ملخص: في الفصل الرابع، يتم التركيز على التحديات التي واجهها بومغارتنر في عمله وعلاقاته الاجتماعية، مع تعمق في تفاصيل حياته اليومية والمواقف الغريبة التي تعكس شعوره بالوحدة وعدم الانتماء. يعكس الفصل محاولاته لإعادة بناء حياته من خلال التفاعل مع أصدقائه وزملائه، بالإضافة إلى تعامله مع ذكرياته المؤلمة وقراراته المترددة بشأن الماضي والمستقبل. يظهر السرد شخصية بومغارتنر كإنسان حساس يسعى لتحقيق السلام الداخلي رغم صراعاته النفسية والاجتماعية.
بعد سنة وشهر، يجلس بومغارتنر إلى نفس المكتب في نفس الغرفة حائرًا حول إن كان عليه أن يحتفظ بالجملة التي كتبها للتوأم أو يحذفها ويبدأ مرة أخرى. يحذفها، لكن قبل أن يبدأ من جديد، يرفع نفسه من الكرسي، يمشي نحو الشباك المفتوح، وينظر أسفل نحو الفناء الخلفي. إنه عصر بديع مشمس في منتصف سبتمبر، أحد تلك الأيام اللامبالية التي تمسك بك من تلابيبك وترفسك خارج البيت، ولذا بدلًا من العودة إلى مكتبه ومعركة الجملة للمرة الثالثة أو الرابعة، يستسلم بومغارتنر لإغراء الطقس ويترك الغرفة متجهًا إلى الفناء الخلفي، حيث يجلس على أحد كراسي الحديقة متوسِّطًا ما بين الجلسة الخارجية وشجرة القرانيا. يربت على الجيب الأيسر من قميصه ويكتشف أنه فارغ. النظارة الشمسية ليست معه. لابد أنه تركها في الغرفة أمس، ولكن مع أن الضوء شديد السطوع هذا العصر، فليست لديه رغبة في تسحيب قدميه إلى المنزل للبحث عنها. في يوم كهذا، يقول لنفسه، من الأفضل ترك الشمس تقوم بعملها في إضاءة العالم وأن تحمل كل شيء إلى الداخل بعينين عاريتين وبحماية.
يتطلع إلى الأعلى بشبه إغماضة في الهواء بينما يعبر فوقه طائر. يحدث نفسه: يا لها من سحب بيضاء ملصقة على كل تلك الزرقة، الزرقة التي لم تضاهها زرقة سماء رآها منذ أعوام. يفكر: كم هي رائعة. الأرض مشتعلة، العالم يحترق، لكن ثمَّة أيام تبقت مثل هذا اليوم وبإمكانه الاستمتاع به طالما أتيح له ذلك.
من يدري إن كان هذا هو اليوم الجميل الأخير الذي سيراه – أو اليوم الأخير بالمطلق؟ ليس أنه يتوقع أن يسقط ميتًا قبل أن تستيقظ الطيور غدًا صباحًا، لكن الحقائق حقائق، والأرقام لا تكذب. إنه في الواحد والسبعين الآن وفي الأفق عيد مياد قادم موعده بعد ستة أسابيع، وبمجرد دخولها في تلك المنطقة من التقلص تنتهي كل الرهانات.
ينظر بومغارتنر إلى الأسفل وفي نيته دراسة العشب عند قدميه، لكن ما إن ترحل عيناه إلى الجنوب حتى تتعثر الرحلة بمنظر الكرش البارز من حيث كان ذات يوم بطنًا مستويًا وبسحاب البنطلون الذي لم يكن مسحوبًا كما ظنه، كان مفتوحًا على الآخر. يصاب بومغارتنر بالذعر. ليس مرة أخرى! يصرخ بينه وبين نفسه. استمر على هذه الطريق أيها الأحمق ولن يطول الوقت قبل أن تنسى اسمك.
في السابق، حين كان ما يزال في الأربعينيات وأوائل الخمسينيات، بدأ يا لحظ أن العديد من أصدقائه وزملائه الأكبر سنًا كانوا ينسون إغلاق سحاباتهم بعد ذهابهم إلى دورة المياه، أولئك الذين ابيضت شعورهم ممن هم في أوائل السبعينيات وأوائل الثمانينيات الذين يعودون إلى مقاعدهم على طاولة المطعم لا يشعرون بالأبواب المفتوحة تحت أحزمتهم. في البداية كان بومغارتنر يستمتع بتلك الأخطاء البسيطة. ثم صار يشعر تجاهها بمزيج من المتعة والحزن. ثم صار حزينًا وغير مستمتع إطلاقًا، لأنه شاهد ما يكفي من تلك ليدرك أن السحاب المفتوح هو بداية النهاية، الخطوة الأولى على طريقك المنحدر عبر التلة إلى قاع العالم. والآن وقد بدأ ذلك يحدث له – أربع مرات على مدى أسبوعين – فإنه يتساءل عن عدد الأشهر أو السنوات التي تبقت قبل أن يصبح عضوًا كامل العضوية في النادي.
يخطر بباله أنه لا يمكن فعل شيء، لا شيء أبدًا. فقدان الذاكرة القصير المدى جزء حتمي من التقدم في العمر، وإن لم يكن نسيان سحب السحاب، فسيكون المشي في المنزل بحثًا عن نظارة القراءة بينما أنت تمسكها بيدك، أو النزول إلى الطابق الأسفل للقيام بمهمتين صغيرتين، استعادة كتاب من غرفة الجلوس وصب العصير في كأس بالمطبخ، ثم العودة إلى الطابق الثاني بالكتاب دون العصير، أو العصير دون الكتاب، أو دونهما جميعًا لأن شيئًا ثالثًا شتت انتباهك في الطابق الأرضي وعدت إلى الطابق الأعلى خالي اليدين، نسيت لماذا نزلت إلى الطابق السفلي ابتداءً. ليس الأمر أنه لم يفعل تلك الأشياء حين كان شابًا، أو لم ينس اسم هذه الممثلة أو ذاك الكاتب أو يغيب عنه اسم وزير التجارة، لكن كلما كبر الإنسان ازداد حدوث هذه الأشياء، وحين تتكرر في الحدوث إلى درجة أنك لا تكاد تعرف أين أنت ولا تستطيع متابعة حالتك في الوقت الحاضر، ستكون انتهيت، حيًّا لكنك انتهيت. اعتادوا أن يسموه خرف (senility). الكلمة الآن تدهور عقلي (dementia)، لكن مهما يكن، يعرف بومغارتنر أنه حتى إن انتهى به الأمر إلى تلك الحالة، فلا يزال الطريق طويلًا. لا يزال قادرًا على التفكير، ولأنه يستطيع التفكير، فإنه يستطيع الكتابة، ومع أنه يحتاج إلى وقت أطول لإنهاء جمله، فإن النتائج هي نفسها تقريبًا. جيد. جيد أن أسرار العجلة تحقق تقدمًا، وجيد أنه توقف عن العمل في وقت مبكر اليوم وأنه يجلس في الفناء الخلفي في فترة العصر الرائع، تاركًا أفكاره تنزلق حيث شاءت، ومع كل هذا الدوران حول مسألة الذاكرة القصيرة، يبدأ يفكر بالذاكرة الطويلة أيضًا، ومع تلك الكلمة طويلة تبدأ صور من الماضي البعيد تومض في زاوية قصية من ذهنه، وفجأة يشعر بما يحثه على البدء بشق طريقه بين الشجيرات الكثيفة في المكان لمعرفة ما يمكنه اكتشافه هناك. وهكذا بدلًا من أن يمضي في التطلع إلى السحب البيضاء والسماء الزرقاء والعشب الأخضر، يغلق بومغارتنر عينيه، يدفع ظهره للخلف في كرسيه، يميل بوجهه تجاه الشمس، ويقول لنفسه استرخِ. العالم شعلة حمراء تحتراق على سطح جفنيه. يواصل التنفس شهيقًا وزفيرًا، شهيقًا وزفيرًا، يدخل الهواء عبر منخريه ويخرجه عبر شفتيه نصف المفتوحتين، ثم، بعد عشرين أو ثلاثين ثانية، يقول لنفسه تذكر.
أولى الذكريات التي تعود رحلة عائلية إلى واشنطن في ربيع 1956، المرة التي استطاع فيها والداه المنهكان من العمل أن يستجمعا قواهما لمدة تكفي لرحلة خارج حدود نيوارك، المرة الأولى التي ينام فيها أعضاء أسرة بومغارتنر الأربعة في مكان غير شقتهم في شارع ليونز، الواقعة مباشرة فوق مقر عمل والديه، "أزياء تروكاديرو"، محل الملابـس الذي لم يكن يحقق سوى ربح هامشي والذي يلبي احتياجات نساء الطبقة الوسطى والدنيا في الحي. كانت سن بومغارتنر ثماني سنوات ونصف، وكانت نعومي لم تبلغ الخامسة بعد. عند الساعة السابعة من صباح الجمعة، الذي كان اليوم الوحيد الذي سمح فيه لبومغارتنر أثناء طفولته بأن يتغيب عن المدرسة، علق والده إعلانًا على باب "أزياء تروكاديرو" تقول: "نعود الاثنين". بعدها تكوم أربعتهم في السيارة الشيفرولية الزرقاء ذات الطعجة التي خرجت من خط التجميع في كلينكرسفيل عام 1950، وانطلقوا نحو عاصمة البلاد في صباح مشرق في سمائه سحب بيضاء وسماء زرقاء تحول إلى عصريّة تشبه هذه بطريقة غريبة، وهو ربما ما يفسر تذكر بومغارتنر تلك الرحلة الآن. بمجرد وصولهم دخلوا فندقًا (نسي الآن باستثناء أل التعريف التي تسبق الاسم)، والذي كان أول فندق نام فيه هو وأخته، وحسب ما ذكرت أمه، كان أول فندق ذهبوا إليه مع والده منذ شهر العسل في "الكاتسكيل" قبل ثلاثة عشر عامًا. بالنسبة إلى نعومي، التي كان رأسها في ذلك الوقت مليئًا بحكايات للأميرات الجنيات، والسحرة الشريرين، والخطّاب من الشبان الأبطال الذين يلبسون الضيق والقبعات المخملية، كان الفندق كبيرًا ومتلألئًا إلى حد أنه كان وبكل تأكيد قصرًا مسحورًا، حتى إن بدا المكان لعيون بومغارتنر الأقل اندهاشًا رثًا ومستهلَكًا، بسجاد بالٍ وبقع مائية على سقف الحمام.
كانت الساعة قد تجاوزت الثانية بقليل. وقفة قصيرة بينما هو ووالداه ينزلون حقائبهم ونعومي تجري هنا وهناك بين الغرف المتداخلة وترمي بنفسها على الأسرّة، ثم خرجوا لاستكشاف المناظر في ذلك الطقس الجميل في شهر مايو، قبة الكابيتول، البيت الأبيض، مبنى المحكمة العليا، أشجار الكرز المزهرة، ساحة "المول"، النصب التذكاري، الذي قُدس في كرسيه الرخامي الهائل، ولكن بينما سار أربعتهم عبر شوارع المدينة، كان توتر أخته يزداد، تصير أكثر انزعاجًا حول شيء ما إلى أن انفجرت باكية. صرخت: "أريد الذهاب إلى واشنطن!" لكنك الآن في واشنطن، قال لها بومغارتنر ووالداه. انظري حولك. كل ما ترينَه هو واشنطن. لا، أصرت، والدموع تنهمر على وجهها، ليس هذه واشنطن – واشنطن الحقيقية! لم يفهم أحد ما كانت تقصد. ولأنه لم يجد طريقة لطمأنتها، التقطها أبوها وحملها في ذراعيه لكي يواصلوا المشي. بعد دقيقتين نامت، وحين عادوا إلى الفندق بعد ساعة ونصف، صحَت أختُه بعد ثوانٍ فقط من دخولهم الباب. نظرت إلى الردهة حولها وابتسمت. قالت: "هذا أفضل. الآن عدنا إلى واشنطن الحقيقية."
لكم أعجبت به حين كانا صغيرين، الأخ الكبير الذي يرعاها ويناقشها ويطمئنها أثناء العواصف المزاجية التي تهزها من الأعماق والتي كانت تعصف بها كل فترة فتخرج عن طورها. كان يسليها بالحكايات عن الناس الخفيين الذين يعيشون على كتفه اليسرى ولا يتوقفون عن إزعاج فاعلي الشر المخيمين على كتفه اليمنى، عن سي الهائل القوة الذي يستطيع فعل المعجزات وحمايتها من مصائب العالم. كيف كانت تعده مثالًا يُحتذى عندئذٍ، وكيف، شيئًا فشيئًا، تخلت عنها حين تجاوز طفولته ووقع في مراهقته، متوصلاً ببطء إلى النتيجة القاتمة أن البيت ليس أفضل مكان له، أنه كره الشقة المتهالكة القبيحة ومحل الملابس.
البائس في الأسفل، وأنه لذلك هام بعيدًا عنهم وربط نفسه بعالم أصدقائه الذي لم يمض وقت طويل قبل أن يصبح عالمًا يتجاوز نيوارك، ذلك أن سي المحظوظ كان تلميذًا ذكيًا إلى درجة أنهم سمحوا له بتجاوز سنة دراسية حين كان في الثانية عشرة، ولأن عيد ميلاده يقع في نوفمبر، تخرج من "ثانوية ويكيواهاك" حين كان في السادسة عشرة وغادر بعيدًا إلى الأراضي المنبسطة من ريف أوهايو في منحة دراسية مدتها أربع سنوات في "كلية أوبرلين" التي مر عليها مرورًا في ثلاث سنوات ونصف، تاركًا نعومي ذات الثانية عشرة لتدافع عن نفسها في الشقة البائسة فوق محل الملابس، وهكذا حدث أن الأمير المعطاء في طفولتها المبكرة تحول إلى ضفدع كريه لا رحمة في قلبه.
إنه لا يلومها لاستيائها منه، لكنه كان أصغر وأكثر انشغالًا بحياته الخاصة ليشعر بالمسؤولية تجاه المخلوقة الصغيرة، الهشة والحادة المزاج التي صادف أنها تشترك معه في نفس الأبويين والتي في السنة الثالثة خصصت لها غرفته مما اضطره إلى النوم على أريكة قابلة للطَي في غرفة الجلوس وأن ينجز واجباته في مكتبة المدرسة أو في بيت ديكي بيرنباوم أسفل البلك. في نهاية الأمر، لم يكن هناك أحد يراقبه حين كان في سنها، وبدا له أنها ستستطيع أن تدير شؤونها بنفسها أيضًا. كان على حق من ناحية، ومخطئ من ناحية أخرى. محق من حيث إنها كبرت لتصير عصابية حادة المزاج من النوع الشائع وليس امرأة مجنونة تهذي، ومحق من حيث إنها كانت ذكية بما يكفي للذهاب إلى الجامعة وجميلة بما يكفي لاجتذاب رغبات الشبان على اختلافهم، وقد تزوجها أحدهم في نهاية المطاف، ولكنه مخطئ من ناحية أنه لم يفلِت من شعورها بالعداء تجاهه، هو المعتد بنفسه ومنحته الدراسية وسنته الجامعية في باريس، الأستاذ العارف بكل شيء الذي رسب في الاختبار البدني للخدمة العسكرية اعتمادًا على تشخيص مزور بأن لديه صوتًا ضعيفًا في القلب، وسمح له بالذهاب إلى أماكن غير معروفة، ينطنط في أنحاء البلاد ويقوم بأعمال متنافرة على مدى الأشهر السبعة التالية – مساعد نجار في ميسولا، موظف نقل في سانت بول، غاسل صحون في شيكاغو، دهان منازل في تشارلستون – دون أن يرسل شيئًا ما عدا بطاقة بريدية بالمناسبات، ثم طالب دراسات عليا في كولومبيا مع سنة أخرى في باريس ورسالة حول ميرلو "الذي تصعب معرفة بقية اسمه"، كما لو أن أحدًا سيدفع شروى نقير لفيلسوف فرنسي ميت، ثم وظيفته السهلة أستاذًا مساعدًا في "المدرسة الجديدة"، بينما هي، الأخت الصغرى الأقل مستوى، التي تخرجت في كلية الولاية للمعلمين في مونتكليير ومعلمة أطفال في الحادية عشرة والثانية عشرة، كانت تحارب على جبهة الحياة الحقيقية، لا تتمشى في كل مكان رافعة رأسها في السحاب وتدعي أنها مثقفة عظيمة. يقول لها بومغارتنر، يقول ويكرر: على عكس ما قد تظنين يا نعومي، أنا أشاركك الرأي. من دونك لم يكن المستقبل ليتحقق. من دوني، كان المستقبل سيعتني بنفسه. لا مجال للمقارنة. كانا معلمًا، صحيح، لكن وظيفتك أكثر أهمية بكثير من وظيفتي. فترد نعومي: ها!
يتوقف بومغارتنر في منتصف الفكرة ويسأل نفسه عمَّا يعمل بحقه الجحيم. لماذا يعود إلى الماضي ويهزم ذلك الحصان الميت في حين أن المفترض به أن يزحف في الغابة واليد مدمة ولعبة في شكل مجرفة يحفر بها كنوزًا صغيرة من العصر الحجري.
تخرجه من الثانوية تبخر تمامًا الآن، على سبيل المثال، ولون دراجته الأولى انمحى، ولم يتبق شيء يذكر بأحد من التلاميذ الذين جاءوا إلى درسه الصباحي المبكر حول ما قبل السقراطيين (ثلاث مرات في الأسبوع في الفصل الدراسي الأول في "المدرسة الجديدة")، لم يبق حتى اسم واحد، أو وجه واحد، لكنه يتذكر البنت الصغيرة في القطار منذ نصف قرن وفكر فيها مئات المرات منذ ذلك الحين. لماذا تلك الفتاة، التي لم يتحادث معها، وليست أي من الأربعة عشر أو الخمسة عشر طالبًا؟
كان نهاية الوقت الذي قضاه على الطريق، الأشهر الوعرة من الصمت، العمل البدني، وتحليل الذات الذي لا يهدأ، في نهاية صيف 1968، سنة النار والدم التي تذكر بسفر الرؤيا، السنة التي عاشت فيها أمريكا انهيارًا عصبيًا جماعيًا، وها هو ذا هناك مسافر من تشارلستون إلى نيويورك على قطار رخيص لنقل الحليب يستغرق أربعًا وعشرين ساعة من البداية حتى النهاية مع وقفات في كل بلدة تافهة على الطريق. بعد ست أو سبع وقفات منذ صعد القطار، صعدت الفتاة الصغيرة مع أمها، كانهما بلباس تخيل بومغارتنر أنه يلبس للكنيسة يوم الأحد، كنيسة للسود في هذه الحالة، لأن الفتاة وأمها كانتا من السود، من السود الجنوبيين في وقت كانت فيه قوانين جم كرو. ما تزال تتنفس على الرغم من الإعانة عن وفاتها من الناحية القانونية، وأن تصعد إلى قطار مختلط عرقيًا ولعدة ساعات تحت النظرات المتفحصة للبيض تطلب منك أن تبدو كأفضل ما تكون وأن يكون سلوكك في أعلى مراتب الوقار والهدوء.
جلستا في مقعديهما يفصل بينهما عن بومغارتنر صفان على الجانب الآخر من الممر. ولأن الأم والفتاة كانتا تواجهان الجنوب وبومغارتنر الشمال، كان يمكنه رؤيتهما بوضوح طوال رحلتهما التي، إن لم يكن مخطئًا، انتهت في واشنطن بعد تسع أو عشر ساعات. لا يتذكر إن كان قد أحضروا طعامًا أو إن كانوا قد توقفوا لتناول الطعام أثناء الطريق، لكن ما يتذكره هو أن الفتاة الصغيرة كانت ترتدي قفازًا أبيض، بياضه ناصع كبياض السحب التي تتحرك في الأعالي في تلك العصرية، وقفازات بيضاء نقية، وفساتين حفلة منشّأة ومكوية، نسي لونه الآن، وجوارب بيضاء قصيرة. حذاء ميـري جين على قدميها، شخص صغير مرتب بطريقة تثير الإعجاب، دلالة على العناية الدقيقة التي تلقاها هذه الطفلة من أمها.
لكن الأكثر إثارة للإعجاب بالنسبة إلى بومغارتنر كان الانضباط الذي حافظت عليه الصغيرة طوال الرحلة، جالسة دون حركة ويدها مثنيتان على حضنها طوال تلك الساعات، كتفاها إلى الخلف، ظهر مستقيم، جلسة منتصبة بصورة رائعة. تدير رأسها بين الحين والآخر لتنظر عبر النافذة، تهمس أحيانًا في أذن أمها، وتستمع أحيانًا إلى أمها وهي تهمس بشيء في أذنها وتجيب بإيماءة أو هزة رأس أو بابتسامة. لم تكن معها دمية، أو كتاب، أو لعبة لتجذب انتباهها عن الملل الناتج عن حركة القطار البطيئة؛ ما يعني أنها لم تفعل شيئًا سوى
الجلوس والتطلع إلى منتصف المسافة أمامها، إما أنها تفكر أو تحلم أو تتأمل بذات الطريقة التي طالما فكر بها بومغارتنر وحلم وتأمل، دون أن تتململ كما كانت نعومي ستفعل في ذلك العمر، دون أنين أو شكوى كما كانت نعومي تفعل باستمرار حين كانت في ضعف عمر الفتاة. وبينما كان بومغارتنر يدرس هذه الطفلة الاستثنائية، سأل نفسه إن كانت تفعل ذلك بسبب الكبرياء أو الخوف أو بسبب الاثنين معًا. لا شك أن أمها قد وجهتها حول الطريقة الصحيحة للتصرف أثناء الرحلة، لكن من المستحيل معرفة إن كانت تلك التوجيهات قد صاحبها تهديدات بأن نتائج وخيمة تنتظر إذا لم تتصرف كما يُفترض، جلد ربما أو شكل آخر من أشكال العقاب، أو، وهو الأقرب كما شعر بومغارتنر، لأن المرأة بدت له أمًا حنونًا، امرأة حذرة بسبب الظروف لكنها مع ذلك أم حنون تدرب ابنتها على العيش في الواقع الأمريكي بالنموذج كما بالكلمة. ولأن الفتاة شديدة الإعجاب بأمها وأرادت أن تقلدها في كل شيء، شعر بأنها فعلت ما طلب منها دون مناقشة، ولكن أيضًا دون خوف. في النهاية، أسندت الفتاة رأسها إلى كتف أمها، أغمضت عينيها، ونامت. وضعت الأم ذراعها حول ابنتها، نظرت إليها لحظة ثم أدارت رأسها نحو النافذة وتأملت المشهد الذي يمر طوال الطريق حتى واشنطن.
بعد سنتين، كان هناك طفل آخر على قطار آخر، وكان هذه المرة ولد في العاشرة أو الحادية عشرة، وكان القطار تحت الأرض، مترو باريس ينطلق داخل النفق في طريقه من مكان إلى مكان آخر لا يتذكره الآن، ولا يتذكر أي وقت من السنة أو أي ساعة من اليوم، مع أنه يظن أنه كان بداية المساء لأن العربة كانت ممتلئة إلى حد كبير وتزداد ازدحامًا بعد كل توقف. وكان بومغارتنر أثناء ذلك مزروعًا على أحد المقاعد بينما العديد من الركاب الآخرين على أقدامهم، متمسكين بالقضبان والأحزمة السقفية. عربة مترو قديمة وكثير الضجيج بعجلات معدنية تصدر أصوات احتكاكٍ أثناء سيرها على القضبان الحديدية وبأبواب جميلة مصنوعة من الخشب المكسو بالورنيش لها مقابض فضية لا بد من دفعها بالمسكة لفتح الباب. ما زال بإمكانه رؤية تلك الأشياء، الإحساس بها – أشياء ضئيلة الأهمية لكن يتعذر محوها من ماضٍ لم ينمحي وماضٍ انمحى.
لا بد أنه تطلع إلى الأعلى أثناء قراءته الكتاب أو الصحيفة التي بيده، ذلك أنه اكتشف في لحظة ما أنه كان ينظر إلى الولد وأبيه اللذين كانا يقفان أمامه مباشرة عند أحد القضبان وجهًا لوجه، واقفين صامتين معظم الوقت، مع أن أحدهما كان يميل إلى الأمام ويقول شيئًا للآخر، لكن عجلات القطار كانت أعلى من أن تسمح لبومغارتنر بتبين الكلمات التي كانا يقولهما. الولد الذي كان في العاشرة أو الحادية عشرة كان وسيمًا، ذا حجم متوسط، لا هو بالهزيل ولا الممتلئ، لا هو بالأسمر ولا الأبيض، عمل تحت الإنجاز، بدا أنه ولد عميق، وحسن السلوك، في رحلة مع أبيه، ومن نظرات عينيه، بدا لبومغارتنر أنه التقط ما يلمح إلى رضا هادئ، ما يوحي بأن خروجه وحيدًا مع أبيه كان حدثًا نادرًا. أما الأب نفسه، فقد بدا أنه أكثر من كتلة من الجلد البشري، رجل ذو بطن لين، ووجه رمادي كان يمكن أن يكون موظفًا صغيرًا أو موظف بنك أو عامل مكتب من نوع ما، ذلك النوع الممحل الذي لم يتجاوز أواخر الثلاثينات أو أوائل الأربعينات لكنه استهلك بوظيفته أو حياته أو العالـم لم يكن لديه أمل في الوقوف على قدميه مرة أخرى. أو هكذا تخيل بومغارتنر، مع أنه قال لنفسه إن من الأرجح أنه مخطئ. ذلك أن كل ما عرفه هو أن الولد الذكي الواعد كان يمكن أن يكون لصًا صغيرًا وقاتلًا في المستقبل، والأب المرهق كان يمكن أن يكون أنموذجًا للقوة والصبر الداخلي.
عندئذ، في خضم تلك التأملات المختلطة، التي لا تزال في ذهن بومغارتنر حتى اليوم، مال الولد إلى أبيه وقال شيئًا، وبعد لحظة غير الأب وقفته وصفع الولد على وجهه. كانت صفعته قوية عنيفة بسبب واضح – كانت بصوت يشبه إطلاق النار من مسدس، وبسرعة رصاصة أُطلقت على صدر الولد. طوال تسعة وأربعين عامًا وبومغارتنر يفكر في ما قاله الولد ليتسبب بردة الفعل الحادة والمذلة تلك، ومع أنه يعرف أنه لن يعرف، فإنه يتساءل عمّا يمكن أن تكون.
ذهل الولد إلى حد أنه لثانية أو ثانية وقف هناك، بلا حركة، ثم رفع يده وضغطها على الخد الذي تعرض للهجوم، الخد الذي لا بد أنه كان يحترق بصورة مؤلمة جدًا في تلك اللحظة، وبعد لحظة خفض رأسه ونظر إلى الأسفل، وجهه متجعد ببؤس، مع أنه حاول جاهدًا أن يقاوم الدموع التي كانت تتجمع في عينيه. أما الأب فنظر شاعرًا ببؤسه هو، مرعوبًا بما فعل، متراجعًا عن الغضب الذي انفجر من يده ودفعه إلى مهاجمة ابنه، كما لو أنه للمرة الأولى منذ صار أبًا بدأ يدرك أن الآباء لديهم سلطة غير محدودة على أبنائهم، وإساءة استخدام تلك السلطة تعني أن تحول نفسك إلى مستبد وبلطجي.
مهما يكن ذلك الذي فكر فيه الأب، فلم يستطع أن يدفع نفسه للتحدث إلى ابنه الذي كان يبكي بكاء حقيقيًا الآن وما زال يثبت نظره على الأرض. مد الأب يده إلى جيبه، وهو في منتهى الحيرة، وأخرج منديلًا مدّه للولد من زاوية منخفضة بما يكفي ليراه الولد، مع أنه رفض أن يرفع عينيه عن الأرض. أخذ المنديل وغطى وجهه به، مواصلاً رفضه أن يرفع عينيه إلى الأعلى. لم يقل الأب شيئًا. بعد عشرين ثانية، توقف القطار عند محطة بومغارتنر. نهض عن مقعده، مشى إلى الأبواب، أدار المزلاج المعدني إلى أن انزلق الباب مفتوحًا، فخرج إلى الرصيف. التف ليلقي نظرة أخيرة، لكن الابن وأباه كانا متواريين بسبب حشد الركاب على القطار.
لم يسبق لأبيه أن صفعه. ولم يسبق له مطلقًا أن ضربه أو رفسه أو حتى ضربه على قفاه، لكن والد بومغارتنر كان كبيرًا.
تم تصحيح الأخطاء الإملائية دون تعديل النص:
السـن، ومن يدري إن كان سيضربه بين الحين والآخر لو أنه كان أصغر سنًا وأكثر حيوية. وُلد الأب في وارسو عام 509 وتوفي في نيوارك عام 569. لم تكن حياة طويلة بالمقاييس المعاصرة، لكن كيف يمكنك أن تتوقع الاستمرار حتى الخرف إذا كنت تستهلك أربع علب سجائر يوميًا وتعتمد على غذاء يتألف في المقام الأول من حساء البرش، السردين المخلل، والبيض الشديد السلق؟ ليس سرطان الرئة وإنما انسداد رئوي، أي نفس الشيء ولكنه أسرع وأكثر تأثيرًا: جلطة ضخمة تنتقل من ساقك لتغزو رئتك اليسرى، وبعد دقيقة تكون هباء في الغبار الكوني.
للمرة الثانية خلال الدقائق الخمس الماضية، يتوقف بومغارتنرفي منتصف التفكير ويتساءل عمّا يفعله. آخر ما يود فعله هو قضاء بعد الظهر يفكر بعائلته، ولكنه مع ذلك بدأ هذه النزعة الصغيرة إلى الماضي بتذكر رحلة عائلية إلى واشنطن، الرحلة التي قادت إلى كل ذلك الكم الذي لا معنى له عن أخته، وها هو ذا الآن متجه إلى والده. ليس أنه لم يحاول توجيه نفسه بعيدًا عن الموضوع، لكن حتى حين استدعى تلكم القصتين حول الأطفال على القطارات وفكر بالبنت مع أمها والولد مع أبيه، فقد كان أيضًا يفكر في نفسه ووالديه، فمن الواضح له الآن أن الطفلين لم يتوقفا عن مطاردته كل هذه الأعوام لأنه رآهما كما لو كانا يمثّلانه حين كان طفلًا، وإن لم يكن هناك مهرب من المنطقة التي مشى إليها مخالفًا رغبته، والتي دخلها في الواقع حسب رغبته تمامًا، فتبًّـا إذًا، يقول بومغارتنر لنفسه، لنسرج الحصان العجوز ونركبه حتى النهاية.
تيكومسـيه. ذلك هو، وربما قبل أي شيء آخر، الاسم الأوسط الذي منحه إياه أبوه النكد والعنيـد، ما مكّن بومغارتنر أن يتجاهل اسم سيمور المزعج ويوقع كتبه ويسيّر حياته المهنية تحت اسم س. ت. بومغارتنر. كان في المقام الأول اسمًا غريبًا تمنحه أسرة أمريكية بيضاء لابن وُلد في منتصف القرن العشرين، ناهيـك بأن يكون ابنًا يهوديًّا أمريكيًّا من نيوارك جاء عن طريق بولندا ويشير شرقًا إلى بولندا، لكن اتضح أن أباه الذي علم نفسه وكان قارئًا نهمًا، الذي سمى نفسه فوضوي-سلمي ومحارب ملحد، كان يضع زعيم قبيلة «الشوني» فوق كل الأمريكيين بالمطلق وأنعم على ابنه اسم «تيكومسـيه» ليكون وسام شرف. في الأيام التي تلـتموت والده، حين كان بومغارتنر لا يزال في السابعة عشرة، وجد مغلفًا ضخمًا غير مختوم يحمل الكلمات التالية: إلى ابني في اليوم الأول من حياته. كان المفترض بالرسالة أن تسلم له في عيد ميلاده الثالث عشر، لكن تبعًا لعادات الأب فقد وضعها بعيدًا ثم نسيها. ومع ذلك فقد وضحت الفقرة الأخيرة بأسلوب الأب المبالغ فيه والمليء بالمحسنات لماذا تميز تيكومسـيه من حيث هو شخصية هامة بالنسبة إليه ... لأنه كان رجلًا ذا شجاعة وإنسانية، وعلى أعلى مستويات الذكاء، رجلاً سعى لتوحيد شعبه المختلـف والمشتت في مقاومة الغزاة الأوروبيين الذين جاءوا لتدمير شعب «الشوني» وكل الشعوب الهندية بامتداد طول وعرض هذه القارة المشؤومة والغارقة في الدم. ليس مهمًا أنه مات أثناء النضال. لقد خاض تيكومسـيه حربًا مشرفة. وذلك كل ما سأطلبه منك، يا ابني الوليد، في الساعات الأولى من رحلتك الطويلة لتصير رجلًا يستطيع التفكير والعمل والمساهمة في العالم – هذا فقط وليس غيره: أن تخوض الحرب المشرفة.
أدرك بومغارتنـر أن والده، حتى قبل أربع وخمسين عامًا، كان ثمـًا على الأرجح حين كتب هذه الكلمات، وبينما يتأمل الابن الذي يشيخ ذكرياته المتناقضة حول أبيه، يجد نفسه متجهًا بتفكيره إلى الرسالة ويحاول تخيل الظروف التي كتبت خلالها هذه الصفحات الثلاث والنصف. رجل في الثانية والأربعين صار أبا للمرة الأولى. ترك زوجته الشابة وابنه المولود حديثًا في المستشفى وعاد إلى شقة خالية فوق محل المابـس على شارع ليونز. يقطع شريحة من خبز الجاودار من الرغيف المتروك على طاولة المطبخ، يحضر كمية متواضعة من السردين لنفسه، ويجلس على الطاولة حيث يجد كأسًا لتناول جرعة من شراب براندي الشليفوفتز ينتظره. يأكل ويشرب، وحين ينتهي من الأكل يشرب كأسين أو ثلاثة أخرى. إنها لحظة مهيبة لكنها منتشية بالنسبة إليه، مناسبة لا تشبه مناسبة غيرها في حياته، وهذا الرجل العنيد، وغالبًا القاسي القلب يغرق في موجات عاتية من المشاعر، مد من المحيط الصاعد من أحشائه والعابر لحنجرته يسحبه من ذاته وقتًا يكفي لكي يفهم كم هو صغير، شيء صغير متصل بترليونات الأشياء الصغيرة الأخرى التي تؤلف الكون، وكم هو رائع أن يشعر أنه خلف ذاته وراءه لهذه اللحظة وصار جزءًا من لغز الحياة الواسع من حوله. يقول في داخله: اثنان وأربعون عامًا وأخيرًا أب. اثنان وأربعون عامًا من الفشل والإحباط، والآن هذا التحول الغريب نحو شيء يشبه السعادة، على الأقل لهذه الليلة، على الأقل على مدى هذه الساعات القليلة، وهكذا يلملم الزجاجة والكأس ويمضي إلى الغرفة المتوفرة في آخر الشقة، الوحيدة التي لا يستطيع أحد سواه دخولها والتي ستعطى لاحقًا لبومغارتنر وفي النهاية لنعومي، لكن في هذه الليلة تحديدًا في نوفمبر 749، لا تزال مملكة الأب الخاصة به، سياج مساحته 9 في قـدم لا زينة فيه ويحتوي على مكتب وكرسي مع عدة رفوف من الكتب، رف وراء رف من المجلدات المهترئة وفي الغالب مستعملة حول الأدب الأناركي والاشتراكي ممزوجًـا بعشرات الكتب حول التاريخ الأوروبي والأمريكي. بعض الكتب الأحدث، وهي جميعًا مستعارة من المكتبة العامة، مركونة في أكوام عشوائية على الأرض، الكثير منها انتهت مدة إعارتها. يضع أبوه الزجاجة والكأس على الطاولة، يصب لنفسه جرعة أخرى، يشربها، يسحب من درج أعلى إلى يساره حزمة صغيرة من الأوراق الفارغة، يفتح قلمه الحبر ويبدأ رسالة إلى سيمور تيكومسـيه بومغارتنـر في اليوم الأول من حياة الولد. يتحدث فيها عن آماله ببناء عالم أفضل، عالم أكثر عدلًا، بالعيش في مجتمع من المتساوين لا تسيره قوانين الغاب (الرأسمالية) أو قوانين الآلة (الماركسية) وإنما القوانين الطبيعية للعملية والنمو العضوي الذي يقود إلى تنظيم اجتماعي جديد يسمى المجتمعية الديمقراطية. تضخم في اللغة، وعدم وضوح في الرسالة، لكن النغمة لطيفة ومقنعة، وحين يستعيد بومغارتنـر كل الغضب والسخرية التي كانت تنصب من أبيه كلما بدأ واحدًا من أحاديثه السياسية الصاخبة عبر السنين التي تلت، فإنه يرى ليلة ميلاده على أنها اللحظة الوحيدة التي هبط منها الرجل من عليائه وكشف العمق المثالي الذي يغلي داخله. لو لم يكن هناك شيء آخر فذلك يكفي، يقول بومغارتنر لنفسه وهو ينظر إلى السماء مرة أخرى ويتتبع.
حــركات الســحاب العابــر ببــطء. علــى الأقــل ذلــك موجــود، ومعــه هنــاك تيكومســيه، مـا يمحـو الخطـأ الناجـم عـن تخبيـص الاسـم الأول وجعـل اسـمه أمـام العالـم س. ت( .S.T.)، سـي( Sy.) أمـام أصدقائـه وأحبائـه، وسـيمور(Syemour) فقـط أمـام مـدرس ابتدائـي متوفـى من الماضـي البعيـد الغائـب تقريبًـا عـن الذاكـرة. بـدأ أبـوه حياتـه باسـم جاكـوف البولنـدي لكنـه أعيـدت صياغتـه ليصيـر جاكـوب ذا غرينهـورن حيـن وصـل وهـو فـي السادسة، الطفـل الثالـث مـن خمسـة ولـدوا لسـولومون وآيـدا بومغارتنـر، سـبقته بنتـان وتــاه توأمــان مــن الأولاد، مــا جعلــه الابــن الأكبــر الــذي علمــه أبــوه مـن سـن مبكـرة الحرفـة الدقيقـة، شـغل الإبـرة والخيـط، الأب الـذي ينتمـي إلـى الجيـل الثالـث مـن الخياطيـن والـذي فتح محلاً على شـارع نيــوارك ماركــت عــام 1912 وعــاش آمـلاً أن ينقـل النشـاط التجـاري إلـى أول أبنائـه. حسـب القليـل الـذي قيـل لبومغارتنـر عـن حيـاة والـده المبكــرة (غالبًــا عــن طريــق والدتــه)، كان جاكــوب الصغيــر تلميــذًا شــديد الــذكاء ولكنــه متــردد، اهتمامــه منصــب علــى الاســتقالية وليـس السـير فـي الطريـق الـذي يرُسـم لـه. كانـت الكتـب أكثـر إلحاحًـا عليــه مــن الكــدح وراء آلــة للخياطــة، وحيــن بلــغ الحاديــة أو الثانيــة عشــرة تــرك عملــه الجزئــي فــي محــل والــده ليركــز علــى دراســته مدفوعًـا بتطلعـات فكريـة سـتحرره يومًـا مـن المصيـدة المتمثلـة فـي أن يكــون مشــتغاً بالخِــرَق، أن يلتحــق بالجامعــة مــع درجــة متقدمــة فــي التاريــخ، أو ربمــا دراســة القانــون ليصيــر مدافعًــا يســاريًّا عــن الفقــراء والمســحوقين، أو ربمــا تجــاوز القانــون إلــى الحيــاة غيــر القانونيـة ليصيـر مثيـرًا للشـغب ومنظمًـا لأولئـك العمـال المسـحوقين -إضرابات انشـقاقية، اعتصامات في المعامل القاسـية على عمالها ،تنظيـم مسـيرات ومظاهـرات فـي شـوارع المدينـة. سـار جاكـوب عددًا مـن الخطـوات الصغيـرة فـي ذلـك الطريـق، تعيقـه الظـروف الماليـة عـن اتخـاذ خطـوات أكبـر تخيلهـا فـي البدايـة. ومـع ذلـك شـعر أنـه يتحـرك فـي الاتجـاه الصحيـح، يـدرس ليـلاً ويشـغل فـي النهـار وظيفـة فـي مكتبـة نيـوارك العامـة، لكـن الضغـوط الماليـة أجبرتـه علـى أن يواصـل العيـش فـي المنـزل، وبوجـود أختيـه الكبرييـن المقيدتيـن فـي زيجــات لا أمــل فيهــا لتافهيــن ليــس أمامهــم أي مســتقبل، وأخويــه الأصغـر المتدهوريـن إلـى غبييـن لا يصلحـان للعمـل، أدرك بومغارتنـر أن عليـه أن يخـرج مـن هنـاك أو يغـرق، لكـن مـع كل قدراتـه علـى التنبؤ بالمــوت فــي الحيــاة الــذي ينتظــره، لــم يســتطع أن يفعــل ذلــك. كان نظــر أبيــه يضعــف وصحتــه تتدهــور، وحيــن وجــد أنــه قطــع شــوطًا بعيـدًا فـي التجـارة، كان الخيـار إمـا بيـع المحـل ورؤيـة أسـرته تنتهـي إلـى الجحيـم أو الإبقـاء علـى التجـارة تتنفـس، وهكـذا تـرك جاكـوب ذو الثانيـة والعشـرين سـنة المدرسـة الليليـة، ووظيفتـه فـي المكتبـة ،وتولـى المحـل فـي شـارع ماركـت. حسـب مـا قيـل لبومغارتنـر، شـعر والـده أنـه ليـس لديـه خيـار. لكنـه فـي الحقيقـة كان يملـك خيـارًا. كل إنسـان يملـك خيـارًا، والخيـار الـذي اختـاره والـده لـم يكـن بالضـرورة الخيـار الخاطـئ، مـع أنـه نغـص عليـه بقيـة حياتـه، لكنـه لـو سـار فـي الخيـار المعاكـس وهـرب ليصيـر أسـتاذ تاريـخ أو محاميًـا أو صانـع مشـكات غيـر مقيـد، فإنـه علـى الأرجـح سـيعذب نفسـه طـوال حياتـه نتيجـة الذنـب الـذي لا يغتفـر بتـرك أسـرته فـي مـأزق وقـت حاجتهـا الماســة، الأمــر الــذي ســيوحي بأنــه لــم يكــن هنــاك خيــار صحيــح أو خيــار خاطــئ، خيــاران صحيحــان فقــط ســيتضح خطؤهمــا معًــا فـي النهايـة. فـي حالـة والـد بومغارتنـر، تفـوق إحساسـه بالمسـؤولية علـى رغباتـه الشـخصية، مـا جعـل اختيـاره جديـرًا بالتقديـر، بـل هـو نبيـل، لكـن حيـن تبـدأ بالشـعور بـأن تضحيتـك لعائلـة مـن الفاشـلين و المتســكعين المخادعيــن ضاعــت ســدى، فــإن اختيــارك ســيتحول حتمًـا إلـى مصـدر للاسـتياء، ومـع مـرور السـنين، سـيتلف روحـك . فـي الوقـت الـذي أدرك فيـه بومغارتنـر الوضـع، كان محل الملابس علـى شـارع ليونـز قـد حـل محـل دكان خـرداوات الرجـال علـى شـارع ماركــت. كان ســولومون وآيــدا قــد رحــلا منــذ أمــد طويــل، التوأمــان انتقــلا إلــى كاليفورنيــا بعــد مــدة فــي الســجن تلــت ســطوًا مســلحًا علــى محــل للمجوهــرات فــي ويهوكــن، وبيلا، الكبــرى مــن الأختيــن الكبرييــن، كانــت قــد تخلصــت مــن زوجهــا وكيــل مراهنــات الســباق وتزوجــت تاجــر ســيارات مســتعملة مــن بيــرث أمبــوي تركتــه لاحقًــا بــدوره، الأمــر الــذي أدى إلــى أن تتوظــف محاســبة ومديــرة لمحــل أخيهـا للملابـس، أمـا إيمـا، الصغـرى مـن الأخـوات الأكبـر، فأنجبـت بنتيـن وتخلـى عنهـا زوجهـا العاطـل عـن العمـل وغيـر المسـتقر، ثـم ماتــت بالالتهــاب الرئــوي فــي منتصــف الثلاثينيــات مــن عمرهــا، لتتولــى بيلا رعايــة البنتيــن اليتيمتيــن وتربيهمــا اعتمــادًا علــى المرتـب الـذي كانـت تتقاضـاه مـن أخيهـا. فـي عـام 1936، قبـل عـام مــن توقيعــه الرهــن علــى بنايــة شــارع ليونــز، خطــرت ببــال جاكــوب فكـرة التخلـي عـن كل شـيء والانضمـام إلـى لـواء أبراهـام لينكـون
لمحاربـة فرانكـو والفاشـيين فـي الحرب الأهليـة الإسبانية، لكن بما أنه معارض أخلاقيًّا لحمل السلاح في أي حرب، مهما كانت عواقبها، فقد ألغى الفكرة. كان خطأً فادحًا، كما قال لاحقًا لابنه، متخليًا عن احترازه بعد كأس إضافي ذات ليلة شتائية حين كان بومغارتنر في المرحلة الإعدادية، خطأ فادح لأنه كان قد بلغ الحادية والثلاثين عندئذٍ، ولم تكن الفرص متاحة بعد ذلك للانعتاق. في منتصف أبريل من عام 1939، بدأت الشابة روث أوستر ذات العشرين عامًا العمل خيّاطَة في «أزياء تروكاديرو»، وبعد أربع سنوات، في منتصف الحرب العالمية الثانية، تزوج والد بومغارتنر.
كان الرجل الذي هيمن على البيت الواقع على شارع ليونز لغزًا بشريًا يصعب فهمه إلى الحد الذي جعل بومغارتنر يمضي مرحلة يفاعته سجين حالة من الحيرة المستمرة حول أبيه: من هو وماذا كان هو بالنسبة إليه. كان يكره أباه ويعبده، في بعض الأحيان أحبه تقريبًا، لكن لم يكن فيه شيء مقنع أبدًا: معارض للرأسمالية قضى ما يقارب الأربعين عامًا يدير نشاطًا تجاريًا عائليًا صغيرًا مهمته جمع المال للعائلة، إنسان بسيط من الناس يدافع عن الجماهير المسحوقة ويسئ معاملة الذين يعملون في محله بإهانات بذيئة وتأنيب صادر عن مزاج سيء، ملحد لا يتوب أجبَر ابنه على قبول طقس البلوغ اليهودي (بار ميتزفاه) لأنه هو نفسه أُجبر على ذلك وأراد لابنه أن يعاني كما عانى -لكن ليست تلك التفاهات مهمة الآن، يقول بومغارتنر لنفسه، الأمر الأساسي أن أباه على الرغم من كل ضجيجه وتعاليه ونوبات قسوته أحيانًا، لم يكن أكثر من حالِم حزين، شبحًا ثوريًا جلس في غرفته ولم ينضم إلى أي مجموعة من الرجال والنساء الذين يفكرون كما يفكر أو يرفع إصبعًا للمشاركة في عمل جماعي صغير لدعم قضية العدالة، رجلاً منقطعًا ومعزولًا عاش النضال في رأسه ولهذا عاش مدركًا أنه خذل نفسه حين لم يحارب ما تخيل أنها الحرب الصحيحة. لم يكن ذلك سوى كلام في نهاية المطاف، لكن مع مرور السنين لم يعد أحد من دائرة معارفه المتناقصة يتحدث إليه ما عدا صديق طفولته ملتُن فريبيرغ، وهو مدرس تاريخ ثانوي وعضو سابق في الحزب الشيوعي الذي استقال من الحزب بعد التحالف بين هتلر وستالين عام 1939، وفقد وظيفته في التعليم أثناء التطهير المكارثي في الخمسينيات، رجل ضخم ويائس صار يكسب عيشه من وظيفة باحث في «موسوعة كوليير». يلتقي ذلك الصديق اليائس والمعارض للعنف منذ الحرب ضد الفاشية لتناول العشاء الأسبوعي في مطعم "مواش"، والد بومغارتنر الطويل الهزيل، الدونكيشوت البولندي الأمريكي ذي الملامح الحزينة والذي أفسدته الكتب، ملك الحالمين الذي أدار محل ملابس الصغير على شارع ليونز بالاعتماد على زوجته وابنته ليقومَا بالعمل بينما هو منزوٍ في الطابق الثاني يقرأ سيرة إما غولدمان الذاتية للمرة السابعة. اشرب يا صديقي القديم.
يقـول لـه فريبـرغ، واشـرب كأسًـا أخـرى مـن الشـنابس بينمـا أشـرب واحـدة أنـا أيضًــا. عندئـذٍ سنشــمر عــن ســاعدينا ونتعــارك للمــرة الرابعــة عشــرة بعــد الســبعمئة لنــرى إذا كان أحدنــا يســتطيع إنقــاذ العالـم قبـل أن يطفئـوا الأنـوار ويطردونـا مـن هنـا.
ومـع ذلـك ظـل هنـاك أمـر يتعلـق بوالـده، أمـر مهـم بـدأ بومغارتـنر يشـعر بـه حيـن كان فـي العاشـرة أو الحاديـة عشـرة وتأكـد منـه حيـن صــار فــي الثانيــة عشــرة وســمح لــه بتجــاوز الصــف الثامــن. كان والـده فخـورًا بـه. لـم يـدرك ذلـك لأن الأب أشـار إليـه، وليـس لأنـه غيـر أسـلوبه ليحـذر بومغارتـنر مـن أن يكبّـر رأسـه كل مـرة يحصـل فيهـا الولـد علـى واحـد مـن التقاريـر المليئـة بالنجـوم، فيذكـره أنـه مخلــوق مــن تــراب مثــل أي شــخص آخــر وأنـه ســيعود إلــى التــراب مثــل أي شــخص آخــر مهمــا كانــت عاماتــه، لكــن علــى الرغــم مــن التظاهـر بالتأفـف، أدرك بومغارتـنر أن والـده كان يراقبـه مـن كثـب، أن جاكــوب المســتاء دائمًــا كان يعيــش كفــاح صبــاه مــرة أخــرى مــن خــال ابنــه ويحثــه ســرًّا علــى أن يحــرر نفســه مــن هــذا الامــكان الصغيـر والخانـق ليطيـر بعيـدًا، أن يبتعـد بقـدر مـا تمكنـه أجنحتـه الهشــة مــن الابتعــاد. ثــم جــاء الخبــر فــي مــارس ١٩٦٤ مــن أوهايــو البعيــدة أن الابــن النيواركــي الغافــل، ابــن التــراب، قــد تلقــى منحــة دراسـية، وحيـن سـلم بومغارتـنر والـده الرسـالة وطلـب منـه قراءتهـا، رأى يــد والــده ترتعــش -بصــورة يصعــب ملاحظتهــا- ورأى عينيــه تغيمـان - بصـورة خاطفـة - ثـم أمسـك أبـوه بظهـر كرسـي المطبـخ، سـحبه مـن الطاولـة، جلـس عليـه، وأطلـق زفـرة طويلـة مرتجفـة مـن رئتيـه التالفتيـن، وقـال: «هـات الزجاجـة مـن الـدولاب، يـا سـي. حـان وقـت الـكأس. عـاد بومغارتـنر بالزجاجـة وقـد أشـعل أبـوه سـيجارته الأخيــرة بعــد عــدد لا يحصــى مــن ســجائر «لكــي» فــي ذلــك اليــوم، وبعـد أن أشـعل الولـد لنفسـه سـيجارة لـه هـو الآخـر وشـرب كل منهمـا جرعة من سـليفوفتز دون أن يقولا شـيئًا إضافيًّا، فقد قالت الرسـالة كل شـيء، ولـذا جلسـا يشـربان بصمـت، جرعـة فـي البدايـة، جرعـة ثانيـة، وأخيـرًا ثالثـة. كان ثنـاء والـده فـي ذلـك الصمـت. رجـل يثـور عنـد أدنـى اسـتفزاز، كيـس يفـوح بالشـتائم يمكنـه أن يظـل يلوم لسـاعات متواصلة، ذلـك الرجـل كافـأ ابنـه بإبقـاء فمـه مغلقًـا وعـدم التلفـظ بـأي كام. بعـد تلـك الليلـة بسـتة أشـهر، غـادر بومغارتـنر إلـى أوهايـو. عـاد إلـى نيـوارك فـي عطلـة الكريسـماس ثـم عـاد مـرة أخـرى إلـى أوهايـو فـي ينايـر، متوقعًـا ألا يعـود مـرة أخـرى إلـى أن ينتهـي فصلـه الدراسـي الثانـي فـي يونيـو. لكنـه عـاد فـي فبرايـر، فـي التاسـع مـن فبرايـر علـى وجـه الدقـة، بعـد يوميـن مـن عيـد ميلاد والـده السـتين ويـوم واحـد مـن وفـاة الوالـد.
هـزت الوفـاة بومغارتـنر لكنـه لـم ينهـر. تمنـى لـو أن إحساسـه كان أعمـق، لكـن الحقيقـة أنـه لـم يسـتطع، وطـوال ذلـك الأسـبوع المقلـق فـي نيـوارك، حيـن أغلـق المحـل والعمـة بيلـا تثمـل فـي المطبـخ وهـي تلعـن أخاهـا الصغيـر الميـت ونعومـي التـي كانـت فـي الثالثـة عشـرة تختبـئ فـي غرفتهـا تنتحـب أو تصـرخ علـى العمـة بيلا ذات الوجـه السـمين تطالبهـا بـأن تخـرس، كان بومغارتـنر أقـل اهتمامًـا بنفسـه أو بتلكمـا المجنونتيـن ممـا كان بأمـه، المنطقـة العاقلـة الوحيـدة فـي أسـرة مجنونـة بالكامـل ومصـدر العـزاء والحمايـة الصامـد لبومغارتـنر أثناء مسـيرته الطويلـة عبـر الطفولـة والشـخص الـذي نضـج ضمـن ظروف أكثــر صعوبــة بكثيــر مــن ظــروف والــده، فقــد هُيئــت لحيــاة لا تطلعــات فيهــا فــي مقابلــة التطلعــات الكبيــرة التــي حملهــا والــده لنفســه ثم فشــل فــي أن يكــون بمســتواها. هـي فتــاة تزوجــت حيــن كانت لا تـزال فـي طـور استكشـاف ذاتـها ولمـاذا وضعـت علـى هـذه الأرض، فـي حيـن لـم يكـن زوجهـا الأكبـر سـنًا (بفـارق أربعـة عشـر عامًـا) لديه المزيـد ليستكشـفه فـي نفسـه مـا عـدا عاقتـه بهـا، هـي عروسـته الصغيـرة، وطفليـه اللذيـن سـينجبانهما فـي النهايـة معًـا.
عــرف بومغارتـنر عــن أسـرتها حيــن كان صبيًــا أقــل ممــا عــرف عـن أسـرة والـده، جانـب أوسـتر الغامـض مـن الأسـرة الـذي لـم يكـن لـه فيـه خـالات أو أخـوال أو أبنـاء خـال، ولا أقـارب علـى قيـد الحيـاة يمكـن الوصـول إليـهم، ومـن هنـا لـم يكـن لديـه مـن يخبـره أي شـيء عـن تاريخـه العائلـي - لـم يكـن هنـاك أناس يحق لهم أن ينادوه بـ «ابـن» دون أن يوضح بومغارتـنر أيديهـم وأقدامهم فيـما بـين أجسادهم.
قد تكـون لنـدن أو لـوس أنجلـس، حسب تقدير أم بومغارتنـر، مدينـة يبدأ اسمها على أيـة حال بـ «ل»، ذلك كل ما حفظته ذاكرتها، لأن العم جوزف لم يخبرها أكثر من ذلك عن أمها التي كانت قد اختفت تمامًـا في منتصف 1922 دون أن تـرى ابنتها مرة أخرى.
أرعـب بومغارتنـر ذا الأربـع عشرة عامًا ما سمع، أرعبه وأغضبه ما رأى من لا مبـالاة ملي، أم تلقي بابنتها الصغيرة جانبًا كما لو لم تكن أكثر من ورقة تلف بها الحلويات أو بقعة صغيرة تشوه فستانها الساتان. حركة صغيرة ثم تختفي. ما فعلته كان جريمة، قال لنفسه، جريمة ضد الإنسانية، ومثلما حُكم على آيخمان بالموت العام الماضي لما ارتكب من جرائم أثناء الحرب، استحقت جدته ملي أن تشنق لجرائمها. لكنه لم يستطع أن يقول ذلك علنًـا، لأن ذهنه كان في ذهول لم يمكنه من استحضار الكلمات التي تعبر عن الرعب في داخله. كل ما نجح في إخراجه من فمه كان جملة واحدة: باعتك في مجرى النهر وتركتك. ثم بعد ثانيتين أو ثلاث:
من المؤكد أنك تكرهينها.
لا، قالت الأم، معبرة عن عدم كراهيتها لها، بل أشفقت عليها، وعليه قبل الحكم عليها والامتاء بالكراهية لها هو نفسه، عليه أن يتخيل الوضع الذي كانت فيه. شابة لا تملك شيئًا ما عدا جمالها وقدرتها على اجتذاب الرجال تفقد زوجها في بداية العشرينيات وتظل بكومة من الفواتير غير المدفوعة وطفلة صغيرة ولا أسرة تساندها. ما خياراتها؟ عليها أن تجد عمًا، لكن إن ذهبت إلى العمل من سيعتني بالطفلة؟ عليها أن تتركها في ملجأ للأيتام، أو ألا تعمل لتموت الاثنتان جوعًـا، أو أن تبدأ المشي في الشوارع وتبيع جسدها لتحتفظ بروحها وجسدها معًـا حتى إن فقدت روحها أثناء ذلك. ثم يقع رجل غني في حبها، يقع إلى درجة أنه بدلًا من تركها في شقة ومعاملتها كعشيقة، يريد أن يتزوجها. تشعر أنها الفرصة الوحيدة التي ستتاح لها - تذكرة للخروج من الجحيم ورحلة ذهاب فقط إلى حياة جديدة أفضل - وإن كان عليها أن تتخلى عن ابنتها للحصول على تلك الحياة، ستفعل، ليس لأنها تريد فعل ذلك لكن لأنها لا تملك خيارًا آخر. وسواء أكان الزوج الثاني غنيًـا أم لم يكن، تقول أم بومغارتنـر، فإنه لا بد أن يكون حقيرًا - لإرغامه المرأة التي يقول إنه يحبها على خيار مثل ذلك حيال طفلتها. إن كان هناك من يستحق الكراهية في القصة فإنه ذلك الرجل يا سي. لا يعني هذا أنها لم ترتكب عملاً بالغ السوء بالنسبة إليّ، عملاً أنانيًـا ومخجًـا، ولكنني على الأقل أدرك لماذا فعلته، وبعد التفكير فيه طوال هذه الأعوام، توصلت إلى أنه كان على الأرجح هو الأفضل، لأنها إن كانت من ذلك النوع من الأمهات فقد أكون محظوظًا أنه لم يكن عليّ أن أعيش معها. وجدت العم جوزف بدلًا من ذلك، أكثر الناس لطفًـا، الرجل الأكثر تهذيبًـا في العالم، كما أخبرتك مئات المرات، لذا كل شيء مضى بصورة طيبة في نهاية المطاف. عشت طفولة رائعة، طفولة مكتملة وسعيدة، ولم يكن لأمي دور في ذلك. كانت مثل ممثلة تحصل على مشهد في فيلم، ثم يلغي المشهد لأن الجميع يرون أنه ليس مقبولًا. ما التعبير الذي يستخدمون؟ حين يكون شخص في الفيلم ثم لا تراه حين تذهب لمشاهدة الفيلم في دار السينما.
ماتت على أرضية غرفة التقطيع.
هو ذاك ماتت على أرضية غرفة التقطيع.
لم يكن لدى بومغارتنـر شك في أن أمه كانت سعيدة مع عمه وأنها ازدهرت في رعايته، لأن من غير الممكن لها أن تصير الشخص القوي المتزن الذي صارتـه لو لم تجد تلك الرعاية. ربما بالغت قليلاً حين روت حكاياتها عن العم جوزف، وربما رأت نفسها حين كانت صغيرة عبر نسيج من الدهشة الأسطورية بوصفها المشردة المنفية في ميلودراما من العصر الفيكتوري تنقذها طيبة رجل بسيط وقديس، لكن كل ذلك لا يهم الآن، فالجنة التي عاشت فيها بعد السن الثالثة، سواء كانت حقيقية أو متخيلة، انتهت فجأة في المنتصف ما بين سن السادسة عشرة والسابعة عشرة حين أصيب العم جوزف بنوبة قلبية هائلة بعد عمله في فترتين في مصنع الأعمال المعدنية. كان ذلك هو الفقد الأكبر في حياتها، الأكبر بما لا يقاس من موت أبيها أو اختفاء أمها، فالحقيقة التي لا يمكن تجاهلها هي أنها باتت تعتمل على نفسها تمامًا، فتاة لها صديقات لكن ليس لها أقارب، وليس لها شخص أكبر يمكنها الذهاب إليه لاستشارته. الأسوأ من ذلك كله، لم يكن هناك عم جوزف، لكن حتى في الموت كان لا يزال يرعاها ويجعل انتقالها إلى حياة خالية منه خالية من الألم قدر المستطاع. لعدة أعوام كان عضوًا متحمسًـا ومسددًا لمستحقاته في دائرة العمال (Ring Arbeter Der) القديمة، الجمعية التعاونية التي أسسها المهاجرون المتحدثون باللغة اليدية حين كان شابًا و حديث
الوصول إلى أمريكا، ولأن تلك المستحقات وفرت معونة للدفن وتأمينًا على الحياة منخفض التكاليف، لم تكن أم بومغارتنر معفاة فقط من دفع تكاليف دفن جوزف وإنما استلمت شيكًا قيمته ستة آلاف دولار من تأمين الحياة - معجزتان في عالم أسود ويائس من "دائرة العمال" المهيبة والسخية التي كانت تدير برامج ما بعد المدرسة في المسرح والموسيقى والخياطة التي اشتركت فيها حين كانت فتاة إلى جانب تبنيها رعاية الأطفال، والمخيم الصيفي على "بحيرة سلفان في هوبفل جنكشن" التي كان العم جوزف قد أرسلها إليها لأربع فترات استمرت كل واحدة ثلاث أسابيع متتالية حين كانت في التاسعة والعاشرة والحادية عشرة والثانية عشرة، قالت فيما بعد لبومغارتنر الصغير المرة تلو المرة إنها كانت الصيفيات الأكثر روعة في حياتها.
حتى الآن ما يزال يتألم كلما تخيل الوحدة المدمرة التي لا تطاق والتي لا بد أنها غمرتهما أثناء تلك الشهور البائسة عام 1935. حين لم تكاد تبلغ السادسة عشرة، تلميذة عادية في المرحلة الثانوية، لا تكاد في خضم العيش تدرك إلى أين يأخذها المستقبل، عندئذٍ، وبمضي الوقت، وجدت أنها تعتمد على نفسها بالكامل، مراهقة غير مهيأة ومضطرة لأن تصبح امرأة ناضجة. استمرت في شقتها على شارع شيبرد محاطة بأشياء العم جوزف، لكن في نهاية العام كان كل شيء يتعلق بحياتها قد تغير. في الثانوية كانت أفضل موادها الرياضيات والعلوم والموسيقى والفن والاقتصاد المنزلي، لكن كان عليها أن تجاهد اللغة الإنجليزية والتاريخ واللغة الفرنسية، ليس لأنها لم تكن ذكية وإنما لأن القراءة أزعجتها وكانت تقرأ ببطء لتواكب الدراسة. اكتشف بومغارتنر لاحقًا أنها كانت تعاني إعاقة في القراءة منذ الطفولة، لكن لم يستطع أي معلم اكتشاف ذلك أو فعل شيء لمساعدتها، لذا تأخرت في الدراسة وبدأت تعتقد أنها غبية، وما إن بدأت تلك الكلمة تلمع في ذهنها كل صباح تذهب فيه إلى المدرسة، حتى أخذت تتجول في القاعات يطاردها إحساس بالعار يضغط عليها، فتحولت روث أوستر المحبة للمتعة إلى الفتاة الخجولة الحائرة التي لم يعرف أحد كيف يتعامل معها. بعد ثلاثة أشهر من وفاة العم جوزف، تركت الدراسة، لكن ليس قبل أن تحدث طويلاً إلى معلمة الخياطة، السيدة مانكوزو، التي أثنت عليها من قبل أمام الصف بوصفها الفتاة الأكثر موهبة بين من عرفتها. أخذت السيدة م - الممتلئة الجسم والحنونة كأم - يدي روث وظلت ممسكة إياها طوال الحديث. قالت لها: إن كانت ترغب في أن تكون خياطة محترفة فيمكنها أن تسجل في كورس مكثف لمدة عام في مدرسة تجارية أو تبدأ العمل كمتدربة. قالت أم بومغارتنر إنها تفضل أن تدخل ميدان العمل مباشرة، لكن السؤال: أين؟ ابتسمت السيدة مانكوزو وقالت: لا أظن أنها هذه مشكلة يا عزيزتي.
كانت السيدة مانكوزو المعجزة الثالثة بعد معجزتي "دائرة العمال"، وكانت المعجزة الرابعة أختها روزالي مكفادن، الخياطة الأسطورية التي كانت تدير معهد مدام روزالي على شارع الأكاديمية في وسط مدينة نيوارك، الأمر الذي أكد لبومغارتنر للمرة الترليونية العاشرة في تاريخ البشرية أننا جميعًا يعتمد بعضنا على بعض وأنه لا يوجد شخص، حتى الأكثر عزلة بيننا، يستطيع البقاء دون مساعدة الآخرين. كما في حالة روبنسون كروزو، الذي كان سيفنى لو لم يظهر فرايدي لينقذه.
بعد ثلاثة أعوام، وبناءً على اتصال هاتفي حاسم من مديرها لشخص اسمه بومغارتنر، تمت استعارة روث لشغل وظيفة رئيسة خياطات في محل تروكاديرو للأزياء. لم يكن الهدف أنها أرادت تغيير وظيفتها، لكن السيدة روزالي التي تتقدم في السن كانت ستتوقف عن العمل وتتقاعد في فلوريدا مع زوجها. حسب الرواية التي كانت أم بومغارتنر تفضلها، استعادت انطلاقتها بوصفها موظفة في المحل، شاقة طريقها من متدربة بسيطة إلى تلميذة موثوقة، لكن المحل الآن يغلق ومن الضروري الاستمرار. بدا العمل الجديد، من عدة نواحٍ، متواضعًا جدًا قياسًا إلى تجارة الأزياء الرفيعة لدى مدام روزالي بزبوناتها من السيدات الثريات القادمات من الأحياء المحيطة بالمدينة والاتي كن يستطعن السير بين صفوف المابس الغالية الثمن والجاهزة والمضي مباشرة إلى الغرفة الخلفية، حيث تصمم مدام روزالي فساتين تلبي رغباتهن إلى جانب فساتين زفاف باهرة لبناتهن، وكل ذلك ينجزه فريقها النسائي من الخياطات الست اللاتي يعملن في الغرف خلف الخلفية حيث برزت روثي ببطء وباستمرار لتكون النجمة الأكثر سطوعًا بينهن. لن تكون هناك فساتين مصممة في التروكاديرو، لكن الوظيفة بدت أفضل المتاح عندئذٍ. كان المرتب جيدًا، والمحلات قريبةً من سكنها بما يكفي لتقطع المسافة مشيًا، الأمر الذي تضمن أنها لن تضطر إلى الوقوف في باصات محشوة بالركاب في ساعة الذروة كل صباح ومساء ولا أنها ستضطر إلى دفع مبلغ يقتطع كثيرًا من مرتباتها. وفي كل الحالات لن تضطر إلى البقاء هناك طويلًا، كما بدا لها، ليس أكثر من سنة أو سنتين بعدها ستنتقل إلى كاليفورنيا لتحصل على وظيفة في قسم المابس لدى أحد استديوهات هوليوود. ستقول لبومغارتنر الصغير: تخيل ذلك، صنع مابس لإحدى تلك الأعمال الدرامية الكبيرة التي تتضمن أزياء كثيرة حول الحروب النابليونية أو أخذ مقاييس كارول لومبارد لعمل الفستان اللماغ الفاتن الذي سترتديه في المشهد حين تمشي مع ويليام باول نحو النادي الليلي النيويوركي الذي يعج بالدخان. ألن يكون ذلك مذهلًا حقًا؟ سيقول بومغارتنر: بلى، مذهل حقًا، لكن في كل مرة يوشك أن يقول لها إنه تمنى لو أنها فعلت ذلك مسبقًا، يتبين له أنه لم يكن ليولد لو أنها فعلت ذلك، ولذا بدلًا من أن يضيف شيئًا فإنه كان يسكت ويبتسم لها.
بعـد مـوت أبيـه، أثنـاء ذلـك الأسـبوع الغريـب فـي شـارع ليونـز حين جلسـا همـا الاثنـان كل ليلـة يتحدثـان فـي المطبخ، ألـح بومغارتنر على أمـه أن تبيـع المحـل، أن تبيـع البنايـة وتخـرج مـن هنـاك. أن تجمـع المبلـغ مـع مبلـغ تأميـن الحيـاة وسـيكون لديهـا مـا يكفـي لأن تعيـش فـي أي مـكان أرادت. كانـت لا تـزال فـي السادسة والأربعـين، شـابة وحيويـة وأمامهـا مئـة مستـقبل مفتـوح لهـا. كانـت نيـوارك تنحـدر ولـن يطـول الوقـت قبـل أن تنهـار، ولـو أمسـكت الثـور مـن قرنيـه وتحركـت الآن سـتكون قـد رحلـت قبـل أن يبـدأ ذلـك بالحـدوث.
لــن أقــول إنــك مخطــئ يــا ســي، لكــن إلــى أيــن أذهــب؟ لا تــزال نعومي فــي المدرســة، وعلــي أن أفكــر فيهــا أولًا، أليــس كذلــك؟
لسـتِ مضطـرة إلـى الذهـاب بعيـدًا. تجـاوزي فقـط حـدود المدينة واذهبـي إلـى ميبلـوود، أو سـاوث أورانـج، أو مونتكليـر. فـي كل تلـك المـدن مـدارس جيـدة ونعومي الحبوبـة سـتكون أسـعد بكثيـر فـي أحد تلـك الأماكـن ممـا هـي الآن. لـن يكـون هنـاك تعـارض. حيـن تغادريـن لمصلحتـك فإنـك تغادريـن لمصلحتهـا أيضًـا. وسـتتخلصين أخيـرًا من هـذه الشـقة التعيسـة.
لـو أغلقـت المحـل مـاذا سـيحدث لبيلـا؟ ولكوكـي كاسـتيلانوس؟ ولميري بولتون، الفتــاة الزنجيــة التــي وظفنــا العــام الماضــي؟ إنها وظيفتهـا الأولـى وأداؤهـا ممتـاز، كيـف لـي أن ألقيهـا فـي الشـارع؟
كانـت بيلـا قـد بـدأت تعتمـد علـى التأميـن الاجتماعـي، وسـتنضم إلــى «خدمــة الرعايــة الطبيــة» أســرع ممــا تتوقعيــن، بمــا أن مــن المقـرر لـه التصديـق علـى القانـون هـذا العـام، ويمكـن لبنـات أخوتهـا البالغـات، دنغبـات ودوفـوس، أن تملئـا الفـراغ. أمـا بالنسـبة إلـى كوكـي وميــري، إن أراد أحــد أن يتولــى المحــل، فأضيفــي إلــى العقــد أن تســتمرا فــي العمــل. وإذا كان الشــخص الــذي يشــتري البنايــة يريــد إغــلاق المحــل، ليــس هنــاك مــا يمكنــك فعلــه ســوى أن تمنحيهمــا مبالغ كبيـرة لقـاء إنهـاء العقـد -ليـس أقـل مـن مرتـب سـتة أشـهر- وتتمنيــن لهمــا التوفيــق. إنهمــا صغيرتــان وســتتمكنان مــن الوقــوف علـى قدميهمـا فـي وقـت قصيـر.
إنك تجعل الأمر يبدو سهلاً.
ذلك لأنه سهل.
ومــاذا عنــي أنــا؟ مــاذا يفتــرض فــي أن أفعــل هنــاك فــي بيــت كبيـر فـي الضواحـي، أنتظـر عـودة نعومي إلـى البيـت مـن المدرسـة؟ أكنـس السـجاد بالمكنسـة الكهربائيـة؟ ألعـب سـوليتير؟ أبـدأ الشـرب وأنتفـخ؟ لقـد كنـت أعمـل يـا سـي، كنـت أعمـل منـذ كنـت في السادسة أو السـابعة عشـرة، وأديـر هـذا المحـل طـوال حياتـي. أعـرف أنـك لا تــراه شــيئًا مهمًــا، وأعــرف أن جــزءًا مــن أبيــك كان يكرهــه دائمًــا ،لكن حتـى إن كان محـل أزيـاء تروكاديـرو محـلاً عاديًـا لبيـع الفسـاتين للنسـاء اللاتي لا يسـرن علـى الموضـة، تلـك النسـاء بشـر حقيقيـون، وجديـرات بـأن يسـرن بشـعور راضٍ عـن أنفسـهن. ذلـك مـا كنـت أفعلـه طـوال هـذه السـنين، آخـذ هـذه الفسـاتين العاديـة وأعيـد تصميمهـا بالتعديـات لكـي تظهـر بصـورة صحيحـة ويكـون قصهـا فـي المـكان الصحيح، وذلـك لكـي تظهـر تلـك النسـاء جذابــات حيــن يلبســنها، وحيـن تشـعر بأنـك جـذاب فإنـك تكـون راضيًـا عـن نفسـك، وأن تجعـل تلـك النسـاء السـمينات ممـن بلغـن منتصـف العمـر يشـعرن بالرضـى عـن أنفسـهن فإنـك تـؤدي خدمـة، أليـس كذلـك، إنهـا مـا أسـميه واجبًا دينيًـا (متزفاه)، ولـذا فإنـي أشـعر بالاعتـزاز بمـا أفعـل هنـا يـا سـي لـذا لا تظـن بأننـي أضيـع مواهبـي علـى شـيء لا يسـاوي التعـب، لأن كل شـخص يسـتحق التعـب، بغـض النظـر عمـن هـو.
أدرك ذلك يا أمي. كل ما في الأمر أنني أعتقد أن الوقت قد حان للتوقف. للمحل وضعه الخاص، لكن هناك أيضاً مشكلة نيوارك، ولن يطول الوقت قبل أن تكتشفي أن كل هذه النساء اللاتي كنتِ تسـاعدين سـيذهبن، وعندئذٍ ماذا سيحدث لك وللمحل ولنعومي وكل شيء كنتِ تهتمين به؟ انتقلي، أتوسل إليك، بيعي وانتقلي، وما إنْ تستقرين في مكان ما، عودي إلى العمل واستمرى فيه ما دمتي رغبتي في ذلك. هل تذكرين حلمك في الحصول على وظيفة في أحد استديوهات هوليوود؟ الآن تلك الاستديوهات ماتت، أليس كذلك؟ لكن إن شئت أن تصممي المابس فالكثير يحدث في مسارح نيويورك هذه الأيام، ليس في برودوي وإنما في المسارح الأصغر والمسارح الأصغر من الأصغر، وأنا متأكد أن بإمكانك العمل مع أحد في المدينة والبدء، لكن إذا كان المسرح تلة أعلى من قدرتك على صعودها الآن، تذكري مدام روزالي وكل الزبائن اللاتي كن يأتين من المدن الأحيائية التي ذكرتها للتو إلى جانب سبع وعشرين أخريات وأن هناك كثيرًا من الناس في تلك المدن ممن يملكون المال، وأنك إن افتتحتِ محلك الخاص بك في أحد تلك الأماكن القريبة من حيث يعيشون، فإني أراهنك بالدولارات مقابل الكعك (الدونات) في أنهن سيأتينك جريًا، وستفاجئين بالسرعة التي تتزايد فيها الطلبات التي لا تستطيعين إنجازها.
بدأت أم بومغارتنر تضحك. للمرة الأولى منذ دفن أبيه، كان الضحك يتدفق من حنجرته لتقول بعد ذلك: هل تذكرين فستان العرس الذي طلب مني إنجازه قبل عدة سنوات؟ وكيف لي أن أنساه؟ لا أظن أنني ضحكت مثلما ضحكت في ذلك اليوم في حياتي. يؤسفني أنني فعلت بك ذلك يا سي، لكن لم يكن هناك أحد آخر للاستعانة به. كانت كوكـي أقصر من اللازم، والفتاة التي جاءت قبل ميري كانت أسمن من اللازم. وكان هناك حد زمني، وعليّ أن أنجز الفستان لقياسه للمرة الأخيرة على العروس. كم كان عمرك حينها؟ أربعة عشر. أربعة عشر، وكنت قد بدأت تطول بسرعة، نحو خمسة-خمسة أو خمسة-ستة عندئذٍ والذي كان نفس طول البنت التي كانت – مصادفة – نحيلة، نحو نفس الحجم والشكل الذي كنت فيه في ذلك الحين، ناقص الثديين بالطبع، ولذا سألت إن كنت لا تمانعين في لبس الفستان بينما أجري التعديلات التي احتجت إلى إجرائها. قلت لا في البداية، لكن حين سألتك للمرة الثانية قلت نعم، إن كان الأمر مهمًا جدًا. لبست الفستان، وبعد ثانيتين انهرت في نوبة من القهقهة. كنت أفكر في ذلك الفيلم المضحك الذي رأيناه حين كنت في الحادية عشرة أو الثانية عشرة. البعض يحبها حارة، حيث جاك ليمون وتوني كيرتس يتقافزان بفساتين بينما مارلين مونرو تخلع فستانًا جعلها تبدو نصف عارية، وهأنا ذا ألبس فستان عرس سوزان شوارتزمان، أضحك من أعماقي لأنني شعرت بالخجل والارتباك، وفي اللحظة التي كنت سأنتهي منها دخل من تعرف. لا بد أنه سمعك تضحكين، لذا هبط الدرج ليرى ما يحدث. وقال: اللعنة يا روث، ماذا فعلتِ بالولد! وقلت أنتِ، ولعلكِ تساعدينني، لا تقلقي يا بابا، إننا نؤدي "البعض يحبها حارة" في المدرسة، وأنا أتمرن لاختبار التمثيل غدًا. ماذا تقترح أن أختار جاك ليمون أو توني كيرتس؟ وللمرة الخامسة أو السادسة في كل تلك الأعوام التي عرفته فيها، انفجر الرجل العجوز ضاحكًا. وحين توقف نظر إلينا وقال: لا أحد كامل. وبعد ذلك عاد أدراجه بهدوء إلى الطابق الأعلى. للمرة الثالثة أو الرابعة عصر ذلك اليوم يتوقف بومغارتنر في منتصف التفكير ويتطلع إلى الأعلى. مرت سحابة أمام الشمس، تاركة ظلمة مؤقتة في السماء، وبهذا التغيير المفاجئ في الجو، ينظر بومغارتنر في أرجاء الفناء ليستعيد صلته بمحيطه أو ليهضم ما كان يفكر فيه، غير متأكد تمامًا منه، ويدرك أن الكرسي غير مريح، أن ظهره يؤلمه وساقيه تتصلبان، لذا يقف ويمدد ذراعيه للحظات ويهز قدميه الواحدة تلو الأخرى ثم ينحني ليلمـس أصابع من قدميه، الشيء الذي لم يكن قادرًا على فعله لعدة أعوام، لكن حتى إن لم تكن أطراف أصابعه قادرة على النزول إلى أبعد من مقدمة الساق، فإن المحاولة بذاتها تطور مريح من عدم الحركة أثناء الجلوس على الكرسي، لذا يتمدد وينحني مرة أخرى، ثم يكرر ذلك مرة أخيرة. في هذه الأثناء مرت السحابة ولم تعد الشمس محجوبة، لكن الضوء تغير إلى حد ما، تغييرًا طفيفًا لا يكاد يلحظ؛ ما أعطى الضوء كثافة أعمق وأشد وضوحًا، وبينما يتجول بومغارتنر في الفناء باحثًا عن كرسي أفضل ليجلس، مفترضًا وجود ذلك الكرسي، يدرك أن المساء المقبل قد اقترب بسرعة أكبر مما توقع، أن اللحظة ستأتي عما قريب حين تطل الشمس من زاوية أكثر حدة ويستحمل العالم الذي تشع عليه في جمال أخاذ لأشياء تشع وتتتنفس ثم تعتم تدريجيًا لتختفي في الظلام حين يحل الليل. في هذه الأثناء يجرب بومغارتنر كرسيًا آخر يثبت أنه أكثر إزعاجًا من الأول. يجرب آخر لكنه يرفضه أيضًا، ليعود عندئذ إلى الكرسي الأول الذي يتبين أنه أقل إزعاجًا مما تخيله، لذا يجلس عليه في جولة أخرى من التنفس البطيء المنتظم ويسأل نفسه إلى أين سيمضي بتفكيره في المرحلة التالية. تقفز أفكاره إلى صورة لوجه آنا، وجه آنا الممتلئ بالدموع وهي تمشي في غرفة الجلوس في بيت أمها لتخبره أن أمها توفيت للتو. بعد جلوسه إلى جانب سرير رعايتها المنزلية لاثنتي عشرة ساعة متواصلة، كان بومغارتنر قد ذهب إلى الصوفا في غرفة الجلوس ليأخذ قيلولة، لكن آنا، التي كانت قد أخذت قيلولة قبله، بقيت في غرفة النوم، وكانت من راقب أمها وهي تموت. سرطان البنكرياس. كانت ستة أشهر بالغت القسوة ضمر خلالها جسدها إلى حجم مخيف، وقد توفيت الآن في الثانية والستين. كانت قد بدأت حياة جديدة حين أصيبت بالسرطان، بعد أن باعت تجارتها على شارع ليونز عام 1966، بعد ثمانية عشر شهرًا من وفاة والدها وسنة واحدة قبل تحقق نبوءته حول نيوارك - على نحو أكثر قسوة وعنفًا مما تخيل حدوثه. كانت أمها حينئذ قد استقرت في بيت من طابقين في مونتكلير مع نعومي، نعومي العنيدة، المتخبطة، والبائسة غالبًا، التي بدأت مع ذلك تستقر إلى حد ما في سنتيها الأخيرتين من الثانوية، وقرب ذلك الوقت، من عام 1969 كما يظن، كان افتتاح محل "مدام روث" الذي تخصص بفساتين الزفاف المترفعة لبنات الأغنياء لكنها صنعت أيضًا مابس من أنواع أخرى للرجال والنساء، مع القيمة المضافة المتمثلة بعودة كوكـي وميري للعمل معها وبقائهما حتى حين وجدا زوجين وبدأتا بإنجاب الأطفال، لذا كانت كوكـي وميري غالبًا في البيت معهما أثناء الأسابيع الأخيرة من حياة أمها، مثلما كانت نعومي، التي كانت قد تزوجت حينئذ وأنجبت بنتًا عمرها سنة واحدة. توفيت أمها في سن صغيرة، قبل أن يتاح لها أن تكون عجوزًا.
ينحرف تفكيره من نهاية حياة أمه إلى بداية حياتها ويندفع باتجاه الماضي إلى السنين والقرون قبل ذلك، وفجأة يتذكر رحلته إلى أوكرانيا قبل عامين واليوم الذي أمضاه في البلدة التي وُلد فيها أبوه. كان قد دُعي للمشاركة في حلقة نقاش في المؤتمر السنوي لـ «منظمة الشعر الدولية» (PEN International) الذي كان يُعقد في مدينة لفيـف في تلك السنة، ولم يرغب فقط في المشاركة في حلقات النقاش ومقابلة ممثلي فروع منظمة الشعر القادمين من أنحاء العالم، فقد علم أنه سيكون هناك وقت كافٍ للخروج بعد ظهر أحد الأيام والسفر ساعتين إلى الجنوب لزيارة مدينة جده. حدثت له أشياء عجيبة أثناء تلك الزيارة، أشياء طالما أراد أن يكتب عنها مذ عاد إلى البيت ولكنه لم يفعل لأنه كان مشغولًا بكتابه، لكن الآن، وذكريات أمه تشتعل في ذهنه، فإنه ينهض فجأة من الكرسي، يسير عائدًا إلى المنزل، ويعود إلى غرفة العمل في الطابق الثاني التي تركها قبل ساعة ونصف. بإزاحة النسخ الأولية والتصحيحات والملاحظات المتعلقة بأسرار العجلة، فإنه يتوقف عن العمل على كتابه ويبدأ بكتابة وصف لرحلته إلى إيفانو-فرانكيفسك في 21 سبتمبر 2017. يعمل لعدة ساعات ولا يتوقف حتى تدعوه معدته لينزل للعشاء، ثم يواصل في اليوم التالي حتى وقت العشاء في ذلك المساء أيضًا. يبدو له أنه انتهى، لكن لكي يتأكد فإنه يعود في الصباح التالي ويمضي ثلاث ساعات يزيل الأخطاء الطباعية والزلات، محسنًا إيقاع النثر وواضعًا اللمسات الأخيرة على نصه القصير المحير.
ذئاب ستانيسلاف
هل من الضروري لحدوث أن يكون حقيقيًا لكي يُقبل على أنه حقيقي، أم أن الإيمان بحقيقة الحدث يجعله حقيقيًا، حتى إن كان الشيء الذي يُفترض أنه حدث لم يحدث؟ وماذا لو أنك على الرغم من محاولاتك أن تعرف إن كان الحدث تحقق أم لم يتحقق، وصلت إلى ما تعذر التحقق منه ولم تستطع أن تتأكد إن كانت القصة التي رواها لك أحدهم في شرفة مقهى في مدينة إيفانو-فرانكيفسك الأوكرانية الغربية استمدت من حدث تاريخي غير معروف على نطاق واسع ولكنه قابل للتحقق أو كان أسطورة ادعاءٍ أو إشاعة لا أساس لها انتقلت من أب إلى ابن؟ والأهم من ذلك: إن اتضح أن القصة مذهلة وقوية إلى حد أنك تفغر فاك وتشعر أنها غيرت أو زادت أو عمقت فهمك للعالم، هل يظل من المهم أن تكون حقيقية أو غير زائفة؟
قادني الظروف إلى أوكرانيا في سبتمبر 2017. كان العمل الذي جئت من أجله في مدينة لفيـف، لكني استفدت من يوم فرغت فيه لأسافر مدة ساعتين إلى الجنوب وأمضي فترة بعد الظهر في بلدة إيفانو-فرانكيفسك، حيث وُلد جدي لأمي في مطلع الثمانينيات من القرن التاسع عشر تقريبًا. لم يكن هناك مبرر للذهاب إلى هناك عدا حب الاستطلاع، أو ما أسميه جاذبية الحنين الزائف، لأنني في الحقيقة لم أعرف جدي وحتى الآن لا أكاد أعرف عنه شيئًا. توفي قبل ولادتي بسبعة وعشرين عامًا، رجل في الظل قادم من ماضٍ لم يُدون ولا يتذكره أحد، وحتى حين سافرت إلى المدينة التي تركها أواخر القرن التاسع عشر أو بداية العشرين، عرفت أن المكان الذي قضى فيه صباه ومراهقته لم يعد هو نفس المكان الذي سأقضي فيه فترة العصر. ومع ذلك أردت أن أذهب إلى هناك، وحين أعود بالنظر وأتأمل الأسباب التي جعلتني أرغب في ذلك، فقد تنحصر في حقيقة واحدة قابلة للإثبات: ستأخذني الرحلة عبر الأراضي الدموية من شرق أوروبا، منطقة الرعب المركزية في مذبح القرن العشرين، ولو أن الرجل-الظل المسؤول عن منح أمي اسمها لم يغادر ذلك الجزء من العالم حين فعل، فلم أكن لأولد.
ما عرفته قبل وصولي كان أن المدينة التي عمرها أربعمئة عام وتعرف بإيفانو-فرانكيفسك منذ 1962 (تكريمًا للشاعر الأوكراني إيفانو فرانكو) كانت تعرف بأسماء منها ستانسافو، ستانساف، ستانسافيف، حسب الدولة التي كانت تحكمها: بولندا، ألمانيا، أوكرانيا، أو الاتحاد السوفييتي. المدينة البولندية صارت مدينة هابسبورغية، والمدينة الهابسبورغية صارت نمساوية-هنغارية، والمدينـة النمساوية-الهنغارية صارت روسية في العامين الأولين من الحرب العالمية الأولى، ثم نمساوية-هنغارية، ثم أوكرانية لمدة قصيرة بعد الحرب، ثم مدينة بولندية، ثم سوفييتية (من سبتمبر 1939 حتى 1941)، ثم مدينة تحت السيطرة الألمانية (حتى يوليو 1944)، ثم مدينة سوفييتية، والآن، بعد انهيار الاتحاد السوفييتي عام (1991)، مدينة أوكرانية. عند ولادة جدي، كان عدد السكان 8,0001، وفي 1900 (التاريخ التقريبي لمغادرته) كان هناك 26,000 من السكان يعيشون هناك، أكثر من نصفهم يهود. عند زيارتي، كان السكان قد ازدادوا ليبلغوا 230,000، لكن أثناء سنوات الاحتلال النازي كان العدد ما بين ثمانين وخمسة وتسعين ألفًا، نصفهم من اليهود، والنصف الآخر من غير اليهود، وما كنت أعرفه عندئذٍ ولعدة عقود هو أنه بعد الغزو الألماني في صيف (1941) جُمِع عشرة آلاف يهودي وأُطلقت عليهم النار في المقبرة اليهودية في ذلك الخريف وفي ديسمبر اقتيد المتبقون من اليهود إلى غيتو كان عشرة آلاف يهودي قد أرسلوا منه إلى معسكر البلزك للموت في بولندا، وعندئذ، قام الألمان بتسيير المتبقين من يهود ستانساف نحو الأحراش المحيطة بالمدينة وأطلقوا النار عليهم، أطلقوا، وأطلقوا حتى لم يبق يهودي واحد - عشرت الآلاف من الناس قتلوا برصاصة خلف الرأس ثم دفنوا في الحفر العامة التي كانت قد حفرها من سبقهم من القتلى قبل قتلهم.
تولت امرأة لطيفة التقيتها في لفيـف تنظيم رحلة لي، ولأنها كانت قد وُلدت وتربت في إيفانو-فرانكيفسك ولا تزال تعيش هناك، فقد كانت تعرف أين يذهب المرء وماذا يشاهد بل إنها كلفت نفسها إحضار شخص يأخذنا بالسيارة إلى هناك. كان السائق شابًا متهورًا لا يخشى الموت، فانطلق بنا عبر طريق ذي مسارين كما لو كان في مسابقة للحصول على وظيفة سائق سيارة سباق في أحد الأفلام، داخلًا بهدوء في مخاطرات غير محسوبة لتجاوز كل سيارة أمامنا منحرفًا نحو المسار الآخر حتى أثناء إقبال سيارة على المسار المعاكس، وقد شعرت لأكثر من مرة أثناء تلك الرحلة أن فترة بعد الظهر المملة والغائمة في أول يوم من أيام خريف 2007 ستكون آخر أيام لي على الأرض، وأي مفارقة ستكون، قلت لنفسي، ومع ذلك لكم هي مناسبة بصورة مرعبة، أن آتي كل هذه المسافة لزيارة المدينة التي تركها جدي منذ أكثر من قرن مضى فقط لكي أموت قبل الوصول إليها.
كانت حركة المرور لحسن الحظ خفيفة، خليط من سيارات سريعة وشاحنات بطيئة وفي إحدى اللحظات نزلت إلى الطريق عربة يجرها حصان تتحرك بعشر سرعة أكثر السيارات بطئًا. نساء بدينات، كثيفات السيقان ربطن على رؤوسهن مناديل كن يمشين بصعوبة على جانب الطريق وهن يحملن أكياسًا من الباستك مملوءة بما اشترين من البقالة. باستثناء أكياس الباستك كان من الممكن اعتبارهن نساء عاشن قبل مئتي عام، نساء فاحات من شرق أوروبا محاصرات في ماضٍ قديم وصامد إلى درجة أنه استمر إلى القرن الحادي والعشرين. اجتزنا أطراف العشرات من البلدات الصغيرة بينما امتدت حقول حصدت مؤخرًا على جانب الطريق، لكن في ذلك المكان، نحو ثلثي الطريق، اضمحل المشهد الريفي في منطقة لا هوية لها من الصناعة الثقيلة، المثال الأكثر إدهاشًا من بينها كان محطة توليد الكهرباء الهائلة التي نهضت فجأة أمامنا من الجهة اليسرى. إن لم أخطئ في فهم ما قالت تلك المرأة اللطيفة في السيارة، كانت تلك المحطة المرعبة تمد ألمانيا ودولًا أخرى في غرب أوروبا بمعظم ما تحتاج إليه من الكهرباء. تلك هي الحقائق المتناقضة في تلك الدولة المواجهة ذات الثمانمئة ميل عرضًا والمحتجزة في ميادين القتل بين الشرق والغرب، فحتى حين تقوم أوكرانيا بتغذية أحد الجانبين بعصير الكهرباء ليضيئوا مصابيحهم ويبقوا الأشياء تعمل، فإنها في الجانب الآخر تمضي في إراقة الدماء للدفاع عن أراضيها المنكمشة والمتصارع عليها.
اتضح أن إيفانو-فرانكيفسك مكان جذاب، مدينة لا تشبه المدينة المتهالكة التي تصورته. كانت السحب قد تبددت قبل وصولنا بدقائق، ومع إشراقة الشمس وحركة العشرات من الناس يمشون في الشوارع والساحات العامة، أعجبني مستوى النظافة والنظام في المدينة، فهي ليست مكانًا ريفيًا متخلفًا عالقًا في الماضي وإنما هي مدينة صغيرة معاصرة فيها المكتبات التجارية، والمسارح، والمطاعم، ومزيج مبتهج للجديد والقديم من العمارة، القديم الذي ظل متمثلًا في بنايات تعود إلى القرنين السابع عشر والثامن عشر صممها المؤسسون البولنديون وغزاتهم من الهابسبرغ. كان بإمكاني أن أكتفي بالتجول لساعتين أو ثلاث ثم أعود، لكن المرأة اللطيفة التي نظمت الزيارة أدركت أن هدفي من الذهاب إلى هناك كان له صلة بجدي ولأن جدي كان يهوديًا، خطر لها أنه قد يكون من الأفضل لي أن أتحدث إلى الحاخام الوحيد الباقي في المدينة، القائد الروحي لآخر كنيس موجود في إيفانو-فرانكيفسك - الذي اتضح أنه مبنى قوي وذو تصميم جميل يعود إلى الحرب العالمية الثانية ليس فيه سوى تلف محدود وأُصلح منذ أمد بعيد. لا أتذكر كيف كانت ردة فعلي لكني لم أعترض على الحديث إلى الحاخامالوحيد الباقي في المدينة، القائد الروحي لآخر كنيس موجود في إيفانو-فرانكيفسك - الذي اتضح أنه مبنى قوي وذو تصميم جميل يعود إلى الحرب العالمية الثانية ليس فيه سوى تلف محدود وأصلح منذ أمد بعيد. لا أتذكر كيف كانت ردة فعلي لكني لم أعترض على التحــدث إلى الحاخام، بما أنه على الأرجح الشخص الوحيد الباقي فوق الأرض وفي أي مكان من العالم الذي من المحتمل -فقط محتمل- أنه قادر على إخباري شيئًا عن أسرتي، أولئك الحشد من الأساف المتوارين الذين تشتتوا وماتوا ثم اختفوا نهائيًّا من الخريطة، ذلك أنه من شبه المؤكد أن سجلاتهم دمرت بفعل قنبلة حريق أو توقيع بيروقراطي شديد الحماسة في وقت ما خلال الأعوام المئة الماضية. التحدث مع الحاخام سيكون مهمة لا فائدة فيها، كما تبين لي، ناتج فائض للحنين المزيف إلى الماضي الذي أتى بي إلى المدينة في المقام الأول، لكن ها أنا ذا في ذلك اليوم، ذلك اليوم فقط، لا أدري إن كنت سأعود مرة أخرى، وما الضرر الذي سيحدث من طرح بعض الأسئلة وترقب إجابة ما عنها؟
لم تكن هناك أي إجابات. الحاخام الملتزم والملتحي رحب بي في مكتبه، لكن لم تكن لديه أية معلومات غير التي كنت أعرف -أن أوستر كان اسمًا شائعًا بين يهود ستانساف فقط- ثم الاستطراد الموجز إلى حكاية من الحرب حول امرأة اسمها أوستر أفلتت من الأسر الألماني بالاختباء في حفرة حيث كانت مريضة عقليًّا، وظلت شخصًا مجنونًا بقية حياتها. كان رجلاً مرتبكًا، كثير الحركة، يدخن باستمرار، طوال حديثنا، سجائر بالغة النحافة، ثم يطفئها بعد نفخات قليلة ليسحب غيرها من كيس بلاستيكي على مكتبه؛ لم يكن لطيفًا ولا غير لطيف، كان مشدوهًا فقط، رجلاً يفكر في أمور أخرى، وحسب قدرتي على التقدير، كان مهمومًا بمشاغله الخاصة لكي يبدي اهتمامًا بزائره الأمريكي أو المرأة التي رتبت للقاء. حسب أكثر التقديرات لم يعد هناك أكثر من مئتين إلى ثلاثمئة يهودي يعيشون في إيفانو-فرانكيفسك في الوقت الحالي. ليس واضحًا كم عدد الملتزمين بدينهم أو يحضرون طقوس الكنيس، لكن حسب ما شاهدت قبل ساعة من لقاء الحاخام، بدا لي أنه ليست أكثر من نسبة ضئيلة من ذلك العدد المتقلص يشاركون فعلاً. المصادفة المحضة جعلت زيارتي تتوافق مع «روش هاشناه»، أحد أكثر الأيام قداسة على التقويم الطقوسي، ولم يحضر سوى خمسة عشر شخصًا في المذبح الآمن ليستمعوا إلى صوت «الشوفار» (بوق المعبد) الذي يرحب بالسنة الجديدة، ثلاثة عشر رجلاً وامرأتان. على عكس من يقابلهم في أوروبا الغربية وأمريكا في مناسبات كهذه، لم يلبس الرجال بذلات سوداء وربطات عنق وإنما سترات واقية وغطوا رؤوسهم بقبعات بيسبول حمراء وصفراء.
عدنا إلى الخارج وتجولنا في المنطقة لمدة ساعة، ساعة ونصف، وربما أطول. كانت المرأة اللطيفة قد هيأت لي أن أتحدث مع شخص آخر عند الرابعة، شاعر من إيفانو-فرانكيفسك كان فيما يبدو قد أمضى سنوات من الانكباب على تاريخ المدينة، لكن كان الوقت يسمح الآن باستكشاف بعض الأماكن التي لم نزرها مسبقًا، ولهذا مضينا في تجوالنا حتى غطينا جزءًا كبيرًا من المدينة. كانت الشمس قد بلغت الاشتعال، وفي ذلك الضوء السبتمبري الجميل وجدنا أنفسنا في ساحة كبيرة مفتوحة واقفين أمام كنيسة القيامة المقدسة، وهي كاتدرائية على الطراز الباروكي تعود إلى القرن الثامن عشر وتعد أجمل مبنى من عهد الهابسبيرغ في السنوات التي كانت إيفانو-فرانكيفسك تسمى ستانسلاو.
كما هي حال الكنائس والكاتدرائيات الأخرى الجميلة التي زرتها في مدن وبلدات أوروبا الغربية، افترضت أنه خالٍ في المجمل حين دخلنا، فلم يكن هناك أحد حولنا ما عدا بعض السياح العابِرين وكاميراتهم. كنت مخطئًا. لم تكن هذه أوروبا الغربية في نهاية الأمر، كانت الطرف الغربي الأقصى مما كان يسمى الاتحاد السوفييتي، مدينة واقعة في ولاية غاليسيا على الحد الشرقي الأقصى من الإمبراطورية النمساوية-الهنغارية السابقة، والكنيسة، التي لم تكن كاثوليكية رومانية أو أرثوذوكسية روسية وإنما كاثوليكية يونانية، كانت محتشدة بالناس الذين لم يكن كلهم سياحًا أو دارسين للعمارة الباروكية وإنما مواطنين محليين جاؤوا للصلاة أو ليفكروا أو يتحدثوا مع أنفسهم أو مع الإله في ذلك الفضاء الحجري بينما ضوء سبتمبر يصب عبر الشبابيك المصنوعة من الزجاج المعشَّق. كان هناك ما يقارب المئتين منهم، وما أدهشني بصفة خاصة حول ذلك الحشد الكبير الصامت كان عدد الشبان بينهم، نحو نصف المجموعة، رجالًا ونساءً في أوائل العشرينيات يجلسون على المقاعد الخشبية الطويلة ورؤوسهم منحنية أو على ركبهم وأيديهم مقبوضة ورؤوسهم مرفوعة وأعينهم مثبتة على الضوء المتدفق عبر شبابيك الزجاج المعشَّق. بعد ظهر يوم عادي من أيام الأسبوع، لا يميزه شيء عن أي يوم آخر ما عدا أن الطقس كان ممتعًا بصورة استثنائية، في ذلك العصر المشع كانت كنيسة القيامة المقدسة مملوءة بالشبان الذين لم يكونوا يعملون أو جالسين في المقاهي الخارجية وإنما راكعين على الأرضية الحجرية بأيدهم متشابكة ورؤوسهم مرفوعة في وضع صلاة. في البدء الحاخام الذي لا يتوقف عن التدخين، ثم قبعات البيسبول الحمراء والصفراء، والآن هذا.
وبعد هذا، أي الذي جاء تاليًا للذي سبقه، كان من المعقول جدًا بالنسبة إليّ أن يتبين أنه شاعر بوذي. لا، لم يكن أحد أولئك الذين اعتنقوا مذهب "العصر الجديد" ممن قرؤوا كتابين حول "الزن" وإنما هو ممارس لمدة طويلة وعاد للتو من إقامة لمدة أربعة أشهر في دير بنبال، رجل جاد. وأيضًا شاعر، وكذلك دارس للمدينة التي وُلِد فيها جدي. كان رجلًا ضخمًا، كبير الحجم بيدين كبيرتين وشخصية لطيفة، نافذ البصيرة، شخص حكيم بلباس أوروبي، أشار إلى أن التزامه بالبوذية أمر عابر، وهو ما رأيته مشجعًا لذا وثقت به وشعرت أنه يمكنني الاعتماد عليه في قول الحقيقة. حدث اللقاء منذ عامين فقط، لكن الغريب في أمر لقائنا أنه حتى بعد ذلك الوقت القصير ومع أنني فكرت فيه كل يوم تقريبًا منذ ذلك الحين، فإنني لا أستطيع تذكر شيء واحد قاله لي عن المدينة قبل أن يشير إلى الذئاب. ما إن بدأ يروي القصة تبخر كل شيء آخر.
كنا نجلس على شرفة مقهى ننظر إلى الساحة الكبيرة في المدينة، مركز الحركة في ستانساف - إيفانو - فرانكيفسك، فضاء واسع مغمور بضوء الشمس مع سيارات وأعداد غفيرة من الناس يمشون من هنا إلى هناك في كل الاتجاهات، وليس منهم من يستدير كما أذكر، لا شيء سوى كيان ضخم من الأجساد تمر أمامي بينما أستمع إلى الشاعر يروي القصة. كنا قد انطلقنا من حقيقة مفادها أنني على علم بما حدث للنصف اليهودي من السكان ما بين 1941 و 1943، لكن حين زحف الجيش الروسي للسيطرة على المدينة في يوليو 1944، كما قال، بعد ستة أسابيع فقط من غزو الحلفاء لنورماندي، فإن الألمان لم ينسحبوا فحسب وإنما كان النصف الثاني من السكان قد اختفى أيضًا. هربوا جميعًا كل في اتجاه، شرق وغرب، شمال وجنوب، ما يعني أن السوفييت اقتحموا مدينة خالية، منطقة من لا شيء. كان السكان قد تفرقوا مع الرياح الأربعة، وبدلًا من السكان جاءت الذئاب لتقيم، مئات الذئاب، مئات فوق مئات من الذئاب.
مرعب، قلت في نفسي، مرعب إلى حد أن في ذلك من الرعب ما في أكثر الأحلام رعبًا، وفجأة، كما لو أنني صحوت من حلم، تدفقت عليَّ قصيدة لغورغ تراكل (الجبهة الشرقية) التي كنت قرأتها قبل خمسين عامًا، وأعدت قراءتها مرة تلو الأخرى حتى حفظتها عن ظهر قلب وأعدت ترجمتها لنفسي، قصيدة الحرب العالمية الأولى من العام 1914 التي كتبت حول غوديك، وهي مدينة غاليسية ليست بعيدة عن ستانسلاو وتنتهي بهذا المقطع:
أحراش مكدسة بالأشواك تسوّر المدينة
ومن درج مدمى قمر
يطارد النساء المرعوبات.
ذئاب متوحشة اقتحمت البوابات.
تساءلت: كيف عرف ذلك؟
أبوه، كما قال لي، أبوه هو الذي روى له القصة عدة مرات، وبعد ذلك استمر يشرح أن أباه كان شابًا صغيرًا عام 1944، لم يكد يبلغ العشرين، وبعد سيطرة السوفييت على ستانسلاف، التي ستعرف منذ ذلك الحين بستانسلاف، انتظم في وحدة من الجيش مهمتها القضاء على الذئاب. استغرقت المهمة عدة أسابيع، كما قال، أو ربما عدة أشهر، لا أتذكر، وما إن صارت ستانسلاو صالحة للسكن البشري مرة أخرى، ملأ السوفييت المدينة بالأفراد العسكريين وعائلاتهم.
نظرت إلى الساحة التي أمامي وحاولت أن أتخيلها في صيف 1944، الناس جميعًا يسيرون حولها كل في مهمته من مكان إلى آخر ثم يختفون فجأة، امتصوا من المشهد، وعندئذٍ بدأت أرى الذئاب، عشرات من الذئاب تتبختر عبر الساحة، تتحرك في مجموعات صغيرة وهي تبحث عن الطعام في مدينة مهجورة. قلت لنفسي إن الذئاب هي نقطة النهاية في الكابوس، النتيجة الختامية للغباء الذي يؤدي إلى ما تخلفه الحروب من دمار، في هذه الحالة اليهود الذين قتلوا في تلك الأراضي الشرقية مع العدد الذي لا يحصى من المدنيين والجنود من ديانات أخرى أو من غير دين، وبمجرد انتهاء المذبحة تعود الذئاب مندفعًا عبر بوابات المدينة. ليست الذئاب مجرد رموز للحرب. إنها ما تفرخه الحرب وما تجلبه الحرب إلى الأرض.
لم يكن لدي شك في أن الشاعر كان يعتقد أنه كان يقول لي الحقيقة. كانت الذئاب حقيقية بالنسبة إليه، ولأنني لاحظت هدوء القناعة في صوته وهو يروي القصة، تقبلتها أنا نفسي على أنها حقيقية. إنه يقر بأنه لم ير الذئاب بعينيه، لكن أباه رآها، وما السبب الذي يجعل أبا يروي لابنه قصة كهذه إن لم تكن حقيقية؟ لم يكن ليفعل، قلت لنفسي، وحين غادرت إيفانو-فرانكيفسك في نهاية عصر ذلك اليوم، كنت مقتنعًا أنه لفترة قصيرة بعد انتزاع الروس السيطرة على ستانسلاو من الألمان، كانت الذئاب تحكم المدينة.
في الأسابيع والأشهر التي تلت، فعلت ما أستطيع لاستقصاء الموضوع بصورة أدق. تحدثت إلى صديق كان على صلة بمؤرخين في جامعة لفييف (التي كانت تعرف بأسماء مختلفة هي لفوف، ولواو، ولمبرغ)، وبصورة خاصة امرأة تخصصت بتاريخ المنطقة، لكنها قالت إنها لم تجد في أبحاثها السابقة أي أثر يشير إلى ذئاب ستانسلاو، وحين بحثت في الأمر بإمعان أكبر، لم تجد أي دليل على القصة التي رواها الشاعر. ما اكتشفته، على أي حال، كان قصيرًا يوثق سيطرة الجنود السوفييت على المدينة في 27 يوليو 1944، وحين أرسل إليَّ فيديو يضم ذلك الفيلم استطعت أن أراه بنفسي وأنا جالس على نفس الكرسي الذي أجلس عليه الآن.
تسير فرقة مؤلفة من خمسين أو مئة جندي بترتيب منضبط نحو ستانسلاف بينما تتعالى أصوات الترحيب بهم من حشد من المواطنين الذين تغذوا جيدًا ولبسوا ملابس أنيقة. ثم يتكرر المشهد من زاوية مختلفة قليلاً، تظهر الخمسين أو المئة جندي أنفسهم والحشد ذا الغذاء الجيد واللباس الأنيق. ينتقل الفيلم عندئذ إلى صورة لجسر منهار، ثم يعود، قبل زحفه البطيء نحو النهاية، إلى اللقطة التي انطلق منها للجنود والجمهور المرحب. قد يكون الجنود حقيقيين، لكن في هذه الحالة طلب منهم أن يلعبوا دور الجنود، مثلما كان الممثلون يؤدون أدوارهم في فيلم دعائي مجتزأ وكتب على نحو رديء قصد منه الإيحاء من طيبة وشجاعة الاتحاد السوفييتي.
لا حاجة إلى القول إن الفيلم لا يظهر ذئبًا واحدًا.
الأمر الذي يعيدنا إلى الموضع الذي بدأت منه والسؤال الذي لا إجابة له: ماذا ستصدق حين لا تكون متأكدًا من أن واقعة مفترضة حقيقية أو لا؟
في غياب أي معلومات تؤكد أو تنفي صحة القصة التي أخبرني، أفضل أن أصدق الشاعر. وسواء أكانت الذئاب موجودة أم كانت غير موجودة فإنني أختار أن أصدق بأنها كانت موجودة.
