القائمة الرئيسية

نحن نجهل نبتون جهلًا تامًّا

نحن نجهل نبتون جهلًا تامًّا
ملخص المقال

 يتناول المقال كوكب نبتون، الذي يعد من أقل الكواكب شهرة في نظامنا الشمسي، مقارنة بكواكب أخرى مثل المريخ وزحل. رغم أنه أبعد الكواكب عن الشمس، إلا أن نبتون يثير اهتمام العلماء بسبب خصائصه الغريبة، مثل الغلاف الجوي الذي يحتوي على غاز الميثان الذي يمنحه لونه الأزرق الجميل. كما يتمتع نبتون بظواهر جوية غير مألوفة، مثل الرياح السريعة والعواصف العاتية. رغم أنه لم تتم زيارة نبتون منذ مهمة فوياجر 2 في الثمانينات، يخطط العلماء لإرسال مهمة فضائية إلى أورانوس، وقد يتأجل وصول مهمة إلى نبتون حتى خمسينيات القرن الحالي.

لعلَّك لا تسمع كثيرًا عن نبتون، أليس كذلك؟

بالطبع لن تسمع عن نبتون قدر ما تسمعه عن الكواكب الأخرى. تقوم الروبوتات الفضائية بتوفير لقطاتٍ لسطح المريخ وسُحُب كوكب المشتري بشكلٍ منتظم، وعادةً ما يُلقي المهتمون بالتنجيم اللوم على عطارد لتبرير ما يمرّون به من أيامٍ عصيبة (بالرغم من أنّ الحركة التراجعية الظاهرية لعطارد ليست إلا خدعة بصرية تظهر في سمائنا ليلاً). دارت المركبة الفضائية كاسيني لمدة 13 عامًا كاملاً حول كوكب زحل، قبل احتراقها في الغلاف الجوي، منهية بذلك سلسلة أرصادها العظيمة، وقد أعلن علماء الكواكب – مؤخرًا- عن وجوب منح الأولوية -من قِبَل ناسا- لإرسال مسبار فضائي إلى أورانوس في العقد المقبل، فيما برز نبتون -بشكلٍ نسبي وسريع- في الأخبار خلال الأسبوع الماضي؛ بسبب الدراسة الجديدة التي تفسِّر أنّ زرقة لونه ظاهرة نادرة.

وحتى هذا الاكتشاف كان اكتشافًا عرضيًا جاء مصادفةً، وفقًا لباتريك إيروين -عالِم فيزياء الكواكب في جامعة أكسفورد والمؤلف الأساسي في هذه الدراسة-، الذي أخبرني أنه وفريقه شرعوا في دراسة الغلاف الجوي لكلٍّ من نبتون وأورانوس، ولم يكن التحقيق موجهًا لكشف سِر المظهر الجميل لنبتون، لكن غالبًا ما يُنظر إلى هذين العملاقين الجليدين -اللذين سُمِّيا بهذا الاسم؛ لاعتقاد العلماء بأن نشوء هذين الكوكبين كان ناجمًا من تكتّل موادٍ جليدية- بأنهما قرينان، وعلى هذا الأساس تتم دراستهما، إذ إن لهذين الكوكبين الكثير من القواسم المشتركة فيشتركان في نفس الحجم تقريبًا، حيث كلاهما أكبر من الأرض، وهما أصغر من المشتري وزحل، وكلاهما عالَمان بلا سطح، وبغلافٍ جوي من الهيدروجين والهيليوم ورذاذ من الميثان، ويعتقد العلماء أنّ الضغط في أعماقهما يكون شديدًا للغاية لدرجةٍ أنّ ضغط ذرّات الكربون يشكّل الألماس.

كان العلماء يدركون بالفعل أنّ المظهر الكلي المُزّرق لنبتون وأورانوس ناشئ عن غاز الميثان الموجود في الغلاف الجوي، الذي يمتصّ الألوان الحمراء الواردة من ضوء الشمس، تاركًا اللونين الأزرق والأخضر لتراهما أعيننا، لكن إروين وزملاءه وجدوا أنّ الطبقة المعينة من ضباب الميثان تبلغ سماكتها على أورانوس ضِعفَ سماكتها على نبتون، حيث قال لي إيروين: “هذه الأجواء تكون زرقاء بشكلٍ طبيعي؛ إذا لم يكن هناك ضباب، لكن إضافة الضباب يجعلها أكثر شحوبًا”. ويذهب الباحثون إلى أنّ نبتون الذي يتمتع بغلافٍ جوي أكثر اضطرابًا، هو الأفضل في تحريك جزيئات الميثان وتخفيف هذه الطبقة؛ لهذا السبب يبدو أورانوس كحجر من زبرجد، فيما يظهر نبتون أزرقًا سماويًا، هو الكوكب الأكثر زُرقة في نظامنا الشمسي، هذه هي السِمة المميزة التي يمكن أن نُسَمّيَ بها هذا الكوكب، الذي هو أقلّ كواكبنا من حيث توجهنا واهتمامنا.

إنّ اتصاف نبتون بكونه الكوكب الأبعد عن الشمس يوجب احتكاره لمنزلته هذه في التشكيلة الكونية، ولكن لا يزال السؤال حول بلوتو يشغل بال الجميع باعتباره كوكبًا بكل معنى الكلمة أم لا، حيث تقرَّر عام 2006، تجريده عن كونه آخر الكواكب، وحين ينصرف علماء الكواكب عن الجدال في ذلك فإنهم يبحثون عن الكوكب التاسع، وهو عالَم افتراضي يُفترَض دورانه حول الشمس بعد نبتون، ويمكن أن يفسّر وجوده المدارات الغريبة لبعض الأجرام السماوية البعيدة، وإذا تقرّر أن تضطلع وكالة ناسا بتوصيات المجتمع العلمي فترسل مركبة فضائية إلى أورانوس، فهذا سيجعل نبتون الكوكب الوحيد الذي لم تزره البشرية في مهمة مخصّصة لأجله.

أورانوس، على اليسار، ونبتون، من منظور مسبار هابل الفضائي (أ. سايمون / وكالة الفضاء الأوروبية / ناسا / إم إتش وونغ / جامعة كاليفورنيا / أوبال). 

لطالما شكّل نبتون حالة غريبة وشاذة؛ حيث لم يدرك علماء الفلك وجوده إلاّ عندما لاحظوا أنّ أورانوس -الذي تمّ اكتشافه بالتلسكوب عام 1781-، كان يتعرّض للاجترار في مداره؛ بسبب جاذبية بعض الأجرام السماوية غير المرئية، ثمّ رُصد نبتون أخيرًا عام 1846، في نفس المكان الذي تنبَّأ به الفلكيّون، وبعد سنوات عديدة وتحقيق تقدمات تقنية، وصلت المركبة الفضائية فوياجر 2، التي أطلقتها ناسا ومرّت بالقرب من نبتون، وهي آخر محطة لها في جولة كبرى للكواكب الخارجية، وقد أعطانا تحليق فوياجر حول نبتون نظرة أقرب للعالم الأزرق الرائع ونظرة لأقماره وحلقاته (أجل، إنّ لنبتون حلقات، وإن لم تبلغ في البريق مستوى حلقات زحل، ولكنها هناك، وهي مكونة من قطع صغيرة من الصخور والغبار). والتقطت فوياجر بقعًا زرقاء داكنة في الغلاف الجوي، والتي تبين فيما بعد أنها عواصف عظيمة، وقد أطلق العلماء على أكبر ما رأوه منها – البالغة ما يقارب حجم كوكب الأرض- بـ”البقعة الداكنة العظمى”.

ولم تقم أيّ مركبة فضائية منذ ذلك الحين بزيارة نبتون، أو حتى أورانوس، ولكن علماء الكوكب قرَّروا في توصياتهم الأخيرة لناسا الذهاب إلى أحد الكوكبين الجليديين دون الآخر، لمجرد كون أورانوس أقرب إلينا، بجانب استغراق وصول الروبوتات الفضائية زمانًا أقل من نبتون، هذا هو التحدي البارز عند استكشاف العوالم التي تستغرق وقتًا طويلاً للدوران حول الشمس، وهي 84 عامًا لأورانوس، 165 عامًا لنبتون، ولا شكّ أن من شأن إرسال مهمة مخصصة إلى أورانوس، والتي ستنطلق في وقتٍ ما في أوائل ثلاثينيات القرن الحالي، أن يثري فهمنا لكلا العملاقين الجليديين، لكن هذا لا يوفي نبتون حقه طبعًا، إذ إن للكوكب الأخير في نظامنا الشمسي قصته وخصائصه الفريدة، والتي هي رائعة وغامضة في حدّ ذاتها، وتسترعي اهتمامنا الجاد بها.

على سبيل المثال، قال إيروين: “يحتوي نبتون على كميات كبيرة من الحرارة الداخلية المتبقية من الفترة التكوينية، والتي تخرج حاليًا بشكل إشعاعاتٍ تتبدد بعيدًا في الفضاء”. حيث يطلق نبتون حرارة تزيد بمقدار 2.5 مرة عمَّا يمتصّه الكوكب من حرارة الشمس، في حين لا يقوم أورانوس بذلك، على الرغم من أنه أقرب إلى نجمنا، وهو أمرٌ غريب إلى حد ما، بالنظر إلى تشابه هذين العملاقين الجليديين تشابهًا كبيرًا في تكوينهما يجعل هذا الخرق للعادة من نبتون مكانًا عاصفًا ومليئًا بالرياح. (قد يكون للمشتري أجمل العواصف في نظامنا الشمسي، لكن لنبتون أسرع الرياح).

إنّ العلماء حريصون على فهم كيفية عمل الطقس النبتوني، أتذكرون البقعة المظلمة العظمى التي وجدتها فوياجر 2؟ كانت هذه البقعة قد اختفت تمامًا حين رصد تلسكوب هابل الفضائي كوكب نبتون في تسعينيات العقد الماضي، وبالمثل، ظهرت بقع داكنة أخرى ثمّ اختفت. قال لي إيمكي دي باتر، عالم الفلك في جامعة كاليفورنيا في بيركلي: “هناك الكثير من التقلبات المثيرة للاهتمام في الغلاف الجوي، خاصة في السنوات القليلة الماضية، حيث لم نشهد الكثير من النشاط السحابي على الإطلاق، وهو أمرٌ غريب للغاية”.

ومن الأمور الغريبة أيضًا لنبتون درجات حرارته الموسمية، فالموسم الآن صيف في نصف الكرة الجنوبي للكوكب، وهكذا كان الأمر لمدة تقرب من عقدين من الزمن. (في نبتون، يستمر كل فصل لمدة حوالي 40 عامًا)، فعندما فحص علماء الكواكب مؤخرًا الأرصاد التلسكوبية، التي تغطي تلك الفترة، كانوا يتوقعون رؤية علامات تدل على ارتفاع درجات حرارة الكوكب تدريجيًا، وقد أخبرتني نايومي روي-غورني، عالمة الفلك في مركز غودارد للطيران الفضائي التابع لناسا، التي شاركت في البحث بأن “من اللازم أن تكون درجات الحرارة أعلى في الصيف”، ولكنها أشارت إلى أنّ نبتون على العكس من ذلك آخذ في التبريد، وأضافت روي-غورني قائلة: “هناك شيء يحدث ونحن لا نفهمه حقًا”.

يمتلك نبتون أحد أكثر الأقمار إثارة للاهتمام في النظام الشمسي، الذي احتكره منذ ملايين السنين من منطقة قريبة تسكنها أجسام جليدية، وهذا القمر هو ترايتون، وهو عالم بحجم كوكب، ذو سطح جليدي أملس. عندما عبرت المركبة الفضائية فوياجر 2 النظام النبتوني، اكتُشِفت أعمدة من غاز النيتروجين منطلقة من الشقوق الموجودة في تضاريس القمر. يعتقد العلماء أن هناك محيطًا كاملاً يتموج تحت قشرة ترايتون المتجمدة؛ مما يجعله مرشحًا واعدًا في البحث عن الحياة خارج كوكب الأرض. وأخبرني كونيو ساياناجي، عالم الكواكب في جامعة هامبتون أن “هذا مكان آخر في النظام الشمسي، كان من الممكن أن تبدأ فيه الحياة، وربما لا تزال الحياة فيه موجودة”؛ لذا نظرت وكالة ناسا مؤخرًا في فكرة إطلاق مهمة لمسبار مخصّص لتريتون، لكن وكالة الفضاء قرَّرت تمويل مركبتين فضائيتين إلى كوكب الزهرة بدلاً من ذلك.

فهل سنذهب إلى نبتون يومًا ما؟ إن حدث ذلك، فلن يكون ذهابنا إليه بروّاد فضاء، ولكن بمركبةٍ فضائية مصمّمة خصيصًا لاستكشاف عجائب كوكبنا الثامن، ومن المقرّر أن يقوم أحدث مرصد فضائي في العالم، وهو تلسكوب جيمس ويب الفضائي، بمراقبة العملاق الجليدي في وقتٍ لاحق من هذا العام، حيث من المفترض أن يقدّم بيانات غير مسبوقة حول طبيعة غلافه الجوي، لكن هذا ليس مثل التواجد هناك في مدار الكواكب، وعلى هذا الأساس، فإننا لا نعرف نبتون على الإطلاق، وسنظلّ جاهلين بحقيقته لبعض الوقت، وقد تمّ تقديم مفهوم حديث لمهمة مركبة مدارية حول نبتون ليتمّ إطلاقها عام 2033، على أن تصل إلى الكوكب عام 2049، لكن القرار بالذهاب إلى أورانوس أولاً سيعني إعادة هذا الجدول الزمني لعقدٍ من الزمان، وربما لفترة أطول، قد يتعين على الكوكب الأزرق الانتظار حتى خمسينيات القرن الحالي؛ ليحصل على المركبة الفضائية الخاصة به.

قالت رو جورني: إنّ نبتون “بلونه الجميل ذي اللون الأزرق الداكن”، هو أول ما أثار اهتمامها بعلوم الكواكب، لكن أورانوس هو كوكبها المفضل الآن، بفضل دورانه غير التقليدي على جانبه. في الواقع، لم يقل أيّ من علماء الكواكب الذين تحدثت معهم عن هذه القصة إن نبتون هو كوكبهم المفضّل، وهذا لا يعني شيئًا حقًا – فهل لحجم العينة المتكونة من أربعة أشخاص أيّ أهمية؟ (لقد شكّكوا في السؤال أيضًا؛ حيث قال إيروين: “هذا يشبه مطالبة الوالدين باختيار طفلهما المفضّل!”)، لكن مع ذلك، لم أستطع منع نفسي من التفكير، خاصة بعد أن استعرضنا كل الأشياء الرائعة حول نبتون، آخ! في وقتٍ لاحق من هذا الشهر، ستظهر خمسة كواكب في سماء الليل في نصف الكرة الشمالي في الساعات التي تسبق الفجر: عطارد، والزهرة، والمريخ، والمشتري، وزحل، وستبدو مشرقة مثل الجواهر الصغيرة، ولكن أورانوس بعيد جدًا بحيث لا يمكن رؤيته بالعين المجردة بالطبع، وكذلك نبتون، ربما يومًا ما، في أعماق المستقبل، سيبدو نبتون مألوفًا لنا مثل العوالم الأقرب إلينا، في الوقت الحالي، على الرغم من ذلك، عندما أبحث عن وميض الكواكب في سماء الصباح المعتمة – ومن المرجح أن يكون كوكبك المفضّل بينها– سأفكر أكثر في الكوكب الأزرق.

المصدر

(وفق اتفاقية خاصة بين مؤسسة معنى الثقافية، ومنصة ذا أتلانتيك).

تُرجمت هذه المقالة بدعم من مبادرة «ترجم»، إحدى مبادرات هيئة الأدب والنشر والترجمة.

الترجمات ذات الصلة

نحن نجهل نبتون جهلًا تامًّا لعلَّك لا تسمع كثيرًا عن نبتون، أليس كذلك؟ إلى أين سيصل الذكاء الاصطناعي؟ GPT-4 قد وصل، وربما سمعتَ الكثير عنه بحلول الوقت الذي تقرأ فيه هذا المقال. كتاب كسب المفاوضات التي تصون العلاقات تعرف على احتياجاتك ورتب أولوياتك، كيف تحل مشكلاتك بشكل إبداعي، تجنب العثرات الناجمة عن اختلاف الثقا...

مقالات ذات صلة