مسقط الرأس
حوار مع الأم والخالة
أشتري ردف الذبيحة أو قطعة من عجزها. إنها قطع من لحم العجل سبق أن رأيتها في برشلونة أيضًا، لكني لا أعرف ماذا يسمونها هناك. أرش قليلا من الملح على كل قطعة، ثم أغمسها بالبيض، وأكسوها بالخبز المطحون. أقوم بقليها حتى تحمر، وحينئذ، أضعها في صينية الفرن بعد ذلك. أقطع البصل بشكل ناعم، ثم أقليه حتى يصبح لونه أقرب إلى الأبيض، فأضيف قطع الطماطم المفرومة، والقليل من الماء، والملح والزعتر، ورشة من السكر، ثم أتركها على النار مدة عشرين دقيقة تقريبا. وحين تجهز الصلصة، أسكبها على قطع اللحم بعناية، بحيث تغمرها كلها بصورة جيدة، ولا أنسى إخراج بعض الجبن السائل أو الجامد من الثلاجة، ثم وضع طبقة رقيقة منه على اللحم. وبعد أن أترك اللحم في الفرن حتى يذوب الجبن، لا يتبقى علي عمل شيء سوى قلي البطاطا لتكون طبقا جانبيًا، وبذلك يكون طبق الشنتزل نابوليتانا جاهزا للتقديم..
تصف سيليا بحماسة الطاهية الماهرة وخبرتها الممتدة الوجبة المفضلة لابنها ليونيل ميسي، قائلة: «عندما أذهب إلى برشلونة، أقوم بإعدادها مرتين أو ثلاث مرات في الأسبوع، وأضع فيها - على الأقل - ثلاث قطع متوسطة الحجم من اللحم، ثم تضيف وهي تداعب شعره: إن الشنتزل نابوليتانا والمتة ( الشاي التقليدي في الأرجنتين هما سبب تسجيلك عددًا كبيرًا من الأهداف. إن ذوق ليونيل في الأكل بسيط جدا الشنتزل، ولكن ليست تلك المصنوعة من لحم الحصان، أو الدجاج، مع مرق الفلفل الأسود، والبصل، والبنادورة، والزعتر.
إنه لا يهتم بالوجبات المنطقة مثل تلك التي بعدها شقيقه رودريغو، وكما هو معروف، فإن رودريغو طاه محترف، وهو يحلم بأن يكون له مطعم خاص به يوما ما، لذا، فمن الطبيعي - بالنسبة إليه أن يجرب وصفات طعام جديدة حتى لو كان شقيقه الأصغر لا يقدر ذلك دائما. هل يحب الحلويات؟ نعم. ليو يحب الشوكولاتة والفاخور ( بسكويت تقليدي محشو بالكراميل، وهو من الأكلات الشعبية : فعندما نذهب إلى إسبانيا نأخذ منهما ما يكفي حاجتنا مدة بقائنا هناك..
وفي هذه الأثناء، أخذت سيليا تروي إحدى قصصه حينما كان صغيرا : إذ وعده المدرب بقطعة فاخور لقاء كل هدف يسجله، فأحرز حينها ثمانية أهداف في المباراة. لقد كانت وليمة بحق.
وفي أثناء تناولها فنجانا من القهوة في مقهى لا تيندا الكائن على جادة سان مارتن دي روزاريو تتحدث والدة لاعب نادي برشلونة صاحب الرقم 10 بمتعة كبيرة عن ابنها الذي وصلت شهرته أصقاع الأرض: وهي تعبث بشعرها الأسود، وابتسامة عذبة فقط بابتسامتها العذبة، وملامح تذكر المرء بليو ( مع أنها تضحك حين تسمع ذلك، قائلة: إنه يشبه أباه تماما ) .
تملك سيليا ماريا كوشيتيني أوليفيرا دي ميسي صوتاً رقيقاً وهادئاً. تنظر مراراً في أثناء تحدثها إلى أختها مارسيلا الجالسة قبالتها، ولمارسيلا هذه البنت الصغرى في عائلة كوشيتيني، أبناء يلعبون الكرة أيضا، فابنها ماكسيمليانو يلعب لنادي أولمبيا في الباراغواي، في حين يلعب شقيقه إيمانويل في إسبانيا لنادي جيرونا، أما برونو فيرتاد مدرسة ريناتو شيزاريني لكرة القدم، التي يدرب فيها لاعبون سابقون كبار أمثال: فيرناندو رودندو وسانتياغو سولاري. ومارسيلا كوشيتيني دي بيانكوتشي هي إشبينته (عرابته ) في المعمودية، وخالته المفضلة. وهو يحب قضاء بعض الوقت في بيتها عندما يذهب إلى روزاريو. تقول سيليا : علينا الذهاب إلى هناك، أو الاتصال به للاطمئنان عليه، لكن أختي تفسده طبعا بدلائها . ثم هناك إيمانويل أيضًا : فمن الصعب التفريق بينهما، وقد كانا يلعبان كرة القدم معا منذ الصغر، تتذكر سيليا ذلك قائلة: «كان هناك خمسة فتية أبنائي الثلاثة ماتياس ورودريغو وليو، وابنا أختي ماكسيمليانو وإيمانويل. كنا حين نذهب إلى منزل والدتي كل يوم أحد، ينزل الفتية إلى الشارع للعب قبل وقت الغداء. لقد كانوا يخوضون مباريات صاخبة سواء بكرة القدم أو التنس، وعادة ما كان ليو يعود إلى البيت باكيا: إما لخسارته، وإما لتعرضه للغش من الفتيان الذين يكبرونه سناء.
تضيف مارسيلا: ذكرني ماكسي بتلك المباريات منذ أيام معدودات. وقال لي: إنه يرغب في تنظيم مباراة بين عائلة ميسي وعائلة بيانكوتشي حين يلتقي الجميع في روزاريو، تماما كما في الأيام الخوالي.
إن هذه الذكريات توصلنا إلى الجدة سيليا، وطعامها الشهي، وحلوياتها. واجتماع العائلة كل يوم أحد، والشغف بكرة القدم. تقول سيليا : كانت هي من يصطحب الفتيان إلى التدريبات والتمارين الخاصة بكرة القدم، وكانت هي من يصر على إشراك ميسي في اللعب مع أنه لم يكن كبيرا كفاية: فقد كان أصغر الفتية سنا وحجما، فهو لطالما كان صغيرا حتى إنهم كانوا يخشون عليه من أن يضيع بين الأرجل، أو يُصاب بأذى. أما الجدة سيليا فلم تكن كذلك ؛ فقد كانت شديدة الحماس، وتصرخ قائلة: مرروا الكرة إلى ليونيل، مرروها إلى الفتى الصغير، إنه الوحيد القادر على تسجيل الأهداف.
لقد كانت هي من أقنعنا بشراء حذاء اللعب له. ومن المؤسف أنها لن تتمكن اليوم من رؤية ما آلت إليه حاله فقد أدركها الموت حين كان (ليو) في العاشرة من عمره. ولكن. من يدري، فقد يتاح لها الآن أن تشاهد من على الحال التي آل إليها حفيدها. ويساورها شعور بالفرح والسعادة من أجله أيضا.
ولكن، كيف بدأ مشوار ليو مع كرة القدم؟ من الذي علمه؟ من أين اكتسب المهارات الكثيرة التي يتمتع بها الآن؟ هل للأمر علاقة بموضوع الوراثة؟ لا أعرف، فربما أنه ورث هذا الأمر من أبيه، أو إخوته، أو أقاربه، لطالما كانت كرة القدم تجري في دماء عائلتنا، فأنا من محبي كرة القدم أيضا. أما مثلي الأعلى فهو مارادونا. وقد تابعت سيرة حياته المهنية وأهدافه جميعها بشغف كبير. لقد كان أسدا هصورا في الملعب.
قلت له ذات يوم حين قابلته أتمنى أن يصبح ابني لاعب كرة قدم عظيما. وأن تدربه أنت. انظر ماذا حدث... انظر إلى ما أنجزه ابني حتى الآن.
وفي هذه الأثناء، رن جرس الهاتف النقال الملقى على الطاولة، فتستأذن سيليا، وتتنحى جانبا لترد على المكالمة. وفي أثناء ذلك، تستكمل مارسيلا حديثها عن ليو الصغير قائلة: «إنه فتى خارق، لقد استطاع التحكم في الكرة على نحو أفضل من أي شخص آخر : حتى قبل أن يبلغ الخامسة من عمره. فقد كان مولعا بها، ولا يتوقف عن اللعب بها. وأظهر مهارة وبراعة في التصويب على بوابة المنزل الأمامية، لدرجة أن الجيران كانوا يطلبون منه التريث والهدوء.
أنهت سيليا حديثها بالهاتف، فجلست. ثم هزت رأسها بالموافقة، لقد كانت أشد عقوبة يمكننا تهديده بها، هي حرمانه من التدرب طوال اليوم.. وفي المقابل، فقد أخذ ليو يتوسل قائلا بإصرار: لا يا أمي، أرجوك، أعدك.... دعيني ألعبه حتى أعدل عن قراري في النهاية، لم يكن ليو طفلا مزاجيا أو كسولاً، ولطالما كان فتى مطيعا، هادئا، خجولا ، تماما كما هي حاله اليوم.
حقا نعم، إنه لا يأبه بالشهرة فهو يود أن يأتي إلى جادة سان مارتن ويتجول فيها برفقة ابن خالته إيمانويل عندما يزور روزاريو، لكنه كان يظهر استياء شديدا، حين نقول له: إن تلك الفكرة غير صائبة، وإن الناس هنا - في مسقط رأسه - سيصابون بحالة هستيرية إذا رأوه، وسيحدون كثيرا من حركته. إنه لا يفهم كيف تسير مثل هذه الأمور، وينزعج في نهاية المطاف.
اعتاد ليو - حين يكون في برشلونة - الذهاب إلى متجر كورته إنغلس مرتديا لباسًا رياضيا، واعتاد رونالدينيو على مداعبة شعره وسؤاله: كيف يمكن العاقل أن يخرج من البيت بمثل تلك الملابس؟ إنه لم يبال يوما بالمكانة التي وصل إليها. لذا، فهو لا يتضايق من الشهرة، أو من التقاط الصور التذكارية مع المشجعين، ومنح توقيعه لهم. وفي بعض الأمسيات، وحين يقفل عائدا إلى المنزل بعد غياب طويل وأذهب لرؤيته، أستلقي إلى جانبه في السرير، ثم نبدأ ندردش، وأنا أداعب شعره، ثم أسر له بأحاديث عدة على سبيل المزاح، مثل قولي: «إن المشجعين جميعا على استعداد لبذل الغالي والنفيس ليكونوا بجانبك في هذه اللحظة. حينئذ. ترتسم على محياه تعبيرات ساذجة، ثم يقول: «دعي عنك المزاح يا أمي..
تتدلى على جدران مقهى لا تيندا قمصان لاعبين من الأرجنتين. وكذا قميص ليو، الذي ينسدل تحت إحدى النوافذ، وهو موسوم بالرقم 30 الذي يمثله في نادي برشلونة.
إنهم لا يعرفون أني والدته، مع أننا نعيش معا في هذه البلدة»، تعلق سيليا . وهي امرأة تسبب لها الشهرة شعورًا بالخجل. إنها تدرك تماما الأخطار التي تفضي إليها الشهرة، وإن لديها أهدافا وأولويات واضحة في هذه الحياة؛ سواء أكانت تخصها أم تخص أبناءها، كل ذلك جيد. ولكن، ما الشعور الذي يراودها حين تتذكر أنها والدة نجم ؟ إنني فخورة جدا، فعندما أطالع الصحيفة سواء هنا أو في إسبانيا، وأجد مقالا عنه، أو عندما أرى قميصا برقمه يرتديه الأطفال... أشعر بفخر شديد. لذلك، يؤذيني أن أسمع أحدا ينتقد طريقة لعبه. أو يُطلق أخبارا كاذبة عن حياته الشخصية، إنه من المؤلم والمؤثر أن يتصل بك شخص قائلا : هل رأيت هذا ؟ هل رأيت ذاك؟ ليو؟ إنه نادرا ما يقرأ الذي يكتب عنه، ولا يتأثر كثيرا في حال قرأ. لكن هذا لا يعني أنه لم يعان أوقاتا عصيبة فقد تعرض لكثير من المواقف المؤلمة، مثل: إصابته وغيابه عن اللعب أشهرا عدة، وسير الأمور - أحيانًا - خلافا لما يريد. لا يراودني أدنى شك في تعرضه لمثل هذه المواقف، وحينئذ. أحزم أمتعتي، وأسافر إلى برشلونة: لأتحقق مما يحدث، وأكون قريبة منه، وأعتني به قدر المستطاع. لطالما كان ليو فتى كتوما حيال الصعوبات التي تواجهه، لكنه - في الوقت نفسه - كان ناضجا جدا مقارنة بأقرانه وأبناء جيله. وما زلت أذكر قوله حين ألمحنا إلى احتمال عودتنا إلى الأرجنتين: لا تقلقي يا أمي اذهبوا أنتم، وأنا سأمكث هنا. وحتما إن الله سيساعدناه: إنه حقا يملك إرادة حديدية.
ومرة أخرى تعود للحديث عن نجاحاته، وعن الناس الذين يعشقون البرغوث على طرفي المحيط.
تقول سيليا: «إن أكثر شيء يعجبني هو محبة الناس له. أعتقد أنهم يحبونه لبساطته وتواضعه وطيبته. فهو دائما يفكر في الآخرين، وينظر في أحوال المحيطين به ليتأكد أنهم على ما يرام والديه، وشقيقيه، وشقيقته، وأبنائهم، وأقاربه، إنه دائم التفكير في عائلته.
أنا والدته، ومثل أي أم فإنني أقول دائما أمورًا جيدة عن أبنائي، فلذات أكبادي، ولكنني أصدقك القول حين أخبرك أن ليو يمتلك قلبا كبيرا..
كيف ترى أم مستقبل ابنها ؟ فيما يخص كرة القدم، أتمنى أن يجد له مكانا مشرفًا في سجل التاريخ: كالذي حظي به بيليه ومارادونا، أتمنى أن يحقق الكثير. لكن الأهم، بوصفي أما، هو الدعاء إلى الله أن يمنحه السعادة، وأن ينشئ عائلة، وأن يعيش حياته كما يجب، فهو لم يحيها بصورتها الحقيقية بعد. لقد كرس نفسه لكرة القدم قلبا وقالبا . إنه لا يخرج، ولا يفعل مثلما يفعل أقرانه الذين يماثلونه في السن. لذا، فأنا أتمنى له حياة ممتعة، فهو يستحق ذلك..
يهبط الظلام خارج النافذة الكبيرة، وتصبح حركة السير أكثر حدة ووطأة سيارات وشاحنات متهالكة، وحافلات، تترك وراءها سحابا كثيفا من الدخان، وتمر عربة مليئة بالخردة يجرها حصان هزيل، وحشد من الناس يشق طريقه نحو المتاجر ومحطات الحافلات. يجب أن تعود سيليا إلى المنزل. فماريا سول، أصغر أفراد العائلة، تنتظرها هناك. ويتعين على مارسيلا أن تأخذ برونو من مدرسة الكرة. إنها تمطر، وسيليا تصر على اصطحاب ضيوفها إلى وسط المدينة، فتذهب لإحضار السيارة.
لقد مثلت كلمات مارسيلا الأخيرة، ونحن نهم بالصعود. مخاوف الأم وهواجسها حيال ما قد يتعرض له صغيرها الإصابات، والمال الذي يغير أنفس البشر. لم تتغير طباع ليو وأولادي حتى الآن. وما زلت أعيش أنا وعائلتي وعائلة أختي في هذه البلدة حيث ولدنا، وفي البيوت عينها. فنحن لم تفكر في الرحيل إلى منطقة أخرى، ولم ترد لحظة التخلي عن جذورنا ، وكذا الفتيان؛ فهم لم يتغيروا قط. أتمنى ألا تتغير طباعهم مستقبلاً ، وألا يصيبهم ما اعترى لاعبي كرة قدم آخرين من جراء الشهرة.
تقف سيارة فولكس فاغن رمادية اللون بجانب الرصيف. تقود سيليا السيارة بسرعة مخترقة شوارع الجزء الجنوبي من روزاريو، ثم تمر بجانب المدرسة التي كان يرتادها ليو، فتعلق قائلة: «لم يكن تلميذا نجيبا. لقد كان كسولا مقلًا في الدراسة..
وفجأة، تنعطف باتجاه تيرو سويزو، وهو ناد رياضي أسسه مهاجرون من منطقة تيسينو عام 1889م. وفي هذه الأثناء، يظهر طفلان لا يلحظان السيارة فهما منشغلان بلعب الكرة.
تلتفت سيليا إليهما قائلة: «ذلك كان حال ليونيل أيضا.
