ملخص: في الفصل الخامس والأخير، يصل بومغارتنر إلى حالة من التسليم بتعقيدات حياته، مع تزايد انعكاساته حول وجوده، واكتشافاته الأدبية. ينشغل بقراءة كتابات زوجته الراحلة، مما يثير ذكريات وأفكارًا فلسفية حول الزمن والخسارة. تظهر رمزية العودة إلى الذات من خلال محاولاته لإنهاء مشروع كتابه الأخير، الذي يعكس بحثه المستمر عن المعنى في عالم مشوش. ينتهي الفصل بروح من التأمل، مع إيحاءات ببحث بومغارتنر المستمر عن سلام داخلي رغم كل تحدياته.
Dummy post title / Lorem Ipsum
في الوقت الحاضر، كل شيء متوقف. كتب بومغارتنر آخر جملة من آخر فقرة من الفصل الأخير من أسرار العجلة، والآن، على مدى الشهر التالي تقريبًا، عليه أن ينسى أن الكتاب تم الانتهاء منه أو أنه قرر يومًا أن يكتب كتابًا كهذا في المقام الأول. يشير بومغارتنر إلى فترة ما بعد الكتابة هذه على أنها الانهيار، أو السيدة دولتل في أكوابها، أو، محاكيًا العبارة الدعائية القديمة لكوكاكولا التي عرفها في طفولته، الوقفة التي تنعش. إنها الخطوة الأساسية نحو الانتهاء من كتاب، ذلك أنه بعد معايشة الكتاب أثناء العمل عليه كل يوم وكل ليلة لمدة تمتد للعديد من السنوات، فإنك تكون قريبًا منه حين تنتهي إلى حد أنك لا تستطيع الحكم على ما انتهيت منه. أكثر من ذلك، الكلمات التي كتبت تغدو مألوفة بالنسبة إليك حينئذٍ بحيث تكون قد ماتت على الصفحة، وأن تنظر إليها الآن سيغمرك بنوبات من القرف قد تغريك بإتلاف المخطوطة في لحظة غضب أو يأس. لكي تحتفظ بسامَة عقلك، ومن أجل ما يمكن أن يعد قابًا للإنقاذ من الكارثة التي ارتكبتها، عليك أن تجبر نفسك على التراجع وترك ذلك الشيء اللعين وحده إلى أن ينفصل عنك تمامًا بحيث حين تجرؤ على النظر إليه مرة أخرى، ستشعر أنك تواجهه للمرة الأولى.
إنها أحد الدروس العديدة التي تعلمها عبر السنين العجوز الذي حكم عليه بالمؤبد وما زال يقضي العقوبة في آخر زنزانة على الطابق الثالث من الإصلاحية رقم 7.
لهذا السبب، في الوقت الحالي، توقف كل شيء وواصل بومغارتنر إلى إحدى فواصلِه الموسمية من التسكع القسري. اعتاد في الغالب أن يوظف تلك الفراغات ليعتني بمهام يومية وذات طابع عملي، كل الالتزامات المملة في الحياة اليومية التي يتعمد تجاهلها ويتركها مهملة كلما تكثف انشغاله بمشروعه. الذهاب إلى طبيب الأسنان، مثلًا، أو شراء ما بَس لنفسه، أو الاتصال بالطبيب بعد تأجيل دام سنة ونصف لترتيب فحصه السنوي المؤجل منذ وقت طويل، أو الاهتمام بعدد من الأمور المزعجة في المنزل، مثل التطهير ما بعد الكيركيغاردي الذي أدى أخيرًا إلى التخلص من الفوضى في الشرفة الخلفية حين استأجر رجلاً محليًا يعرف "الرجل صاحب الباص" لشحن كتبه التي لا يحتاج إليها إلى المكتبة العامة - محتويات أربعمئة واثنتي عشرة كرتونة أعطاها إياه مولّي، الكائن المشع التي تعمل في "يو بي إس" والتي بقيت بعد غياب كل النساء الأخريات التي دخلن حياته وخرجن منها على مدى الأعوام العشرة الماضية.
مع ذلك فإن هذه المرة تختلف عن كل المرات الأخرى، وبومغارتنر يشتعل بخطط، خطط جريئة تمضي أبعد من الانشغال التقليدي بتنظيف أسنانه أو شراء زوج من الأحذية. لقد مضت أربعة أيام منذ كتب الجملة الأخيرة من كتابه. بعد ذلك مباشرة، طبع نسخة من المخطوطة البالغـة مئتين وإحدى وستين صفحة والموضوعة في درج مكتبه، وهو يقول لنفسه ألا ينظر إليها مرة أخرى لشهر آخر أو ستة أسابيع أخرى، أي ليس قبل منتصف أو نهاية نوفمبر. ثم بعد مضي يومين (في 17 أكتوبر 2019) أي قبل يومين فقط، حدث ما لم يكن متوقعًا، ونتيجة للأثر القوي الذي تركه ذلك الشيء، شمّر بومغارتنر بانتشاء وإلهام جديد عن ساعديه وانغمر في التحدي الذي يمثله ذلك الكتاب.
المفاجأة جاءت في رسالة وصلت من آن آربر، (ولاية) ميتشغان. رسالة لطيفة مطبوعة بأسطر متباعدة ومرسلة بالبريد مباشرة إلى عنوان بومغارتنر على شارع (بو) في مغلف رسمي من شخص يحمل اسم بياتريكس كون. بدأت الرسالة بعبارة "عزيزي بروفيسور بومغارتنر" تبعتها فقرة افتتاحية وضحت كيف حصلت الآنسة كون على العنوان الشخصي لبومغارتنر، أنها حصلت عليه من صديق مشترك هو توم نوزويتسكي، المشرف عليها في برنامج الدراسات العليا في اللغة الإنجليزية والأدب المقارن في جامعة ميتشغان. إنه العزيز توم الصديق القديم ذو الشعر المجعد والبطن البارز، قال بومغارتنر لنفسه. هو الصديق الثرثار من أيام "المدرسة الجديدة" في أواخر السبعينيات وأوائل الثمانينيات، الأصغر قليلاً منه والواقع في علاقة نصف غرامية بآنا، ذلك التغزل الملح والمسالم ولكن الحاد دائمًا، الممتع الحديث، المختص بالشعر الأمريكي، بالجانب المعاصر منه، بالمتمردين والخارجين من حشد "الجبال السوداء"، مدرسة نيويورك، ومن شاكلهم، ذاهبًا إلى آن آربر في نفس الوقت تقريبًا الذي ذهب فيه بومغارتنر وآنا إلى برينستون ومؤلف أطول مراجعة لكتاب آنا وأكثرها تدقيقًا وحماسة. إنه توم نوزويتسكي، الذي لا يزال يتصــل بيــن الفينــة والأخــرى ولا ينســى الاتصــال ببومغارتنــر حيــن يأتـي إلـى نيويـورك وكان بالمناسـبة قـد أرسـل لبومغارتنـر الأسـبوع الماضـي إيميـلاً داعمًـا للآنسـة كـون وليعطـي(س ت ب) مـا يلفـت انتباهـه إلـى أن رسـالتها سـتصله قريبًـا، لكـن بومغارتنـر كان قـد غفـل عن الإيميـل ضمـن سـيل الرسـائل التـي تراكمـت فـي بريـده، عشـرات مـن الرسـائل غيـر المقـروءة والمهملـة الملقـاة علـى الطـرف المظلـم مـن الوعـي بينمـا هـو يواصـل العمـل لانتهـاء مـن الفصـل الأخيـر مـن كتابـه، لـذا قـرأ رسـالة الآنسـة كـون قبـل أن يقـرأ مـا كان تـوم قـد قالـه عنهـا (شـابة ألمعيـة… أفضـل تلميذاتـي منـذ سـنوات… مفكـرة وكاتبـة جميلـة تحـب قصائـد آنـا و- كـم هـو غريـب هـذا؟ - أحيانًـا تذكّرنـي بآنــا نفســها…)، لكــن الحقيقــة أن رســالة الآنســة كــون كانــت قويــة بمـا يكفـي لتوصـي بنفسـها، وفـي الوقـت الـذي قـرأ فيـه بومغارتنـر الجملـة الأخيـرة، أدرك أن عليـه الـرد عليـه حـالًا.
كانــت تأمــل فــي أن تكتــب رســالتها للدكتــوراه عــن أعمــال آنــا، لكن بمـا أن تلـك الأعمـال اختزلـت فـي مجلـد واحـد يتألـف مـن مئـة واثنتـي عشـرة صفحـة، شـكت فـي أن اللجنـة سـتقبل مقترحهـا. ذلـك هـو السـبب فـي أنهـا كتبـت لبومغارتنـر فـي هـذا الوقـت: لتعـرف إنْ كان لديـه مزيـد مـن الأعمـال التـي تتجـاوز الثمانـي والثمانيـن قصيـدة المنشـورة فـي ليكسـيكون. أي قصائـد جديـدة ابتـداءً لكـن أيضًـا إن كانـت هنـاك نصـوص نثريـة متيسـرة، أو رسـائل، أو يوميـات مـن نـوع مـا، أو مذكـرات، أو مخطوطـات أوليـة ومراجعـات، أو أي مـواد غيـر منشـورة يمكـن أن تسـاعدها فـي الوصـول إلـى فهـم أفضـل لــ «عبقرية آنــا بلــوم المقلقــة». ابتســم بومغارتنــر وهــو يقــرأ تلــك الكلمــات. ثــم ضرب بيـده علـى طاولـة المطبـخ ووضـع الرسـالة ليدخـل فـي لحظـة انتشـاء. هـذه البنـت جـادة، قـال لنفسـه، والأسـئلة التـي تطـرح هـي الأسـئلة الصحيحـة. لـو كانـت هنـاك فعـلاً مخطوطـات غيـر منشـورة فقـد أرادت أن تعـرف إنْ كان قـد أرسـلها إلـى أرشـيف مـا فـي مـكان مـا أو (كمـا توقـع تـوم نوزيويتسـكي) مـا زالت الأوراق فـي بيتـه علـى شــارع (بــو)، وإن كانـت هنـاك، فقـد تسـاءلت إنْ كان سيسـمح لهـا بـأن تأتـي لزيارتـه وتبقـى فـي المـكان وقتًـا كافيًـا للاطـلاع علـى مـا لديـه - علـى أسـاس أن ذلـك يمكـن إنجـازه فـي زيـارة واحـدة. سـوف تجـد سـكنها الخـاص بالطبـع، وسـتراعي أي شـروط يفرضهـا عليهـا: عـدد السـاعات فـي اليـوم، مثـلاً، والأوقـات المحـددة لطـرح الأسـئلة، لكي لا يتعـارض ذلـك مـع عملـه أو تجعـل مـن نفسـها مصـدر إزعـاج.
رسـائل كثيـرة جـاءت أثنـاء السـنوات العديـدة التـي تلـت نشـر كتـاب آنــا، لكــن لــم تــأت رســالة مثــل هــذه، فلــم تكــن طلبًــا لعمــل منتخــب شـعري أو استفسـار حـول ترجمـة أو رسـالة مفعمـة بعاطفـة الإعجـاب مــن طالبــة مدرســة ثانويــة فــي ماساشوســتس أو نبراســكا تعانــي الوحـدة، وإنمـا هـي مـن باحثـة شـابة موهوبـة لكتابـة دراسـة كاملـة للعقــل البلومــي فــي كل تجلياتــه المختلفــة. لقــد تأثــر بومغارتنــر بهـذا بصـورة لا يمكـن وصفهـا. كانـت أكثـر مـن سـعادة، كمـا تبيـن لـه، أكثـر مـن مجـرد سـبب لاحتفـال، وإنمـا هـو شـعور بالقـدر يتحقـق، بصـورة مـا، كمـا لـو أن بومغارتنـر، دون أن يحـس، كان ينتظـر رسـالة كهــذه منــذ نشــرت ردونــغ بــرس كتــاب آنــا منــذ تســعة أعــوام، ربمــا لم ينتظرهـا باسـتمرار لكنـه كان يأمـل أن يكـون هنـاك فـي المحيـط الغامـض مـن البشـر الآخرييـن مـن يهتـم بمـا يكفـي بمـا أعطتـه آنـا للعـالم لكـي يجلـس ويكتـب تلـك الرسـالة لـه. والآن وصلـت الرسـالة، ولــم يــدرك بومغارتنــر أن وجــوده الخالــي مــن جــودث طــوال العــام الماضـي سـينتهي فحسـب وإنمـا أن كل شـيء آخـر تقريبًـا فـي حياتـه علـى وشـك التغيـر أيضًـا.
لا حاجـة إلـى القـول بـأن ثمـة أكداسًـا ضخمـة مـن المـواد التـي لـم تنشـر لكي تدرسـها بياتركـس كـون، ولا حاجـة إلـى القـول أيضًـا بــأن بومغارتنــر كان متحمسًــا لدعوتهــا إلــى المنــزل والســماح لهــا بــأن تبقـى فـي محيطـه بحضــوره طــوال المــدة التــي ترغــب فيهــا أو احتاجــت إلــى البقــاء أثناءهــا. فــي الوقــت نفســه بــدأ يقلــق أن طالبـة دراسـات عليـا فـي السـابعة والعشـرين مـن عمرهـا لـن تقـوى علــى الأســعار المرتفعــة للموتيــات والأوتيــات والنــزل التــي توفــر السـكن والإفطـار فـي برنسـتون وحواليهـا، وحيـن فكـر ببدائـل لموتيـل 6 الكئيـب علـى الخطـوط السـريعة المليئـة بالضجيـج والزحـام فـي أماكـن أخـرى، توصـل إلـى أن الأفضـل لمحفظتهـا ولراحتـه الذهنيـة لــو أنها أقامــت معــه. ليــس فــي نفــس المنــزل ربمــا، لأنــه لــم تكــن هنــاك سوى ثلاث غرف في الطابق الثاني: إحداهــا غرفة نومه والثانية تحولت إلى مكتب له والأخيرة هي غرفة الضيوف الصغيرة المجاورة لغرفته، وهي درجة من القرب ستسبب قدرًا لا حدود له من الحرج والخجل لضيفته بومغارتنر، لكي لا نتحدث عن بومغارتنر نفسه: غريبان يتشاركان حمامًا واحدًا ومضطران إلى الاضطجاع كل ليلة على جانبي حائط ضئيل وبينهما ستة أقدام. لو أن بومغارتنر انقلب على ظهره في أي لحظة أثناء الليل، فإنه سيشخر بالتأكيد، ومن يدري إن كانت الآنســة كون لا تشخر هي الأخرى؟ من ناحية أخرى، هناك الشقة الواقعة تحت السقف الذي يعلو كراج السيارتين، فضاء صغير وممتع يتسع لشخصين، بسرير وأدراج، ودولاب، ومطبخ صغير، وحمام فيه متسع للدوش، مع مدفأة كهربائية كبيرة مفصولة وواقفة. اعتاد هو وآنا أن يؤجراها لطلاب الدراسات العليا أثناء السنوات الخمس أو الست الأولى من إقامتهما هناك، وحين لم يعودا بحاجة إلى المال الإضافي، احتفظا بها مهيأة لمن يزورهما مدة طويلة أو في نهاية الأسبوع من أصدقاء نيويورك. لكن منذ وفاة آنا نسي بومغارتنر الشقة إلى حد ما، ولولا حرص السيدة فلوريس وإصرارها على تنظيف المكان تنظيفًا دقيقًا كل ربيع وخريف من كل عام، فإن تلك الشقة الجميلة كانت ستتحول إلى إمبراطورية للوطاويط والعناكب والغبار. في وضعها الحالي يمكن خلال أسابيع قليلة من اللمسات والإصلاحات إعادتها إلى وضعها الجيد، وفي 17 أكتوبر، بعد نحو ست ساعات من قراءته رسالة بياتريكس كون، استأجر بومغارتنر السيد فلوريس وفريقه للقيام بالعمل. وطلب منهم بعد الانتهاء من تلك المهمة أن يقوموا بمهمة أخرى: أن يزيلوا الدرج القديم المؤدي إلى القبو ويبنوا آخر من جديد. أخيرًا.
في ذلك اليوم نفسه اتصل بتوم نوزيوتسكي في آن آربر. بعد الانتهاء من التحايا الإلزامية و"كيف أنت وماذا تفعل مؤخرًا"، قال بومغارتنر: أخبرني المزيد عن طالبتك بياتريكس كون. فهمت من رسالتك أنها موهوبة وواعدة بصورة استثنائية، ولكنني على وشك دعوتها للمجيء إلى هنا لما قد يتحول إلى زيارة طويلة، وأحتاج إلى معرفة إن كانت متوازنة، شخصًا يوثق به ولن تجلب كارثة وبؤسًا إلى المنزل. أنا على استعداد لمشاركتها أطنانًا من المواد، لكن إن اتضح أنها مختلة، أو يصعب التعامل معها، أو خجولة جدًا أو ثرثارة أو كثيرة الطلبات أو كثيرة أي شيء آخر، فسأغير خططي وأبحث عن طريقة أخرى للتعامل معها. هذا على افتراض أنني سأتعامل معها أساسًا.
ضحك توم. لا تقلق يا سي. إنها فتاة صلبة. عالية الذكاء، لطيفة المعشر، متزنة. واحدة منا، كما اعتاد كونراد أن يقول. عرفتها على مدى ثلاث سنوات، ووجدتها دائمًا ثابتة، جادة، ومثابرة على العمل، لكنها أيضًا خفيفة دم حين تكون في المزاج، كوميدية بطريقة جنونية، كما كانت آنا حين تكون في إحدى "طلعاتها"، وهو ما يجعلني أتذكر آنا كلما كانت "بيب" في المكان.
بيب؟
ذلك هو الاسم الذي يطلقه الجميع عليها. وصدقني، إنها ليست الأمريكية المعتادة. نصفها يهودية، ربع أنغلوسكسونية، وربع سوداء. جدتها لأمها - التي كانت بالمناسبة إحدى أوائل الطبيبات السود في فيلادلفيا. وعلى الجانب الآخر، جدتها لأبيها كانت أول امرأة يهودية تعمل في قسم الفيزياء في جامعة كولومبيا. شجرة نسب غير عادية، أليس كذلك؟ أدمغة كبيرة في كل مكان، لكن بيب تحب أن تشير إلى نفسها بالهجين، أو كما في العبارة التي قالتها لي ذات يوم: "شخص ما متنكر ليكون كل شخص." ماذا غير ذلك؟ الأم مؤرخة فنون والأب متخصص في الكيمياء الحيوية والاثنان يدرّسان في جامعة شيكاغو، وأخوان يتجولان في مكان ما من أمريكا أو أوروبا أو كليهما. وأيضًا، فقط لطمأنتك، لقد قرأتْ معظم كتبك أو ربما كل كتبك وترى أنك أفضل شيء ظهر منذ "الويتيز". "إفطار الأبطال."
بعد الحوار مع توم، أرسل بومغارتنر ردًّا إلى آن آربر، وبتلك الرسالة بدأ هو وبياتريكس يخططان لزيارتها والأيام أو الأسابيع أو حتى الأشهر التي ستحتاج إليها لتحرث الألف ومئة صفحة من مخطوطات آنا ورسائلها غير المنشورة. يشعر الرجل العجوز بامتنان عظيم للشابة التي أبدت اهتمامًا مفعمًا بالعاطفة في أعمال آنا، وشعرت الشابة بامتنان عظيم للرجل العجوز لكرمه في دعم مساعيها ولتكبده مشقة غير عادية وتحمل تكلفة خرافية في تهيئة شقة الضيوف فوق الكراج من أجلها، وامتنان كل منهما للآخر من العمق بحيث أنه في التدفق المبكر للإيميلات والرسائل والبطاقات البريدية التي كانت تبحر جيئة وذهابًا بينهما، كان يمكن للشخص أن يشك في أنهما عضوان في باط لويس في فرساي في القرن الثامن عشر وليسَا مواطنين في القرن الحادي والعشرين من المناطق الداخلية الوعرة والمتهدمة من العالم الجديد، ذلك أن التهذيب السلوكي (politesse) بالمستوى الذي مارساه في رسائلهما المتبادلة لم يكن معتادًا في المكان والزمان الذي عاشا فيه. ومع ذلك، شيئًا فشيئًا، تحول الكلام الرفيع إلى أشكال أكثر واقعية ومباشرة من الخطاب، واستقر الاثنان في ما يبدو أنه يتطور إلى صداقة رفيعة، وبومغارتنر مبتهج.
لديها ارتباطات أكاديمية حتى نهاية الفصل الدراسي وتخطط لزيارة والديها في عطلة الكريسماس، لذا رتبا لها أن تأتي إلى نيو جيرسي في اليوم الأول من السنة الجديدة، فجوة شهرين ونصف تتيح لبومغارتنر فرصة لانتهاء من الإصلاحات في البيت، أن يبدأ التعرف على مخطوطات آنا، ثم، بعد شهر أو نحوه، أن يقرأ مخطوطة "أسرار العجلة"، ليدخل بعد ذلك أي تعديلات ضرورية ويرسل الكتاب إلى وكيله الأدبي، مادي ليفتون، الذي سيرسله بدوره بالإيميل إلى ناشره الأمريكي "هلر بوكز"، الشركة التي شاركت آنا في تأسيسها عام 1972 والتي نشرت أعمال بومغارتنر على مدى أربعين عامًا.
الآن وقد تأكدت الزيارة، الوقت الذي بدأ فيه السيد فلوريس ورجاله بالعمل في شقة الكراج، يقرر بومغارتنر أنه لا بد من عمل شيء حول الفناء الخلفي أيضًا، حيث تحولت أحواض الزهور المفرغة إلى بؤر استيطانية للحشائش والنباتات وآلة التنظيف المتآكلة بعد أحد عشر عامًا من الإهمال لم يفعل أثناءها أكثر من استئجار سلسلة من أولاد المدارس الثانوية ليقصوا الحشائش في الربيع والصيف بالآلة اليدوية القديمة التي كانت تصدأ باستمرار والتي ورثها هو وآنا من ماك البيت السابقين. لكن وقد صارت بيب كون على وشك أن تكون مقيمة مؤقتة على شارع بو، فقد وقع مضيفها القادم تحت سحر الحنين المكثف إلى البستنة. ذات يوم حين كانت آنا مسؤولة عن البيت وإدارته، كان في الحديقة زهور ونباتات، لم تكن معقدة أو ثقيلة على من يعتني بها وإنما قطعة صغيرة من الأرض لكل ذلك، صفًا منوعًا من الألوان الزاهية والأشكال المتقابلة وسجات متنوعة من الإخضرار، والآن وقد وصل منتصف أكتوبر، أفضل أوقات السنة لزراعة الشجيرات والبذور، فإن بومغارتنر يسعى لمواصلة الهجوم وانتزاع جذور كل ساق ذابل وكل شجيرة ميتة وإعادة زراعة الحديقة اللعينة قبل أن تتجمد الأرض ويحّل الشتاء.
يعيد هذا إد بابادوبولوس إلى الحكاية بعد غياب عدة فصول، قارئ العدّاد ولاعب الكرة السابق الذي أبدى عطفًا على بومغارتنر حين سقط من الدرج، الرجل العطوف، برج العضات الطيب القلب الذي عاد إلى المنزل بعد انتهاء مدة العمل كما وعد أن يفعل مسلحًا بحقيبة كبيرة من الثلج لركبة بومغارتنر وإمدادات جديدة من المصابيح الكهربائية للقبّو، وبقي في النهاية ليعد عشاء لبومغارتنر ثم ينظف المطبخ بعد ذلك. صار الاثنان صديقين أثناء العام ونصف العام منذ ذلك الحين، وفي تلك الأثناء حضر بومغارتنر عرس الرجل (إلى شقراء مرحلة اسمها ميتزي تعمل وكيلة سفريات وذلك في الربيع الماضي)، ودعا العروسين إلى حفلات عشاء راقية بحق في أفضل مطاعم المنطقة من صينية ومكسيكية وإيطالية، كما دعم قرار إد بترك شركة المياه والعمل في شركة والده المختصة بعمل تصاميم الحدائق، مع أن بين إد ووالده علاقة مضطربة إلى حد ما، لكن كان من الواضح لبومغارتنر أن إد اللطيف والبالغ الحساسية وهب إحساسًا فطريًا تجاه كل الأحياء وأن تمضيته وقته في حفر الحدائق وتغذية النباتات والأزهار والأشجار سيكون له مردود في كسب عيشه وأن القناعة التي يجلبها ذلك العمل سيكون بالنسبة إليه تعويضًا يفوق خصومته أحيانًا مع والده العدواني وغريب الأطوار. أمضى في العمل حتى الآن نحو ســنة، ومــع حاجــة بومغارتنــر إلــى مســاعدته المهنيــة بــدأ هــو واثنــان مــن مســاعديه بالمجــيء كل صبــاح لإعــادة تنظيـم الفنـاء الخلفـي واسـتعادة الحديقـة إلـى بريقهـا القديـم. هكـذا صــار العمــل اليومــي الآن: الســيد فلوريــس ورجالــه يتحركــون جيئــة وذهابًـا مـن الكـراج طـوال اليـوم بينمـا يكـدح إد ورجالـه فـي الفنـاء، ولأن موقعــي العمــل متقــارب بعضهمــا مــن بعــض، فــإن الفريقيــن يتداخــان غالبًــا أثنــاء تحركهمــا حــول مناطقهمــا المتشــابكة، أحــد الفريقيـن يتألـف مـن ثــلاثـة يتحدثـون الإسـبانية فيمـا بينهـم والفريـق الآخـر وهـم ثــلاثـة أيضًـا يتحدثـون الإنجليزيـة. ولا يسـتطيع أي مـن الفريقيــن التحــدث مــع الفريــق الآخــر، لكــن هنــاك فــي النهايــة إد بابادوبولـوس، رامـي كـرة البيسـبول سـابقًا الـذي حـرص علـى تعلـم الإسـبانية لكـي يتفاهـم مـع زمائـه مـن أمريـكا اللاتينيـة، كل أولئـك الأولاد الحائرين مـن الدومينيـكان والمكسـيك وبنمـا وفنزويـلا الذين نقلــوا إلــى «غرنغولاند» دون أن يعرفــوا كلمــة إنجليزيــة واحــدة، وبتلك الطريقـة كان إد يتحـدث إلـى أنجـل فلوريـس ومعاونيـه الاثنيـن بلغتهـم الأصليـة، وللمـرة الأولـى علـى مـدى تلـك الأعـوام التـي عرفـه فيهــا، رأى بومغارتنــر الســيد فلوريــس ذا الوجــه العابــس يبتســم بــل وينفجــر ضاحــكًا. كان بومغارتنــر يعــرف مــا يكفــي مــن الإســبانية ليفهـم أن عامـل البنـاء والنجـار -اللذين ولـدا أو تربيـا فـي جمهوريـة الدومينيـكان- يتحدثـان معظـم الوقـت عـن البيسـبول، وكـم هـو رائـع، حســب بومغارتنــر، أن إد الضخــم والمرتبــك فــي حركتــه، أحــد أقــل الرجــال إثــارة للإعجــاب علــى وجــه الأرض، يمتلــك موهبــة نشــر الحيـاة حيـث يكـون.
فــي هــذه الأثنــاء جمــع بومغارتنــر كل أوراق آنــا وهــو الآن يحفــر فيهـا مـرة أخـرى للمـرة الأولـى منـذ أعـوام. بعـد أن اختـار مـا يـراه مـن القصائـد التـي ينبغـي أن يتضمنهـا الليكسـيكون، توقـف عـن التفكيـر فــي مــا هــو مرفــوض منهــا، مقتنعًــا أنهــا ليســت بمستــوى غيرهــا، والأرجـح أنهـا لا تصلـح للنشـر. لكـن مـاذا لـو كان مخطئًـا، ومـاذا لـو كانت المعايير التي فرضها على نفسه قاسية أكثر مما ينبغي وأنه نتائج تفكير ضيق؟ لقد أراد لكتابه "آنا" أن يحدث ضجة، ولذا قيد نفسه بقصائدها التي عدها روائع، أفضل ثمان وثمانين قصيدة من بين المائتين وستة عشر التي عثر عليها، وقد أحدث الكتاب ضجة فعلاً ولا يزال يحدث ضجة بين عدد متنامٍ من القراء الجدد، لكن ليس حتى أعظم الشعراء يملكون القدرة على كتابة الروائع فقط، وربما أنه أساء لآنا حين تبنى رؤية صارمة. الآن، وهو ينظر في المئة والثمانية والعشرين قصيدة ملغاة، ما يقارب المائتين والخمسين صفحة من الأعمال غير المعروفة والمختفية، يجد نفسه يقرأها بعيني بيتاركيس كون، متخيلاً ردة فعلها تجاه تلك القصائد الأقل اكتمالًا ولكن المدهشة غالبًا وهو يمر بالتجربة البديلة في العيش من خلالها والشعور بالإثارة لاكتشاف ما ستراه بالتأكيد كنزًا هائلًا من الإشعاع الصاخب المضطرب. إنه غبي حقًا، يقول بومغارتنر لنفسه، وأي فكرة مجنونة جعلته يحجم عن نشر مجموعة ثانية لتكون جزءًا من الليكسكون؟ إن سبعين أو ثمانين من هذه القصائد ينبغي أن ترسل إلى العالم حالًا، وربما كل مئة وثمان وعشرين منها، وفي وقت ما، لا أحد يعلم متى، لكن في وقت ما من السنوات القادمة، ينبغي جمع الكتابين وتُعاد صياغتهما ليصيرا مجلدًا واحدًا كبيرًا - نصبًا من الصفحات التي تغني والتي ستداهم الصمت في قبر آنا.
لكن هناك المزيد، الكثير منه. ليس المقصود كتابات آنا السيرية وإنما ترجماتها لسبع وثمانين قصيدة فرنسية وإسبانية وبرتغالية لم تجد طريقها يومًا إلى الطباعة إلى جانب ثلاث جبال من الأقلام، وأقلام الرصاص، ومخطوطات من نسخ مختلفة، معظمها على ورق مقاسه ثمانية ونصف في أحد عشر فضلاً عن أوراق مفردة مزقت من دفاتر مسودات، وكتب فارغة الأوراق، ودفاتر ملاحظات مسطرة من مقاسات مختلفة، سواء الدفاتر الأمريكية والبريطانية المسطرة أفقيًا أو الدفاتر الرباعية الأسطر، "الكايير" الفرنسية و"الكوادرينوس" الإسبانية، إلى جانب قصائد أو أجزاء من قصائد دونت بسرعة على أغلفة، فواتير كهرباء، قوائم تسوق، فاتورة بنّاء سقوف، وملاحظة تنبض بشعور عميق من الامتنان من المحرر الذي نشــر ترجمتهــا لقصيــدة لــوركا «شــاعر فــي نيويــورك». أيضًــا: مخطوطــات لاثنتــي عشــرة مـن مراجعـات الكتـب ونسـخ مـن مجـلات أسـبوعية وشـهرية نشـرت فيهـا، وخمـس قصـص قصيـرة لـم تنشـر، والمئتـان والسـت والثلاثون صفحــة مــن روايتــي آنــا اللتيــن تخلــت عنهمــا - كل تلــك مصــادر لا غنــى عنهــا لرســالة بياتركــس كــون )إن سُــمح لهــا بكتابتهــا( لكــن مـن غيـر المتوقـع أن تكـون جديـرة بالنشـر، بمـا أن الروايـات تركـت ناقصـة والقصـص القصيـرة تصـل إلـى ثلاثيـن صفحـة فقـط. شـعر أن الترجمـات يمكـن أن تتحـول إلـى كتـاب، وكذلـك الأربعـة عشـر نصًـا ســيريًا (17 صفحــة)، لكــن بومغارتنــر يقــرر ألا يقــرر الآن، وبينمــا بعـد، حيـن يفكـر فـي الأمـر مـرة أخـرى، فلـن يتصـرف أو يحجـم عـن التصـرف إلا بعـد استشـارة الآخريـن، لأنـه يخشـى أن تسـيطر عليـه رغباتـه ويتخـذ قـرارًا خاطئًـا يتسـبب فـي مزيـد مـن الإسـاءة لآنـا بـدلًا مـن أن يكـون مفيـدًا لهـا.
أكثـر مـن المضـي قدمًـا فـي القصائـد، الأمـر الوحيـد الـذي يشـعربالراحـة إزاء محاولـة نشـره هـو مراسـاته مـع آنـا مـن منتصـف عـام 1969حتـى منتصـف 1971، العامـان اللـذان طـالا بصـورة غيـر معقولة حيـن كانـا مفصوليـن علـى جانبـي المحيـط ومضطريـن إلـى البقـاءعلـى صلـة بالمراسـلة وإلا فلـن يعـرف أحدهمـا عـن الآخـر شـيئًا إلـى الأبـد. كانـا لا يـزالان طفليـن فـي ذلـك الوقـت -تسـع عشـرة وإحـدى وعشــرين- ولــم يكــن قــد ثبــت شــيء بينهمــا، ربمــا مــا عــدا الأمــل أن الشـيء الصغيـر الـذي بـدأاه معًـا سـينمو فـي النهايـة إلـى شـيء كبيـر بـل ربمـا عظيـم، مـع أن لا أحـد منهمـا كان يجـرؤ علـى التعبيـر عـن ذلـك الأمـل حيـن بـدأ افتراقهمـا. قبـل ذلـك، كان ذلـك التخبـط عنـد اللقـاء الأول فـي محـل «إرسـالية الخيـر»))( فـي سـبتمبر، الـذي كان يمكـن أن ينهـي القصـة وكان الأرجـح أن يفعـل، لكـن بعـد ثمانيـة أشـهر جاءتهمـا فرصـة أخـرى، لأنـه علـى نقيـض مـا يقولـه لنـا أشـهر العقلانييـن علـى مـدى سـنوات، فـإن الآلهـة تكـون فـي أسـعد حالاتهـا ،بـل حيـن تكـون آلهـة حقًـا، حيـن ترمـي النـرد أمـام الكـون، وفـي عصـر يـوم مـن أواخـر مايـو، صـادف أن بومغارتنـر كان يجلـس إلـى طاولـة بالقـرب مـن تلـك التـي كانـت آنـا تجلـس عليهـا فـي: محـل المعجنـات الهنغاريــة»، علــى شــارع أمســتردام، ليــس لأنــه تعــرّف عليهــا )كان وجههـا يحجبـه كتـاب كانـت تقـرؤه( ولكـن لأنـه كان المـكان الوحيـد الخالـي المتيسـر لـه. وصفـت آنـا ذلـك اللقـاء فـي واحـدة أخـرى مـن نصوصهـا السـيرية ،الأيـام الأولـى:
ما إن جلس على كرسيه، نظر الشاب إلي وقال:
«سبق أن تعرفت إليك في مكان ما، أليس كذلك؟»
«قد تكون التعرف مبالغة»، أجبتـه، «لكن سبق أن رأى أحدنا الآخر ذات مرة. منذ أشهر عديدة في محل لبيع المستعمل على بعد عشر بلوكات من هنا. كنت كما أذكر غارقًا في برميل من الأواني.»
قال: «هو ذاك». «محل الأشياء العتيقة على تقاطع أمستردام مع ثمانية وتسعين! ابتسم أحدنا للآخر، أليس كذلك؟»
ما إن قال كلمة ابتسم انفرج وجهه عن ابتسامة ثانية، أكبر
من تلك التي منحني في الخريف، وحين أجبتـه بابتسامة أكبر،
شعرت بأن شيئًا غريبًا قد حدث للتو. ليس الابتسامات، على الأقل
ليس الابتسامات بحد ذاتها، وإنما الحقيقة الغريبة التي كان يجب أن يتذكرها كانا، تلك اللحظة الصغيرة الخاطفة عبر كل تلك الأشهر التي مرت، والحقيقة الأغرب منها أن نتيجة تذكرنا المشترك لتلك اللحظة كان على كلينا أن يعمل كما لو أنها خلقت صلة بيننا، بينما الحقيقة هي أن كلينا لم يكن يعرف شيئًا عن الآخر. ابتسامة صغيرة في الخريف، فرصة ثانية للقائه في الربيع، والآن ابتسامة كبيرة - تلك كانت حدود ما حدث لنا حتى ذلك الحين، ومع ذلك كنا كما لو أننا نعرف بعضنا منذ زمن، وربما أننا كنا كذلك، لأنه كان من الواضح أن كلًا منا مضى يفكر في الآخر بين الحين والآخر على مدى عدة أشهر بين ذلك الحين والآن، وإذا كان القدر قد ألقى بنا معًا للمرة الثانية، شعرت أننا كنا مصممين بصورة متساوية ألا نتخبّط مرة أخرى وندع اللحظة تمضي.
كان الوقت قصيرًا، لكن من يونيو إلى منتصف أغسطس كانا قد راكما كمية كافية من المواعيدات، والعشـاءات، والمشـيات الطويلة، والأفـلام، والحفـات الموسـيقية، والمتاحـف، قبل أن ينتهي بومغارتنر إلى أن آنـا كانت الفتاة التي تميزت عن كل الفتيات الأخريات التي عرفهن وبدأ يتأسف على كونه مضطرًا إلى الرحيل لمدة سنة من الدروس في الفلسفة في الكوليـج دي فرانس في باريس، بغض النظر عن أنه كان يتطلع إلى ذلك. لكن آنـا لم تكن تشاركه أيًا من قناعاته، بل كانت مترددة حول مدى انجذابها نحوه، ذلك أن بومغارتنر كان على وشك مغادرة نيويورك منذ الدقيقة التي بدأ فيها يتحدث بعضهما إلى بعض في محل المعجنات في تلك الظهيرة وسينساها تمامًا في اللحظة التي يضع فيها قدمه على الطائرة. على الرغم من ذلك كانت في منتصف الشعور بالحب تجاهه، لكن النصف الآخر لم يكن جاهزًا لحب كلي زلزالي، بل هي أقل استعدادًا من ذلك لأنها ما زالت تعاني الاهتزازات التي تلت جسد فرانكي بويل المتفجر أبدًا وتابوته الذي ضم بقاياه فكان شبه خالٍ تقريبًا. بومغارتنر تعلق بها إلى درجة تجعله يحجم عن الضغط عليها لكي تعلن عما لم تكن مهيأة للإعلان عنه، وحين قال لها وداعًا في اليوم الأخير، أحجم عن إطلاق أي إعانات كبيرة من جانبه. لم يكن مهيأ في تلك اللحظة أكثر مما كانت آنـا لـ «الخطوة الكبيرة»، لكنه كان في السر أكثر ثقة منها تجاه المستقبل، لأنه أدرك أن حياته المقبلة لن تكون حياة إن لم يشركها فيها. غير أن آنا لم تمتلك مثل ذلك اليقين، وفي ساعتهما الأخيرة معًا وصل بها الأمر إلى إهانته. قالت له: أنت قذر ومقرف يا سي. تشن الهجوم وقدَمك موضوعَة على الباب، والآن وقد استمتعت صار الأمر مع السلامة يا حبيبتي، سأراك في أحلامي.
قال بومغارتنر: فوق ذلك سأكتب لك أيضًا كل يوم. ومن الأفضل أن تردي عليّ بالكتابة - وإلا.
وإلا ماذا؟
سأطردك من أحلامي.
ستكتب وسأرد عليك. لكنك لن تكتب أبدًا، لذا لن أقلق حول الأمر، أليس كذلك؟
لا تكوني واثقة أيها الآنسه الواثقة بذكائها. لو كنت مكانك، فسأبدأ القلق من الآن.
لم يكتب لها كل يوم، لكن حين جاء الوقت الذي أتت فيه آنا إلى باريس لزيارة قصيرة في يونيو 1970، كان كل واحد قد كتب للآخر أكثر من مئة رسالة، دون أن تكون أي منها رسالة حب بالمعنى التقليدي للكلمة، اتجهت آنا إلى مدريد للدخول في برنامج صيفي، وحين عادت إلى باريس في أغسطس لمدة عام في السوربون، كان بومغارتنر يحزم أمتعته ويتهيأ للعودة إلى نيويورك. سوء حظ، سوء توقيت، سوء أي شيء، لكن على أي حال مجموعة من الفرص الغريبة الضائعة، ومع عودة آنا إلى مدريد لصيف ثانٍ عام 1971، مضت سنة أخرى كاملة وما بينهما محيط. ولم يكن هناك بديل سوى تبادل الرسائل، ما بين مئة وعشرين ومئة وأربعين رسالة من كل منهما على مدى اثني عشر شهرًا. بعض الرسائل طريفة (رواية بعض الأحداث الغريبة في حياتهم اليومية)، وبعضها الآخر ساخر، بل غاضب (صراخ سياسي ضد نيكسون وكيسنجر، والحرب المستمرة). لكن معظم الرسائل سجلات معقدة لعقليين شابين في مرحلة انتقال، تعليقات آنا الدقيقة، الصريحة، وغالبًا المقلقة، حول الشعراء الميتين والأحياء الذين كانت تقرؤهم وقد بدأت تشق طريقها نحو اللغة اليومية المجردة في أسلوبها المبكر، وبومغارتنر يشبك مع قدراته على التعبير متوصلًا في النهاية إلى أولى العبارات الواضحة والقادرة على نقل أفكاره حول الوعي المتجسد وازدواجية الوجود التي ستستمر في ما حققته على مدى نصف القرن التالي، بينما كانت حميميتهما تزداد وثقة كل منهما بالآخر تنمو، كانت رسائل بأكملها تكرس لشكوكيهما ومخاوفهما العميقة حيال نفسيهما، الشكوك والمخاوف التي لم يسبق لهما أن أشركا أحدًا آخر فيها. ومع ذلك، مع بدء اعتماد كل منهما على الآخر، ودون شك حب كل منهما للآخر، لم تكن هناك رسائل حب وإنما مراسلات بين رفيقين في الفكر والروح خدينيـن توصـلا إلـى اتفاق حكيـم في بداية تفرقهمـا أن يتجاهـا المطالـب السـخيفة المتمثلـة في التـزام كليهمـا بالعزوبيـة، ولـذا فـإن بومغارتنـر لـم يشعر بالذنـب حيـن تجـول بين عـدة عاقـات عرضيـة في باريـس ونيويورك، بينمـا كانت آنـا في نيويورك وباريـس وكأنـيأمل أنها تفعـل الشيء نفسه في المدن التـي لم يكن فيهـا أثناء تباعدهمـا. الغريب أنهـم لـم يسـألها يومًـا إنْ كانـت قـد فعلـت ذلـك أم لا، لأن بومغارتنـر كان يؤمـن بقـوة بأن مـا تفعلـه بجسـدها كان شـأنها الخاص ولـذا لـم يكـن يعنيـه، وآنـا، التـي كانـت تعلـم أيضًـا أن أمـورهـا الخاصـة به لا تعنيهـا، لـم تبـال يومًـا في طـرح السـؤال عليه.
إنـه الثاني والعشـرين من نوفمبر الآن، العيـد السابع والأربعين من الحادثة التـي كادت تـودي بحياة آنـا في شارع كليرمونـت. انتهـى فريقـا العمل من مهامهمـا وذهبا. فلوريـس وبابادوبولـوس تم الدفع لهما بالكامل، وبينمـا كان بومغارتنـر يتأمل في المقالة السـيرية الطويلة التـي يخطط لكتابتها حول آنـا لتكون مقدمة لكتاب الرسـائل ما بينهـما، يدرك أنه إنما يفكر في مشـروعه القـادم لكي يتفـادى جرجـرة نفسه عائدًا إلى أسرار العجلة، الـذي عليـه أن يبدأ بقراءتـه الآن لكي يقـرر إن كان لا يزال بحاجـة إلى مزيد من العمل، لأنـه إن كان كذلـك، فعليه أن يزيل ما تبقى من آثار تلميـع عن المراجعات قبل أن تأتـي بياتركـس كون في الخامس من يناير. ليـس لأن هنـاك حدًا زمنيًا أو لأنـه لا يستطيع الاستمرار في معالجة المخطوطة لعام آخر لو أراد ذلـك، وإنما لأنه قد صمـم على تنظيـف المكان قبل أن تهبـط في برنستـون ويضع نفسه بالكامل تحت تصرفها طوال مدة زيارتها، التـي ستكون كلها حول آنـا وأعمالهـا ولا شيء غير آنـا وأعمالهـا، ولكـي يستمتع بومغارتنـر بالتجربة بأعلى قدر يريد، عليه ألا يتدبّس في عمله هو في الوقت نفسه.
لحسن الحظ، لم يكن الكتاب ذلك الخليط التام الذي خشـي أن يكون. كان في واقع الأمر نصف سيئ، بل من الممكن أن يعدّه بعض الكرماء جيدًا، لكنك إذا بدأت بتحويل عمل على شفير التفاهة، وكانت كل جملة في العمل تنضح بالسخريات التي تنقلب على ذاتها لأنها تحمل دلالة مضاعفة، فإن من الأفضل لك ألا تزلّ وتفقد تماسـكك في أي لحظة في النص، لأن حركة خاطئة واحدة تكفي لتخريب النوايا الجادة المدمرة والمخبـوءة في النكت، فترسل العمل يترنح نحو هاوية من الرطانة. حسب تقدير بومغارتنر فإنه لم يخطئ في أكثر من ثلاثة أو أربعة مواضع، كل منها قابلة للإصلاح فقط بشطب الفقرة وإزالتها من الكتاب، ولذا فإن بومغارتنر مرتاح إلى حد ما، وإلى حد ما ليس شديد الاشمئزاز من نفسه، مع أن الكتاب صار من الجنون بحيث لم يعد قادرًا على معرفة كيف كتبه.
يستطيع بصعوبة أن يتذكر «مقدمة للفلسفة»، ذلك الكورس الذي سجل فيه حين كان طالبًا في أول فصل من دراسته في كلية أوبرلين والذي قرأ فيه شيئًا كتبه أرسطو أو كتب عنه تضمن مقارنة للجسد بسفينة والروح بوصفها ربان تلك السفينة، الأمر الذي أمتع بومغارتنر كثيرًا حينها، لأنه وجد من المستحيل ألا يرى أن الربان - الروح الأثيري هو الربان ذو الجسد واقفًا خلف دفة سفينته البشرية ليقودها عبر المياه الخطرة في بحر الصين، الأمر الذي كان ذا معنى، بطبيعة الحال، وذلك لأن شيئًا في جسد (الروح) لا يمكن أن يمنح مادة ملموسة (الجسد) ويمكن مع ذلك أن يسمى روحًا. ومع ذلك، إذا كانت النفس الأرسطية مزيجًا من المادة واللامادة، أي جسد مرئي تحييه روح لا مرئية، كم سيكون طريفًا لو تمدد المجاز ووضع الربان - الروح والسفينة - الجسد خلف مقود وسيلة نقل حديثة بآلة متحركة، سيارة من القرن العشرين مثلًا، لتكون الحال عندئذٍ أن الربان - الروح وراء مقود السفينة - الجسد سيظل يعمل بوصفه روحًا خالصة بجسد تقود سيارة مادية خالصة في طريقها عبر الفضاء، لكن لأن البشر ليسوا أرواحًا خالصة أو أجسادًا خالصة وإنما مزيج من الاثنين، فإن سائق السيارة سيكون بالضرورة روحًا حُمّلت جسدًا، أو روحًا بجسد، وهي حقيقة لن يقبلها المؤمنون بالازدواجية ممن لا يعلنون عن أنفسهم، حتى لو كررت تلك الحقيقة مئات المرات في اليوم على مئات الطرق في كل أنحاء العالم. كان بومغارتنر قد بلغ السابعة عشرة للتو، وكان يستمتع باصطنـاع مثل ذلك الهـراء، لأن هدفه الرئيس في الحياة، حين كان مبتدئًا في دراسته ويدعي العلم، كان أن يسائل كل شيء قرأه ويهـزأ منه بكل الطرق التي يستطيعها، لكن أباه مات بعد ثلاثة أشهر، وحين عاد بومغارتنر إلى نيويورك توقف عن رمي السهام على أرسطو ومضى إلى أشياء أخرى.
ولكنه مع ذلك حمل معه تلك الصور الغريبة في رأسه لسنوات، ما بين على ما بين الأجساد - الأرواح التي تقود سياراتها على دروب وطرق سريعة هائلة متداخلة، كل شخص خلف المقود كائن وحيد بحجم الإنسان محاصر ضمن درع معدني لسيارة بحجم حشرة، كل رجل وامرأة من الحشد الهائل وحده وسط زحام مروري متدفق وغالبًا خطر، والجسد الواقف خلف المقود، وهو أيضًا عقل، أو روح، أو ذكاء، مسؤول عن اتخاذ مئات القرارات الصغيرة والكبيرة لقيادة السيارة بأمان نحو هدفها. تجنب الالتفافات الخاطئة، ابتعد عن الحفر والأشياء الساقطة التي تملا الطريق، ولا تقبل تحت أي ظروف بأي مغامرة مزاجية قد تقودك إلى الاصطدام بسيارة أخرى. قد تكون الحوادث مميتة في نهاية المطاف، وما إن تموت فإنك تظل ميتًا بقية الزمان.
تلك كانت الكيفية التي وُلِد بها الكتاب، كما يعتقد بومغارتنر: من رؤية مدمرة للحياة البشرية بوصفها سيارات متاحة للجميع وتنطلق بسيطرة على طرق سريعة من الوحدة والموت الكامن، لكن أفكاره لم تبدأ في التبلور لتحول إلى أسرار العجلة حتى بدأ يفكر بكلمة «أوتومبيل». أوتومبيل: تركيب هجيني من الكلمة اليونانية( أوتوس)، واللاتينية(موبيليس)، وفرنسية القرن التاسع عشر ( موبييل) التي تعني تحرك ذاتي وهي المفردة الرسمية لما يطلق عليه بصفة عامة سيارة. في الوقت نفسه، من الممكن التفكير في البشر بوصفهم مخلوقات تتحرك ذاتيًا، وبأخذ تلك الأفكار غير المترابطة وإدماجها في مفهوم غرائبي ولا معقول بصورة لامبالية، وجد بومغارتنر الآلة المجازية التي ستقود كتابه إلى الأمام. السيارة من حيث هي شخص، الشخص من حيث هو سيارة، كل منهما قابل للتبديل بالآخر عبر خطاب شبه فلسفي متعرج متلبسًا بروح سويفت وكيركيغارد، وغيرهما من المخادعين الذين قلبوا العالم رأسًا على عقب لكي يجعلوا قراءهم يقفون مقلوبين ويحاولون إعادة تصور عالم يكون وضعه صحيحًا. مضحك هو بومغارتنر. والمحزن أن هذه ليست أسعد الأوقات للهجاء، وعلينا أن ننتظر من سيلتقط النكتة.
ينقسم الكتاب إلى أربعة أقسام، طول كل قسم ما بين ستين وسبعين صفحة: مقدمة للميكانيكا الذاتية، الانهيار في موتورسيتي، سباق التدمير، وأسطورة السيارة التي تقود ذاتها. كل قسم يدور في الوقت ذاته حول الفرد والحياة البشرية كلها ودور السيارات في تلك الحياة، وفي حين يبدأ كل فصل بمقالة جافة شبه جادة حول الموضوع المطروح، ما يتلو ذلك بعد المقدمة هي حكايات، خمس عشرة أو عشرون حكاية قصيرة تتراوح ما بين القصص المتخيلة والتقارير حول أحداث حقيقية، والقصص الخرافية، والقصص الرمزية، والأحاجي الفلسفية.
تشير «مقدمة للميكانيكا الذاتية»، مثلاً، إلى الذات البشرية (ذاتية) وتعلم كيفية القيادة احترام قواعد الطريق، بينما ينجح بومغارتنر بطريقة ما في دمج الصراع من أجل تحول الإنسان إلى شخص عاقل أخلاقياً ومحاولة التحول إلى سائق جيد.
«الانهيار في مدينة السيارات» يشير إلى الجسم البشري في حالات متنوعة من التأزم (مرض، تكسر العظام، الجوائح) بالإضافة إلى الصعوبات الميكانيكية التي تمر بها كل السيارات في وقت ما (البنشر، البواجي التي لا تعمل، الكاربوراتورات المتعطلة).
«سباق التدمير» يتتبع ما يحدث للمجتمع حين يتوقف السائقون عن اتباع قواعد الطريق ويؤكدون حقهم الدستوري الذي منحه لهم الإله في الحرية وذلك بتجاوز إشارات التوقف والضوء الأحمر ودهس أي من المشاة يكون في طريقهم.
ليس هناك أي ذكر لـ «لنجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى» أو الخطر الكامن في البيت الأبيض، لكن نوايا بومغارتنر واضحة بما يكفي ولا حاجة إلى مزيد من التعليق.
وتتبع ذلك أمثلة أخرى من أماكن متخيلة تشبه بلفاست وساراييفو ورواندا لكنها لا تحمل أسماء تلك الأماكن.
الفصل الأخير «أسطورة السيارة التي تقود ذاتها» يناقش مستقبلاً يتخلى فيه عدد كبير من السكان طوعاً عن استقلالهم الذاتي بوصفهم أفرادًا متحرري التفكير ويضعون ثقتهم في قوة أعلى (الأرقام)، قوة فيثاغورية بجسد تستحيل بالضرورة على الفهم الإنساني وتكون مفهومة فقط للآلات التي تقودها الأرقام التي سيطرت تدريجيًا على صناعة السيارات.
ينهي بومغارتنر كتابه بقصة حول حادث اصطدام في تكساس حين تتصادم أربع سيارات تسير آليًا وفيها أصحابها النائمون عند تقاطع، بينما تسير هي منطلقة بسرعة تصل إلى ستة وثمانين ميلاً بالساعة فتنفجر متحولة إلى لهب فيؤدي ذلك إلى مقتل الرجال الأربعة الذين نسوا جميعًا برمجة سياراتهم قبل الانطلاق إلى مواعيدهم مع الموت. في الجملة الأخيرة، يا حظ بومغارتنر أن تقرير البوليس الذي سينشر عما قريب سيحدد سبب الكارثة بأنه خطأ بشري.
يرسل المخطوطة إلى مادي لفتون في الخامس والعشرين من نوفمبر، الاثنين الذي يسبق عيد الشكر. مع وصفه لكتابه بأنه تفاهة على التوست، يحذرها بأن المتوقع أن يرفضه موريس هيلر وابنه مايلز بوصفه غير قابل للنشر، لكن العجيب هو أنهما لم يرفضاه وفي منتصف ديسمبر يصفو الجو ويمكن لبومغارتنر أخيرًا أن يركز تفكيره بالكامل على بيب كون بعد أن كانت غريبة تمامًا بالنسبة إليه منذ شهرين فقط، صارت الآن الشخص الأكثر أهمية في حياته. لم يلتقيا بعد ورأى أحدهما الآخر فقط في الصور وعلى الشاشات الرقمية، لكن الحقيقة أن بومغارتنر يحب بياتريكس كون كما يحب ابنته التي كان يود لو أنجبتها هو وآنا معًا لو كان ذلك ممكنًا. لم يخطئ توم نوزويتسكي. كانت بيب تشبه آنا بطرق عديدة وصغيرة ولكنهما غير قابلتين للمحو. ليس ملمحًا بملمح، ربما، لكن في الروح، في الجسم بصورة كلية، في الحيوية التي تشع في حضرة الآخرين. بيب هي تلك التي اعتنقت أعمال آنا بشمولية تفوق أي شخص آخر. ولذلك السبب وحده، تستحق مرتبة الشرف في «قاعة بومغارتنر للمحبوبين»، لكن بعد أن راسلها يوميًا تقريبًا منذ منتصف أكتوبر، وتحدث إليها على الهاتف وراسلها على زوم، فقد شاهد عقلهما يعمل وأدرك أيضًا كم هي ألمعية، ومع ذلك، بل أكثر من ذلك، فإنه يحبها بوضوح ولا يستطيع انتظار مقدمها في الخامس من يناير، بعد واحد وعشرين يومًا من الآن. ثلاثة أسابيع لا نهاية لها، ثلاثة أسابيع قصيرة، لم يعد يدري، لكن لن يمر وقت طويل حتى تنتهي الأسابيع، وبومغارتنر يكاد يفقد توازنه من التوقع، مثل ولد صغير لا يهدأ إذ يعد الأيام التي تنتهي فيها الدراسة ويأتي الصيف.
لكن هناك مشكلة. تخطط بيب لقيادة سيارتها من آن آربر إلى برنسـتون وبومغارتنر بالغ القلق لسبعة وخمسين سببًا مختلفًا. من الممكن لميشيغان وأوهايو وبنسلفانيا أن تكون أماكن مزعجة أوائل يناير، وقطع مسافة تبلغ ستمئة وخمسة عشر ميلاً تتطلب نحو تسع ساعات ونصف، هناك احتمال قوي أن تلقي «بحيرة إيري» إحدى عواصفها الثلجية أو عواصف الجليد أو عواصفها الممطرة التي تسبب التجمد على سيارتها التويوتا كامري الصغيرة ذات العشر سنوات وتحول تلك الستمئة ميل منطقة خطر طويلة. ثم هناك تصميمها على الذهاب وحدها، دون صديق أو رفيق ليعاونها في القيادة أو يساعدها في حالة الطوارئ. يقترح بومغارتنر عليها أن تعيد النظر في خطتها وتسافر بالقطار بدلًا من ذلك، لكن بيب تجادل بأنها ستحتاج إلى سيارتها عندما تصل إلى نيوجيرسي. يقول بومغارتنر إن ذلك غير صحيح لأنه سيسعده أن يعيرها سيارته كلما طلبتها، لكن بيب ترد بالقول إنها لا تريد أن تزعجه بتلك الطريقة، ليُرد بومغارتنر: كلام فارغ! إن كنت لا تريدين استعارة سيارتي سأسجر لك سيارة طوال الزيارة. ما رأيك؟ تقول: لا يمكن. لقد سبق أن أنفقت كثيرًا من المال عليها ولا يمكنها أن تقبل منه أكثر من ذلك. يرد بومغارتنر بسرعة: انسي المال. أستطيع تحمله! وبعد اثنتي عشرة ثانية، جاء الجواب: لا أستطيع نسيان ذلك!
إنهما متورطان في ما اعتاد والده أن يسميه مواجهة مكسيكية. بياتريكس كون اللطيفة يتبين أنها شخص لا يمكن توجيهه، والويل لمن يجرؤ على التشكيك في سلطتها على نفسها أو يفترض إمكانية كبح إرادتها. كان يجد نفسه من وقت لآخر، عبر السنوات في ذات النوع من الخلافات مع آنا، التي قد تواجهه بشكاوى مزعجة لم ينتبه لها وتمضي في الهجوم متصادمة معه بغضب إلى أن يستسلم في النهاية ويتنازل. لم يكن يهم إن كانت مصيبة أو مخطئة، لأنها دائمًا على حق حتى حين تكون مخطئة، وتعلم بومغارتنر سريعًا أن التنازل كان الدفاع الوحيد، فبمجرد استسلامه ينتهي الخلاف ويتلاشى، يزول من الذاكرة خلال ثوانٍ. هل ذلك هو المسار الذي عليه اتباعه مع بيب كون - فقط استسلم ودعها تفعل ما تريد؟ نعم قد يكون الطقس سيئًا في الرابع والخامس من يناير، حين تكون ظروف القيادة مزرية طوال الطريق، لكن هناك احتمالًا مساويًا بأن تمضي في طريقها تحت سماء صافية منذ لحظة انطلاقها حتى لحظة وقوفها أمام بيته في المساء التالي. يستحيل معرفة ما سيحدث، لكنه في المقام الأول لا يريد أن يلِح عليها ويغامر بإفساد الزيارة، الأمر الذي سيحزنه كثيرًا. يدرك بومغارتنر، بما أن لا شيء يعني له الآن أكثر من الأيام والأسابيع والأشهر التي سيمضيان معًا في البيت، حيث يسكن لسنوات تفوق سنوات عمرها. لهذا يتراجع بومغارتنر قبيل الكريسماس ويخبرها بأن تفعل ما تريد ويتمنى لها التوفيق في رحلتها. ولأن الآنسـة كون تدرك بذكائها أن بومغارتنر قد اتخذها ابنة متخيلة وأنه ينظر إليها بوصفها المجئ الثاني لزوجته المتوفاة، فإنها تكاد تعتذر في ردها على تغيير موقفه، ولكن كم هي الحال مع الشابة القادمة من ميتشيغان الآن شبيهة لما كانت عليه مع آنا في الزمن الماضي. لقد مُسحت الذاكرة من الشوائب وها هي الصداقـة تعود كما كانت ومع ذلك فإن بومغارتنر يعود لقلقه بصمت. وليس الأمر مرتبطًا بالطقس وحده فقط، ذلك أن حوادث السيارات يمكن أن تحدث على الطرق الجافة مثلما تحدث على الطرق المبللة أو الطرق المغطاة بالجليد، وبعبور أكثر من ستمئة ميل من الطرق فإن واحدًا من عشرة آلاف شيء يمكن أن يحدث لها في أي لحظة على الطريق. الكريسماس يأتي ويذهب، وبمجيء السابع والعشرين أو الثامن والعشرين، كان بومغارتنر قد مضى في قلقه إلى درجة أنه الآن معرض للسقوط في حالة ذعر. إنه قريب من اليقين بأن أسرار العجلة مسؤول ولو جزئيًا عن الاضطراب المتزايد داخله، لكن كيف له أن يتوقع غير ذلك بعد غرقه المهوس لعامين في كل ما يتعلق بالسيارات، السيارات بذاتها ولكن أيضًا السيارات بوصفها تمثل الذات الإنسانية بالإضافة إلى السيارات وهي تسافر على شبكة هائلة من الطرق السريعة بين الولايات والملايين منها يقوده الملايين من الناس الفرادى منطلقين عبر الليل - المجتمع الأمريكي بإيجاز شديد، "أرض الأحرار" يجري عبورها بعنف طوال خطوط بيضاء تحف إسفلتًا غامقًا مع التزايد الذي لا يهدأ للناس المجانين والغاضبين الذين يتخلون عن قواعد الطريق ليشاركوا في دورات مستمرة من "سباق التدمير"، رياضة "دمّرها" التي تحتل الأولوية في "العصر الجديد". ذلك كان المجاز الرئيس في كتاب بومغارتنر، لكن الآن وبيب كون على وشك قطع خمس القارة الأمريكية في سيارة حقيقية على سلسلة من الطرق الحقيقية ما بين ميتشيغان ونيوجيرسي فإن الرجل العجوز الذي ينتظر وصولها في الخامس من يناير قد تلقى من مخيلته لكمة جبان واحدة ويجد نفسه عاجزًا عن عدم مضاعفة بل وتشويه جدية المخاطر التي تكمن أمامها. ليس لأنه مخطئ بالضرورة بتصور أسوأ الاحتمالات، ولكن الحوادث المميتة هي من الناحية الإحصائية نادرة حين يتأمل المرء الرقم الكلي للأميال التي تساق فيها مايين عديدة من السيارات على الطريق، ولو كان بومغارتنر يفكر بوضوح أكبر، فسيدرك أن ذعره قد تحول الاحتمال النادر لموت بيب على الطريق السريع 80 في وسط بنسلفانيا إلى أمر مؤكد. لكنه لا يفكر بوضوح، ولذلك فإن ساعات صحوه تمضي في حيز ضيق من الرعب الدائم.
ربما يكون الكتاب أولًا، لكنه ليس الأغلب، بما أن بومغارتنر يدرك أن موت آنا له صلة بهذا أيضًا، ذلك اليوم الأخير على شاطئ "كيب كود" حين مضت بعيدًا إلى الماء قبل أن يجد الفرصة لإيقافها. كانت آنا على قدميها حين أعلنت أنها ستذهب لاستحمام أخير، وكان بومغارتنر متمددًا على منشفة يقرأ كتابًا، ولكنها ضحكت عليه على الرغم من إخباره إياها بأن الوقت قد تأخر وأن عليهم العودة إلى البيت، وكانت قد بدأت تجري حين تمكنت من الوقوف، بعيدة عنه بما يكفي لأنه يعجز بكل الطرق الممكنة على الأرض عن اللحاق بها. لم يكن هناك وقت كافٍ. لكن مع بيب هناك ما يكفي من الوقت، أكثر من شهر لإقناعها بترك سيارتها في ميتشيغان وركوب القطار بدلًا من ذلك، ومع ذلك فإن كل محاولاته انتهت إلى لا شيء، والآن لم تعد هناك فرصة، وإن حدث لها شيء على الطريق بين هناك وهنا، فهو يشعر أن ذلك ستكون نهايته. حتى هذه اللحظة من حياته لم تخطر بباله فكرة كتلك، لكن ما لم تصل بيب كون إلى بيته سالمة وخالية من الأذى، فإنه يشعر في قرارة نفسه أنه سيموت.
تحدثا طويلًا على الهاتف في الثالث من يناير. يفعل بومغارتنر كل ما يستطيع للسيطرة على مخاوفه، ذلك أن بيب في حالة معنوية عالية في ذلك العصر، مجهزة وجاهزة للانطلاق صباحًا، وآخر ما يريد بومغارتنر أن يفعله هو إفساد سعادتها بتنبؤاته السوداوية. إنه يحدثها بدلًا من ذلك عن التنبؤات الواعدة للطقس غدًا (أواسط الثلاثينيات، غائم جزئيًا، احتمالات المطر عشرة بالمئة) ويسألها متى تعتقد أنها ستصل إلى بتسبرغ، وهي منتصف رحلتها على الطريق، حيث تخطط لقضاء الليل عند أصدقاء والديها، وهما زوجان عالمان من الباحثين في جامعة كارنيغي ميلون. من الصعب التنبؤ بذلك بالتأكيد، تقول بيب، لأنها ستخرج للعشاء الليلة مع مجموعة أصدقاء في آن آربر، ويعتمد الأمر كله على مدة اللقاء ومتى ستأوي إلى الفراش، الأمر الذي سيحدد هل ستصحو متأخرة أو مبكرًا في الصباح وبالتالي هل ستكون في سيارتها متأخرة أم مبكرًا للانطلاق إلى بتسبرغ. يدخنان في واحدة من أكثر المحادثات العادية التي يمكن تخيلها، لكن بومغارتنر كلما سمع بيب تتحدث، فإنه يشعر بقلق أقل حول رحلتها غدًا وفي اليوم التالي، ويعود ذلك دون شك إلى أنه حتى الكلمات الأكثر عادية التي تأتي من فمه ممزوجة بخاصية ساحرة ومتعلية تجعلها تبدو بأهمية سونيتة لشكسبير أو مقدمة ل "إعلان حقوق الإنسان". كانت تلك الخصلة لدى آنا أيضًا، ليس فقط في صوتها ولكن حتى في قدرتها على تحويل أكثر حركات الجسد عادية إلى أفعال سامية من التعبير الذاتي والجمال، أناقة التعبير في أصابعها وهي تقلب صفحات الكتاب، مثلًا، أو الاستدارات الرفيعة لرسغها وهي تطوي منديلًا أو منشفة - أكثر الإيماءات البشرية بساطة وعادية تشع مثل معجزات في تشكيل الذات الإنسانية إذ تتقد. آنا بلوم وبياتركس كون، مثل ختام كتابين في حياته، يقول بومغارتنر لنفسه، وبقدر ما يتمنى لبيب رحلة سلسة وخالية من المتاعب غدًا، فإنه يحجم عن قول الشيء الواحد الذي يتمنى من كل قلبه لو قاله بعد ذلك: سوقي بعناية، أتوسل إليك. يبذل جهدًا خارقًا لكي يتفادى قول تلك الكلمات، لكن مع ذلك فإن بيب تبدو كما لو أنها تسمعها على أي حال، فها هي ذا تبدأ بالضحك بمجرد تفاديه قولها لتقول له: لا تقلق يا سي، أعدك بأن أسوق سيارتي بانتباه.
إنها الواحدة والنصف من ليلة الثالث من يناير 2020. وضع بومغارتنر سماعة الهاتف للتو، والسؤال الذي يحتاج إلى إجابة الآن هو ماذا سيفعل بنفسه بقية اليوم، ناهيكم بالغد واليوم التالي أيضًا. إنه لا يتوقع أن يسمع منها مرة أخرى حتى تصل إلى منزل أصدقاء والديها في بتسبرغ - على افتراض أنه لن يحدث لها شيء في المرحلة الأولى من الرحلة - لكن إن مضى كل شيء على ما يرام، ستكون هناك ست وعشرون إلى ثمان وعشرون ساعة من الآن قبل أن تصل إلى هناك، ومن يدري إن كانت ستتذكر الاتصال به حين تصل؟ لم يضع بومغارتنر خططًا، ويشعر بأنه متوتر بصورة لا تسمح له بتصفح أوراق آنا مرة أخرى أو العمل على أي شيء آخر. قد يفيده المشي إلى حدٍّ ما، كما يظن، لكن الجو بارد إلى حد التجمّد اليوم، وإن أراد أن يخرج ويتحرك قليلًا، فإن الحل المريح الوحيد هو أن يفعل ذلك بالسيارة. وليكن، يقول لنفسه، سيقود سيارته إلى محل بيع المشروبات الكحولية ويخزن مزيدًا من الخمور ويشتري صندوقًا آخر من النبيذ، وإن لم يستطع التفكير في شيء آخر بعد ذلك، سيتصل ويرى إن كان من الممكن دعوة أحد من أصدقائه الليلة إلى عشاء طارئ في مطعم.
هكذا يتكوم بومغارتنر في أكثر ملابس الشتوية دفئًا وأكثـر معاطفه الشتوية دفئًا، يذهب إلى الكراج ويركب سيارته السوبارو كروسترك ذات الأعوام الأربعة، وهو موديل هجيني تسير حينًا بالبنزين وحينًا بالطاقة الكهربائية المتولدة من بطارية. حين يشغل بومغارتنر المحرك ويقود السيارة بعيدًا عن المنزل يتبين له أنه ليس بحاجة إلى الذهاب إلى المدينة أو الإضافة إلى مخزونه من النبيذ والمشروبات الروحية أو لقاء غير مرغوب فيه لشخص يعرفه لكنه لا يهمه فيرغمه ذلك على دقيقتين أو ثلاث لا تنتهي من تبادل التحيات الفارغة، لذا بدلًا من التوجه نحو العالم المألوف في منطقة التسوق، يلتف بومغارتنر إلى الاتجاه المعاكس، ثم لا يلبث حتى يتجه جنوبًا، بعيدًا عن الطرق التجارية المكدسة والأنوار التي تؤشر، نحو الريف المفتوح، مكان خالٍ إلا من منازل قليلة وطرق تتضاءل باستمرار. يعتقد أنه يقترب من منطقة اسمها "باين بارنز" لكنه ليس متأكدًا تمامًا، نظرًا للسنين العديدة التي مرت منذ انطلق هو وآنا بعد ظهر يوم أحد لاستكشاف هذه المنطقة الخالية بصورة غامضة ولم يعد يتذكر التفاصيل، ما عدا أنهما توقفا في مكان ما ليتناولا غداء نزهتهما وأنهما ما إن فرشا سفرتهما على الأرض الرملية ونظر إلى وجه آنا الجميل المشع، تدفق عليه شعور بالسعادة كان من القوة بحيث أن الدموع بدأت تتجمع في عينيه وقال لنفسه: تذكر هذه اللحظة، أيها الرجل الصغير، تذكرها بقية حياتك، فلن يحدث لك أبدًا شيء أهم مما يحدث هذه اللحظة.
يتذكر تذكره للشعور وحمله إياه معه لعدة أعوام بعد ذلك، لكن تفاصيل المكان حيث شعر بتلك الأشياء تبخرت في الغالب من ذهنه، وذلك إلى درجة أنه ليس متأكدًا أنه عاد إلى تلك البقعة أو إن كان في مكان آخر. كم مضى عليه منذ ركب سيارته وترك البيت؟ أربعون أو خمس وأربعون دقيقة، كما يظن، ليس أكثر من ذلك، لكن كان النور قد بدأ يتغير بما أن هذه هي الأسابيع التي تتلو مباشرة الانقلاب الشتوي والنهار لا يزال قصيرًا، دائمًا قصيرًا، وبينما يستدير مباشرة باتجاه شريط ضيق من الطريق يشق حشدًا من أشجار الصنوبر، يلمح بزواية عينه اليسرى شيئًا ما، وها هو ذا هناك، إنه غزال يقفز من الأحراش على الجانب الأيسر من الطريق، وهكذا دون أي تردد ينحرف بومغارتنر إلى اليسار ويتفادى الاصطدام بالغزال، الذي كان قد عبر الطريق واختفى في الأحراش على الجانب الآخر. يوقف بومغارتنر السيارة للحظة متريثًا بعد ذلك الاقتراب الشديد متعجبًا من سرعة ردة فعله وهو في الثانية والسبعين لكن مفاجأة الحدث هزته من الأعماق مع ذلك، الحدث الذي استغرق من ثلاث إلى أربع ثوانٍ من البداية حتى النهاية. في النهاية يشغل السيارة مرة أخرى ويواصل السير، مارًا في إحدى النقاط بمنزل وبعده بمئات قليلة من الياردات منزل آخر، لكن بقدر ما يحس بأن الوقت قد حان لبدء العودة إلى البيت فإن عليه أن يجد تقاطع طرق يسمح له بالالتفاف إلى اليسار أو اليمين ويبدأ بالاتجاه شمالًا. لذا يواصل السير باحثًا عن فتحة صغيرة بين الأشجار على جانب الطريق لكي يستدير ويعود عبر الطريق نفسه الذي قطعه من الاتجاه المقابل، لكن قبل أن يتبين أي فتحة بين الصنوبر، يأتي غزال آخر من الأحراش، هذه المرة من الجانب الأيمن للطريق، ولو التفت بومغارتنر إلى اليسار فسوف يصدم الغزال لذا ينحرف إلى اليمين، يتفادى الغزال، يزحف على حافة الطريق ويصطدم بشجرة. كان يسير ببطء، ليس أكثر من ثمانية وعشرين أو ثلاثين ميلًا في الساعة، لكن التأثير مع ذلك مفاجئ وعنيف، ومع أن بومغارتنر يربط حزام المقعد فإنه ينقذف إلى الأمام وتضرب جبهته بالمقود بقوة تكفي لشق الجلد ونزول خيط من الدم نحو عينه اليمنى. لسبب ما لم ينفتح كيس الهواء. خلل ربما، أو أن اصطدام السيارة بالشجرة لم يكن قويًا بما يكفي لتشغيل الآلية. بومغارتنر في وعيه ولا يحس بألم. ومع ذلك فإنه يشعر بالذهول لما حدث، بينما هو يمسح الدم بمنديله، يتعجب من أن جرحًا أنتج كل هذا الدم لا يسبب سوى قليل من الألم - في الواقع، لا ألم مطلقًا. على مدى الدقائق التالية القليلة، يظل في مقعد السائق دون حراك، يفكر فيما عليه أن يفعل. قرر تفحص السيارة أولًا، وإن لم يكن هناك تلف كبير ولا تزال السوبارو تعمل فسيركبها ويستدير ثم يعود إلى برينستون. يخرج في البرد، في الهواء البارد ويكتشف أن الإطار المعدني في مقدمة السيارة مطعوج بقوة. ليس ذلك سببًا لإحداث صعوبات ميكانيكية، كما يرى، لكن حين يعود إلى السيارة ويدير المفتاح لا شيء يحدث. البطارية صامتة، المحرك صامت، انهيار حقيقي وربما دائم في قلب مدينة السيارة، ولأن بومغارتنر لا يعرف شيئًا عن الميكانيكا ولن يتمكن من إصلاح المشكلة بنفسه، يتوصل إلى أنه ليس أمامه سوى رفع ياقة معطفه وإدخال يديه في جيوبه والبدء بالمشي عبر الضوء الشتائي المعتم نحو البيوت التي مر بها من قبل. وهكذا، بينما تضرب الريح وجهه والدم ينزف من جرحه، سار بطلنا باحثًا عن المساعدة، وحين يأتي إلى البيت الأول ويطرق الباب، يبدأ الفصل الأخير من ملحمة س. ت. بومغارتنر.
الفصل السابق