مرحلة الفرص والتحديات
تنحصر حرية النمو الإنساني - بصورة جوهرية - في المعلومات، والمعرفة، والثقافة وطريقة إنتاجها، وتداولها في المجتمعات الإنسانية، وتؤثر بعمق على رؤيتنا لحاضرنا ومستقبلنا ومعرفة من يقرر كيف يسير عالمنا وإلى أين يتجه وكيف يمكن لنا بوصفنا مجتمعات وحكومات أن ندرك ما يمكن فعله. اعتمدت الديمقراطية الحديثة لأكثر من 150 عاماً بكل تعقيداتها على الاقتصاد المعرفي وصناعة المعلومات، في تحديد العناصر والأدوار الأساسية التي تؤديها المجتمعات، وبدأنا نرى خلال العقد والنصف الماضيين تحولاً جذريا في نظم إنتاج المعلومات، بسبب التطور التقني السريع، الذي نتج عنه ظهور متتاليات من التكيف الاقتصادي والاجتماعي والثقافي، أدى بدوره إلى تحول جذري في وسائل السيطرة على بيئة معلومات مستقلة، يتحكم فيها الأفراد والمواطنون وأعضاء المجموعات الثقافية والاجتماعية. والحديث عن ""ثورة الإنترنت"" الأيام أمراً جديداً، لكن بعض الدوائر العلمية تعده أمراً مسلماً به لا يستحق الذكر، ومن لا لا يعد هذه المفروض ألا يكون كذلك، فالتغيير الذي أوجدته بيئة الإنترنت عميق وهيكلي؛ لأنه يتصل بأساس التطوير المشترك بين الأسواق الحرة والحرية والديمقراطية، الذي بدأ منذ نحو قرنين.
وقد أدت التغييرات المتوالية في التقنية وفي المنظمات الاقتصادية والممارسات الاجتماعية للإنتاج من خلال تلك البيئة إلى ظهور فرص جديدة لوسائل إنتاج وتبادل المعلومات والمعرفة والثقافة على مستوى عالمي، وأدت هذه التغيرات بدورها إلى زيادة دور منتجات الأسواق الافتراضية Non Markets والمنتجات التي لا تخضع للملكية الخاصة. من خلال جهود فردية وجهود تعاونية في مجال واسع من نسيج متماسك وآخر غير متماسك. كما حققت الممارسات الجديدة التي نشأت اليوم، نجاحاً استثنائيا في مجالات متنوعة، مثل تطوير البرمجيات والتقارير البحثية والريادة في مجالات التصوير وصناعة الأفلام والألعاب الجماعية التي تمارس عن بعد. وتدل هذه الممارسات على ظهور بيئة معلوماتية، مكنت الأفراد من القيام بأدوار وأنشطة حرة في اقتصاديات صناعة معلومات القرن الحادي والعشرين. وتشير الحرية الجديدة إلى ظهور عصر واقعي عظيم، بوصفه بعدا للحرية الفردية ومنيرا للمشاركة في ديمقراطية أوسع وعاملاً مساعدا لنشوء ثقافة ذاتية أكثر انتقاديه من خلال اقتصاد عالمي يتزايد اعتماده على تقنية المعلومات. بوصفه آلية تحقق إصلاحات في النمو الإنساني في جميع أنحاء المعمورة.
ومع ذلك يبدو واضحاً أن الازدياد الكبير في المنتجات المعروضة في الأسواق الافتراضية Non Markets من قبل الأفراد أو المؤسسات في مجال المعلومات والثقافة يهدد صناعة الاقتصاد المعلوماتي التقليدي. ومع بداية القرن الواحد والعشرين، وجدنا أنفسنا في خضم حوار كبير يهدف إلى تأسيس علم ! البيئة ""Ecology"" وهو علم اجتماعي جديد يهتم بتنظيم البيئة الرقمية. حيث ظهرت أعداد جمة من القوانين والأنظمة في مجالات كثيرة، مثل الاتصالات وقوانين حقوق النسخ وتنسيق التجارة الدولية ومعالجة الأدق التفاصيل مثل قواعد تسجيل المواقع الإلكترونية وتحديد ما إذا كان القانون يتطلب مراعاة قواعد محددة للمستقبلات الرقمية التلفزيونية، وعدلت بصعوبة عن طريق جهود لتحويل ساحات العمل إلى وسائل عمل لتنفيذ أعمال معينة، وسيكون للاتجاه الذي سيسلكه هذا الحوار خلال العقود القليلة القادمة تأثير مهم على وسائل معرفتنا بعالمنا وإلى أي مدى وعلى أي هيئة سنكون قادرين - بوصفنا أفرادا مستقلين ومواطنين وشركاء في الثقافة والمجتمع - على أن نؤثر في رؤيتنا لما سيصير إليه هذا العالم في الحاضر والمستقبل.
نشوء اقتصاد المعلومات المترابطة
حققت الاقتصاديات الأكثر تطوراً هذه الأيام، على مستوى العالم، تحولين متوازيين أديا إلى توقع حدوث تقليص مهم للقيود المستخدمة، وذلك عند ممارسة القيم السياسية المحورية للمجتمعات الحرة، لإنتاج الأسواق التقليدية المتداولة التحرك الأول: بدأ يظهر منذ أكثر من قرن على هيئة اقتصاد تمحور حول المعلومات - خدمات مالية محاسبية وبرمجيات وعلوم - وخدمات ثقافية أفلام وموسيقى وتشكيل الرموز والأيقونات التجارية: بدءاً من صناعة أحذية الرياضة إلى تسجيل علامتها التجارية والترويج لها. أما التحرك الثاني: فقد سلك اتجاه بيئة مبنية على توافر معالجات إلكترونية منخفضة الثمن، لها قدرات حسابية عالية ومتصلة بشبكات اتصال عالمية - نسبت لـ ""ظاهرة الإنترنت ت. وقد نتج عن التحرك الثاني نشوء دور. ر متنام للأسواق الافتراضية في قطاع إنتاج المعلومات والثقافة وتنظيمه على أساس الامركزية المال العام، وفق نموذج قد يكون مستحيلاً في القرن العشرين، ويعني التغيير الأول أن الأسلوبين الجديدين للإنتاج المتمثل في نشوء الأسواق الافتراضية ولا مركزية المال العام - سينشأ ان إذا سمح لهما في صميم اقتصاد الدول الأكثر تقدماً ولن يكونا على حافته. ويشير ذلك إلى أن الإنتاج الاجتماعي التعاوني والمقايضة التجارية سيؤديان دوراً أكبر من أي وقت سابق لدعم الديمقراطية الحديثة، مقارنه بما حققته العقارات ومنتجات الأسواق التقليدية.
وسيؤسس الجزء الأول من هذا الكتاب، لعدد من الملاحظات الأساسية الاقتصادية في محاولة لإثبات أننا نشاهد اليوم نشوء مرحلة جديدة في الاقتصاد المعرفي، أسميتها "" اقتصاد المعلومات المترابطة .. ، وهي توازي اقتصاد المعلومات الصناعي، الذي ارتبط بإنتاج المعلومات منذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر تقريباً وحتى القرن العشرين، ويتميز اقتصاد المعلومات المترابطة باللامركزية في أداء الأفراد، الذي أدى دوراً أكبر لكثير مما حصل أو يمكن أن يحصل في اقتصاد المعلومات الصناعي، المتمثل في التعاون والتنسيق الجديدين المهمين، فالأنشطة التي تمارس من خلال انتشار آلية بيئة سوق افتراضية، تعتمد على إستراتيجية المال العام والعامل المساعد لهذا التغيير سببه اختراع تقنية الحوسبة وتأثيراتها المتتالية من خلال تطور تقنية الاتصالات وحفظ والبيانات وتخزينها، ومن الناحية العملية فإن الانخفاض الحاد في أسعار الحواسيب والاتصالات وتخزين البيانات جعل وسائل إنتاج المعلومات والمواد الثقافية، في متناول عدد كبير من سكان العالم، قد يصل إلى بليون شخص منتشرين في الكرة الأرضية. ومنذ القرن التاسع عشر انتشرت الصفة المميزة لمنتجات الاتصالات، وتقنية المعلومات. والثقافة، على نطاق واسع اجتماعيا وجغرافيا، معتمدة على توافر الاتصالات الناجعة وانتشارها، ما زاد الحاجة إلى تنمية الموارد والمكونات ذات الصلة المباشرة بالسياسة والاقتصاد، عن طريق استثمارات مادية كبيرة. وقد أصبحت المخترعات العلمية مثل مولدات الضغط العالي الكهربائية والنظام البرقي والمحطات الإذاعية القوية وأخيرا المرسلات التلفزيونية والكوابل والأقمار الصناعية والحواسيب الضخمة ضرورية الصناعة المعلومات ونشرها، في مجالات تتعدى المحيطات المحلية، مع أن الحاجة إلى التواصل مع الآخرين ليست سبباً كافياً لتقدم الاتصالات وتقنية المعلومات لتصل إلى هذا المستوى المتنامي ونتيجة لتقدم التقنية، توالى نمو إنتاج المعلومات والثقافة خلال هذه الحقية، ما أدى إلى الحاجة إلى أشكال وأنواع وأنظمة صناعية كثيرة، تتواصل آليا فيما بينها بوتيرة أكبر مما يحتاج إليه اقتصاد المعلومات نفسه. كما أن نشوء بيئة الاتصالات المعتمدة على تحكم الحواسيب غير كثيراً من الحقائق، فمنذ عقدين فقط أصبحت المكونات والأدوات الضرورية لإنتاج معلومات واتصالات مؤثرة، تحت تصرف أفراد مستقلين تضاعفت أعدادهم مرات عدة، لتصبح أكبر بكثير من الملاك التقليديين الوسائل إنتاج المعلومات وتوزيعها.
وبمجرد إزالة العوائق المادية في صناعة المعلومات الفاعلة، أصبحت الإبداعات الإنسانية واقتصاديات المعلومات، تمثل جوهر البناء الفعلي في اقتصاد المعلومات المترابطة الجديد، الذي يتمتع بمميزات مختلفة تماماً عما كان عليه الفحم والحديد والقوة البشرية اليدوية التي تميزت بها الأسواق الصناعية التقليدية، وسيطرت على تفكيرنا فيما يتعلق بالإنتاج الاقتصادي خلال القرنين الماضيين. وقد نتج عن ذلك ثلاث صفات تتعلق بنشوء نظام إنتاج المعلومات الصفة الأولى: إستراتيجية الاعتماد على المال العام وهي الأكثر أهمية في إنتاج المعلومات، مقارنة بإنتاج الحديد أو السيارات حتى عندما كانت اتصالات الاقتصاد العالمي تقاس بالنماذج الصناعية. ونتج عن تلك الإستراتيجية أن الأسواق الافتراضية تضخ في المجتمعات جميع وسائل المعرفة والفنون والعلوم والمناظرات السياسية والخلافات الدينية عن طريق المؤثرات، أكثر مما يمكن أن تفعله سوق السيارات مثلاً. وبدورها أدت إزالة العوائق المادية، التي جعلت معظم بيئتنا المعلوماتية تصب في وعاء الملكية الخاصة واستراتيجيات الأسواق التقليدية، لتصبح الأسواق الافتراضية والملكية العامة وأشكال المحفزات والتنظيمات أكثر أهمية لنظام إنتاج المعلومات، من حيث المبدأ.
وظهرت الصفة الثانية، عندما اتضحت الأهمية القصوى لنشوء الإنتاجية في الأسواق الافتراضية، وتمكن الأفراد من تعليم وتثقيف ملايين البشر في العالم، من خلال تواصل لم يكن متوافراً الأشخاص وأفراد لديهم أهداف ومحفزات متباينة من قبل، ما لم تصب جهودهم في منظمات سوقية أو منظمات خيرية أو الحصول على دعم حكومي. وفي الحقيقة: جميع الجهود والمنتجات البشرية المتاحة لكل من يستطيع الوصول الشبكة الاتصالات من أي مكان، أدت إلى نشوء جهود منسقة، ومن المعلوم أن تنسيق الجهود في العمل الفردي، حتى إن لم يكن بصورة تعاونية مقصودة، ينتج جهداً منسقاً لبيئة معلومات غنية، ولا يحتاج الشخص إلى أكثر من تصفح آليات البحث الإلكتروني مثل "" ""جوجل"" في أي موضوع أو حقل اهتمام ليكتشف جودة وكمية المعلومات المتوافرة كاستجابة لتساؤلاته. وكيف أن تلك الاستجابة أنتجتها جهود منسقة لعمل غير منسق، في مجالات واسعة ومنوعة الأشخاص ومنظمات تعمل في نطاق عريض من الحوافز والأهداف، سواء كان ذلك في الأسواق التقليدية أو الأسواق الافتراضية حكومية وغير حكومية.
أما الصفة الثالثة: ( وقد تكون أكثر غموضاً وأصعب استيعاباً على المتابعين) ، فإنها تتمثل في بروز جهود مؤثرة على نطاق تعاوني واسع، نتج عنه ما أسميته "" الإنتاج التعاوني Peer production"" للمعرفة والثقافة، وكان لها تأثير هائل، واعتمدت على تعاون شامل تجسد في ظهور البرمجيات المجانية Sharewares. وقد بدأنا نلاحظ التوسع في هذا النموذج، ليس فقط في جوهر بيئة البرمجيات، ولكن في تجاوزها إلى إنتاجية جميع حقول المعرفة والثقافة المتنوعة - وسأعاود الحديث عن ذلك في هذا الكتاب لاحقاً في حقول متعددة - ابتداء من الإنتاج التعاوني للموسوعات، ووصولاً إلى الأخبار والتحاليل الإخبارية ومجالات الترفيه.
ومن السهل عدم ملاحظة التحولات التي تسير في اتجاه معاكس لأجزاء دقيقة من بعض أسس بدهيات اقتصادنا، وأقصد بذلك البدهيات التي صقلت في الاقتصاد الصناعي في الوقت الذي كان فيه البديل الوحيد الجاد هو النظام الاقتصادي الشيوعي الذي يقوم على مقولة: إن الثروة والممتلكات ملك للجميع أو لفائدة الجميع، وهي بديل بعد اليوم خاطئاً على مستوى العالم. كما أن نجاح اقتصاد البرمجيات المجانية، الذي لا يمكن تفاديه، دفع بعض الاقتصاديين المتمكنين من محاولة معرفة كيف استطاعت آلاف البرمجيات المجانية المتوافرة في الشبكة الإلكترونية العالمية أن تنافس "" ميكروسوفت"" في صميم تخصصها، لتنتج بيئة تشغيلية مثل "" جينو لينكس GNU/Linux"". فالأدبيات المتنامية المتعلقة بأهداف نشوء الإنتاجية في الأسواق الافتراضية، ركزت على البرمجيات وبصورة خاصة المجانية و مفتوحة المصادر Open Source""، والمجتمعات المطورة لها، كما أن ملاحظة ""إرك فون هيبل Eric von Hippel"" المتعلقة بعيداً "" الإبداع لتحقيق رغبة المستخدم بدأت تتوسع لتغطي حاجة الفرد والإبداع المؤدي للابتكار على مستوى الأشخاص، ونشره من خلال الشبكة لغيرهم من الذين يشاركونهم التفكير نفسه حول العالم. وكانت السياسة الضمنية للبرمجيات مفتوحة المصادر، هي مركز الحركة التي قادها ""رتشارد ستالمان Richard Stallman وطورت بتشجيع ونظرة ثاقبة من قبل "" إبان مورجان Eben Moglen""، وهذه البرمجيات ليست إلا مثالاً واحداً وواضحاً لظاهرة واسعة جدا، والمحير في هذا الصدد هو كيف استطاع خمسون ألف متطوع تأليف موسوعة ويكيبيديا Wikipedia "" التي تعد اليوم أهم بديل في الشبكة للموسوعة البريطانية ""بريتانيكا ؟ ثم قدموها بالمجان المستخدمي الشبكة؟ ولماذا ساهم أربعة ملايين ونصف مليون متطوع لتقديم ما لا يحتاجون إليه من قوة حواسيبهم، لإنتاج أقوى وأضخم حاسوب في العالم SETI@HOME وحتى الآن لم يطرح نموذج تحليلي مقبول لتفسير هذه الظواهر التي كثيراً ما نفسرها بأنها نتيجة الفضول وحب المعرفة. أو أنها نزعة مؤقتة قد تكون مهمة في جزئية محدودة من حياتنا، وكان الأجدر بنا بدلاً من ذلك أن تحاول فهم حقيقتها ، فهي مجرد أسلوب جديد للإنتاج برز من خلال اقتصاديات الدول الأكثر تقدماً في العالم، والاقتصاديات الأكثر مكننة والأكثر اتصالا بالحواسيب والشبكة العالمية التي احتلت فيها قيمة سلع المعلومات والخدمات أهم الأدوار في الاقتصاد العالمي الحديث.
من المعلوم أن الجنس البشري كائن يتأثر بمحفزات متباينة ومتنوعة، فكما أنه يستجيب للذرائع والأسباب، فهو أيضاً يعمل دون ذرائع وأسباب. ونحن نعمل المكاسب مادية، ولكننا أيضاً تعمل لأسباب نفسية ( سيكولوجية) وتعمل لتحقيق حياة أفضل، وتعمل لتحقيق الرضى والترابط الاجتماعي، ولا يوجد جديد أو مبالغة في ذلك سوى أن بعض الاقتصاديين قد لا تعجبهم هذه الحقائق. فالاقتصاد الصناعي بصورة عامة، واقتصاد صناعة المعلومات على وجه الخصوص، تقيدهما متطلبات الموارد ورأس المال، الذي يسهم لإيجاد معظم الفرص التي تنتج الأشياء الأكثر قيمة وأهمية لأكثر الناس، إن مجرد الرغبة في تنفيذ عمل ما ليس شرطاً كافياً لتحقيقه، فالحاجة إلى الآلة البخارية وإلى خطوط الإنتاج في المصانع وإلى المطابع العادية وإلى الاتصالات عبر الأقمار الصناعية. لا تجعلنا تنفذها، وذلك بسبب القيود على الموارد المالية المطلوبة. ومن المؤكد في الوقت نفسه أن توجه وفرة الموارد المالية، نحو المشروعات التي تحتاج إلى موارد مالية كبيرة. مع توافر إستراتيجية تنظيمية تبرر الاستثمار في المشروع، ويعني هذا ضرورة أن توجه الأسواق الاقتصادية نحو الأسواق الإنتاجية، أما في الاقتصاد الحكومي فإنها توجه نحو الأهداف البيروقراطية للحكومة وفي أي من الحالتين فإن حرية الفرد العملية للتعاون مع الآخرين لعمل أشياء ذات فائدة تكون مقيدة بحجم رأس المال المطلوب للإنتاج.
أما في اقتصاد المعلومات المترابطة، فإن رأس المال المطلوب للإنتاج يوزع على نطاق واسع في المجتمع البشري، كما أن الحواسيب الشخصية والروابط الآلية متوافرة في كل مکان و زمان، وهذا لا يعني أنها لا تستخدم للتسوق، أو أن الأفراد سيتوقفون عن البحث عن فرص تسويقية، لكنه يعني أنه عندما يوجد شخص من بين بلايين الأشخاص في أي مكان وزمان، وعندما يكون من ضمن المتصلين بالشبكة، ويرغب في إنتاج أي شيء يتطلب إبداعاً وحاسوباً واتصالاً آليا، فإنه يستطيع ذلك منفرداً أو بالتعاون غير الملزم مع آخرين، ويمكن القول إن شخصا بتلك الإمكانات. يملك الموارد الضرورية لتحقيق هدفه، إن لم يكن منفرداً فعلى الأقل بالتعاون مع الآخرين، الذين سيعملون معه الأسباب تكميلية فقط، وتكون النتيجة أن بإمكانه أن يحقق مقداراً أكبر من الإبداع بالتعاون مع عدد من الأفراد الذين سيتفاعلون مع بعضهم اجتماعيا، كأفراد وكمجتمع، وليس كتجار من خلال النظام المالي. وفي بعض الأحيان وتحت ظروف سيأتي شرحها بالتفصيل لاحقاً تكون هذه الأسواق الافتراضية التعاونية أفضل إذا كان هناك جهود محفزة، لأنها تسمح للمبدعين بالعمل في المشروعات المعلومات بفعالية أكثر ، مقارنة بما يمكن تحقيقه من خلال آلية الأسواق التقليدية المتوافرة لدى الشركات والهيئات الحكومية، والنتيجة هي ازدهار قطاع الأسواق الافتراضية في مجالات المعلومات والمعرفة والمنتج الثقافي المؤسس على البيئة المترابطة والمرتبط بما يتخيله الفرد المتصل بالشبكة من معطيات. وهو قطاع لا يخضع للملكية الخاصة، لكنه يخضع لأخلاقيات الشراكة المفتوحة مع الآخرين للبناء عليها وتوسيعها وتنفيذ مشروعات تخص الجميع.
ولأن الأسواق الافتراضية وأهميتها تنشأ بعيداً عن تنبؤات الأشخاص الذين يعيشون في اقتصاديات الأسواق التقليدية في نهاية القرن العشرين، فقد أوضحت في الباب الأول من هذا الكتاب تفصيلاً تحليليا المستوى معقول وبأسلوب تقني، يعالج ما نعرفه بحدسنا، لكنه يحتاج إلى تحليل محكم، أما القراء الذين لا يميلون إلى التحليل الاقتصادي. فعليهم على أقل تقدير قراءة التمهيد في الجزء الأول وبالأخص القسم المعنون بـ ""عندما يلتقي إنتاج المعلومات مع شبكات الحواسيب ، وكذلك قسم تباين الإستراتيجيات في نظامنا الإنتاجي الحالي في الفصل الثاني ودراسة الحالة في الفصل الثالث وسيؤدي هذا إلى تصور كاف لما قصدته بقولي تباين إستراتيجيات إنتاج المعلومات، وبروز الأسواق الافتراضية الفردية والتعاونية لتستخدم أساسا معياريا إضافيا للكتاب. أما القراء المشككون في استدامة الأسواق الافتراضية وفاعليتها وكونها في معظم الأحوال إستراتيجية فاعلة لإنتاج المعلومات والمعرفة والثقافة الاجتماعية، فإنه يلزمهم قضاء وقت أكثر القراءة كامل الباب الأول. وبالتحديد فإن ظهور هذه الإمكانية والممارسات تؤكد في رأيي أن الالتزامات الحرة تترجم التجارب الحية في البيئة المترابطة وفي النماذج الواقعية للنظريات السياسية والمناظرات القانونية التي سأشرحها في بقية الكتاب.
اقتصاد المعلومات المترابطة والمجتمعات الديمقراطية الحرة
إن كيفية صنع المعلومات، وكيفية الحصول عليها، وكيفية مخاطبة الآخرين، وكيفية مخاطبة الآخرون لنا هي التي توضح العناصر الجوهرية لمظاهر الحرية في أي مجتمع والباب الثاني من هذا الكتاب يقدم نظرة مفصلة : تبين تأثير المتغيرات في بيئة معلومات الشبكة المرافقة للتقنية والاقتصاد والمقدرة الاجتماعية، التي يحدثها تتابع حقائق مؤثرة في مجال واسع من الديمقراطيات الحرة.
إن الفرضية الأساسية المطروحة، هي أن تنوع طرق تنظيم إنتاج المعلومات واستخدامها يفتح قدراً من الخيارات المتابعة جوهر القيم السياسية للمجتمعات الحرة والحرية الفردية المتمثلة في نظام سياسي بمشاركة فعلية وثقافة انتقادية وعدالة اجتماعية، وتؤدي هذه القيم إلى إيجاد اتجاه سياسي أخلاقي، يمكن أن يشكل أبعاداً للمجتمع الحر، ولأن التطبيقات العملية للسياسات كثيراً ما تكون متناقضة وغير متكاملة، فإن ممارستها سوف تحدد طريقة تكيفنا مع الآخرين وتوجه مجتمعات حرة متنوعة المراعاة تلك السياسات بأساليب مختلفة، وفي كل الظروف فإن المجال الطبيعي لتلك المجتمعات، يتحكم في قدرة المجتمع على فرض قوة الأغلبية من صناع القرار، وجعلها تصب في مصلحة الحرية الفردية، أو إلى جعل تلك القوة تمارس العدالة الاجتماعية. وقد فرضت منتجات الاقتصاد الصناعي ورؤيتنا للإنتاجية والنمو، قيوداً على إمكانية ممارساتنا لأي مزيج من التدابير، لتطبيق التزاماتنا نحو الحرية والعدالة، وكثيراً ما تقدم ""سنغافورا"" على أنها مثال هائل للتضحية بالحرية مقابل تحسين المعيشة، على الرغم من أن جميع الدول الديمقراطية ذات الاقتصاد الرأسمالي المتطور تمارس بعض التضحيات المشابهة، إلا أن تنبؤاتنا عن مدى قدرتنا على إطعام أنفسنا دائماً ما تكون محركاً مهما لقرار اتنا ، مثل قرارنا في إخضاع إنتاج القمح الدعم الديمقراطية أو إخضاعه لتطبيق إستراتيجية المساواة والعدالة الاجتماعية، كما أن الجهود لرفع مستوى ديمقراطية مواقع العمل كثيراً ما تسير نحو الأسهل من تلك القيود سواء الحقيقية منها أو الخيالية - كما هي حال خطط كثيرة ظهرت الإعادة التوزيع باسم العدالة الاجتماعية، وكثيراً ما يعتقد المهني العادي أن الملكية الخاصة المعتمدة على الأسواق التقليدية أكثر إنتاجية، على الرغم من أن نشوء اقتصاد المعلومات المترابطة يشيرإلى توسيع الأفق لما هو ممكن في الخيال السياسي، فقد اتضح أنه من الممكن أن تمارس حكومات حرة كثيرة مزيجاً متنوعاً من احترام أساسيات الحرية والعدالة واختيار ما يناسب توجهاتها السياسية، ومع هذا، فإن قدراً هائلاً من القيود التي فرضت بما يمكن أن يعد أمراً ضروريا للنموذج الصناعي لإنتاج المعلومات والثقافة، قد أدى إلى تحول ملموس في القيود المؤثرة على ممارسة الالتزام بالحريات.
دعم الاستقلال
لقد أصبح من الثابت أن اقتصاد المعلومات المترابطة يؤدي إلى تطوير القدرة الفعلية للأشخاص من خلال ثلاثة أبعاد، هي:
(1) أنه يحسن قدرتهم على عمل المزيد بأنفسهم لأنفسهم.
(2) أنه يقوي قدرتهم لعمل المزيد من خلال الآخرين في تنظيم تعاوني غير ملزم ودون الحاجة للقيود التي تنظم العلاقات ضمن نظام مالي أو هيكل تنظيمي ملزم في منظمة اقتصادية واجتماعية.
(3) أنه يحسن قدرة الفرد العمل المزيد من خلال منظمات رسمية تعمل خارج مجتمع السوق التقليدي، وتقع هذه الاستقلالية في صميم مجمل التطويرات التي شرحتها، حيث إن حرية الأفراد العملية الجديدة الموسعة تستخدم للعمل والتعاون مع الآخرين، بطرق تؤدي إلى تطوير التجربة العملية للديمقراطية والعدالة والنمو، والثقافة الحقيقية ورفاهية المجتمع.
لهذا سأبدأ بتحليل تأثير اقتصاد المعلومات المترابطة على الاستقلال الشخصي أولاً، يمكن للأفراد عمل المزيد لأنفسهم دون الحصول على إذن أو تعاون الآخرين كما يمكنهم إنتاج وتحديد أساليبهم وطرقهم الخاصة، والحصول على المعلومات التي يحتاجون إليها بأقل اعتمادية على الوسائل الإعلامية التجارية المعتادة في القرن العشرين ثانياً، يستطيع الأفراد عمل الكثير، وبأهمية لا تقل عن سابقتها، من خلال تعاون غير ملزم مع الآخرين ودون الحاجة إلى علاقات طويلة الأمد كتلك التي يمارسها الموظفون في المنظمات الرسمية لتأمين تعاون ناجع ويمكن القول: إن عددا ضئيلاً جدا. من الأشخاص الذين يعيشون في اقتصاد المعلومات الصناعي يستطيعون - بأي مقياس منطقي - أن يقرروا بناء مكتبة الإسكندرية مثلاً، بحيث يمكن الوصول إليها من أي مكان في العالم، أو أن يبدؤوا في إنتاج موسوعة عالمية، وكلما أصبح التعاون بين أفراد منتشرين في أصقاع الأرض أكثر شيوعاً أصبحت فكرة عمل أشياء تحتاج إلى تعاون الآخرين أكثر مزاولة. إن حجم المشروعات المطروحة للاختيار والتبني في تزايد مستمر على مستوى العالم لأن سهولة الالتزام المطلوب وتقليله، في أي علاقة تعاونية يزيد مجال وتنوع العلاقة التي يمكن أن يدخل فيها الناس، مما ينتج عنه توسيع المشروعات التعاونية المتاحة التي يمكن تطويرها وتنويعها.
لا شك في أن هذه الوسائل التي تدعم الاستقلال تحتاج إلى نظرة واقعيه وقوية. لتقديمه بوصفه تجربة يمكن أن يعيشها المجتمع، بدلاً من التصور الفلسفي السابق، الذي يحب أن يفكر فيه بعض أفراد المجتمع. ولفهم الاستقلال في مجالات كثيرة متنوعة يمكننا القول على أقل تقدير ومن منظور ضيق إن الأفراد أقل تأثراً باحتكار المنتجات لتحقيق مصلحة شخصية، من أي فئة أخرى رسمية، مثل مالكي البنية التحتية للاتصالات والوسائط المتعددة. كما أن اقتصاد المعلومات المترابطة يوفر بدائل تمكن مالكي الوسائط المتعددة من نشر وسائطهم الفاعلة، ولديهم وسائل متنوعة تمكنهم من اختيار ما يمكن عرضه للآخرين، وبذلك يؤثرون على رؤية المجتمع فيما يمكن وما لا يمكن فعله، بالإضافة إلى أن تباين الرؤى فيما يتعلق بمعرفة الاتجاه الذي يسلكه العالم اليوم والاتجاه الذي يمكن أن يسلكه مستقبلاً، قد تزايدت من حيث الحجم عند الأفراد، مما وفر لهم دوراً ملموساً في تصميم حياتهم بالطريقة التي يرغبونها، وذلك بتمكينهم من رؤية مجال واسع من البدائل وتزويدهم بأدوات ومقاييس غنية لقياس فعالية ما يختارونه.
الديمقراطية والمجتمع المدني المترابط
المؤشر الثاني الأهم هو اقتصاد المعلومات المترابطة، ويتمثل في التحول الذي أحدثه عندما حول المجتمع المدني، من مجتمع يتأثر بالإعلام الجماهيري المباشر، إلى مجتمع مدني مترابط، واعتمد هذا التحول في الوقت نفسه على الحرية المتنامية التي حققتها شبكات الاتصال للأفراد، ما مكنهم من الإسهام في إنتاج المعلومات والمعرفة والبدائل التي قدمها الفرد للمجتمع المدني الجديد، لينشأ بجانب سوق الوسائط المتعددة، وفكرة مساهمة الإنترنت في تطوير الديمقراطية ليست جديدة، فالكتابة عن الإنترنت هي السمة الأساسية منذ بداية التسعينيات، حيث تحدث الجيل الأول - الذي يعد نوعاً ما سهلاً - عن التأثير الناتج من حرية الكتابة، والتدوين في الإنترنت، كما لخصه المحكمة الأمريكية العليا، عندما أبدى رغبته الضمنية لتمكين جميع الأفراد ليصبحوا مدونين في الإنترنت، الأمر الذي أدى إلى انتقادات ومهاجمات متباينة على مدى العقد والنصف عقد الماضيين، وسأعرض هنا تحليلاً مفصلاً يوضح أن نشوء اقتصاد المعلومات المترابطة، على وجه الخصوص، بوصفه بديلاً للإعلام الجماهيري، يصقل وينمي الإطار السياسي للمجتمع المدني، وإن انتقادات الجيل الأول التي تدعي أن تأثير الإنترنت على الديمقراطية يعتمد على أفكار ضمنية متنوعة للمشكلات الصعبة التي ستعاني منها حرية نشر المعلومات طبقاً لـ "" اعتراض بابل"" التي تؤكد أنه ""عندما يتحدث الجميع لا يستطيع أحد أن ينصت فإما أن ينزلق المجتمع نحو التنافر الأدبي، أو العودة للمال بوصفه عاملاً مميزا للأحاديث المسموعة والمغيبة"" . أما الجيل الثاني فإنه يميل إلى أن الإنترنت ليست كاملة اللامركزية، كما كنا نعتقد في التسعينيات، إذ إن نمط نشوء الإنترنت يشير إلى أن مواقع قليلة ستتمكن من جذب انتباه عدد متزايد من الجمهور. بينما ملايين المواقع غير معروفة، وفي عالم كهذا يمكن إهمال اعتراض بابل، لكن ذلك سيكون على حساب بطلان مقولة: إن الإنترنت وسيلة لنشر الديمقراطية.
في الفصلين السادس والسابع قدمت تحاليل مفصلة وحديثة عن تأثير الإنترنت على التحرر، قد تكون أفضل ما عرف من افتراضات وأكثرها جدلاً. ومن المهم أولاً فهم أن أي اعتبار لتأثير الإنترنت على دعم الديمقراطية، يجب أن يقاس على ضوء تأثير وسائل الإعلام الجماهيرية التقليدية المعتمدة على المجتمع المدني، وليس بمقياس أفلاطوني مثالي كالذي تشبتنا به منذ عقد من الزمن، وقادنا إلى تصور مستقبل الإنترنت. وقد درست جميع الوسائل الإعلامية التجارية التي سيطرت على المجتمع المدني، في جميع الدول الديمقراطية الحديثة بعمق وتمعن، وتبين أنها تظهر أدبيات كثيرة تشير إلى فشل مستمر في منابر الحوار العام، هي: أولاً، أن الوسائل الإعلامية التجارية - تتيح ولو بنسبة يسيرة - وسيلة إدخال محدودة لبوتقة المعلومات، بمعنى أن ملاحظات وقضايا عدد كبير من أفراد المجتمع الحديث المعقد ، تهمل وتترك دون أي عناية من قبل الصحفيين التجاريين المهتمين بمتابعة مجال القضايا التي تهم المجتمع المدني في أي جزء من مكوناته. ثانياً ، توفر هذه الوسائل الإعلامية - وخاصة في السوق المزدحمة - لمالكيها سلطة كبيرة، لتشكيل الآراء والمعلومات، ما يمكنهم من استخدامها أو بيعها لمن يدفع أكثر. ثالثاً، يتمكن مالكو الوسائل الإعلامية، عندما يرغبون في عدم ممارسة سلطتهم بهذه الطريقة، أن يقدموا مسكنات تافهة بدلاً من الاتجاه نحو الانشغال السياسي فيميلون إلى تسهيل الحوار العام الذي يشغل المجتمع، وعلى ضوء هذه القيود الموجودة في الوسائل الإعلامية التجارية، أشرت إلى أن المجتمع المدني المترابط يتيح لعدد كبير من الأشخاص إيصال ملحوظاتهم وآرائهم إلى شريحة واسعة من المجتمع، دون تدخل أو تحكم من قبل مالكي الوسائل الإعلامية، كما أنه ليس من السهل إفساد هذا الترابط التقني بالمال، كما هي الحال في الوسائل الإعلامية التجارية.
وقد وفرت الأدبيات التجريبية والنظرية، لدراسة تقنية الشبكات الحلول الجميع التوجهات النقدية المتعلقة بتحسين البيئة الاجتماعية للمجتمع المدني بواسطة الإنترنت. وبينت بصورة خاصة آليات كثيرة ألحقت بالنظام الاجتماعي، لجمع المعلومات السياسية الصرفة، والمشاهدات والتعليقات، وتوفير منصات ومنابر حوار، بدءا من القوائم البريدية العادية، ومروراً بالمواقع الساكنة static Web pages وحتى نشوء المواقع الديناميكية التي وفرت حرية التحرك، ومكنت المتصفح من نشر كتاباته، وهذه المنابر أزالت بعض أساسيات القيود التجارية وقدمت الوسائل الإعلامية المكثفة، بوصفها منبرا جوهريا للمجتمع المدني، ضمن ديمقراطيات عصرية معقدة، مكنت أي شخص في أي مكان من المضي في حياته العملية ومتابعة البيئة الاجتماعية من خلال مراقبين جدد يستطيعون بالفعل ضخ فكرة أو انتقاد أو اهتمام في حوار عام، وأصبح الأفراد أقل سلبية. وأكثر ممارسة للملحوظات التي من الممكن أن تصبح موضوع نقاش سياسي، كما أصبحوا مشاركين في الحوارات المتعلقة بأرائهم وملاحظاتهم، وبمعنى آخر فإن النماذج المتعددة للمجتمع المدني المترابط أوجدت لكل فرد مداخل مكنته من الحديث والتساؤل والمراقبة. دون الحاجة إلى الوصول إلى موارد المنظمات الإعلامية الكبيرة، إننا تشاهد حالياً، نشوء وسائل جديدة من توزيع الامركزي لملء مهمة المراقبة، والمشاركة الفعلية، في المناظرات السياسية والهيئات التنظيمية. وقد أخذت هذه على أساس سوق افتراضية واضحة. بوسائل قد يكون من الصعب ممارستها بفاعلية بوصفها جزءا قياسيا من بنية المجتمع بأكمله قبل ظهور بيئة المعلومات المترابطة، ومن خلال الأمثلة المفصلة، حاولت أن أنشر التفاؤل للفوائد الديمقراطية الناتجة عن المجتمع المدني المترابط، بحوار محدد ودقيق.
وقد بدأ المجتمع المدني المترابط يتجاوب مع مشكلة حجم المعلومات المتنامية في الشبكة العامة، دون العودة الهيمنة قوة الوسائل الإعلامية الجماهيرية المتخصصة في تنقية المعلومات والتحقق من مصداقيتها، وهناك عنصران جوهريان لهذه التطورات العنصر الأول: أننا بدأنا نرى نشوء السوق الافتراضية، من خلال مصادر إنتاج بديلة التنقية المعلومات وتصفيتها وتوثيقها لتحل محل بدائل السوق التقليدية. ويمكن القول إن التنقية والتحقق من الموثوقية الموضوعية ليست سوى سلع، لا تختلف عن البرمجيات والموسوعات، فما نشاهده في الشبكة من تصفية للمخرجات والتحقق من مصداقيتها أصبح منهجاً للممارسات الواسعة في تحديد الموضوعات ذات الاهتمام المشترك. ومراجعتها وتدقيقها أو مراجعة مصادرها الأصلية بهدف تفحص مميزاتها واستكمال المعلومات، وذلك لكي يتمكن القادرون من أفراد المجتمع من تقييم المميزات والتعليق عليها، العنصر الثاني: قد لا يكون مؤكداً، وإن كان مشاهدًا بالتجربة: وهو يتعلق بملاحظة الطريقة الفعلية التي يستخدمها المتصفحون للشبكة. وللتوضيح يمكن القول: إن تدفق المعلومات في الشبكة ينساب بمنهجية أكثر تنظيماً، مما قد يتصوره المرء من أنه تدفق عشوائي في زخم المعلومات العشوائية، أو أنه أقل مركزية مما كانت عليه بيئة الإعلام الجماهيري، ويتضح ذلك بجلاء، سواء عند تصفح كامل الشبكة، أو عند النظر في مواقع لها الاهتمام نفسه، أو عند تتبع مستخدمين يحاولون التكتل حول موضوعات متشابهة. وبما أنه يمكن الوصول لبعض المواقع وتصفحها أفضل من غيرها : فإن معظم المهتمين الذين راقبوا هذا النموذج ضروه بأنه عودة للإعلام الجماهيري التقليدي، بسبب سيطرة المواقع الأكثر حضوراً على الشبكة. إلا أن تدقيق النظر في العناصر المختلفة من أدبيات الشبكة. يظهر غير ذلك، فمعظم الأدبيات تؤكد نشوء نظام في بيئة الشبكة دون العودة المكونات الإعلام الجماهيري الفاشلة، التي سيطرت على المجتمع المدني، وذلك بالتكتل عن طريق وضع روابط في المواقع الأكثر حضوراً. ومن أمثلة المواقع المتكتلة في منطقة الاهتمام: مواقع إدارة مكافحة الحرائق الأسترالية، حيث ترتبط جميع مواقع إدارات مكافحة الحرائق في أستراليا مع بعضها، وكذلك مواقع مدونات حزب المحافظين السياسية التي تترابط مع بعضها في الولايات المتحدة الأمريكية ( على هيئة مدونات في الشبكة أو دوريات إخبارية ) . وأيضاً - ولكن بأهمية أقل وبقدر من التوسع - المدونات السياسية لحزب الأحرار، ويستمر هذا النموذج في بعض المواقع الأكثر تصفحاً لمجمل المواقع المترابطة، إلا أنه كلما نقص عدد المواقع المترابطة إلى حد مقبول يمكن ربط عدد أكبر من المواقع مع بعضها.
ومن خلال ذلك النموذج يتبين أن الشبكة تكون عموداً فقريا لجذب انتباه المتصفحين. كما أن المواقع المحلية المترابطة التي تكون مجتمعات ذات اهتمام مشترك، يمكن أن تقوم بمراجعات مبدئية وتدقيق تعاوني وتوفر خبرات ومرجعيات جيدة لإسهامات الأفراد. وكذلك فإن الملحوظات المهمة في المجتمعات التي لها اهتمامات مشتركة، تتحول نسبيا نحو المواقع المشهورة في المواقع المترابطة، لتصبح أكثر بروزاً وتصفحاً في الشبكة، عندما يصبحون شركاء لتكتل إقليمي أوسع، ويستمر ذلك في التوسع حتى تصل إلى مشاهدة مواقع ضخمة يتصفحها مئات الآلاف من المتصفحين ويستخدمونها، ويدعم هذا الأسلوب الممارسة السهلة نسبيا، لنشر التعليقات بصورة مباشرة لمعظم المواقع الضخمة التي تحقق طريقاً مختصراً لجذب واسع للانتباه، ومن السهل بمكان إدراك سبب نشوء هذه النماذج. فالمتصفحون للشبكة، يميلون إلى متابعة خيارات الآخرين فيما يرغبون الوصول إليه وتصفحه، بوصفه مؤشرا جيدا لما هو مفيد لهم، وهم في ذلك غير مقلدين، لكنهم يطبقون بعض تقديراتهم فيما إذا كان من يتابعون من المتصفحين، على سبيل المثال، متعصبين سياسيين لخط معين، أو أنهم معجبون ببرنامج تلفزيوني معين، وهذا أفضل مؤشر لما يمكن أن يعدوه أكثر أهمية لهم. والنتيجة أن تحفيز الانتباه في بيئة الشبكة، يعتمد أكثر على مدى اهتمام مجموعة من الأشخاص المشاركين، على عكس ما هو قائم في بيئة الإعلام الجماهيري التقليدي التي تفضل اهتماما محدوداً من قبل عدد كبير من المشاهدين المشاركين أسبوعيا، وحيازة الاهتمام في الإنترنت أكثر صعوبة مما يمكن فعله في مخارج الوسائل المتعددة التقليدية، والأكثر صعوبة هو استخدام المال لإسكات وجهة نظر مغايرة وذلك يسبب التزايد المتنامي الكبير للترابط بين المواقع، وبسبب أن أكثر التكتلات مبنية على مكاسب مشتركة، وليس على استثمارات مالية. وهذه الخواص هي التي حمت بيئة الشبكة من اعتراض بابل "" دون استخدام قوة مؤثرة على أي طرف منفرد أو تكتل صغير ودون التسبب في إحياء دور المال بوصفه شرطاً مسبقاً لإمكانية التخاطب مع الجماهير.
العدالة والنمو الإنساني
تؤدي المعلومات والمعرفة والسلع الغنية بالمعلومات والأدوات، دورا مهما للفرص الاقتصادية والنمو الإنساني، وعلى الرغم من أن اقتصاد المعلومات المترابطة، لا يمكنه حل مشكلات الجوع والأمراض في العالم، إلا أن نشوءه يوفر وسائل متعددة المعالجة وبناء المتطلبات الأساسية للعدالة والنمو الإنساني، ولأن مخرجات اقتصاد المعلومات المترابطة. غالباً ما تكون غير خاضعة للملكية الخاصة، فإنها تتيح وسيلة وصول مجانية، لعدد من الوسائل الأساسية لدعم الفرص الاقتصادية، وتزود المجتمع بالمعطيات الأساسية للاقتصاد المعرفية، ومن وجهة نظر مستقلة المفهوم العدالة، فإن هذه المخرجات تصبح على أقل تقدير متوافرة بيسر "" بوصفها سلعاً جاهزة"" ، لمن هم أقل ثراء. والأهم من ذلك أن توافر مصادر المعلومات المجانية، يقلل من اعتمادية المشاركة في الاقتصاد، عند تجاوز حواجز الوصول للتمويل والتعاملات الاجتماعية التي كثيراً ما تقف عائقاً أمام معالجة الفقر في الاقتصاد الصناعي لذا فإن هذه المصادر والأدوات تسهم في تحسين تكافؤ الفرص.
ومن منظور عالمي وموضوعي، يتضح أن حرية استخدام الموارد الأساسية والقدرات تركز على النمو الإنساني، وتسمح بتطوير المشاركة في إنتاجية المعلومات والملحوظات المعتمدة على المعلومات. كما أن نشوء نطاق واسع من وسائل البرمجيات المجانية وأدواتها، سهل على الدول الفقيرة ومتوسطة الدخل الحصول على قدرات تتبع من جوهر البرمجيات، والأكثر أهمية أن البرمجيات المجانية، أدت إلى نشوء القدرات المحلية الإنتاج خدمات برمجية على مستوى الاستخدامات الوطنية، وكونت أساسا للمشاركة في صناعة الخدمات البرمجية على مستوى العالم، دون الحاجة إلى الحصول على موافقة من شركات صناعة البرامج العالمية. كما أن المطبوعات العلمية قد بدأت في استخدام إستراتيجيات مشاعة لإصدار موارد معلومات مهمة، تتعلق بمنهجية توافر موارد المعلومات في الدول الأكثر فقراً، وبمزيد من الحرص بدأنا نرى جهوداً مشتركة بين العامة والمنظمات غير الربحية ومصادر البحوث المجانية، وذلك في مجال البحوث الزراعية، حيث تكاتفت تلك الجهود لتطوير وتطبيق حلول للمشكلات المتعلقة بالمبتكرات الزراعية بهدف تطوير مجموعة قدرات أساسية، ينتج عنها تعاون المزارعين والعلماء في الدول الفقيرة، مع بقية دول العالم لتطوير محاصيل زراعية أفضل جودة وذات قيمة غذائية أكبر تهدف إلى تحسين الأمن الغذائي في مناطق العالم الفقيرة، وبتحد متساو، ولكن بفاعلية أقل، بدأنا ترى جهوداً جديدة لترجمة هذا النظام المبتكر في الإنتاجية المتعلقة بالصحة.
إن جميع هذه الجهود موجهة نحو حل مشكلة من أكثر المشكلات وضوحاً، وهي الفقر ونقص التنمية الإنسانية في اقتصاد المعلومات العالمي وبرغم زيادة الثراء في اقتصاد القطاعات الغنية نتيجة لما تتيحه المعلومات والابتكارات الحياة أطول وأكثر صحة، ومع كونه معززاً بقدرات أفضل للوصول للمعلومات والمعرفة والثقافة في أماكن كثيرة، إلا أن متوسط الأعمار في تناقص، ونسبة حصول الأمراض في تزايد، والجهل مازال منتشراً. ويمكن القول إن بعضا، وليس جميع هذا الظلم العالمي، يحدث بسبب حقيقة أننا بدأنا تعتمد كليا على نموذج الملكية الخاصة في العمل الاقتصادي الصناعي، لتوفير بعض أهم أساسيات عناصر معلومات التنمية البشرية، وكلما طور اقتصاد المعلومات المترابطة وسائل جديدة لإنتاج معلومات متاحة للجميع بالمجان دون حصر المصادر وملكيتها: فإن ذلك يهيئ فرصاً متواضعة، ولكنها هادفة لتحسين التنمية البشرية في كل مكان، ونشاهد اليوم مؤشرات أولية لظهور نظام بيئي للإبداع، ناتج من تضافر التمويل العام والمنظمات غير الربحية التقليدية وقطاع البيئة التعاونية الناشئة حديثاً.
ثقافة الانتقاد والعلاقات الاجتماعية المترابطة
لقد أدى اقتصاد المعلومات المترابطة لظهور ثقافة أكثر انتقادية وأكثر تفحصاً. وبدأ في العقد الماضي مجموعة من المتخصصين القانونيين، أمثال ""نيفا إلكن كورين ""Larry Lessing و""لاري ليسنج ""Terry Fisher و""تيري فيشر ""Niva Elkin Koren و جاك بلكن lack Balkin"" . يبحثون في تأثير الإنترنت على الديمقراطية والثقافة الإنسانية المتعددة، وبمتابعة هذا العمل وعطفه على نسيج حوار النظرية الديمقراطية أستطيع القول: إن بيئة المعلومات المترابطة، زودتنا بنظام إنتاج ثقافي مغر وجذاب للغاية. من منطلقين متميزين:
(1) - جعلت الثقافة أكثر انتشاراً وشفافية.
(2) - جعلتها أكثر مرونة وقابلية للتكيف، ومن خلال هذين المنطلقين نشاهد نشوء إنتاج ثقافة مجتمع جديدة، الأمر الذي لم يكن مقبولاً لإنتاج الثقافة في أثناء العصر الصناعي، ما جعل كثيراً منا يشارك بفعالية في تحريك الثقافة والبحث عن معنى للعالم من حولنا، وهذه الممارسات جعلت من يستخدمها قارئاً أفضل ومتأملاً ومنتقداً للثقافة التي يعيشها بأسلوب أوسع، وقد أدى ذلك إلى تحول أفراد المجتمع إلى مشاركين في الحوارات الثقافية بأفق أوسع، كما وفرت تلك الثقافة، للأفراد حرية أوسع للدخول في حوارات لصقل ثقافات الآخرين. وضع ثقافتهم الخاصة في تلك الثقافات، أكثر مما وفرته ثقافة وسائل الإعلام الجماهيرية التقليدية، كما اقترح "" بالكن Balkin"" .. ومن هذه المنطلقات يمكن اعتبار أن الثقافة أصبحت أكثر ديمقراطية، لأنها نتاج انعكاسات شخصية ومشاركات عامة.
وسأضع النقاط على الحروف من خلال معظم فصول هذا الكتاب، لإيضاح قدرات الأفراد المتنامية بوصفها أساسا لدفع القوى الاجتماعية خلف اقتصاد المعلومات المترابطة. وهذه القدرات العالية للأفراد أثارت اهتمام الكثيرين المتابعة ظهور مجموعة إضافية من مجتمع الإنترنت، تسعى للنزعة التصنيعية طويلة الأمد، ومع ذلك هناك أدبيات إحصائية بحجم لا بأس به، توضح أننا في حقيقة الأمر، نستخدم الإنترنت بصورة واسعة على حساب البث التلفزيوني، وهو استبدال صحي من وجهة نظر الترابط الاجتماعي: لأننا نستخدم الإنترنت للتواصل مع العائلة والأصدقاء سواء في المنطقة الجغرافية الواحدة، أو المناطق البعيدة لدرجة أننا أصبحنا نشاهد تحولاً ملموساً في الروابط الاجتماعية، لأننا بالإضافة إلى تقوية أواصر الترابط فيما بيننا، فإننا أيضاً نزيد نطاق الاتصالات وتنوعها بعد أن كانت تتسم بالضعف، وفي اتجاه ما آل إليه كل من مانيول كاستلز Manuel Castells"" و ""باري ولمان Barry Wellman"". أرى أننا أصبحنا أكثر تكيفاً لملء بعض الأدوار المولدة للعواطف والظروف نفسها التي كانت فيما سبق تعمل على تحريك المجتمع لشبكة من تداخل الترابط الاجتماعي المحدود من حيث الاستمرارية والكثافة.
أربعة تعليقات منهجية
لقد تولدت عندي أربعة تعليقات منهجية تتضح كلها في الجزئية التي استعرضتها حتى هذه المرحلة، ومن ثم في كامل الكتاب، ما يتطلب توضيحاً ودفاعاً: التعليق الأول أنني أعطيت التقنية دورا مهما وأساسيا، التعليق الثاني - أنني قدمت تفسيرات تتمحور حول العلاقات الاجتماعية العاملة في مجال الاقتصاد بدلاً من علم الاجتماع التعليقان الثالث والرابع - يدخلان في عمق النظرية السياسية الحرة، ففي الاختيار الثالث انتهجت النظرية السياسية الحرة، ولكن سلكت طريقاً كثيراً ما يقاوم في هذه الأدبيات، وذلك باعتماد تركيبة اقتصادية مع الاهتمام بالقيود على السوق ومنظماته الداعمة من منظور الحريات، دون قبول السوق بحالته الراهنة، منتقداً ومدافعاً عن التكيفات الناتجة. من منظور يركز على توزيع العدالة، أما الرابع فهو الطريقة التي سلكتها للتركيز على تصرفات الفرد في علاقاته مع الأسواق الافتراضية، وتدور معظم الدراسة حول الخيار بين تصرفات المجتمع في السوق التقليدية، والسوق الافتراضية، حيث ليس للحكومات في معظمه أي دور، وربما يقال: إنها تمارس أدواراً سلبية بطرق معارضة لنمو بعض فروع أفكار السياسة الحرة وبخاصة الفروع التي تفسر بأنها تحررية أو أفكار ثورية. إنني لا أستثني أو أتجاهل دور الحكومات، كما سأشرحه لاحقاً، ولكنني أبرز تزايد تأثير الأفراد وعلاقاتهم الحرة مع السوق الافتراضية بصفتهم وسطاء الاقتصاد السياسي، وكما تكيف السوق لا بد للحكومات أن تتكيف مع هذه النزعة الناشئة من السلوك الإنساني. وعلى نظرية السياسة الحرة أن تقبل ذلك، وتتفهمه قبل أن تبدأ في طرح برامجها وخططها للحكومة الحرة لاتباعه أو لا.
دور التقنية في الشؤون الإنسانية
ومع أن Creation of Media هذه الجهود الحديثة عظيمة في واقعها، إلا الاختيار المنهجي الأول، يعالج أساليب التعامل مع دور التقنية في تنمية أحوال الناس. مثل ""الحتمية التقنية technological determinism"" التي جسدها ""لويس ممفورد Lewis Mumford"" أو كالتي جسدها مارشال مكلهام Marshall McLuhan"" في مجال الاتصالات تحديداً، وقد استقبل معظم الوسط الأكاديمي ذلك، على أنهما مبالغان في هذا التوجه، مع أن المجتمع الثقافي عموماً لا يرى ذلك. ومن أفضل الجهود المختلفة قليلاً. والمتزامنة مع ظهور تلك المنهجية المبنية على التشريع، واختيار التفسيرات السياسية، قد يكون ما جسده ""بول ستار Paul Starr"" أخيرا، في عمله الرائع "" ابتكار وسائل الإعلام أنه يجب عدم الخلط بين حتمية ""مكلهام"" وبين بقية الأعمال كالذي قدمته "" اليزبيت أسينستاين Elizabeth Eisenstein"" حسين ناقشت بتفصيل وعناية رائعة ""الصحافة المطبوعة بوصفها عاملاً للتغيير ، ومع افتراض أن التقنية مجرد أدوات وجدت بالمصادقة. وأن توظيف أي مجتمع وثقافة لها ، بنمط يعتمد فقط على استفادة ذلك المجتمع والثقافة منها، بوصفها أمراً ملزماً للغاية، فالمجتمع الذي ليس لديه عجلة أو مغزل وقدرة على الكتابة يكون مقيداً فيما يمكن أن يفعله وأدخل باري ولمان Barry Wellman في علم الاجتماع تعبيراً، استعاره من علم الهندسة، وهو "" الاستطاعة "" Affordance. وسمى لانجدون واتر Langdon Winner"" هذه بـ "" المزايا السياسية للتقنية "" أنا. وأفضل ما قيل في ذلك تصور ""هارولد إنيس Harold Ennis في كتاب ""تحيز الاتصالات "" the bias of communications حيث أصبح هذا الاتجاه مقبولاً في حوار قانون وسياسات الإنترنت بتأثير من لورانس لسج Lawrence Lessig الذي صنفها في كتاب: "" اللائحة قانون Code is law
ومن السهل شرح الفكرة وتمييزها عن المفهوم السلمي للمتسية، حيث إنها تنتج أفعالاً إنسانية مختلفة، وتعاملات تؤدى بأسلوب أصعب أو أسهل عن كل تقنية مختلفة أما فيما عدا ذلك فإن الأفعال والموضوعات تتساوى. فما هو سهل سينفذ على نطاق أكبر. وما هو صعب سينفذ على نطاق أقل، ومن المستحيل أن تتساوى جميع الأمور من حيث الصعوبة والسهولة. لهذا فإن ""الحتمية التقنية "" لا لا تسمح بأن يكون نشوء بيئة أو علاقات إنسانية ملازماً دوماً لظهور تقنية معينة، وللتوضيح فإن الملاحة في المحيط لها تطبيقات واستخدامات متباينة، فعندما تمارسها دول لتوسيع سيطرتها الملاحية ستواجه بتحديات من جيرانها الأقوياء، مثل إسبانيا والبرتغال، مقارنة بما سيواجه الأمة التي تركز على بناء إمبراطورتها في محيط أراضيها مثل الصين، كما أن للطباعة تأثيرات مختلفة على الجهل، ففي دول يشجع فيها الدين الأفراد على القراءة مثل "" بروسيا - أسكتلندا - إنجلترا - ونيو إنجلترا""، يكون التأثير أكبر منه على دول لا يشجع فيها الدين على القراءة أو التدخل في التعامل مع النصوص مثل فرنسا وإسبانيا"". وهذا النموذج من مفهوم دور التقنية هو المطبق هنا، إذ أوجدت التقنية بعض الأبعاد التصرفات الفرد والمجتمع غير الملتزمة بالحتمية ولا بالمرونة التامة، نتج عنها أن بعض الأفعال والعلاقات والمنظمات والأعراف، تكون سهلة الممارسة، في حين أن هناك أخرى أكثر صعوبة، وبيئة التحديات، سواء كانت تحديات بشرية أو طبيعية، بإمكانها أن تزيل بعض التصرفات وذلك بزيادة فعالية إستراتيجية التنافسية المباشرة.
ومع ذلك، وفي نطاق الممكن للاستخدامات غير المسلم باستحالتها سواء كان ذلك من خلال تطبيق التقنية أو عدمه، فإن السمات المختلفة لتطبيق تقنية معينة واستخدامها. ينشأ عنها علاقات اجتماعية مختلفة تماماً. وما لم تكن هذه السمات متنافسة أو حتى إذا كانت متنافسة فعلاً، فإنها ستكون إلى حد ما أقل فعالية لمواجهة التحديات، بسبب تمسك مجتمعات مختلفة بسمات مختلفة مدة زمنية طويلة، إن إمكانية الاستدامة طويلة الأمد الاستخدامات النماذج والسمات المختلفة هي التي جعلت هذا الكتاب ذا صلة بالسياسات. وليس بالنظريات. وكما أن التقنية لشبكات الحواسيب يمكن تطبيقها نفسها من خلال نماذج مختلفة، كذلك ليس هناك ضمان في أن تقنية شبكة المعلومات ستقود التطويرالإبداع والحرية والعدالة، التي أشرت إلى أنها ممكنة، إنها خيارات تواجه المجتمع ويمكن القول بتحليل دقيق إن أسلوب نمونا، سيعتمد على خياراتنا في العقد أو العقود القادمة.
دور التحليل الاقتصادي وعلم المنهجية الفردية
لا بد من التأكيد كنقطة أخرى، أن هذا الكتاب يتبع منهجية وصفية موجهة بوضوح نحو الفردية والاقتصاد، وهي بالكاد الطريقة الوحيدة الدراسة هذا الموضوع. فالمعالجة القانونية | التي طبقها ""مانيول كاستلز Manuel Castells"" . . على مجتمع الإنترنت ) هي التي حددت خصائصه المركزية، التي نتجت بسبب النحول من المجموعات والتسلسلات الهرمية إلى الشبكات كنموذج اجتماعي وتنظيمي - وجعلتها تدابير غير ملزمة ومرنة في الشؤون الإنسانية، وطور ""كاستيلز Castells"" هذه النظرية بشرح نطاق واسع من المتغيرات لتتحول من كونها شبكات نقل إلى شبكات عالمية وتصنيعية، كما أن الإنترنت تتوافق مع توجهاته، ما يوفر تنسيقاً وتعاونا أفضل في هذا النوع من الشبكات المفتوحة المشار إليها. أما تركيزي فهو على الأدوار المحددة المتعلقة بقطاع الأسواق التقليدية والأسواق الافتراضية وكيف رسخ هذا التغيير، اللامركزية الجديدة، التي لمسناها بوصفها شواهد اجتماعية وسياسية. إنني أضع خصائص شبكات الحواسيب والمعلومات التقنية والاقتصادية في صلب التحول الاجتماعي، ما يوفر محوراً في اتجاه الإنتاج اللامركزي الجديد، وهي تشكل التحول من بيئة معلوماتية تسيطر عليها الملكية الخاصة والفعاليات المتعلقة بالأسواق التقليدية إلى عالم يحقق فيه المال العام وتعاملات الأسواق الافتراضية، دوراً واسعاً في مجال منتجات الأسواق، وهذا البروز الجديد لقطاع المال العام، يؤثر بقوة في مجمل بيئة المعلومات التي يستطيع أن يمارس فيها الأفراد والمجتمعات حياتهم الخاصة والدرس الذي يمكن تعلمه من العولمة، وترابطها المتنامي مع الأسواق. هو أن منطق السوق يمارس ضغطاً هائلاً على التركيبة الاجتماعية الحالية. وإذا شاهدنا بالفعل ظهور عنصر حقيقي لمنتجات سوق افتراضية في صلب آلتنا الاقتصادية - أي إنتاج المعلومات وتبادلها ، ومن بينها السلع المعتمدة على المعلومات والأدوات والخدمات والقدرات - عندها يمكن القول: إن هذا العنصر يوحي بقيود حقيقية على اتساع السوق. ومثل هذه القيود تنمو من داخل السوق التي تقيده في أفضل مراكز تقدمه، وسيمثل هذا تحولاً حقيقيا في اتجاه ما يمكن أن يوصف بأنه إنجاز عالمي متنام للسوق الاقتصادية. والمجتمع في نصف القرن الماضي.
البنية الاقتصادية في النظرية السياسية الحرة
أما النقطة الثالثة فهي تتعلق بدور البنية الاقتصادية في النظرية السياسية الحرة وتحليلي في هذا الخصوص عملي ويتمحور حول الإنسانية، والمقصود هنا توضيح أمرين: الأول هو الاهتمام بالكائن البشري ممثلاً في الأفراد الذين يتحملون الأعباء الأخلاقية فيما يتعلق ببنية الأنظمة السياسية والاقتصادية التي يعيشونها، فمن عمق التقاليد التحررية اعتمدت الموقف الإنساني والجماهيري بدلاً عن السياسة والتمييز، ويتعلق هذا الموقف أولاً وأخيراً بمراعاة الإنسان بوصفه إنسانا وليس من خلال المتطلبات الديمقراطية أو مدى استحقاقه للمواطنة أو العضوية في مجتمع يتمتع بحكم ذاتي شرعي وهادف. وهناك طرق كثيرة متنوعة لاحترام الاعتبارات الأساسية لحرية الإنسان وكرامته ورفاهيته التي تمارسها حكومات حرة مختلفة، ويوجد خليط من الأنظمة السياسية التي تحقق ذلك. وقد أثر بروز البناء الاقتصادي المعرفي والترابط العالمي على المجتمعات الإنسانية في كل مكان، ففي بعض الأماكن دعم التقاليد الديمقراطية، وفي مواقع أخرى أضعف التسلط على الحريات ولفهم تصوراتنا لهذه المرحلة في إطار الحرية والنمو البشري فإنه لا بد من تجاوز حدود بعض التقاليد المحررة أو المقيدة لأي أمة، فالممارسات الفعلية للحرية. كما نراها تنشأ في بيئة الشبكات تؤدي إلى ترابط المجتمعات متجاوزة محيط إقليمها أو مجتمعها، عابرة الحدود والخلافات السياسية، وتسمح للمجتمعات بحل المشكلات في إطار روابط وعلاقات جديدة خارج حدودها الرسمية ومجتمعها السياسي الشرعي، ومن هذه البيئة الاجتماعية والاقتصادية المتدفقة، نتجت الاعتبارات الفردية بوصفها ركيزة أخلاقية لتبني هيكلية القوة واستغلال الفرص لتحقيق حرية الإنسان ورفاهيته، بالإضافة إلى أنه غالباً ما يكون معاملة عناصر المنظمات والمجتمعات بوصفها كيانا قانونيا، مريحاً ومقبولاً على نطاق واسع، مع أنها ليست أدوات القياس الصواب والخطأ، ويتفرع دورها في تحليل الحرية والعدالة من دورها النشط والعميق، في سياق هيكلي يجد الإنسان فيه نفسه مجرد أداة حقيقية لقياس أخلاقيات الاقتصاد السياسي. ومن هذا المنظور فإنني. أعترف بأن موقفي هنا مستقل وليس مجرد موقف شخص متعاون أو ناقد.
موقفي الثاني هو أنني مركز اهتمامي على المجتمع الإنساني الحقيقي، بخلفيته التاريخية الفعلية، وليس من خلال استعراض الأشخاص وتجريدهم من واقعهم، ويعني هذا الالتزام، أن الحرية والعدالة لأشخاص لهم موقع تاريخي، تقاس من المنظور العملي لكل فرد، ولن أتجاوز الضوابط ومصادر عدم المساواة المفروضة على الحرية الفردية، دون أن أدفقها وأحققها وأراجعها، ولن أجعل وجهة نظري هذه، منحازة لأي اعتبارات خاصة ولن أعطي أي وزن أو اعتبار أخلاقي مستقل للاقتصاد، ولا للموروثات الثقافية : لأنني أؤمن بأن الشخص الذي تتحكم في حياته وعلاقاته، قوة خارجية ليس حرا، سواء كانت مصادر هذه القوة الأسواق، أو السلطة، أو قيم المجتمع التقليدية. وهذا التوجه لا يقود للفوضى والانحلال، لأن المنظمات والمجتمعات والتركيبات الخارجية الأخرى، ضرورية الإنعاش الإنسان وتمكينه من العمل بحرية وفعالية، ما يعني أنني أنظر لهذه الهيكلية، من منظور تأثيراتها المحددة على الإنسان ومن قيمتها المشتقة فقط، من أهميتها للإنسان الذي يتبناها، ويهيئ نفسه للأحسن أو الأسوأ من خلالها، وكواقع عملي، فإن هذا يوفر اهتماماً بتركيبة السوق والمنظمة الاقتصادية، الأمر الذي يقربها كثيراً من موضوع الحرية، عما يمكن أن تحققه في الغالب نظرية الحرية، فالمستقلون يميلون إلى ترك الهيكلية الأساسية للممتلكات والأسواق، إما للتحرريين أمثال فردرك هايك Friedrich Hayek"" الذين قبلوا هيكليتها الحالية بوصفها إطارا طبيعيا، وعنصرا جوهريا داعما للحرية، أو أنهم يتركونها للماركسيين والماركسيين الجدد. لقد تناولت الممتلكات والأسواق بوصفها مكونا واحدا للعمل الإنساني، بقدراته ومعوقاته، إذ إن توافرها أضاف بعض أبعاد الحرية، مع أن احتياجات تنظيمها، قد يصبح مصدراً من مصادر التقييد، عندما تحد الممتلكات من حرية التصرف في نطاق السوق الافتراضية، وعندئذ يصبح تعديل وسيلة الوصول للأسواق، جوهريا، ليس فقط لشكل العدالة أو الازدهار الاجتماعي، ولكن أيضاً للحرية نفسها.
