القائمة الرئيسية

ماذا أكسب العرب و المسلمون و العالم من تنظيم قطر لكأس العالم 10 و ماذا خسر الغرب الليبرالي ؟

ماذا أكسب العرب و المسلمون و العالم من تنظيم قطر لكأس العالم 10 و ماذا خسر الغرب الليبرالي ؟
ملخص المقال

تناول المقال كأس العالم 2022 في قطر كرمز لتحولات النظام العالمي، مبرزًا ازدواجية معايير الغرب في قضايا حقوق الإنسان والتنظيم، ومشيرًا إلى تنامي وعي الجنوب العالمي بنفاق الغرب ودوره في تكريس عدم المساواة، مقابل قيم التضامن التي ظهرت خلال البطولة.

ترجمة بتصرف واسع و اضافات سياقية متكررة دون تعيين م عبد الله بن ابراهيم الرخيص

الظهران 22 ديسمبر 2022

كان الفوز المستحق للسعودية المبدعة على الارجنتين بطل كاس العالم مدخلاً جميلاً لعالم مختلف يحمله كأس العالم في قطر، وكانت رحلة المغرب غير المتوقعة إلى الدور نصف النهائي في قطر هي التي دعتنا إلى الاعتقاد بإمكانية وجود عالم مختلف. هذا العالم لن يمليه ويشكله الاستثناء الأمريكي والهيمنة الغربية. لقد ولى العالم الذي صنعته الولايات المتحدة وحلفاؤها بعد عام 1945. في حين أننا سنكون جميعًا أفضل حالا من أجل ذلك فمن الأفضل لنا لا سيما الذين يعيشون في الغرب إدراك هذه الدروس المستفادة من عام 2022.

أثبتت بطولة كأس العالم أن المليارات من الناس لم يعودوا يعتقدون أن الولايات المتحدة ومن يدور في فلكها من دول تشاركها القيم و المنطلقات هم من يديرون العالم. رغم كل التعقيدات والتناقضات والإمكانيات أظهر لنا مونديال كأس العالم قطر 2022 أننا نعيش في عصر لم تعد فيه القوى الغربية قادرة على إملاء الشروط على بقية العالم بسهولة كما فعلت منذ الحقبة الاستعمارية.

تقدم كأس العالم دائمًا رؤية محيرة، لمحة سريعة عن مجتمع عالمي مرتبط بإنسانية مشتركة وشعور متفائل بالمصير المشترك عبر جميع الانقسامات.

أجندة لفرض صورة ذهنية صنعها الغرب الليبرالي

ازدحمت وسائل الاعلام الغربية قبل انطلاق مونديال كأس العالم في قطرب تعقيدات الاجندات التي حاول الغرب الليبرالي فرضه من خلال ماكينته الاعلامية بمقارنة كأس العالم في قطر مع كأس العالم القادم الذي ستستضيفه راعية العالم الليبرالي الولايات المتحدة الامريكية و فشلت المكينة الاعلامية الامريكية والأوربية الضخمة في تحقيق اهداف حملتها المنظمة منذ شهور لترسيخ صورة نمطية تهدف تعزيز النموذج الليبرالي الغربي و تهميش ما عداه.

تخيل أن هيئة الإذاعة البريطانية اختارت تجاهل حفل افتتاح كأس العالم 2026 الذي استضافته كندا والمكسيك والولايات المتحدة ، وبدلاً من ذلك قامت بتخصيص ساعة من البث المباشر للمخاطر الأخلاقية والمادية المترتبة على تنظيم جزء من تلك البطولة في الولايات المتحدة.

قد يسأل المذيع إلى أي مدى يمكن أن يشعر المشجعون الزائرون بالأمان عند تنظيم الدورة المقبلة من كأس العالم في الولايات المتحدة الاميركية حيث لا تستطيع السلطات أو لا ترغب في منع شرطتها المدججة بالاسلحة القاتلة من إطلاق النار عليهم في أي يوم من أيام الأسبوع في مركز تجاري او في ملهى ليلي للشواذ او في كنيسة او كنيس يهودي أو مسجد أو أي مكان آخر؟

و السؤال الثاني ما مدى أمان زيارة المشجعين السود أولئك الذين يحالفهم الحظ في الحصول على تأشيرات في بلد به مستویات مروعة من عنف الشرطة العنصري.

كيف يمكن للزوار حقا أن يشعروا بالراحة عند الاستمتاع بمهرجان رياضي في بلد يوجد فيه ، في أي يوم أكثر من مليوني شخص خلف القضبان ، وأكثر من نصف مليون مشرد ، و 41 مليونا يواجهون الجوع يومياً - في أغنى دولة في العالم، والتي تنفق في تسليح جيشها أكثر من الدول التسع التالية لها من حيث الانفاق العسكري مجتمعة والتي أظهرت استعدادًا مؤسفًا لإطلاق العنان لذلك الجيش في الخارج لتأثير كارثي مع مراعاة ضئيلة للقانون الدولي)؟ 

بلد تعرضت فيه امرأة واحدة من كل ست نساء للاغتصاب أو الاعتداء الجنسي ، لكن الحماية القانونية للاستقلال الجسدي للمرأة تتأكل بشكل منهجي.

وماذا عن أزمة المناخ، عندما يطير مئات الآلاف من المشجعين من كل ركن من أركان العالم الى الولايات المتحدة، ثم يطيرون آلاف الأميال بين الألعاب في مدن مختلفة ؟

كان ذلك أمراً افتراضياً بالطبع ونحن بدأنا بجملة "تخيل" لكننا في نهاية المطاف نعلم جميعا أن هيئة الإذاعة البريطانية لن تشكك أبدًا في حسن نية أي دولة غربية كمضيف لكأس العالم وعلى الاخص الولايات المتحددة التي ستستضيف الدورة القادمة من كأس العالم.

كما أن البي بي سي ليست وحدها وسائل الإعلام الغربية السائدة لديها عجز معتاد عن الخروج من السرديات التي تخدم مصالحها الذاتية والتي نسجها حكامها و مساهموها و معلنوها.

لذلك لا ينبغي أن يكون من الصعب فهم الغضب في المنطقة العربية من قيام البي بي سي - والكثير من وسائل الإعلام الغربية - بتأطير أول بطولة لكأس العالم في تلك المنطقة وفقا لمعايير واساليب التدقيق و تصيد واختلاق السلبيات ونبرة الاشمئزاز التي لم يطبقوها أبدًا على الدول التي لديها من المشكلات ما يملأ ساعات طويلة من البث كما فعلوا على مدار عدة اشهر قبل موعد انطلاق مونديال قطر.

لطالما كان سجل حقوق الإنسان في بلدانهم حافل بالماسي ، وهم لم يفعلوا من فعلوه من ضجيج اعلامي وصل لدرجة المطالبة بايقاف المونديال ومطالبة الفيفا بسحب حق تنظيمه من قطر ، وهم كذلك لم يفعلوا هذا الامر ولم ينطقوا بكلمة انتقاد عندما اقيم كأس العالم في روسيا أو الصين.

في إشارة إلى ما أسماه وابل من التعليقات السلبية والعنصرية الصريحة" حول قطر خلال الأشهر التي سبقت كأس العالم قال مضيف قناة إن بي سي المصري الأمريكي يامن مويددين إنها كشفت عن "أعماق التحيز الغربي والغضب الأخلاقي الأدائي وربما كشفت بشكل فاضح وإلى حد كبير المعايير المزدوجة للغرب العنصري ".

ولا ينبغي أن يكون مفاجئًا أن الوعظ الأخلاقي لوسائل الإعلام الغربية والطبقة السياسية حول كأس العالم في قطر لم يتردد صداها في جنوب الكرة الأرضية و لم تجد آذانا صاغية لدى الامم الاخرى.

حالة الشؤون العالمية عام 2022

في الواقع فإن عدم وجود أي دعم كبير من الجنوب العالمي لسرد وسائل الإعلام الغربية المستهجن حول كأس العالم قد أضعفه حقاً، لكن ما وأده في مهده هو مشهد العديد من المشجعين الذين لا يرتدون أقنعة وهم يهتفون في الملاعب وحولها و بعد انتهاء المباريات ويعبرون بعفوية وصدق و بثقة و وضوح و حيادية عن آرائهم يكشف ذلك عن حقائق عميقة و مذهلة حول كيف يرى العالم نفسه وكيف ينظر الى حالة الشؤون العالمية في عام 2022. 

سلط الضوء على وجه التحديد على أوهام الهيمنة التي يستمر في ظلها السياسيون ورؤساء الإعلام في واشنطن ولندن وعواصم غربية أخرى في العمل، اتضح للعام ان تلك المكائن الاعلامية الضخمة لم تعد قادرة على اعادة اكاذيبها و اوهام و أكاذيب محرريها و مذيعيها الأجراء.

أعلنت صحيفة واشنطن بوست الأسبوع الماضي أن بايدن يسعى لإبقاء الدول الأفريقية في تحالف مناهض لروسيا" متجاوزة بسذاجة وإدعاء فاضح حقيقة ان حوالي نصف الدول الأفريقية فقط صوتت لإدانة الغزو الروسي لأوكرانيا ومعظم أولئك الذين صوتوا لإدانة الغزو رفضوا مع ذلك دعم عقوبات التحالف الغربي على روسيا - والتي تفرض عبنا على الفقراء من تكلفة المعيشة في الجنوب العالمي.

عندما يخبر رئيس الولايات المتحدة هيئاته الإعلامية أن اجتماع عقد عن بعد للحلفاء يمثل تحالفًا من الراغبين المكرسين لـ "التجديد الديمقراطي العالمي" وبالتالي ، ضمنيا لتحدي أمثال روسيا والصين فإنهم يكررون هذا الادعاء الاجوف بإخلاص و هم كبير.

لحظة الحقيقة الصادمة للغرب الليبرالي

الحقيقة الصادمة التي لا يريد الأمريكيون و من يدور في فلكهم من الدول التابعة هي ان الولايات المتحدة لم تعد تؤخذ على محمل الجد بشكل خاص حتى باعتبارها حاملة لواء الديمقراطية بالنظر إلى عجز الديمقراطية الصارخ في نظامها، ناهيك عن عادتها في فرض اجندتها غير الديموقراطية في الدول التي تغزوها او تناصبها العداء كما حصل في العراق وسوريا او عادتها في تدليل الطغاة كلما تطلبت ذلك مصالح الولايات المتحدة الأنانية. بالطبع تحضر الحكومات من إفريقيا وأماكن أخرى في جنوب الكرة الأرضية قمم بايدن. لكنهم يفعلون الشيء نفسه و ربما أكثر مع شي جين بينغ زعيم الصين البلد الذي تتعامل معه معظم بمزيد من الأعمال أكثر مما يتعاملون مع واشنطن و لندن و برلین و باریس!

تحذر مراكز أبحاث ها وكش و هي مجموعة مراكز ابحاث جادة في واشنطن من ان الولايات المتحدة تخسر العالم النامي لصالح "الصين" وينصح نظراؤهم الواقعيون في مراكز التفكير والسياسات بأن تصورات الولايات المتحدة لعالم القرن الحادي والعشرين المنقسم إلى كتل قوى عظمى ستنتهي بصدمة للامريكيين الذين يستمرون في حلم و وهم زعامة العالم.

"أنت تدير هذه البلدة لأن الناس يعتقدون أنك تفعل ذلك"، هذا ما قالته شخصية في نفض الغبار عن طريق ميلر لرئيسه في رواية الأخوين كوين. "توقفوا عن التفكير في الأمر توقف عن تشغيل القطار ".

قدمت كأس العالم في قطر إشارات إلى أن المليارات من الناس لم يعودوا يعتقدون أن الولايات المتحدة وحاشيتها و من يدور في فلكها من الدول الغربية مدعية الديموقراطية هم من يديرون العالم - وأن الغرب لم يعد قادرا على إملاء الشروط بالطريقة التي فعلها منذ الحقبة الاستعمارية لأنه فقد القوة الاخلاقية (والتي لم يكن يملكها من الأساس لكن ذلك لم يكن معروفاً كما هو الحال الآن بسبب تطور الاتصالات والتقنية).

هل اوشكت حقبة قلب الحقائق على الانتهاء

 ادرك طلاب المدارس في دول كثيرة غنية وفقيرة ان الولايات المتحدة التي تعلم الديمقراطية قامت بالاساس على قتل السكان اصحاب الارض الاصليين والتفاخر بجمع المزيد من جماجم النساء والاطفال و بنت اساس اقتصادها و مصدر قوته على صيد الاحرار من سكان غرب افريقيا كما تُصاد الفرائس وتقييدهم وتملكهم كالسلع التي تباع و تشتری و اجبارهم على العمل والسخرة بالمجان في مزارع القطن الامريكية.

و الأمر نفسه ينطبق على الاباطرة الاوربيين في لندن و باريس و روما و قبل ذلك لشبونه و مدريد الذين بنوا اقتصادهم و ثرواتهم الضخمة من النهب والسلب المنظم للثروات والتخريب والفوضى الخلاقة للأمم التي احتلوها و استغلوها ثم فرضوا على شعوبها حكومات صورية من اللصوص الصغار الذين يدورون في فلك العواصم الأوروبية و ينفذون رغباتها ويمررون أجنداتها الاقتصادية و الاخلاقية ونمط حياتها البائس.

قد يرغب أولئك الذين يخشون تزعزع "النظام العالمي الليبرالي" في التعرف على الأسباب التي تجعل هذا الاضطراب لا يزعج بقية العالم في شرق و جنوب الكرة الأرضية وحسب بل وحتى سكان العالم الليبرالي انفسهم على الرغم من التطورات العديدة التي أتاحها فإن هذا " النظام العالمي الليبرالي" قد قنن أيضًا نظام علاقات الملكية التي خلقتها قرون من النهب الاستعماري والاحتلال غير المباشر الجديد وتنصيب الوكلاء والإمعات من السياسيين ومدعي الفكر والمارقين من القيم و الثقافات المحلية في الدول التي استضعفها الغرب الليبرالي لمصالحه الاقتصادية والتي تستمر في إثراء النخب الثرية من العملاء والمسوقين للمصالح الغربية على حساب المصالح الوطنية للدول المستضعفة.

أصبح العالم في جنوب و شرق الكرة الارضية مدركاً أكثر من اي وقت مضى ان الغرب الليبرالي في الولايات المتحدة الامريكية واوربا منحاز لمصالحه الانانية الضيقة على حساب المصالح العامة الدولية ومقتضيات العدالة الدولية يرى العالم بعيون مفتوحة و افكار واعية كيف أعطت القوى الغربية في عام 2022 الأولوية لمنافستها الجيوسياسية وخلافها العسكري مع روسيا الاولوية في الاجندات الدولية والمنظمات والمؤتمرات الدولية و المنصات السياسية والاعلامية وكان ذلك على حساب المصالح الدولية لعالم منهك من آثار جائحة فتاكة و تضخم في اسعار الغذاء والدواء والحاجات الاساسية للسكان في انحاء العالم.

و مع ذلك يتجاهل الغرب الليبرالي المدعي للقيم الديمقراطية كل هذه المعاناة ويركز على ازمة مفتعلة لتحقيق مصالح جيوسياسية ضيقة لدول الناتو على حساب روسيا ! تمثل هذه الانانية المفجعة العالم الليبرالي صدمة كبيرة ومزيجاً مروعاً بشكل متزايد من الأعراض المرضية في القيم الانسانية، يشاهد العالم كل يوم كيف يتجاهل الغرب الليبرالي كل يوم تحديات الجوع والمرض و اختلال الصحة العامة والتمويل وعدم المساواة والجوع والحرب والكارثة البيئية ، وتصر الماكينة الاعلامية الغربية على ان المشكلة الوحيدة التي يواجهها العالم هي تلك الازمة الجيوسياسية المفتعلة مع روسيا ويصرون على أن أوكرانيا هي أكثر ما يهم.

 لكن الجنوب العالمي له أولويات مختلفة - ويرى حرب أوكرانيا على أنها كارثة كان من الممكن أن تمنعها القوى الغربية ونظرائها الروس لكن القوى الليبرالية في الغرب امتنعت عن حل الازمة التي ألقت بظلالها الكثيفة و آثارها العالمية على ارتفاع اسعار الغذاء والوقود بسبب انانيتها و تجبرها، وهي كارثة لا ينبغي لأحد أن يتوقع بشكل معقول أن يدفع الجنوب العالمي لاسيما الدول الفقيرة ثمنها. باستثناء ما حدث بالضبط في مجال الطاقة والأمن الغذائي عبر دورة تضخمية جعلت خدمة الديون عبئًا ثقيلا على الخزينة العامة لتلك الدول التي تئن تحت ضغط ديون البنك الدولي في غياب تخصيص المساعدة الدولية التي يتم توزيعها من فتات الاقتصادية الغربية المترفة بالقطارة الى الدول التابعة وفق متطلبات سياسية ضيقة.

ظهر انفصال قيمي و مبدئي مماثل خلال كأس العالم في قطر: الحكومات الغربية مرتاحة للحديث عن الحاجة إلى دعم القيم والمبادئ القانونية الدولية عندما تنتهك روسيا هذه القيم في أوكرانيا لكنهم يرفضون التصرف أو حتى الاعتراف بالأمر الذي طال أمده. الانتهاكات المنهجية الحقوق الإنسان التي هم شركاء فيها في الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين، والتي تم تصنيفها الآن كحقيقة فصل عنصري من قبل مراقبي حقوق الإنسان الفلسطينيين والإسرائيليين والعالميين مثل منظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش. كان للجماهير (والعديد من اللاعبين)

ما شاهده العالم في قطر كان أولوية مختلفة حيث جعل العلم الفلسطيني رمزا في كل مكان للبطولة في توبيخ واع لامبالاة القوى الغربية تجاه حقوق الفلسطينيين و "تطبيع" علاقات الحكام العرب المستبدين مع إسرائيل. كانت مبادرة "اتفاقيات إبراهيم" التي قادتها الإمارات العربية المتحدة بمثابة إشارة إلى الإذلال العربي في نظر الكثير من المجتمع المدني في المنطقة. أصبح احتضان العلم الفلسطيني في المونديال رمزا للفخر والكرامة والتحدي بين المشجعين واللاعبين من جميع أنحاء المنطقة.

انتهاء مرحلة فرض تكريس الصورة المختلقة

نقلت بعض وسائل الاعلام بعض الصور والأطر الحاسمة للبطولة و التي أظهرت بجلاء امتعاضاً من تكريس الصورة التي يسعى الغرب الليبرالي الى فرضها على العالم و اشمئزازاً - ربما غير واع - من الصورة العاكسة التي أظهرتها لنظام عالمي يقوده الغرب.

خذ الزعم القائل إن قطر قدمت رشوة لمسؤولي كرة القدم للفوز بحقوق استضافة كأس العالم. اقترح مؤرخ كرة القدم ديفيد جولد بلات أنه لو كان الأمر كذلك لكان الأمر متساويا مع المسار: "إنه أمر لا يمكن تصوره بالنظر إلى ما نعرفه عن طريقة إدارة الفيفا في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين أن أي شخص كان من الممكن أن يفوز بالمزايدة دون اللجوء إلى وسائل مشكوك فيها ناهيك عن استحالة استخدام وسائل غير قانونية. نحن نعلم أنه منذ فرنسا 1998 على الأقل تم تسليم الرشاوى والهدايا والمزايا من قبل كل مضيف ناجح لكأس العالم ".

النقطة التي تم تجنبها بمهارة في التغطية الإعلامية الغربية هي أن قطر لم تخترع قواعد اللعبة للحصول على حقوق استضافة كأس العالم. 

مدعي حماية حقوق الانسان هو عدو الانسانية

كانت قضايا حقوق الإنسان التي ركزت عليها وسائل الإعلام الغربية هي المصير الكئيب لمئات العمال المهاجرين الذين لقوا حتفهم في بناء البنية التحتية في قطر وحقيقة أن القانون المحلي يحظر ويُجرم العلاقات المثلية بين الشواذ جنسياً. كلاهما موضوعان مهمان و جديران بالنقاش البناء لكل من يهتم بالعدالة والكرامة والمساواة.

ومع ذلك فإن الكثيرين في المنطقة ممن انخرطوا منذ فترة طويلة في هذه القضايا لم يرحبوا بالطريقة التي تم تأطيرها بها من قبل أصحاب المصلحة الغربيين وفي والماكينات الاعلامية الضخمة التي يسيطر عليها الغرب الليبرالي.

يقول المؤرخ الأمريكي عبد الله العريان: "إن الافتقار إلى المصداقية من جانب العديد من الأشخاص الذين يقومون بمثل هذه الأنواع من التظاهرات يعني أن هناك القليل جدا من التأثير على القضايا الفعلية التي تحتاج إلى الاهتمام ، سواء كنا نتحدث عن قضايا العمل أو مخاوف حقوق الإنسان الأوسع إن عائلات المهاجرين الذين ماتوا أو أصبحوا عاجزين على فرض صحة المبالغات التي يكررها الاعلام في العالم الليبرالي و اي قضايا تتعلق بالعمال و احوالهم وتحديات معيشتهم تستحق بالتأكيد الاهتمام و التعويض. ونأمل من خلال تسليط الضوء على هذه القضية أن يكون أحد ثمار إرث كأس العالم هو الحفاظ على الحماية وتعزيزها وتوسيع نطاقها لتشمل حماية هذه الفئة الضعيفة من العمال غير المواطنين والتي تستمر اقتصادات الخليج في الاعتماد عليها.

ومع ذلك فإن ما يلفت الانتباه في التغطية الإعلامية للقضية هو غياب أي إحساس سياقي للحقائق الاقتصادية التي تدفع مئات الآلاف من الرجال الفقراء من نيبال وبنغلاديش وباكستان والهند وسريلانكا إلى البحث عن عمل منخفض الأجر. على بعد أميال من منازلهم وعائلاتهم. سيتطلب ذلك محادثة ليس فقط حول تاريخ القوى الاستعمارية التي أسست أنظمة العمل بالسخرة ، ولكن أيضًا عن الأنظمة المعاصرة للديون والتقشف المفروضين على بلدانهم الأصلية من قبل المؤسسات المالية العالمية التي يقودها الغرب لصالح بنوكها بدلاً من المؤسسات المالية العالمية. الأشخاص العاملين في البلدان المستهدفة والفئات المعرضة لهذا الوضع هم في حقيقة الامر ثمرة ظلم تاريخي لايزال مستمراً من قبل دول العالم الليبرالي نفسها.

إن العمالة المهاجرة هي نتاج نظام اقتصادي عالمي غير متكافئ والذي تعتبر القوى الغربية الليبرالية و مدعية الدفاع عن الديمقراطية وحقوق الانسان هي في الأساس سببه و هي مهندسته والمستفيدة الأساسية منه والمسؤولة قانوناً عن نتائجه المستمرة و هي التي تقوم بتكريسه و رعايته بلا هواده.

إذا كان الفقر المدقع الناتج عن مكانة بلادهم في النظام المالي العالمي النيوليبرالي قد جعل على مدى عقود العمالة المهاجرة في دول الخليج في ظروف قاسية أحيانا شريان حياة اقتصاديا لمئات الآلاف من الأسر في بنغلاديش و الهند و باكستان و دول افريقيا التي استعمرتها بريطانيا و فرنسا و ايطاليا وبلجيكا وغيرها من دول العالم الليبرالي و غيرها من الدول التي تستعمرها اقتصادياً ايضاً دول الغرب الليبرالي و لا تزال تحملها أعباء اقتصادية و المزيد من الديون و تكاليف خدمة الديون والتي يمارس البنك الدولي والمؤسسات المالية العامة والخاصة استعماراً بديلاً للاستعمار العسكري في اخضاع تلك الدول ومجتمعاتها الفقيرة من خلال ابقائها في دوامة الفقر تكافح لتسديد خدمة الديون لدول العالم الليبرالي و بنوكها و مؤسساتها المالية.

و من الجدير بالذكر أيضًا التذكير ان المصالح الضيقة لدول الغرب الليبرالي هي بذاتها تعيد الكرة مرة أخرى بلا وازع انسانی و تساهم بزيادة اعباء التكلفة المحلية للدول الفقيرة من خلال رفع الاسعار بسبب مواقفها الانانية في معالجة الصراع الروسي الاوكراني - أدى التأثير الحي للعقوبات الغربية على روسيا إلى زيادة كبيرة في الحرمان الاقتصادي الذي يدفع معيلي تلك الأسر نفسها للهجرة للعمل اليدوي. ليس من الصعب معرفة سبب استمرار أكثر من 600000 عامل مهاجر من بنغلاديش في العمل في الخليج على الرغم من الظروف والمخاطر.

كما أنه ليس من الصعب أن نرى لماذا يرى الكثيرون في جنوب الكرة الأرضية مفارقة مريرة في القلق بشأن المهاجرين الذي عبرت عنه القوى الغربية التي تسيء بشكل روتيني إلى طالبي اللجوء سواء في شكل "تخزين" بريطانيا لهم ونقلهم إلى رواندا والدنمارك تسرق منهم حرفيا أي ممتلكات شخصية ذات قيمة، أو إيطاليا و هي تتحرك لمنع أولئك المعرضين لخطر الغرق من الرسو على شواطئها أو إنقاذهم من قبل مواطنيها.

الفشل في تبرير دعم الغرب الليبرالي للشذوذ

كشفت محادثاتنا مع بعض المدافعين القدامى عن حقوق المجتمعات في العالم عن مخاوف بشأن الطريقة التي تم بها دعم هذه القضية من قبل وسائل الإعلام الغربية ومنظمات كرة القدم بطرق أظهرت القليل من الأدلة على التعامل مع احتياجات ووجهات نظر مجتمعات المثليين و الشواذ جنسياً في المنطقة العربية.

تواجه هذه المجتمعات صراعًا قاسيًا أكثر مما يعانيه نظراؤهم في الغرب الليبرالي بسبب القيم الاخلاقية و الدينية من أجل الاعتراف والحقوق التي يطالب بها الغرب وفق قيمه و قوالبه الخاصة بمعزل عن القيم المحلية و دون اعطاء اي اهتمام للدين الذي يحكم حياة تلك المجتمعات - و هم يريدون تجاهل كل تلك القضايا الوجودية كما فعل أقرانهم في المجتمعات الغربية التي انسلخت تدريجياً من قيمها الدينية و الكنسية التي لا تزال تحرم بل تجرم الشذوذ الجنسي وكذلك المجتمعات في المدن الغربية التي كانت حتى وقت قريب ترى الامر كذلك.

لكن العديد من النشطاء يرون أن هذا النضال لا ينفصل عن مشروع تحرير أصلي أوسع نطاقاً، بدلاً من تأطيره في الخطاب الانتقائي للقوى الغربية التي كانت مشاركتها في المنطقة مسؤولة عن الكثير من الضرر. يتذكر نشطاء المجتمعات في المنطقة أن التدخلات العسكرية الكارثية بقيادة الولايات المتحدة في العالم الإسلامي قد تم تجميعها في روايات إمبراطورية "منقذة" لحماية النساء المسلمات. ويلاحظون أيضًا كيف وصفت إسرائيل مكانتها في مجال حقوق مجتمع الشواذ باعتباره وسيلة دعائية لصرف الانتباه عن عنفها الاستيطاني الاستعماري ضد الفلسطينيين.

 و في حين أن القضايا معقدة ووجهات النظر متنوعة فإن الكثيرين يرفضون تبني قضيتهم بشكل انتقائي وفصلها عن سياقها المحلي وعن أي مشروع تحرر أوسع ، يتم تعريضهم لوابل من الغسيل الفكري الغربي من قبل القوى الغربية المسؤولة عن تكريس المعاناة والاضطراب الاجتماعي على مدى عقود.

أحد الأمثلة على ذلك: تعرض الناشط البريطاني بيتر تاتشيل لانتقادات حادة من قبل الشواذ الجنسيين غير الخاضعين للهيمنة الغربية بسبب عمله الاحتجاجي المصمم لوسائل الإعلام في الدوحة بعد أن حثوه على الامتناع عن فعله.

"المشكلة الرئيسية هنا هي انتشار عقدة المنقذ الأبيض وكيف أن نشطاء الشواذ LGBTQ + الغربيين ليس لديهم وعي ذاتي على الإطلاق - خاصة عندما يتعلق الأمر بمعرفة متى يجب عليهم البقاء في مسارهم.

 " الصحفي الفلسطيني الأسترالي إلياس جهشان محرر من مختارات هذا العربي هو نفسه شاذ جنسياً ، كما قال لمحاور: " في كثير من الأحيان نرى النشطاء الغربيين يدخلون أنفسهم في نضالات الآخرين أو حركات التحرر من أجل نفوذهم الشخصي. وما زلنا نرى نشطاء الشذوذ الحنسي LGBTQ + الغربيين أعمتهم استثنائيتهم الغربية لدرجة أنهم فشلوا في رؤية أن فرض أساليب نشاطهم على الثقافات الأخرى - دون أي اعتبار للحساسيات والفروق الدقيقة المحلية - هو مجرد شكل آخر من أشكال الإمبريالية ".

وأضاف جهشان محذراً من رد الفعل المحلي المحتمل الناتج عن الأضواء الإعلامية اللحظية ، الناشطون الغربيون من جمعيات الشذوذ الجنسي LGBTQ + الذين يذهبون إلى بلدان في جنوب الكرة الأرضية لشن حيلة احتجاجية دون دعم المجتمع المحلي يخاطرون دائما بالحاق ضرر أكثر من نفعهم".

متلازمة غياب الجعة "البيرة المحتوية للكحول" في الملاعب؟ ربما تكون حالة لدولة يمكنها تحمل تكلفة إلغاء صفقات رعاية الفيفا من أجل حماية أعرافها على الرغم من تذمر وسائل الإعلام الغربية بشأن تغيير توقعاتهم الثقافية. النتيجة حتى وسائل الإعلام الغربية ذكرت أن غياب الكحول جعل المشجعين يشعرون بأمان أكبر في المباريات وخلق أجواء أكثر شمولاً - على عكس الجو المحفوف بالمخاطر الذي ساد أثناء استضافة إنجلترا لبطولة كرة القدم الأوروبية قبل 18 شهرًا.

تراجع الغرب الليبرالي وعجزه عن فرض اجندته

كرة القدم لا تتتبع بدقة مع أنظمة الدولة أو حتى الدول القومية نفسها - يعكس كأس العالم الكثير من تعقيد الهويات والصلات في عالمنا المعولم. كان من السهل إبراز رموز إنهاء الاستعمار على فرنسا مقابل المغرب لكن المباراة نفسها لعبها فريقان يتألفان في الغالب من أبناء المهاجرين الأفارقة والعرب في مدن أوروبا في مسابقة عكست الأخوة بقدر التنافس. كما أشار كابتن المغرب أشرف حكيمي بعد هزيمة فريقه الإسبانيا كانت تلك هي الدولة التي قامت فيها والدته بتنظيف المنازل وكان والده بائعا متجولا - وهي سيرة يمكن لمعظم اللاعبين المغاربة والفرنسيين التعرف عليها. كانت هذه كأس العالم حيث لم تطالب الدول القومية المستعمرة سابقًا بالاحترام والكرامة فحسب بل طالبت أيضًا الطبقة الدنيا من المهاجرين المهمشين في البلدان الأوروبية نفسها.

يجب أن تكون الدروس هنا واضحة: قد تتخيل القوى الغربية أن الأمر متروك لها لوضع الشروط التي سيتم على أساسها معالجة تعدد الدورات في عصرنا ولكن يجب أن توضح محادثة أزمة المناخ في COP27 أن الجنوب العالمي يرى حاجة إلى تحميل تلك القوى الغربية المسؤولية عن الفوضى التي أحدثوها وتشكيل مسار بشروط أكثر إنصافا.

خلال مهلة التسعينيات من "التاريخ" التي أعلن خلالها الكاتب الامريكي اليميني فرانسيس فوكوياما ان التاريخ انتهى الى الصيغة القائمة حينذاك وانتصر النموذج الامريكي الليبرالي و ان لا مجال البتة و لا مصير العالم سوى قبول ان التاريخ انتهى بهذا التصور الغربي، ربما بدت فكرة عدم الانحياز أثرًا ساحرًا لكن الروايات حول كأس العالم في قطر خارج الولايات المتحدة ذكرتنا بأنها عادت إلى الظهور مرة أخرى كانت البطولة بمثابة ختام عام كان فيه الانفصال بين الغرب والباقي في تصورات العالم الذي نعيش فيه وهو عالم لم يعد فقيراً او مهمشاً وأصبح من الصعب تجاهله.

يبدو أن الولايات المتحدة و من يدور في فلكها من الدول الغربية الليبرالية لازالوا يعيشون وهما كبيراً و هم مقتنعون بتجنب حقائق عدم الانحياز والتعددية القطبية والاعتماد المتبادل بأنها تستطيع إعادة تأكيد الأولوية التي أرستها في نهاية الحرب العالمية الثانية.

وينظر كثير من دول الجنوب إلى هذا الوهم على أنه يشير إلى غياب الوعي الذاتي بتراجع هيمنتها (أي القدرة على إقناع الآخرين بأن المصالح الغربية هي مصالحهم الخاصة وان لا عدسة ينظر خلالها العالم كله الى القضايا العالمية سوى العدسة الامريكية بالإضافة إلى قوتها العسكرية والمالية الهائلة التي طالما استخدمتها في الظلم والتخريب والارهاب و تحميل دول العالم فاتورة نزواتها مغامراتها العسكرية وتهدد عقدًا مضطرباً بالمزيد من التكاليف و المحن والشقاء لفرض رؤيتها على العالم.

رغم كل التعقيدات والتناقضات والإمكانيات، أظهرت لنا قطر 2022 أننا نعيش في عصر لم تعد فيه القوى الغربية قادرة على إملاء الشروط على بقية العالم بسهولة كما فعلت منذ الحقبة الاستعمارية.

تقدم كأس العالم دائمًا رؤية محيرة، لمحة سريعة عن مجتمع عالمي مرتبط بإنسانية مشتركة وشعور متفائل بالمصير المشترك عبر جميع الانقسامات. أكثر من أي شيء آخر كانت رحلة المغرب غير المحتملة إلى الدور نصف النهائي في قطر هي التي دعتنا إلى الاعتقاد بإمكانية وجود عالم مختلف هذا العالم لن يمليه ويشكله الاستثناء الأمريكي والهيمنة الغربية. لقد ولى العالم الذي صنعته الولايات المتحدة وحلفاؤها بعد عام 1945. في حين أننا سنكون جميعًا أفضل حالا من أجل ذلك فمن الأفضل لنا لا سيما الذين يعيشون في الغرب إدراك هذه الدروس المستفادة من عام 2022.

الكاتبان : توني كارون هو رئيس التحرير في AJ + ويقوم بتدريس فصل الخريجين حول سياسة كرة القدم العالمية في المدرسة الجديدة.

البروفيسور دانيال ليفي هو مدير مشروع الشرق الأوسط في جامعة هارفارد ، و هو مدير لمنظمة غير حكومية تركز على الصراع في الشرق الأوسط.

المصدر

مقالات ذات صلة