوجيا الكم، واتصالات الجيل الخامس وما بعده، والتقنيات الحيوية ،وهذه التحديات هي الاستثناء الوحيد الذي قد يؤثر على هذه الدول. وهنا، ربما يتعين على دول التوازن الاختيار بين التجارة إما مع الولايات المتحدة أو الصين للخصوصية الشديدة لهذه المجالات.
وبالمثل، تستمد دول التوازن الست قوتها ونفوذها من النمو الكبير في اقتصاداتها ونفوذها في السياسات المناخية الدولية. ولا يمكن تحقيق أي حل للتحديات الناتجة عن التلوث وتأثيرات المناخ دون المشاركة الفاعلة من دول التوازن. و ستجلب أسواق الكربون بشكل متزايد الموارد إلى هذه القوى الجديدة، بغض النظر عن تأثيرها الفعلي على الانبعاثات، لأن الشركات الغربية تحتاج إلى شراء تعويضات أثناء سعيها لتحقيق حالة صفرية صافية. وبشكل أوسع، تتطلب السياسات المتعلقة بإزالة الغابات وإزالة الكربون مشاركة بنّاءة من دول التوازن - البرازيل وإندونيسيا في إزالة الغابات، والهند وإندونيسيا بشكل رئيسي في إزالة الكربون، خاصة فيما يتعلق باستخدام الفحم. أخيرًا، تركّز شراكات التحول العادل للطاقة على إيجاد حلول إبداعية لتمويل الأهداف المناخية، حيث كانت جنوب إفريقيا وإندونيسيا أول المستفيدين من التمويل. وعلى الرغم من أن نتائج البرنامج غامضة حتى الآن، فإن هذا يعد مثالًا على دولتين من التوازن تتوليان دورًا قياديًا في سياسة المناخ.
وقد لعبت دول التوازن الست دورًا مهمًا في العقوبات الدولية وتشكيل الرؤية نحو الحرب في أوكرانيا .ومنذ البداية ،فقد رفضت الانصياع خلف ضخ المساعدات العسكرية الغربية لأوكرانيا أو فرض العقوبات على روسيا .وتحتج هذه الدول لموقفها بأن الحرب تؤثر فقط على الأمن الأوروبي وليس الأمن العالمي، وأنها لا تعزز مصالحها الوطنية في التنمية، ولا تسهم في تقليص الديون، ولا تحقق الأمن الغذائي، ولا توفر أمن الطاقة، وغيرها من التحديات.
وكان التأثير الأكثر أهمية لهذه الدول على الحرب هو دورها القيادي في معارضة - وفي بعض الأحيان تقويض - العقوبات الغربية على روسيا. وتركيا واحدة من عدة دول تشارك في توجيه كميات كبيرة من المواد ذات الاستخدام المزدوج إلى روسيا، مما ينتهك روح وربما نص العقوبات الغربية. ولذلك، نجد أن الولايات المتحدة فرضت عقوبات على أربع شركات تركية. لكن ظلّ ت معظم دول التوازن محايدة بشكل صارم، علىالرغم من أن جنوب إفريقيا تميل شيئا ما نحو روسيا. وقد حافظت جميع الدول الست على تجارتها وروابطها الأخرى مع روسيا منذ بداية الحرب، بل ربما زادت أيضا.
ويتوقّع صندوق النقد الدولي أن ينمو الاقتصاد الروسي بنسبة 0.7% في العام 2023 - وهو بعيد عن التأثير السلبي الذي كانت تأمله الدول الغربية .بل قد ساعدت دول التوازن روسيا في تقليل تأثير العقوبات وستستمر في ذلك. وربما يكون سلوك هذا الدول هو أحد الأسباب وراء اعتقاد الكرملين بأنه يمكن أن يكسب المزيد من خلال تحويل تجارته نحو الجنوب والشرق .
وتظهر الزيادة الكبيرة في نفوذ دول التوازن في الجنوب العالمي أيضًا في مبادرات الوساطة التي تقوم بها. وتركيا هي القوة الخارجية الأكثر تأثيرًا في الحرب في أوكرانيا. وكان الرئيس التركي رجب طيب أردوغان مفاوضًا رئيسيًا في صفقات الحبوب، وشارك في محادثات السلام في بداية الحرب، وهو في وضع جيد لتسهيل المحادثات المستقبلية إذا اختارت الأطراف المتحاربة ذلك .وقدّم الرئيس البرازيلي لولا دا سيلفا مبادرته الخاصة .وقدمت الهند نفسها بشكل أكثر هدوءًا لتكون وسيطًا في المستقبل. وهذه الدول الآن في وضع جيد أيضًا للتوسط في صراعات أخرى. إن مكانة الهند في هذا الصدد عالية بشكل خاص، إذ تسهم بالفعل بنسبة 8% من قوات حفظ السلام في الأمم المتحدة. كما أن إندونيسيا وجنوب إفريقيا نشطتان كوسطاء وقوات حفظ سلام .
أخيرًا، امتلاك الخبرة العلمية والهندسية في هذه الدول محفوف مخاطر مستقبلية؛ إذ من المرجح أن نرى مستقبلا انتشارا للأسلحة النووية في دولة من دول الجنوب العالمي. وعلى الرغم من أن ذلك غير محتمل في المدى القريب، خاصة بعد التقارب مع السعودية، لكن ستظل إيران من أكبر المخاطر في العالم. إذ إنها تبعد خطوات تكنولوجية قليلة فقط عن أن تصبح قوة نووية قادرة على صنع قنبلة في وقت قصير . وفي سيناريو تدهور العلاقات مع الرياض ستهرع طهران لصنع قنبلة ، وستسعى السعودية وربما تركيا للحصول على واحدة أيضًا. لهذا السبب، طلب السعوديين ضمانات نووية من الولايات المتحدة، من بين تنازلات أخرى، مقابل إقامة علاقات دبلوماسية مع إسرائيل – وتريد الرياض الحماية التي يوفرها درع نووي، إن لم يكن الأسلحة النووية نفسها .
وتعدُّ الصين اليوم واحدة من القوتين العظيمتين في عالم ثنائي القطب. ومن الصعب جدًا اعتبار الصين جزءًا من الجنوب العالمي لأن قوتها الاقتصادية وطموحاتها الجغرافية السياسية الواسعة تجعلها نوعًا مختلفًا. وروسيا هي قوة متوسطة، لكنها حاليا في تراجع لمجموعة أسباب أحدها أنها مفرطة في التعديل المستمر في نهجها تجاه العالم، وهو رأي لا تشارك به دول التوازن في الجنوب العالمي التي تحافظ على نوع من الثبات والاستقرار.
وقد يختلف البعض مع فكرة أن هذه الدول الست هي القوى التي يجب رصدها. فجميعها لا تزال أسواق ناشئة، ولم تكن السنوات الأخيرة إيجابية كثيرا في الاقتصاد العالمي. وتتخلف المجموعة في تطوير المؤسسات التي تدعم سيادة القانون. و ستؤثر الثورات التكنولوجية، بما في ذلك الذكاء الاصطناعي، على الجنوب العالمي بشكل أقسى من الديمقراطيات الصناعية المتقدمة، حيث إن دول التوازن لديها موارد أقل لمواجهة التأثيرات السياسية الخطيرة للذكاء الاصطناعي التوليدي. وحتى مع إعطاء الأهداف المناخية لدول التوازن نفوذًا نسبيا، فإن تأثيرات المناخ ستلحق أيضًا ضررًا كبيرًا ومعاناة ببعض هذه الدول.
وبشكل عام، يبقى أن هذه القوى أصبحت وستستمر في أن تنم و كقوى جيوسياسية .وهي قادرة على استغلال بعض أقوى الاتجاهات العالمية، وهناك بالفعل تجليات واضحة لقوتها الجديدة.
والنتيجة الجيوسياسية الأكثر أهمية هي أن واشنطن بحاجة إلى تحسين استراتيجيتها تجاه الدول الست للتخفيف ضعف موقفها في توازن القوى العالمي .ومع رفض الدول الست للاصطفاف المباشر خلف الولايات المتحدة في حرب روسيا وأوكرانيا أو المنافسة مع الصين، فإن العديد من هذه الدول الرئيسية تبتعد بالفعل عن الهيمنة الأمريكية.
وتحتاج واشنطن إلى وجود استراتيجية دبلوماسية مصممة بشكل جيد ليس فقط تجاه كل من الدول الست الرئيسية، ولكن تجاه الجنوب العالمي بشكل أوسع. و يجب أن تتضمن السياسة المحسنة أيضًا استراتيجية تجارية أكثر مرونة تبدأ في كسر عقبة الوصول إلى السوق الأمريكية .وبشكل أوسع، تحتاج الولايات المتحدة إلى أن تكون قادرة على توقع ردود أفعال الدول الست والجنوب العالمي تجاه القرارات السياسية الرئيسية. على سبيل المثال، فإن درجة تأثير السياسات الغربية بشأن حرب روسيا على حالة الاغتراب في الجنوب العالمي قد فاجأت واشنطن. ومنذ بداية الغزو في فبراير 2022، كانت الولايات المتحدة تلعب دور اللحاق بالركب – لكنها لم تفعل ذلك بشكل جيد حتى الآن .وستتطلب هذه القدرة على التنبؤ فهمًا أفضل للمشاعر والمعتقدات النخبوية في العديد من دول الجنوب العالمي .
ثانيًا، ستتأثر قوة ونفوذ الدول الست وجميع القوى المتوسطة بشكل كبير إذا ارتفعت التوترات بين الولايات المتحدة والصين وتحولت إلى مواجهة بنمط الحرب الباردة. و ستتسع عملية الانفصال، وستضطر الدول الست على الأرجح إلى الاقتراب أكثر من أحد الجانبين أو الآخر .
أخيرًا، بسبب صعود الدول الست، هناك الآن المزيد من الدول في العالم التي لديها نفوذ جيوسياسي. ولا توجد أنماط سلوكية واضحة بين هذه الدول بخلاف السعي المكثف لمصالحها الوطنية. ولدينا الآن المزيد من المحركات في كل قضية جيوسياسية مما يجعل التنبؤ بالمستقبل أكثر صعوبة.
