القائمة الرئيسية

رواية بومغارتنر (5/3)

رواية بومغارتنر (5/3)
ملخص المقال

رواية بومغارتنر للكاتب بول أوستر هي عمل أدبي عميق يتناول الحياة الداخلية لشخصية بومغارتنر، أستاذ فلسفة يهودي أمريكي يعيش في عزلة بعد وفاة زوجته. من خلال يومياته وتفاصيل حياته العادية، يستعرض أوستر مواضيع الفقدان، الوحدة، والبحث عن معنى الحياة.

ملخص: في الفصل الثالث، تتعمق الرواية في حياة بومغارتنر العاطفية والعائلية، حيث تظهر علاقته بزوجته الراحلة آنّا بشكل أعمق من خلال ذكرياته ومشاعره المستمرة تجاهها. يستعرض الفصل انعكاسات حزنه، وتأثير فقدانها على يومياته، خاصة من خلال محاولاته لملء الفراغ الذي تركته في حياته. يتميز السرد بلمحات من تأملات فلسفية عن الحب، الفقدان، والغربة في مجتمع معقد .

بعـد أن يحلـم بومغارتنـر ذلـك الحلـم يبـدأ شـيء مـا يتغيـر فيـه .يـدرك تمامًـا أن ذلـك الهاتـف لـم يـرن، أنـه لـم يسـمع صـوت آنـا، أن الأمـوات لا يسـتمرون فـي وضـع مـن اللاوجـود المحسـوس، ومـع ذلـك فمهمـا كانـت محتويـات ذلـك الحلـم غيـر حقيقيـة، فقـد عاشـها كمـا لـو كانـت حقيقيـة، والأشـياء التـي عاشـها فـي نومـه تلـك الليلـة لـم تغــادر أفــكاره كمــا تغــادر معظــم الأحــلام. مــرت ســتة أيــام منذئــذٍ. وعلــى الرغــم مــن قصــر تلــك المــدة فــإن بومغارتنــر يشــعر كمــا لــو أنـه ألقـي بـه فـي فضـاء داخلـي جديـد وأن ظـروف حياتـه تغيـرت .لـم يعـد محاصـرًا فـي غرفـة تحـت الأرض لا نوافـذ فيهـا ولكنـه فـي مـكان مـا فـوق الأرض، قـد يكـون لا يـزال عالقًـا فـي غرفـة، لكـن لهـذه الغرفـة علـى الأقـل شـباكًا لـه قضبـان أعلـى الجـدار الخارجـي، مـا يعنـي أن الضـوء يتدفـق داخلهـا أثنـاء النهـار، ولـو تمـدد علـى الأرض ووضــع رأســه فــي الزاويــة الصحيحــة، ســيمكنه النظــر إلــى أعلــى ويــدرس الســحب وهــي تطفــو فــي الســماء متجــاوزة إيـاه. تلــك هــي قـوة المخيلـة، يقـول لنفسـه. أو ببسـاطة شـديدة هـي قـوة الأحـلام .بنفـس الطريقـة التـي يمكـن بهـا للشـخص أن يتحـول بفعـل الأحـداث المتخيلـة التـي ترويهـا حكايـة، فقـد تحـول بومغارتنـر بفعـل الحكايـة التـي حكاهـا لنفسـه فـي الحلـم. ولـو أن الغرفـة التـي بـلا نافـذة الآن صــارت بهــا نافــذة، فمــن يــدري لــو أنــه ذات يــوم ليــس بعيــدًا جــدًااختفـت القضبـان واسـتطاع أن يزحـف إلـى الفضـاء المفتـوح .

مــن غيــر المعقــول أن يظــن أن أفــكاره هــي التــي تمكــن آنــا مــن البقـاء فـي صـورة غيـر متجسـدة، صـورة أثيريـة فـي العالـم الأخـروي ،أن محافظتـه علـى بقائـه حيًـا علـى الأرض سـمح لهـا بالاسـتمرار فـي التواصــل معــه مــن مكانهــا الــدون ذرّي فــي التيــه العظيــم، لكــن إذا أخـذ فـي الاعتبـار أنـه كان مؤلـف تلـك السـخافات هـو نفسـه، فإنـه لا يسـتطيع أن يتجاهلهـا بسـهولة أو يتظاهـر أنهـا لـم تمنحـه بعـض الراحـة الروحيـة، ذلـك أن الحقيقـة هـي أنـه لـم ينقطـع عـن التواصـل مـع آنـا منـذ اليـوم الـذي غرقـت فيـه، وإذا كان الآن قـد اصطنـع عالمًـا بديـاً يمكنهـا فيـه أن تعتقـد أنـه يفكـر فيهـا، فمـن يسـتطيع القـول إن لا حقيقـة فـي ذلـك؟ ليسـت حقيقـة علميـة، ربمـا، ليسـت حقيقـة يمكــن إثباتهــا، لكنهــا حقيقــة عاطفيــة، الحقيقــة الأهــم فــي نهايــة الأمـر - مـا يشـعر بـه هـذا الرجـل، وكيـف يشـعر تجـاه تلـك المشـاعر .إن س. ت. بومغارتنــر، المؤلــف المشــهور لتســعة كتــب والعديــد مــن الأعمـال الأقصـر حـول مسـائل فلسـفية وجماليـة وسياسـية، عضـو هيئـة التدريـس المحبـوب فـي برنسـتون علـى مـدى الأربـع والثلاثيـن عامًـا القادمـة، الظاهراتـي المسـن الـذي أمضـى حياتـه فـي العالـم المحســوس، المســافر الوحيــد الــذي يخــوض حتــى المنتصــف فــي المســتنقعات الأنطولوجيــة الغامضــة مــن الإدراك الإنســاني، وجــد الديـن أخيـرًا. أو مـا يمكـن أن يسـمى دينًـا فـي رجـل لا ينتمـي إلـى ديـن ولا يؤمـن بشـيء مـا عـدا الالتـزام بطـرح أسـئلة جيـدة حـول معنى أن يكـون المـرء حيًـا، حتـى إن علـم أنـه لـن يصـل أبـدًا إلـى إجابـة.

بعــد ســتة أيــام تختفــي قضبــان الشــباك. قبــل أن يــدرك كيــف يمكنـه الصعـود وتمريـر جسـده عبـر الفتحـة تختفـي جـدران الغرفـة أيضًــا، ويجــد نفســه واقفًــا فــي العــراء. إنــه فــي مــرج فــي مــكان مــا وســط الريــف، بــلا منــازل أو أعمــدة هاتــف أو أي آثــار للوجــود البشــري حولــه. يحيــط بــه عشــب يغطــي قدميــه مــن كل الجهــات ،والسـماء الرماديـة فوقـه مملـوءة بسـحب متراكمـة تـزداد سـوادًا. ينـذر

المطـر بالهطـول خـلال دقائـق. يدخـل يديـه فـي جيبـه ويبـدأ السـير .هكـذا يعيـد بومغارتنـر إذًا اكتشـاف متـع التحـرك الحسـية التـي تبعـث النشـاط، ذلـك الفعـل البسـيط المتمثـل فـي وضـع قـدم أمـام أخــرى والاندفــاع عبــر الفضــاء، بينمــا جســمه متــوازن فــي الإيقــاع المتسـق مـع نبضـات قلبـه، مـع رئتيـه فـي التمـدد والانقبـاض، وحركـة الرجليــن مــن اليســار لليميــن ومــن اليميــن لليســار، ومــا إن يبــدأ بالخطـو فـي الأيـام التاليـة، يشـعر بثقـة ذاتيـة تتعاظـم وهـو يواصـل التجـوال فـي المـرج الداخلـي الممتـد أمامـه. لا يهـم إن كانـت خطوتـه أبطـأ ممـا كانـت عليـه فـي الماضـي، ولا يهـم إن بللـه المطـر أحيانًـا أو سـفعته الريـح القاسـية بحدتهـا وهـي تهـب مـن الشـرق، فهـو منتصـب ومندفـع، والآن وقـد انسـجمت إيقاعـات قلبـه ورئتيـه وسـاقيه لتحملـه قدمًـا للرحلـة الطويلـة، فـإن ذلـك يعنـي أن بومغارتنـر قـد حقـق فـي الوقـت نفسـه وضوحًـا ذهنيًـا، وحسًـا مسـتقويًا حيـال مسـتقبله بالقدر الـذي يجعلـه يـدرك الآن أن عليـه تفعيـل ذلـك المسـتقبل - وإلا. إنـه فـي السـبعين مـن عمـره وقـد انتهـى زمـن التـردد .

أحـد الأمـور التـي تتضـح لـه هـي أن التقاعـد قـد حـان. سينسـحب مــن مهــام التدريــس ويضــع نفســه فــي الوضــع المهيــب وإن كان بــا معنـى، أي أن يكـون أسـتاذًا متقاعـدًا متخليًـا عـن وظيفتـه فـي القسـم لدمـاء جديـدة مـن الجيـل القـادم. سـيضع نفسـه فـي نـوع مـن التيـه لكـن ليـس النفـي التـام، لأنه سيسـمح لـه بالاحتفاظ بعلاقتـه بالجامعة بحقـوق كاملـة فـي اسـتخدام المكتبـة والاسـتمرار فـي اسـتخدام بريـد برنســتون الإلكترونــي الخــاص بــه. صداقاتــه العديــدة مــع زملائــه مــن الأقســام المختلفــة ستســتمر كالســابق، وسيســتمر فــي حضــور المحاضــرات،  والمناقشــات،  والاجتماعــات غيــر الرســمية حيــن يتحمـس لحضورهـا، لكـن كل الجوانـب الثقيلـة مـن عملـه سـتختفي فجـأة وسـيرتاح منهـا: لا اجتماعـات مزعجـة للجـان، ولا جـدالَ مـع الطــلاب حــول علاماتهــم، ولا ســخفًا بيروقراطيًّــا. بتعبيــر آخــر ،ســتكون حيــاة مســتقلة وغيــر مقيــدة - بدخــل شــهري مــن التقاعــد مسـاوٍ تقريبًـا إن لـم يفـق الراتـب الـذي كان يتقاضـاه أثنـاء الوظيفـة .كتـاب جديـد أخـذ فـي التشـكل علـى مـدى الأشـهر الأخيـرة، مشـروع خيالـي وغريـب لا يشـبه أي شـيء حاولـه فـي الماضـي، خطـاب شـبه كوميـدي، شـبه متخيـل، حـول الـذات فـي علاقتهـا بالـذوات الأخـرى عنوانـه أسـرار العجلـة، ويريـد أن يكـرس لـه كل مـا يمكنـه مـن الوقـت ،فالوقـت صـار أساسـيًا الآن ولا يـدري كـم تبقـى لـه منـه الآن. ليـس فقـط كـم سـنة تبقـت قبـل أن تصـل النهايـة، وإنمـا كـم سـنة تبقـت مـن الحيــاة النشــطة المنتجــة قبــل أن يبــدأ ذهنــه أو جســده أو كلاهمــا بالضعـف ويتحـول إلـى عاجـز معـاق ومثقـل بالألـم، لا يسـتطيع القراءة أو التفكيـر أو الكتابـة، أو أن يتذكـر مـا قالـه لـه أحـد قبـل أربـع ثـوانٍ، أو أن يفقـد القـدرة علـى اسـتنهاضه، وهـو رعـب لا يـود أن يتخيلـه .خمسـة أعـوام؟ عشـرة؟ خمسـة عشـر عامًـا؟ الأيـام والأشـهر تعبـره بسـرعة أكبـر الآن، ومهمـا يكـن الوقـت المتبقـي لـه سـيمرق فـي لمـح البصــر. كــم ســيكون بائسًــا أن يئــن تحــت وطــأة القيــد الأكاديمــي ،منكبًـا علـى مكتبـه يـدون تعليقـات علـى هوامـش بحـث آخـر لطالـب آخــر. لا، يجــب ألا يحــدث ذلــك، وحيــن تأتــي النهايــة، فليتــه يمُنــح علـى الأقـل مـن الكرامـة مـا يجعـل قلبـه يتوقـف وهـو يدفـع بجملـة أخيـرة، لعلهـا تكـون الكلمـات الأخيـرة مـن «تبًـا لكـم» عاليـة يوجههـا إلـى المجانيـن المتعطشـين للسـلطة، أولئـك الذيـن يحكمـون العالـم .أو، ربمــا أفضــل مــن ذلــك، أن يتخلــى عــن الشــبح أثنــاء مشــيه فــي الشـارع متجهًـا إلـى موعـد فـي منتصـف الليـل مـع المـرأة التـي يحـب .اسـمها جـودث، وهـذا هـو الأمـر القـادم الـذي قـرر بومغارتنـر أن يوليــه اهتمامــه حــالًا - هــذا الأســبوع، هــذه اللحظــة، الآن. أخيــرًا جعـل الحلـم هـذا ممكنًـا، بعـد عاميـن ،بعـد التخلـص المفاجـئ مـن سـيطرة آنـا عليـه، بعـد عقـد مـن التعذيب الذاتــي الــذي حــال بينــه وبيــن الوقــوع الكلــي فــي أحــد الارتباطــات التــي ائتلفــت بينــه وبيــن الأرامــل والمطلقــات  فـي السـنوات الفاصلـة مـا بيـن آنـا وجـودث. لكـن هـذه المــرة مختلفــة. هــو مهيــأ هــذه المـرة لمحاولـة زواج، إن قبلتـه طبعًـا، وهـو أمـر لا يمكـن الجـزم بـه لكنـه يبـدو أكثـر احتمـالًا - كمـا يأمـل .

الآن جـودث، لكـن فقـط لأن الحلـم قـاده إلـى منعطـف جديـد فـي علاقتـه بطيـف آنـا، مـا مكنـه مـن أن يعـود إلـى غـرف الماضـي دون خـوف مـن أن يعْلـق فيهـا مـرة أخـرى. وبمـا أنـه عـاد الآن لزيـارة تلـك الغـرف وخـرج منهـا مـرة أخـرى، فهـو مسـتعد لتكريـس قـواه بالكامـل للوقـت الحالـي، أي لجـودث، مـا يعنـي أيضًـا أن الحاضـر الـذي يفكـر فيــه بومغارتنــر ســيصير مســتقبلاً بالضــرورة – طالمــا أن الإجابــة هـي نعـم وليسـت لا.

لأنــه توقــع هــذه اللحظــة، هــذه «الآن»، أمضــى معظــم الأســابيع الثلاثــة الماضيــة غارقًــا فــي عالــم الــ «عندئــذٍ»، يتأمــل، يتذكــر ،ويتجـول بيـن الأربعيـن عامًـا مـا بيـن لمحتـه الأولـى لآنـا حيـن كانـت فتـاة فـي الثامنـة عشـرة ولمحتـه الأخيـرة لهـا وهـي امـرأة فـي الثامنـة والخمســين ميتــة علــى الشــاطئ. الغريــب أنــه لــم يشــعر بالوحــدة .كانــت آنــا إلــى جانبــه، وطــوال الرحلــة كانــا يســيران معًــا، يتحدثــان معًـا، يسـتمع كل منهمـا إلـى الآخـر ويتحـدث إليـه بينمـا همـا يتمشـيان داخـل الغـرف وخارجهـا وفـي الممـرات السـفلية مـن قصـر الذاكـرة ،الممـرات المضـاءة إضـاءة خفيفـة، يعـودان إلـى مئـات الأشـياء الكبيـرة والصغيــرة التــي حدثــت لهمــا طــوال تلــك الأربعيــن عامًــا. لا حاجــة إلــى القــول إنهــا لــم تكــن معــه جســديًا ولكنــه مــن خــال رســائلها ومخطوطاتهـا للمـرة الأولـى، منـذ مـدة لا يعلمهـا إلا الله، وجـد صوتهـا مـرة أخـرى وبتأمـل صورهـا التـي لا تحصـى، الصـور التـي التقطهـا لها هـو وغيـره طـوال حياتهـا، وجـد جسـدها مـرة أخـرى. ليـس جسـدها الحقيقـي بطبيعـة الحـال ولا صوتهـا الحقيقـي - ولكـن مـا هـو قريـب منــه. إنهــا قــدرات تذكّــر مُنحــت لرجــل اســتمع إلــى صــوت زوجتــه الميتـة وهـي تحدثـه عبـر الأسـلاك المقطوعـة لهاتـف معطـوب .

مـن الصنـدوق الموجـود فـي الـدرج السـفلي مـن دولاب الملفـات: نـص أخيـر لآنـا حـول حياتهـا، كُتـب قبـل أقـل مـن سـنة مـن وفاتهـا لكنـه يعـود إلـى مـاضٍ بعيـد ليـروي قصـة الكيفيـة والدوافـع والظـروف التـي نطـق بومغارتنـر فيهـا سـؤال الـزواج – فـي السـاعات المبكـرة جـدًا مـن تلـك الليلـة المشـحونة مـن نوفمبـر 1972 التـي كان يمكـن أن تكـون نهايـة آنـا لكنهـا لـم تكـن.

 احتراق عفوي

كنـت قـد أحببـت سـي فـي الوقـت الـذي تخرجت فيه فـي الجامعة .لـم يكـن هنـاك أحـد آخـر كنـت معنيـة بـه بـأي صـورة مـن الصـور، أي إن قلبـي كلـه كان بيديـه، ولأن سـي أحبنـي بقـدر مـا أحببتـه، كان قلبـه كلــه بيــدي، الأمــر الــذي ســمح لنــا أن ننظــر إلــى نفســينا علــى أننــا زوجـان، ثنائـي مـن الانعزالييـن العشـاق اللـذان تطابقـت رؤاهمـا فـي كل شـيء مهـم ولـم تكـن لديهمـا نيـة فـي الافتـراق. علـى الرغـم مـن هــذه الأمــور المؤكــدة، لــم يخطــر ببالنــا أن نعيــش فــي بيــت واحــد ،ولــم يحــدث أن أحدنــا يومًــا نطــق بكلمــة «زواج». كنــا أصغــر ســنًا مــن أن نخطــط، أكثــر تنقــلاً مــن تكــون لدينــا أفــكار واضحــة حــول المســتقبل، وكلمــا تمكنــا مــن التفكيــر حــول شــيء قــادم، أشــك فــي أن تلــك الأفــكار ذهبــت إلــى أبعــد مــن الأســابيع أو الأشــهر القليلــة التاليــة. بالنســبة إلــى ســي الــذي لــم يكــن قــد بلــغ بعــد الخامســة والعشـرين، كان المسـتقبل يعنـي الانتهـاء مـن أطروحتـه حـول ميرلـو بونتــي فــي منتصــف الربيــع والحصــول علــى درجــة الدكتــوراه فــي الفلســفة يقــرر بعدهــا مــاذا ســيفعل بعــد ذلــك. بالنســبة إلــيّ فقــد بلغـت للتـو الثانيـة والعشـرين، كان المسـتقبل الاسـتمرار فـي أشـعاري الصغيــرة الغامضــة والتأقلــم مــع متطلبــات أول وظيفــة لــي بــدوام كامـل التـي تقاضيـت منهـا سـبعة وثمانيـن دولارًا وخمسـين سـنتًا فـي الأســبوع .

كانـت «هلـر بوكـس» مشـروعًا جديـدًا حينئـذٍ، لـم تولـد بعـد فـي صـورة دار نشـر أدبيـة مكتملـة. كانـت تبحـث هنـا وهنـاك عـن العناوين الأولــى التــي تنشــرها فــي الخريــف. كانــت الميزانيــة محــدودة ،محـدودة إلـى درجـة أننـا كنـا ثلاثـة فقـط نعمـل مـع مـورِس هلـر ذي الثمانيـة والعشـرين عامًـا فـي ذلـك الصيـف – محـرر رئيـس، مديـر إنتـاج، وأنـا، الأصغـر بيـن الفريـق، أقـوم بعمـل مـزدوج بوصفـي محـررًا أصغــر ومســاعدًا شــخصيًا لمــورِس، الــذي وظفنــي لأن الروايــات المترجمــة كانــت جــزءًا أساســيًا مــن البرنامــج وكنــت متمكنــة مــن الفرنسـية والإسـبانية. كانـت مرتباتنـا جميعًـا فـي القـاع، وكنـا ننتقـل كل صبـاح إلـى مكتـب متواضـع علـى شـارع ويسـت بـرودوي السـفلي ،علـى مسـافة عشـر بلـوكات إلـى الشـمال مـن موقـع بنـاء مركـز التجـارة العالمـي و تمامًـا فـي منتصـف الحـي المعـروف بتريبيـكا، الـذي كان عندئـذٍ لا يـزال بـلا اسـم. «مثلـث تحـت القنـاة». منطقـة محايـدة مـن مبانـي القـرن التاسـع عشـر الصناعيـة حيـث أقـام عـدد قليـل متناثـر مـن الفنانيـن عليّّـات وكل شـيء يمضـي فـي الظـلام بعـد الخامسـة ،لكــن الإيجــارات كانــت منخفضــة هنــاك فــي أوائــل الســبعينيات ،الأقـل فـي أي مـكان مـن مانهاتـن السـفلى وكان علـى مـورِس أن يبلـغ بالصـرف أقصـاه .

بعــد خمســة وثلاثيــن عامًــا، يمكننــي أن أرى أربعتنــا يكــدون علــى مكاتبهــم فــي تلــك الغرفــة المتوســطة إلــى كبيــرة فــي الحجــم والمحاطــة برفــوف كتــب معدنيــة ودواليــب علــى الحيطــان الثلاثــة ،

مـع عليّّـة مجـردة قديمـة ولا شـيء فيهـا، لهـا سـقف معدنـي وأرضيـة خشـبية متشـظية، لا تكييـف مـا عـدا ثلاثـة شـبابيك ضخمـة ممتـدة علـى طـول الحائـط المواجـه للشـارع؛ مـا أبقانـا قادريـن علـى تلقـي كثيـر مـن الضـوء، وحيـن كان الحـر يـزداد فـي الداخـل أثنـاء الصيـف ،وهـو مـا كان يحـدث دائمًـا، لـم يكـن هنـاك مـا يمكـن فعلـه مـا عـدا الالتفــات إلــى المــراوح القاعديــة الثــلاث ذات القــوة الصناعيــة ثــم الانتظـار لكـي يهـب تيارهـا الـذي ينكـث الشـعر كل 5.2 ثـوانٍ. فتـرة راحــة مــن عــرق يــوم صعــب، لكــن أي تشــربك شــنيع تحدثــه تلــك المــراوح للأجــزاء العليــا مــن شــعر الفتــاة، لــذا مشــيت نحــو محــل مصففـة الشـعر فـي أول سـبت إجـازة وأريـت المصففـة صـورة لجيـن سـيبرغ فـي فلـم بريثلـس [حالـة لهـاث]، وأخـرى لأودري هيبـورن فـي رومـان هوليـدي [عطلــة رومانيــة]، وأخبرتهــا أن تقســم الفــرق بيــن الاثنتيـن. وهكـذا قصـرت خصـلات شـعري، وحيـن قـال لـي سـي كـم كان منظــري خطِــرًا بتلــك القَصــة الهزيلــة، احتفظــت بهــا وصــرت أمشـي بشـعر قصيـر منـذ ذلـك الحيـن .

بالنظـر إلـى عنواننـا وسـط المدينـة، كان مـن المنطقـي أن أسـكن فــي مــكان يمكــن الانتقــال منــه إلــى المكتــب مشــيًا، وكان الأفضــل أن يكــون ذلــك فــي مــا دون الشــارع الرابــع عشــر، لكــن فــي ذلــك الحـي كانـت حتـى أقـذر مصائـد الفئـران تتجـاوز إمكانياتـي الماديـة .بعــد ثاثــة أســابيع مــن البحــث المضنــي، كان أفضــل مــا اســتطعت الحصــول عليــه البقــاء فــي «مرتفعــات مورننغســايد»، الأماكــن التــي كنــت أرتادهــا علــى مــدى الأعــوام الأربعــة الماضيــة وجــزءًا مــنالمدينـة جاهـدت لكـي أتركـه، لكـن صديقـة مـن كليـة بارنـارد كانـتســتترك شــقتها فــي شــارع كليرمونــت فحللــت محلهــا، مشــتركة فــي تلــك الحفــر الكبيــرة والقبيحــة مــع ثــلاث فتيــات، اثنتــان منهــن طالبـات دراسـات عليـا فـي كولومبيـا والأخـرى ممثلـة صاعـدة حزينـة وضعيفـة الأمـل كانـت تعمـل نادلـة فـي مطعـم فـي بـرودوي علـى بعـد بلــوكات قليلــة إلــى الجنــوب. مــا أســعدها. وظيفــة تمشــي لهــا علــى الأقـدام مـن حيـث تقيـم. فـي تلـك الأثنـاء كنـت أتحـرك جيئـة وذهابًـا علــى الــ آي آر تــي بيــن شــارعي 116 وتشــيمبرز خمــس مــرات فــي الأســبوع، نحــو ســبعة أميــال فــي كل اتجــاه ومــا يقــارب الســاعتين مـن التنقـل يوميًّـا. كانـت الوظيفـة تسـتحق المحاولـة، كمـا شـعرت ،لكــن الشــقة كانــت مقرفــة، مزبلــة متهالكــة مملــوءة بالحشــرات فــي حــي متهالــك يزحــف فيــه الســاقطون وجيــش مــن المجانيــن الذيــن لفظتهـم الشـوارع حيـن أغلـق مستشـفى الأمـراض العقليـة أبوابـه. كان زمنًـا قاسـيًا كثيـر المطبـات فـي عاصمـة العالـم، أي مدينـة المتعـة .كانــت نيويــورك تقتلــع نفســها حجــرًا حجــرًا. كانــت الحيــاة العامــة تجــف وكانــت الأعــداد تتزايــد مــن أســبوع إلــى آخــر – مزيــد مــن السـرقات، مزيـد مـن جرائـم القتـل، مـن التهديـد، ومـن الاغتصابـات .مـع ذلـك العـدد الكبيـر مـن المدمنيـن يلاحقوننـي فـي المنطقـة التـي أقيـم فيهـا، كنـت أشـد قبضتـي بسـرعة كلمـا مشـيت بالقـرب مـن تلـك الفزاعـات المدمنـة ذوي الأعيـن الضيقـة، أتسـاءل إنْ كان دوري قـد جـاء لأرى إحـدى تلـك المطـاوي مسـحوبة باتجاهـي بينمـا يعلـن صوت يرتجـف أن ترقوتـي سـتقطع إن لـم أعطـه هـذا الشـي أو ذاك الشـيء أو كل الأشــياء التــي أحملهــا حـالًا.

كانـت هنـاك -لحسـن الحـظ- فـرص للهـرب، وطـوال تلـك الأشـهر الأولـى التـي كنـت فيهـا فتـاة عاملـة وفـي مرحلـة الدراسـات العليـا ،أمضيـت نحـو نصـف الليالـي فـي لقـاء بــ سـي. لكـن لا، فحتـى لـو أردنـا أن نقيـم معًـا فـي تلـك الفتـرة، وهـو مـا لـم نفعـل، فلـم يكـن مـن الممكـن أن يحـدث ذلـك فـي مـكان كالـذي كنـت فيه. المـكان الذي أقـام فيـه تكـون مـن غرفـة واحـدة فقـط وفـي حيـن افتقـرت تلـك الغرفـة إلـى فضـاء لشـخص واحـد وهـو مرتـاح بقـدر معقـول ،فـإن الإقامـة الطويلـة لشـخصين كانـت غيـر مطروحـة أصـلاً. تخيـل الزوجيـن السـعيدين يتشـاركان شـقة هـي اسـتديو مكركـب لـه شـباكان قـذران يطـلان علـى جـدار مـن الطـوب، علـى حشـيّة إسـفنجية تعتمـد علــى تســعة أقفــاص للحليــب ليكــون ذلــك ســرير ، مكتــب واحــد وكرســي واحــد لشــخصين يقضيــان معظــم وقتهمــا يكتبــان ،أحدهمـا محـرر أصغـر، ورف مثقـل يتسـع لسـتة كتـب، مطبـخ صغيـر لـه مغسـلة معدنيـة سـطحية، موقـد بعينيـن بـلا فـرن، وثلاجـة صغيـرة محشـورة فـي المـكان الـذي كان ينبغـي للفـرن أن يكـون فيـه، طاولـة قزمـة لـلأكل، معهـا كرسـيان بـلا ظهـر كانـا متروكيـن تحـت الطاولـة لعـدم الاسـتعمال، دولاب بقضيـب أفقـي للتعليـق وصنـدوق متقرفـص بـأدراج تحـت المعاطـف المتدليـة وأطـراف القمصـان، وأخيـرًا حمـام يتســع لحــوض اســتحمام تقليــدي بأقــدام مخلبيــة ومســاحة تكفــي لمـلء الجـدران بعـدة أبـراج إضافيـة مـن الكتـب. لـم تكـن لـدى سـي أي أوهـام حـول موقعـه فـي الـدور الثالـث واعتـرف بسـرعة بـأن المـكان «أســوأ ممــا يمكــن التعبيــر عنــه»، لكنــي أمضيــت هنــاك بعضًــا مــن أسـعد سـاعات حياتـي، وكلمـا عـدت إلـى الـوراء، فـإن أكثـر مـا أتذكـر هـو نحـن الاثنـان نتقافـز فـي كل مـكان فـي لحظـات حميميـة تجمعنـانوبــات منتشــية مــن الحــب، أو حيــن أصحــو باكــرًا للإســراع إلــى العمـل بينمـا لا يـزال سـي نائمًـا بالشـعر الشـعث والعينيـن الرائعتيـن ،رفيقـي، صاحـب النكتـة، الرفيـق المخلـص علـى الــدرب الطويــل القــادم، ولأننــي كرهــت أن أتركــه دون توديــع، فقــد اعتـدت أن أبخـر الجـو فـوق جسـده بنصـف دزينـة مـن رشـات عطـري الزنبقـي لكـي يبقـى جـزء منـي معـه حيـن يفتـح عينيـه.

جــاءت بعــد ذلــك ليلــة الأربعــاء الثانــي والعشــرين مــن نوفمبــر ،عشــية عيــد الشــكر والذكــرى التاســعة لمقتــل كينيــدي فــي دالاس .بعــد يــوم طويــل أكثــر مــن المعتــاد فــي العمــل، اقتــرح مــورس فكــرة تنـاول العشـاء قبـل الإجـازة مـع فريـق العمـل فـي مطعـم فرنسـي فـي «الفِلِـج». اتضـح أن المناسـبة مليئـة بالضجيـج والانشـراح اسـتمرت مـن ثـلاث إلـى ثـلاث سـاعات ونصـف، ومـا إن أنهـت الفرقـة الصغيـرة مــن المحاربيــن الأدبييــن المبتهجيــن شــرب القطــرات الأخيــرة مــن الكونيـاك، اتجهـت إلـى محطـة القطـار الأرضـي فـي سـاحة شـيريدان وفـي محفظتـي سـبعة دولارات وبعـض النقـود المعدنيـة، متسـائلة إن كان علـي أن أسـتقل القطـار الأرضـي المحلـي حتـى محطـة الشـارع 116 أو أنتقــل إلــى القطــار الســريع عنــد الشــارع 14 ثــم أعــود إلــى القطــار المحلــي عنــد الشــارع 96 – أفــكار امــرأة  عنــد الســاعة الحاديــة عشــرة فــي طريقهــا إلــى البيــت بعــد خمــس عشــرة ســاعة مــن العمــل المرهــق وكثيــر مــن الطعــام. لا أتذكــر أي

قطــار أو قطــارات اســتقللت، لكنــي عــدت إلــى الحــي قرابــة الثانيــة عشـرة إلا ربعًـا. كانـت ليلـة مظلمـة فـي نوفمبـر، يصـب فيهـا البـرد صبًـا فـي عظامـي، وفـي الجـو ضبـاب يغطـي مصابيـح الشـوارع فـي هالـة مـن الغبـش المشـع. كان القمـر مختبئًـا خلـف الغيـوم، ولـم تكـن فـي السـماء نجمـة واحـدة. البـدء ببـرودوي والشـارع 116، ثـم المشـي فـي 116 المنحـدر نحـو النهـر، تتبـع ذلـك انحرافـة حـادة إلـى اليميـن عنـد شـارع كليرمونـت، ثـم قطـع البلـوكات السـتة أمامـي. القليـل مـن مشــردي منتصــف الليــل فــي البلوكيــن الأوليــن ثــم لا أحــد. منطقــة مظلمـة مـا بيـن تلـك النقطـة والبيـت لـم يكـن فيهـا أحـد سـوى صـوت خطــوات تنقــر علــى الرصيــف وأنــا أتخيــل الدخــول إلــى الشــقة والانـزلاق فـي الفـراش. مـا بيـن شـارعي 119 و 120اندفـع رجـل مـن الظـلام، اسـتدار بالتفافـة بطيئـة كسـولة وتوقـف فجـأة فـي منتصـف الرصيـف يعيـق طريقـي. كان الظـلام والضبـاب مـن الكثافـة بحيـث لــم يمكــن التعــرف علــى شــيء. هــل كان قويًــا أم هزيــلاً، مســنًا أم شـابًا، مسـتحيل أن أعـرف، ولا حتـى الوجـه الـذي كان علـى مسـافة إنشــات مــن وجهــي، وليــس أكثــر مــن التماعــة أو اثنتيــن مــن بيــاض عينيـه، شـخص أقـرب إلـى الطحالـب، لطخـة فـي الليـل، لكنـي تمكنـت مـن شـم رائحتـه، مـن امتصـاص الأنفـاس الفاسـدة المنبعثـة مـن فمـه وعلـى وجهـي، إلـى أنفـي، نـزولًا إلـى بقيـة جسـدي، ثـم قـال: «كحيـه ،أو سـتذهب هـذي السـكين إلـى أحشـائك». سـمعت مطواتـه الزنبركيـة تنفتـح، وحيـن رأيـت مـا تيقنـت أنـه سـكين ترتفـع فـي وجهـي، بـدأ كل شــيء يتباطــأ فــي رأســي، وفهمــت أو ظننــت أننــي فهمــت أن ذلــك التباطــؤ يعنــي أننــي أرى موتــي وأن تلــك كانــت اللحظــات الأخيــرة فـي حياتـي. تسـاءلت كـم ثانيـة مـرة، ومـع تسـارع أنفاسـي وامتـزاج أنفاسـي بأنفاسـه التـي كانـت تندفـع نحـوي، تذكـرت فجـأة أننـي فـي ذلـك الصبـاح لبسـت حـذاء منبسـطًا، وقلـت لنفسـي: إذا كانـت هـذه لحظاتـي الأخيـرة علـى الأرض، فالأفضـل أن أقـف وقفـة شـجاعة ولا أستسـلم، وهكـذا، بـدلًا مـن فتـح محفظتـي وإعطائـه سـبعة الـدولارات التــي فيهــا وأنتظــر طعنــة مــن ســكينه لأن المبلــغ كان أقــل بكثيــر ،اسـتدرت وركضـت، ركضـت بـكل مـا أسـتطيع، ركضـت كمـا لـم أركـض منـذ تجاوزنـي فرانكـي بويـل راكضًـا فـي الصف السـادس، ركضت كما كنـت سـأركض لـو أن فرانكـي دربنـي لأسـبق المـوت، فمضيـت بعيـدًا ،مضاعفـة سـرعتي فـي شـارع كليرمونـت فـي تلـك الليلـة الضبابيـة مـن نوفمبـر، كنـت أجـري بأقصـى سـرعة ممكنـة للهـروب مـن الرجـل ذي السـكين، ومـع أننـي أحسسـت أن انطلاقتـي السـريعة فاجأتـه بحيـث لـم يسـتطع اللحـاق بـي أو كان أضعـف مـن أن يحـاول، فقـد واصلـت الجـري لخمـس أو سـت أو سـبع بلـوكات ثـم، بعـد أن توقفـت للحظـة لألتقــط أنفاســي، رأيــت ســيارة تاكســي مســرعة باتجاهــي فمــددت ذراعـي وهـا هـو السـائق يتوقـف لـي. ركبـت وطلبـت منـه أن يأخذنـي إلـى الشـارع الخامـس والثمانيـن مـا بيـن كولومبـس وأمسـتردام. كنـت أعـرق فـي معطفـي الشـتوي ولكننـي مـع ذلـك كنـت أرتعـد فـي الوقـت نفسـه، حـارة وبـاردة فـي الوقـت نفسـه، وكنـت مفرغـة فـي الداخـل ،ليـس فـي رأسـي فكـرة واحـدة .

حيـن اقتربنـا مـن الشـارع الخامـس والثمانيـن بـدأ القلـق يسـاورني مـن أن سـي قـد لا يكـون هنـاك. مـع أصدقـاء كـرة السـلة ربمــا، أو خــرج ليلتقــي صديقًــا فيلســوفًا،  ،وحيـن ضغطـت جـرس شـقته كنـت مهيـأة لعـدم الـرد. ولـم يـأت رد .

ضغطـت مـرة أخـرى للتأكـد فقـط، ولكـن الـرد لـم يـأت للمـرة الثانيـة .جلســت علــى الأرضيــة المشــققة البــلاط فــي المدخــل الصغيــر ،أســندت رأســي إلــى الجــدار حيــث الأجــراس وصناديــق البريــد وأغمضـت عينـي محاولـة التفكيـر بخطوتـي القادمـة، لكنـي كنـت مـا أزال مفرغـة مـن التفكيـر فـي أي شـيء. نوبـة بـكاء جيـدة قـد تسـاعد ،قلـت لنفسـي، وبينمـا كنـت أحـاول أن أسـتخرج الدمـوع بالقـوة فتـح البـاب وهـا هـو سـي قـد عـاد مـن سـهرة تدخيـن متأخـرة. لـم يكـن قـد ذهـب لأكثـر مـن عشـر دقائـق. عـدا عـن ذلـك كان فـي البيـت طـوال الليـل يعمـل علـى رسـالته.

كان منزعجًـا بطبيعـة الحـال ومسـتاءً كثيـرًا، وغاضبًـا بصـورة أكثـر مـن المعتـاد. أخبرتـه أننـي لـن أتمكـن مـن العـودة إلـى هنـاك. انتهيـت مـن شـارعي كليرمونـت و122 وسـأبدأ البحـث عـن مـكان آخـر، ولكـن مــاذا عســاي أفعــل فــي تلــك الأثنــاء؟ أن أبقــى معــه طبعًــا، كانــت إجابتـه، أليـس ذلـك واضحًـا؟ قلـت: لكـن المـكان صغيـر جـدًّا .

قــال: «هــو كذلــك بالتأكيــد»، «لكــن لوقــت قصيــر فقــط، شــهر ربمــا، أو اثنــان علــى الأكثــر. فــي تلــك الأثنــاء، ســنبدأ البحــث عــن مــكان أكبــر. إن هــذا اســتئجار مــن مســتأجر علــى أي حــال، وعلــي تــرك المــكان بحلــول أول فبرايــر مهمــا يكنــز يمكننــا الانتقــال إلــى وسـط المدينـة، وتسـتطيعين عندئـذٍ المشـي إلـى العمـل وتقوليـن لــآي آر تــي مــع الســامة.»

«نقيم معًا، تقصد؟ هل أنت متأكد؟»

«كان يمكــن أن تقُتلــي الليلــة، وحيــن أفكــر فــي مــا كان يمكــن أن يفعلـه ذلـك بـي، فإننـي متأكـد تمامًـا. أكثـر يقينًـا مـن أي وقـت مضـى ،وقـد بـدأت أتيقـن منـذ المـرة الأولـى التـي رأتـك فيهـا عينـاي. متأكـد تمامًـا الآن، يـا آنـا، وليسـت رغبتـي فقـط فـي أن أعيـش معـك، أريـد أن أعيـش معـك إلـى الآبـد.»

«إلى الأبد؟»

«إلى الأبد.»

«هل تطلبني للزواج؟»

«بالضبـط. إننـي أطلـب منـك أن تتزوجينـي. وكلمـا أسـرعنا فـي ذلــك كان أفضــل .»

لـم أدر مـا أقـول، لـذا لـم أقـل شـيئًا وتركـت تلـك الفكـرة المجنونـة وغيــر المســبوقة معلقــة فــي الهــواء بينمــا يذهــب ســي إلــى الحمــام ويفتـح حنفيـات المغطـس. قـال لـي إن مـا احتجـت إليـه كان تنقيعًـا طويــلاً فــي مغطــس حــار، ولــذا دخلــت،  واســتلقيت فــي المــاء مغلقــة عينــي . أتذكـر سـماع المـاء يتدفـق حولـي فـي المغطـس، لكـن مـا عـدا ذلـك لـم تكـن هنـاك أصـوات فـي الشـقة، ولا أصـوات فـي العالـم. ثـم، بعـد مـا بـدا أنـه سـاعات، فتحـت عينـي وبـدأت أضحـك ،ثـم بعـد لحظـة قلـت موافقـة.

بعــد مــرور ســتة وأربعيــن عامًــا، بينمــا يهيــئ بومغارتنــر نفســه ليطـرح سـؤال الـزواج للمـرة الثانيـة فـي حياتـه، يتضـح أن المصـدر الأكبـر لمخاوفـه هـو أن ترفضـه جـودث لأنـه أكبـر منهـا بكثيـر. كانـت الفجـوة بينـه وبيـن آنـا سـنتين ونصـف السـنة فقـط. مـع جـودث يصـل الفـرق إلـى سـتة عشـر عامًـا، وهـي فـي الرابعـة والخمسـين مـا تـزال منطلقــة بكامــل نشــاطها، فــي حيــن أنــه هــو لا يســتطيع الانطــلاق وإنمــا يتحــرك بتعتعــة (فــي أفضــل أوقاتــه) وأحيانًــا بتفتفــة (فــي أسـوئها). لـم يحـدث الفـرق حتـى الآن أي مشـكلات خطِـرة ، وحسـب علمـه فليـس ثمـة شـيء فـي الوقـت الحاضـر يهـدد ارتبـاط بعضهمـا ببعـض، لكـن طلـب الـزواج سـيضيف عنصـرًا آخـر إلـى المعادلـة ولـن يدفعهــا بالضــرورة إلــى التفكيــر فــي المســتقبل، وحيــن تأخــذ فــي الاعتبـار مـا سـتكون عليـه الحيـاة بعـد عشـرة أو عشـرين عامًـا مـن الآن، فـإن مـا تتخيلـه مـن النـوم مـع رجـل ثمانينـي أو تسـعيني يجعلهـا تهـرب إلـى التـلال. شـكرًا لكـن لا يـا رجلـي الغريـب الأطـوار، أي فكـرة عجيبــة خطــرت ببالــك؟ يخشــى بومغارتنــر الإذلال الــذي قــد يكــون فــي انتظــاره، لكنــه فــي الوقــت نفســه يعلــم أيضًــا أنــه إن فشــل فــي اسـتجماع شـجاعته لطـرح السـؤال، فسـيحتقر فـي نفسـه الجبـن ثـم ينحـدر ليصيـر مسـنًا غاضبًـا، مغفـلاً مثـل بروفـروك يحتـرق حسـرة حتـى نهايـة العمـر .

اســمها الكامــل جــودث فيــوِر،  أســتاذة لدراســات الفلــم فــي برنسـتون. جـاءت إلـى الجامعـة أوائـل الألفيـة الثانيـة قبـل كارثـة كيـب كـود بوقـت يكفـي لتبنـي صداقـة مـع آنـا التـي كانـت مهووسـة بالأفـلام الأمريكيــة القديمــة التــي تعــود إلــى الثلاثينيــات والأربعينيــات ،

ووجـدت فـي جـودث محـاورة مثاليـة بـدا أنهـا تعـرف أكثـر عـن تلـك الأفـام مـن أي شـخص آخـر، وبينمـا كانـت جـودث مـا تـزال متزوجـة مـن جـوزف فريدركسـون -روائـي كان واعـدًا ثـم فشـل وصـار يكسـب عيشـه بإنتـاج روايـة جريمـة مـن الدرجـة الثانيـة ولكنهـا رائجـة- كانـت هــي وزوجهــا يوحــدان جهودهمــا مــع آنــا وبومغارتنــر لعشــاءات فــي المطاعـم أو لعشـاءات أصغـر فـي أحـد المنزليـن. أعُجـب بومغارتنـر بجـودث منـذ البـدء، وأقـل مـن ذلـك بزوجهـا، لكـن مـا كان يهمـه فـي المقــام الأول هــو أنهــا ارتاحــت إلــى آنــا كثيــرًا، ذلــك أنــه كان لآنــا أصدقـاء كثيـرون لكـن لـم يكـن لديهـا أصدقـاء قريبـون، وبـدا أن هـذه الصداقـة كانـت تتنامـى لتصيـر حميمـة، لكـن آنـا ماتـت فكانـت نهايـة ذلــك. كانــت جــودث طيبــة معــه فــوق المعتــاد أثنــاء الأشــهر الأولــى مــن انهيــاره -أحاديــث طويلــة علــى الهاتــف عــدة مــرات، زيــارات مفاجئـة لاطمئنـان عليـه، الأمـر الـذي جعلـه يحبهـا أكثـر ممـا فعـل فـي البدايـة- وكان حجـم حزنهـا علـى آنـا مواسـيًا لـه علـى نحـو مـا أيضًـا. ثـم ذهبـت فـي سـنة تفـرغ علمـي وحيـن عـادت كان بومغارتنـر قــد بــدأ غزواتــه المتفرقــة والمتقطعــة لأرامــل ومطلقــات متنوعــات فــي برنســتون، ونيوبرونزويــك، وبروكليــن، ومانهاتــن، وفــي إحــدى المــرات فــي جزيــرة شــلتر البعيــدة، بقعــة أرض مــا بيــن الشــوكتين الشــمالية والجنوبيــة مــن شــرق لونــغ آيانــد. مهــام لا فائــدة منهــا علـى طريـق لا يـؤدي إلـى مـكان،  ثـم فـي 2014 هـرب جـو فريدركسـون إلـى نيومكسـيكو مـع شـابة فـي نصـف عمـره تعمـل فـي العقـار، وكانـت جـودث فـي مخـاض طــاق اســتمر لأكثــر مــن عــام. تلــك كانــت بدايــة اتصالهــا بــه مــرة أخـرى وطلبهـا نصيحتـه، مشـيرة إلـى أن كونـه عـرف زواجًـا طويـلاً وسـعيدًا لامـرأة رائعـة مثـل آنـا (اسـتعملت كلمـة رائعـة)، فقـد شـعرت أنـه يمكنهـا أن تعتمـد عليـه فـي توجيههـا للخـروج مـن العاصفـة. ثـم وصفتـه بــ الحكيـم، كلمـة لـم يسـبق لأحـد أن اسـتعملها فـي وصفـه مـا عـدا آنـا، ولأنـه كان حكيمًـا، كمـا قالـت، فقـد وثقـت بـه أكثـر مـن أي شـخص آخـر. تنحنـح بومغارتنـر عـدة مـرات عنـد سـماع هـذا الثنـاء الـذي أربكـه أيضًـا فسـأل عـن شـعور أولادهـا تجـاه مـا حـدث. قالـت جــودث: لحســن الحــظ أن كليهمــا كان إلــى جانبهــا، وقــد اعترفــا ،الواحــد تلــو الآخــر بأنهمــا ســعيدان أنهــا أخيــرًا قــد تخلصــت مــن ذلـك التافـه (كان إرِك فــي الرابعــة والعشــرين، شــاب تقنــي يعمــل فــي بولــدر، كولــورادو) وذلـك الذكـوري والأنانـي القـذر (حســب لبــي الــذي يبلــغ الثانيــة والعشــرين، منتــج الأفــام الطمــوح فــي جامعــة كاليفورنيـا بيركلـي). ضحـك بومغارتنـر وقـال: أراك وصلـت منتصـف الطريـق نحـو هدفـك يـا جـودث. وحيـن ضحكـت جـودث أيضًـا، بـدأت الرقصـة الرسـمية التـي أدت إلـى طلـب الـزواج المنتظـر .

بعـد تفكيـر طويـل فـي الموضـوع، خلـص بومغارتنـر إلـى أنـه مـن بيـن الاختلافـات الكثيـرة، الصغيـرة والكبيـرة، بيـن آنـا وجـودث، فـإن هـذا هـو الأكبـر: حقيقـة أن جـودث أمٌّ وآنـا ليسـت كذلـك. لقد أراد هو وآنـا أن يكـون لهمـا طفـل، ربمـا أكثـر مـن واحـد، لكـن حيـن اقتربـا مـن فعـل ذلـك بجـد بعـد سـت أو سـبع سـنوات مـن زواجهمـا، لـم يحـدث شـيء، بــدءا باستشــارة الأطبــاء، منفصليــن ومجتمعيــن ،مجموعــة أولــى ثــم مجموعــة ثانيــة ثــم أخيــرًا ثالثــة، انتهــوا جميعًــا إلــى أنــه لا هــو ولا آنــا كانــا مــن الناحيــة الوراثيــة مؤهليــن لإنجــاب الأطفــال، حقيقــة طبيــة لا تصــدق لكنهــا مثبتــة طبيًّــا ومعناهــا أن الـزواج بالنسـبة إليهمـا سـيكون بـلا إنجـاب بغـض النظـر عـن الشـريك الـذي وجـدا.

كانـت ضربـة قاسـية، الأقسـى بالتأكيـد بيـن مـا تلقيـاه، لكنهـا خيبة أمـل مشـتركة علـى الأقـل بمـا أنهمـا كانـا متسـاويين فـي المسـؤولية فـي مـا تلقيـا مـن تعامـل قـاسٍ، الأمـر الـذي أزال الاسـتياء أو التجريـم الصامــت وســمح لهمــا بالمضــي فــي محبــة بعضهمــا لبعــض مثلمــا كانـت الحـال مـن قبـل، إن لـم يكـن بعمـق أكبـر ممـا كانـت عليـه الحـال .تحدثـا عـن التبنـي سـاعة أو سـاعتين ذات صبـاح، لكـن لـم يكـن أي منهمـا شـديد الحماسـة لذلـك. قـررا أنهمـا لـم يريـدا طفـلاً لغريـب ،أرادا طفلهمـا أو لا أطفـال، وإذا كانـا قـد قـررا أنـه لـن يكـون هنـاك طفـل بصـورة نهائيـة، فـأي خيـار أمامهمـا غيـر القبـول بالأمـر الواقـع؟ مضـى الزمـن ومـع مـرور السـنين صـارا مثـل أولئـك الأزواج الأبديـي الشـباب، طفليـن يشـيخان ببـطء غيـر مثقليـن بمسـؤوليات أو أسـباب قلـق يواجههـا معظـم المتزوجيـن، أسـرة بمومغارتنـر وبلـوم المحسـودة غالبًــا، العقيمــان اللــذان بــلا أطفــال واللــذان عاشــا فقــط بعضهمــا لبعــض ولعملهمــا. كان لــدى بومغارتنــر مــا يكفــي، وأكثــر مــن ذلــك ،عبـر الأعـوام التـي قضاهـا مـع آنـا، وحتـى الآن، حيـن يخطـر ببالـه كيـف كانـت الحيـاة سـتكون لـو أنهمـا أنجبـا أطفـالًا، ومـا زال مـا لديـه كافيًـا. ليـس أكثـر مـن كافٍ، لكنـه كافٍ.

ذلــك هــو الأمــر الأول -الأمومــة- لكــن هنــاك أشــياء عديــدة ومختلفـة أخـرى أيضًـا، ابتـداءً بالتقابـل الحـاد بيـن نظرتيهمـا، وهـو أمـر أقـل أهميـة بالنسـبة إلـى بومغارتنـر علـى المـدى البعيـد ولكنـه مهـم مـع ذلـك. آنـا بجسـدها الناعـم الـذي يشـبه أجسـاد السـباحات ، ذراعاهـا الطويلتـان وكتفاهـا المربعتــان بصــورة بديعــة، شــعرها القصيــر المائــل إلــى الحمــرة وعيناهــا المشــتعلتان بمزيــج مــن الأخضــر والرمــادي، فــي مقابــل جـودث الأرق والأكثـر اسـتدارة، الأعـرض أوراكًا، الأكثـر اتسـاعًا فـي الجـذع،  مـع عينيـن بنيتيـن داكنتيـن وشـعر كثيـف أسـود، ليـس بالجمـال المذهـل الـذي رآه بومغارتنـر حيثمـا نظر إلـى آنـا، لكـن عينيـه مـا تـزالان تريـان امـرأة عميقـة الجاذبيـة ،أبطـأ وأكثـر تثاقـلاً فـي حركتهـا مـن آنـا السـريعة والوثابـة، مـع وجـه لطيـف وترحيبـي يجتذبـه كلمـا نظـر إليهـا ويثبتـه فـي محيطهـا، منتشٍ ومنتبـه، حيـوي إزاءهـا بـكل الوجـوه التـي كان بهـا حيويًـا إزاء آنـا. لـم تفعـل ذلـك بـه نسـاء أخريـات. فقـط آنـا وجـودث – وهـو مـا يفسـر ربمـا السـبب الـذي جعلـه يريد الـزواج منهمـا والعيـش معهمـا حتـى نهايـة حياتـه، كانـت آنـا الأولـى والآن جـودث .

أجسـاد مختلفـة، ولكـن أمزجـة مختلفـة أيضًـا. إنها مسـألة سـمات متأصلــة إلــى حــد مــا، إلــى جانــب الكيفيــة التــي كانــت بهــا أمّاهمــا تمسـكان بهمـا حيـن كانتـا رضيعتيـن، فرختيـن لـم يكـد ينبـت ريشـهما ،ولكـن أيضًـا نتيجـة للكيفيـة التـي اسـتجابا بهـا للظـروف المتطابقـة تقريبًـا لطفولتهمـا. بالنسـبة إلـى فقيـر مثـل بومغارتنـر، ولـد لأسـرة مكافحـة مـن الطبقـة الوسـطى الدنيـا، لا يـزال جانـب منـه يفغـر فـاه أمـام الثـروة والراحـة التـي أحاطـت بآنا وجودث حيـن كانتا صغيرتين .د. ليـو بلـوم، المولـود فـي أسـرة فقيـرة مثلـه، شـق طريقـه عبـر كليـة الطـب وصـار مختصًـا فـي الأنـف والأذن والحنجـرة ليبنـي ممارسـة طبيـة مزدهـرة لينتقـل عـام 1954 هـو وزوجتـه وطفلتـه الوحيـدة مـن شــقة بغرفتيــن فــي الجــزء المعــروف بمرتفعــات كــراون فــي بروكلــن إلـى بيـت كبيـر متعـدد الأدوار فـي أحيـاء لفنغسـتون بنيوجيرسـي، مقر إقامـة آنـا الدائـم حتـى أنهـت الثانويـة بعـد ذلـك بأربعـة عشـر عامًـا .فـي بريـق ذلـك المـكان المعشـب والغنـي بالأشـجار، كانـت الصغيـرة تغـرق بمـا كان ثـروة والدهـا قـادرة علـى إمطارهـا بـه: غرفـة واسـعة مخصصــة لهــا، رفــوف وصناديــق تفيــض بالألعــاب، دروس بيانــو ،دروس باليــه، كثيــر مــن الكتــب، أحــدث الملابــس، وجبــات صحيــة وافـرة، مخيمـات صيفيـة، حفـلات عيـد ميـلاد بالكعـك المزيـن حسـب الموضــة، كلــب، وكلــب آخــر بعــد أن مــات الأول، وباختصــار كل مــا أرادت سـواء أرادتـه أم لـم تـرده. فـي الغالـب لـم تـرده. اسـتمر ذلـك حتــى بلغــت الحاديــة عشــرة أو الثانيــة عشــرة علــى الأقــل وعرفــت كيـف تفكـر فـي نفسـها، فـي تلـك المرحلـة تغيـر موقفهـا إزاء ظـروف حياتهــا بوصفهــا طفلــة مدللــة تنتمــي إلــى الفئــة العليــا مــن الطبقــة الوسـطى العاليـة، لتتحـول مـن القبـول الأعمـى إلـى المقاومـة العنيـدة إلــى التمــرد المعلــن. كانــت تعلــم أن والديهــا يحبانهــا، وأدركــت رغمًـا عنهـا أنهـا بادلتهمـا الحـب، لكنهـا فـي الوقـت نفسـه كرهتهمـا لانسـياقهما وراء الأسـطورة الأمريكيـة أن المـال هـو معيـار كل شـيء ،حتـى مـع أنهمـا تظاهـرا بالانزعـاج لمـا هـم عليـه ماييـن الفقـراء مـنبــؤس، أولئــك الذيــن ســحقتهم عجــلات النظــام نفســه الــذي ســمحلهمــا بالبــروز علــى أنهمــا فائــزان حســب المتعــارف عليــه. فليهنــأ والداهــا، فكــرت آنــا، أمــا هــي فليــس لهــا علاقــة بذلــك وأرادت ألا تكـون جـزءًا مـن العبـث فـي مسـتقبلها، أمـا الآن، وهـي مـا تزال أسـيرة قلعـة لفنغسـتون مـن حيـث هـي يافعـة عاجـزة لا حسـاب لهـا، فلـم يكـن هنـاك الكثيـر ممـا يمكنهـا فعلـه سـوى الكفـاح لبنـاء منطقـة مسـتقلة لنفسـها ضمـن المملكـة التـي يحكمهـا والداهـا. ولـم يكـن الدفـاع عـن تلـك المسـاحة سـهلاً، وقـد جـرت معـارك كثيـرة علـى مـدى الأعـوام التاليــة مــن أجلــه، لكــن شــيئًا فشــيئًا اســتطاعت أن تــدرب والديهــا علـى احتـرام الحـدود التـي رسـمتها، مجادلـة بـأن الدرجـات الجيـدة التـي حققتهـا يجـب أن تسـتثنيها مـن أي لـوم، وإن كانـت رؤيتهـا للعالـم مختلفـة عـن رؤيتهمـا فـإن عليهمـا تقبـل ذلـك. لقـد كانـا مـن شـجعها علـى القـراءة فـي نهايـة الأمـر، والآن وقـد هاجـرت إلـى بـلاد الكتـب وصممــت علــى أن تكــون شــاعرة، فالمفتــرض فيهمــا أن يســرّا أنهــا لـم تنحـرف كمـا حـدث لعديـد مـن أصدقائهـا فـي العـام أو العاميـن السـابقين، كمـا هـي الحـال مـع ديبـي وأليـس، مثـلاً، اللتيـن تحولتـا إلـى طفلتيـن تدخنـان الحشـيش ألــم يكونــا محظوظيــن، كمــا كانــت تقــول لوالديهــا، أنهمــا أنتجـا فتـاة طيبـة مثلهـا .

أثنـاء الأسـابيع الأولـى مـن سـنتها النهائيـة فـي المدرسـة الثانويـة ،بينمــا أفكارهــا موجهــة بتركيــز أكبــر علــى المســتقبل، عقــدت آنــا اتفاقًــا معهمــا. أرادت الذهــاب إلــى الجامعــة، كمــا قالــت، كانــت بحاجـة إلـى الذهـاب إلـى الجامعـة، ولأنهـا كانـت تعلـم أنهمـا أراداهـا أن تذهـب أيضًـا وكانـا أكثـر مـن راغبيـن فـي تحمـل تكاليـف ذهابهـا ،فإنهـا سـتقبل بسـرور، وتكـون شـاكرة، مـا يدفعانـه مـن مـال سـتحتاج إليـه لتمضيـة أربعـة أعـوام. لكـن تلـك سـتكون نهايـة المطـاف، كمـا أعلنــت، فبعــد ذلــك ســتعتمد علــى نفســها بوصفهــا بالغــة ومســتقلة اســتقلالًا تامًّــا، دون دعــم مــن والديهــا، أو أقاربهــا، أو أي شــخص آخــر. كانــت ردة فعــل أبيهــا ليــو وأمهــا راشــيل تجــاه إعانهــا أكثــر هـدوءًا بكثيـر ممـا توقعـت، لأنهمـا رأوا دون شـك أن ابنتهمـا العنيـدة الحمقــاء كانــت تتحــدث عــن شــيء لــن يحــدث قبــل خمســة أعــوام ،والاحتمـالات قويـة أنهـا سـتنضج عندئـذٍ لتغيـر رأيهـا. قـال أبوهـا إن ذلـك موقـف رائـع، وكان يخاطبهـا بأكثـر نغمـات صوتـه اتزانًـا، ولكـن مـاذا لـو واجهتهـا مصاعـب فـي حياتهـا؟ هـل تريديننـا أن نقـف جانبًـا لا نفعــل شــيئًا بينمــا أنــت تتضوريــن ببــطء إلــى أن تموتــي جوعًــا؟ ضحكـت آنـا. لا، بالتأكيـد لا، قالـت لـه، وبوصـول الحـوار إلـى تلـك النقطــة أخــذا منهــا وعــدًا أن تتصــل بهمــا فــي اللحظــة التــي تجــد نفسـها فـي مـأزق. جـرت بعـد ذلـك بعـض المماحـكات، لكـن آنـا فـي النهايـة أجبرتهمـا علـى أن كلمـة «مـأزق» تعنـي «لا تكسـر الزجـاج إلا فـي أقصـى حـالات الطـوارئ .»

لقـد أسـاءا تقديرهـا بالتأكيـد. مـرت السـنوات الخمـس وصـارت الفتـاة التـي كانـت فـي السـابعة عشـرة فـي الثانيـة والعشـرين، وفـي اليـوم التالـي الـذي تسـلمت فيـه شـهادتها مـن كليـة بارنـارد نزلـت عـن عرشـها مـن حيـث هـي أميـرة أمريكيـة بورجوازيـة وهربـت مباشـرةإلــى الســيرك. لــم يهــم إن كانــت العــروض الرئيســة لتلــك الخيمــةالكبيــرة والرثــة فــي المزبلــة الواقعــة علــى شــارع كليرمونــت، وأن مزبلـة بومغارتنـر الأصغـر كانـت غـرب الشـارع الخامـس والثمانيـن ،ومقــر عملهــا المتدنــي الدخــل فــي دار هلــر - المهــم هــو أنهــا كانــت تقــف علــى قدميهــا وتشــق طريقهــا. كان بومغارتنــر يمازحهــا ذات صبــاح وهــو يمــد لاقطًــا متخيــلاً أمــام وجههــا: يــا آنســة بلــوم ،معظـم الاقتصادييـن وعلمـاء الاجتمـاع سيفسـرون هـذه الحيـاة الشـبه بروليتاريـة الجديـدة التـي تعيشـين علـى أنهـا أنموذجًـا متطرفًـا مـن الحركــة المتســارعة إلــى الأســفل. هــا علقــت علــى ذلــك؟ فكانــت إجابـة آنـا: شـكرًا لـك يـا سـيد بومغارتنـر. كل مـا أود قولـه للأسـاتذة هـو هـذا: لـم تـروا شـيئًا بعـد يـا شـباب!

ثــم جــاءت ليلــة الثانــي والعشــرين مــن نوفمبــر التــي بــدأت بآنــا وهـي تتجـاوز مواجهتهـا للمـوت بسـرعة عبـر غبـش الضبـاب والخـوف وانتهـت بقسـم منتـشٍ للـزواج مـن بومغارتنـر فـي أول لحظـة ممكنـة .فــي ظهــر اليــوم التالــي صعــدا حافلــة عنــد محطــة بــورث أوثوريتــي واتجهــا إلــى ليفنغســتون لحضــور عشــاء عيــد الشــكر فــي منــزل والــدي آنــا. أثنــاء الدقائــق المئــة ودقيقــة التــي اســتغرقها وصولهــم إلــى هنــاك، اســتطاع بومغارتنــر أن يقنــع آنــا أن المــأزق الــذي يواجهـان يمكـن اعتبـاره «حالـة طـوارئ فـي غايـة الصعوبـة»، لأنهمـا كانـا بحاجـة إلـى الانتقـال إلـى مـكان أوسـع، والحقيقـة المزعجـة فـي كونهمـا غيـر قادريـن علـى تحمـل تكاليـف الانتقـال، غيـر قادريـن لأن توقيــع العقــد ســيلزمهما أن يتدبــرَا إيجــار أول شــهر، وإيجــار آخــر شـهر، ومبلغًـا للتأميـن يسـاوي إيجـار شـهر – كل ذلـك دفعـة واحـدة .تعاطـف مـع تصميمهـا بـألا تقبـل مبلغًـا مـن والديهـا، وتفهـم الأسـباب العديـدة وراء قطعهـا الحبـل، لكـن ذلـك كان اليـوم الـذي أرادا فيـه أن يعلنـا للوالديـن خططهمـا للـزواج، وضمـن البهجـة التـي كانـت سـتتلو ذلـك، سـتبدأ أم آنـا فـي الحديـث عـن العـرس الـذي مـن المؤكـد أنـه كان يتراقــص فــي ذهنهــا لســنوات والآن وصــل إلــى فــورة ضخمــة وعاليـة التكلفـة، مشـهد بائـس لا يتحملـه أحـد منهمـا، لكـن، كمـا قـال بومغارتنـر، فـي كل الحـالات سـتصُرف آلاف الـدولارات عليهمـا سـواء رضيــا بذلــك أم لــم يرضيــا، ولــذا فــإن التصــرف المنطقــي هــو أن تقــول لوالديهــا ألا ينفقــا مالهمــا علــى شــأن عابــر ولا معنــى وإنمــا أن يسـتثمرا المـال، أو علـى الأقـل جـزءًا منـه، فـي مسـتقبل ابنتهمـا وزوجهـا، مـا سـيمكنهما مـن الإقامـة فـي شـقة جيـدة المسـتوى فـي مـكان مـا وينطلقـا فـي بدايـة قويـة مشـتركة. دعـي الأمـر لـي، قـال بومغارتنـر. بعـد عشـرين عامًـا مـن التمريـن تعلمـا كل الحيـل الملائمـة لمناقشــتك، لكنهمــا لــم يشــتبكا معــي، وإن تركتِنــي أتحــدث أعتقــد أن فرصتنــا ســتكون أفضــل. ســأقترح عرسًــا فــي قاعــة المدينــة يكونـان الشـاهدين الوحيديـن فيـه، وبعـد ذلـك نذهـب نحـن الأربعـة إلـى غـداء فخـم فـي مطعـم راقٍ وسـط المدينـة. حيـن تعتـرض أمـك وتقـول لنـا كـم هـي مصدومـة، لا منهـارة ومحطمـة، سـأرفع معنوياتهـا باقتـراح أن يقيمـا حفلـة لنـا بعـد أسـبوعين، مناسـبة فـي ظهـر يـوم أحـد فـي منزلهمـا، حفلـة لـن تكلفهمـا واحـد مـن ألـف ممـا سـيكلفه عـرس كبيـر، مـا يسـمونه بيتًـا مفتوحًـا، كمـا أظـن، حيـث سـيبرز ونكفـي فسـتان الحفـلات الضيـق، الأسـود والمثيـر، لجدتيـك وخالاتـك الخمــس وأعمامــك الأربعــة وأبنــاء عمومتــك الاثنــي عشــر ولعــدد لا بــأس بــه مــن الأصدقــاء، ومــا إنْ أختتــم حديثــي القصيــر، ســيلتفت أبـوك الطيـب القلـب والعملـي إلـى والدتـك العاليـة الـذكاء وإن كانـت غريبــة الأطــوار إلــى حــدٍّ مــا ويقــول: مــا يقولــه الولــد منطقــي، يــا راشـيل، وإذا كان هـذا هـو العـرس الـذي يريدانـه فهـو العـرس الـذي ســيحصلان عليــه. ابتســمت آنــا ثــم ضيقــت عينيهــا لتحــدق شــزرًا فـي بومغارتنـر كمـا لـو كان غريبًـا. قالـت: أخبرنـي، كيـف اسـتطعت أن تتحـول إلـى هـذا الشـيء المتواطـئ المنافـق، يـا سـيدبومغارتنر؟ قـال، أمـر أخيـر يـا آنـا. ممنـوع ذكـر أي شـيء عمـا حـدث لـك فـي شـارع كليرمونـت ليلـة البارحـة، اتفقنـا؟ اتفقنـا، قالـت لـه. لا اليـوم، ولا غـدًا، ولا كلمـة بالمطلـق .

كان ذلــك هــو المبلــغ الوحيــد الــذي تلقيــاه مــن والــدي آنــا، لكــن العشــرة آلاف دولار، هديــة عرســهما، كانــت مبلغًــا هائــلاً فــي ذلــك الوقت مكنهما من التحليق وعدم القلق من أي مصيبة سـتقع عليهما .وجـدا شـقة مريحـة مـن غرفتيـن ونصـف علـى شـارع بـرو فـي القريـة الغربيـة، وفـي الخريـف التالـي، حيـن حصـل بومغارتنـر علـى وظيفـة أسـتاذ مسـاعد فـي قسـم الفلسـفة فـي المدرسـة الجديـدة، أمكنهمـا المشـي إلـى وظيفتيهمـا. لـم يتغيـر شـيء علـى مـدى اثنـي عشـر عامًـا

بعـد ذلـك. اسـتمرت حياتهمـا فـي مأمنهمـا علـى شـارع بـرو، مضـت آنـا تعمـل فـي «هلـر بوكـس» حيـث ترقـت مـن محـرر أصغـر إلـى كبيـرة محرريـن وبـدأت تترجـم أيضًـا، بينمـا مضـى بومغارتنـر فـي التدريـس ليترقـى مـن أسـتاذ مسـاعد إلـى مشـارك إلـى أسـتاذ وكتـب عـدة كتـب حــول فينومينولوجيــا القــراءة وسياســيات الخــوف، منشــئًا كل كلمــة فـي غرفتـه النصفيـة فـي آخـر الشـقة، حيـث تنتهـي القاعـة الممتـدة مــن الغرفــة الصغيــرة الأخــرى حيــث كتبــت آنــا قصائدهــا، وحــررت كتابهــا، وترجمــت كتبهــا. زبــدة القــول هــي كالتالــي: كان ذلــك هــو العصـر الذهبـي المبكـر مـن حياتهمـا معًـا، ولـم يكـن أي منـه ليحـدث بالطريقـة التـي حـدث بهـا لـو أن آنـا العنيـدة والمثاليـة لـم تقـدم بعـض التنـازل لتتحـول الحـرب التـي كانـت تخوضهـا لنفسـها إلـى حـرب مـن أجلهمـا معًـا وقبلـت المـال مـن والديهـا .

مـع جـودث تكـرر كل شـيء لكـن بالمقلـوب. عائلـة يهوديـة عاليـة الكعــب مــن ضواحــي نيويــورك (ويســتبورت، كونيتيكــت)، أب طمــوح مجتهـد لديـه ممارسـة فـي قانـون الشـركات فـي مانهاتـن، أم قارئـة لـم تعمـل، وطفولـة مـع أخ وأخـت أصغـر مملـوءة بـذات المميـزات التـي كانــت لآنــا، لكــن علــى عكــس آنــا المقاومــة اعتنقــت جــودث الحيــاة المنعمـة التـي ولـدت بهـا ولـم تسـائلها. فـي مدرسـتها الثانويـة كانـت قائــدة فريــق التشــجيع النســائي، وعريفــة الفصــل فــي الإعداديــة ،علامـات عليـا ومئـات الأصدقـاء، فتـاة رابحـة اسـتطاعت أن تتجـاوز المسـافات وتنتقـل إلـى جامعـة ييـل. على الرغم من تشـابه خلفياتهما ،فلـم يكـن بينهـا وبيـن آنـا أي شـيء مشـترك تقريبًـا، لا شـيء، وكانـت تلـك الـلا شـيء تحيـر بومغارتنـر أكثـر مـن أي شـيء آخـر كلمـا توقـف متسـائاً كيـف وقـع علـى رأسـه فـي حـب تلكمـا المرأتيـن المختلفتيـن .آنــا الفجــة، المباشــرة، العفويــة، والآن جــودث المتوازنــة والمرهفــة ،جــودث الرائعــة، الواثقــة، تلــك الشــخصية المهمــة فــي عالــم الفلــم التـي عملـت فـي هيئـات تحكيـم المهرجانـات الرئيسـة ونشـرت أربعـة كتـب حتـى الآن بينمـا الخامـس فـي الطريـق، فـي حيـن كرسـت آنـا التـي تفيـض حيويـة ولكـن المنسـحبة إلـى الداخـل مواهبهـا الأدبيـة الهائلـة لترجمـة أعمـال غيرهـا وإخفـاء قصائدهـا عـن العالـم .

قـرأت جـودث هـذه القصائـد وتعـرف كـم هـي جيـدة، وفـي إحـدى الليالـي قبـل تسـعة أشـهر، ليـس بعـد مـرور فتـرة طويلـة مـن إدراك بومغارتنــر مــدى الأهميــة التــي أتــت جــودث لتحتلهــا بالنســبة إليــه ،شــرع فــي حــوار لعــوب، شــبه ممــازح معهــا بإطــلاق نظريــة مجنونــة حــول تنبــؤ آنــا بعلاقــة رومانســية تربطــه بامــرأة اســمها فيويــر فــي إحــدى قصائدهــا المبكــرة، قصيــدة كتبــت منــذ وقــت موغــل فــي القـدم إلـى حـد أن جـودث كانـت أثنـاءه فـي الصـف الثانـي أو الثالـث الابتدائــي، لكــن هكــذا هــو الوضــع الآن، قــال لهــا فــي تلــك الليلــة وهمــا يجلســان جنبًــا إلــى جنــب علــى الصوفــا فــي غرفــة جلوســها ،هكـذا هـو الوضـع الآن وهكـذا كان، ثـم اسـتمر موضحًـا أنـه فـي كل مـرة يخطـر ببالـه اسـم عائلتهـا، فيويـر( Feuer)، الـذي يعنـي «نـار »بالألمانيــة، فــإن قصيــدة صغيــرة لآنــا تخطــر ببالــه أيضًــا عنوانهــا «معجــم »(Lexicon)، القصيــدة التــي تتحــدث عــن زهــرة ضئيلــة لا اسـم لهـا، نقطـة تحتـرق مـن الاحمـرار وتقفـز مـن الإسـفلت لتوقعهـا فــي فــخ تعويذتهــا، لــو أن اســم آنــا هــو بلــوم Blume -الــذي يعنــي زهـرة بالألمانيــة- فإنــه يتخيــل أن الزهــرة التــي تصيــر لهبًــا نتيجــة عمليــة خيميائيــة غريبــة تعنــي انتقــال الشــعلة مــن آنــا إلــى جــودث ،وهـا هـو ذا عنـد نهايـة القصيـدة، الهيـر بومغارتنـر نفسـه، فـي هيئـة العفريــت الصغيــر يبتســم لآنــا عبــر الشــارع ومعــه الزهــرة - النــار تشــتعل فــي عــروة قميصــه، يبتســم لأنــه ســعيد ويريــد أن يشــكرها علـى الهديـة التـي منحتـه، التـي هـي أنـت، يـا عزيزتـي جـودث، يقـول بومغارتنـر، يـا سـيدتي المشـعة، أيتهـا النـار المشـتعلة، التـي تضـيء مثـل كبريـت أشـعل فـي الظـلام.

كانـت طريقتـه فـي إخبـار جـودث أنهـا تقـف الآن بمـوازاة آنـا فـي ذهنـه، شـعر بومغارتنـر أنهـا فهمـت دون شـك مـا كان يحـاول فعلـه. كان الوقـت لا يـزال مبكـرًا للمخاطـرة بإعـلان الحـب، ولـذا لجـأ إلـى هـذه التمريـن الالتفافـي فـي التحليـل الأدبـي المجنـون ليكـون خطـوة أولـى باتجـاه اللحظـة التـي يجـد فيهـا أخيـرًا الشـجاعة لتعريـة روحـه أمامهـا. بعـد تلـك الليلـة مضيـا كالمعتـاد، يـرى بعضهمـا بعضًـا مرتيـن إلـى ثـلاث مــرات فــي الأســبوع، يطبخــان العشــاء فــي بيتهــا أو بيتــه يتبــع ذلــك مشـاهدة فلـم أو عـدم مشـاهدة شـيء والمضـي بـدلًا مـن ذلـك فـي الحديـث عـن عملهمـا أو عـن أحـد أبنـاء جـودث أو عـن «المسـتفيد النهائـي »(Ubo) المجنـون فـي البيـت الأبيـض أو يحكـون قصصًـا مــن ماضيهــم ثــم ينامــان حتــى الصبــاح. الروتيــن نفســه، لكــن بومغارتنــر أحــس أنهمــا الآن يقتــرب بعضهمــا مــن بعــض وأن أي حواجــز خفيــة وقفــت بينهمــا(حــذر؟ شــكوك ذاتيــة؟ خــوف؟) قــد انهــارت بالتدريــج. ثــم حلــم بومغارتنــر الحلــم وذهــب مــع آنــا فــي مشــيتهما الطويلــة عبــر قصــر الذاكــرة، ومــا إن عــاد، فــإن حــذره ،شــكوكه الذاتيــة، وخوفــه، كل ذلــك ذاب بالتدريــج. لا يــزال يجــد أن مــن الصعــب فهــم أن «لا شــيء مشــترك»، لكــن بــدلًا مــن تفســيرها علــى أنهــا مؤشــر آخــر علــى مقاربــة خاطئــة وغيــر متســقة للحيــاة ،فإنـه يـرى الآن أن «لا شـيء» قـوة إيجابيـة. جـودث ليسـت آنـا، ومتـى اسـتطاع إقناعهـا بالـزواج منـه، إن اسـتطاع ذلـك، فـإن الحيـاة التـي يعيـش معهـا لـن تكـون اسـتمرارًا لحياتـه مـع آنـا وإنمـا شـيء جديـد ومختلــف تمامًــا. وكيــف يمكــن لأي شــخص عــاش الســنين الطويلــة التــي عاشــها أن يطلــب أكثــر مــن ذلــك؟ فرصــة للبــدء مــن جديــد .فرصـة للمغامـرة مـرة أخـرى وعبـور دوامـة مـا سـيأتي طيبًـا كان أو سـيئًا .

 إنـه السـبت 11 أغسـطس 2018. ينهـض بومغارتنـر عنـد السـابعة مسـاء ليقطـع أربـع بلـوكات مشـيًا مـن بيتـه إلـى بيـت جـودث، يحمـل معــه اثنتــي عشــرة وردة حمــراء يضمهــا بذراعــه اليمنــى ويقبــض علــى الســيقان الخاليــة مــن الشــوك بقــوة بيــده اليســرى بينمــا هــو يتسـاءل عـن المـكان واللحظـة التـي عليـه فيهـا طـرح السـؤال الليلـة .يقــول إن التبكيــر أفضــل مــن التأخيــر لأن التأجيــل ســيزيد توتــره بينمــا الدقائــق تمــر، وإذا كان التبكيــر أفضــل للشــروع فلمــاذا إذًا لا يكــون ذلــك مباشــرة؟ يبــدأ المشــهد بالارتســام فــي ذهنــه فيتخيــل أنــه سيتكشــف علــى النحــو الآتــي: ســيمد لهــا الزهــور فــي اللحظــة التـي تفتـح فيهـا البـاب، ستشـكره جـودث وهـي تبتسـم ، ثـم يتجـه كلاهمـا إلـى المطبـخ لفتـح لفافـة الزهـور والبحـث عـن آنيـة كبيـرة بمـا يكفـي لوضعهـا فيهـا، ولأن المطبـخ مـكان مريـح فإنـه دون شـك المـكان الأفضـل فـي البيـت لطـرح الأسـئلة الصعبـة والتـي تغيـر مسـار الحيـاة، فسـيملأ الإنـاء بالمـاء فـي حيـن تقـص جـودث الجـزء السـفلي مـن السـيقان، وبمجـرد إخراجـه الإنـاء الملـيء بالمـاء مـن المغسـلة سـيحملها إليهـا لوضعهـا علـى الطاولـة حيـث تضـع جـودث الـورود فـي الإنـاء وتحركهـا لبعـض الوقـت، تعدلهـا وتعيـد تعديلهـا حتـى يكتمـل العمـل، ثـم فـي تلـك اللحظـ ويقـول، بصوتـه الأكثـر نعومـة : كنـت أفكـر...

إنهــا نهايــة نهــار حــار فــي وســط نيوجيرســي، أرض مســتنقعات التــوت، البعــوض الكثيــف، وفصــول الصيــف الطويلــة الرطبــة. كمــا توقــع بومغارتنــر أن يفعــل حيــن أغلــق بــاب بيتــه، كان قميصــه قــد تبلــل بالعــرق حيــن وصــل إلــى طريــق جــودث. ســتمر ســاعة أخــرى قبــل غــروب الشــمس، لكــن الســماء بــدأت تكشــف عــن الإشــارات الهشـة الأولـى للغـروب والظـام الزاحفيـن، مـع لمسـات مـن الـوردي والبرتقالــي تزحــف علــى حــواف الســحب فــي حيــن ينقــض ســرب مـن طائـر السـنونو فـي المـدى، عجائـب بصريـة صغيـرة تعـوض عـن سـاعات العـرق والجلـد اللـزج. فـي هـذه اللحظـة يمشـي بومغارتنـر نحــو بلــوك جــودث ولــم يتبــق أمامــه ســوى ســتة منــازل. يشــعر بــأن رئتيــه تنقبضــان، معدتــه تبــدأ بالتقلــص، ولكــن حتــى مــع انتشــار الرعشــات علــى أنحــاء جســده، فإنــه يضغــط علــى نفســه للإســراع فــي الخطــو، مــدركًا أن عليــه أن يواصــل هــذا الأمــر حتــى نهايتــه ،حتـى وإن أدى إلـى مقتلـه. يلتـف إلـى اليسـار نحـو الممشـى المواجـه لمنــزل جــودث، يتوقــف للحظــة ليعيــد ترتيــب الأزهــار فــي ذراعــه ،يتوقــف للحظــة أخــرى لتنقيــة الهــواء فــي رئتيــه، وهــا هــو ذا بعــد لحظــة يضغــط الجــرس .

لوهلـة يمضـي كل شـيء كمـا تخيلـه، ولكـن بعـد حديـث حـول الأزهار ثـم ترتيبهـا يغيـر رأيـه حـول عبــارة كنـت أفكـر... ليســأل بــدلًا مــن ذلــك: هـل تكفيـك هـذه – أو تريديـن أكثـر؟ جملـة غامضـة أسـيء ترتيبهـا ولـم تفهمهـا جـودث. مـاذا يقصـد بــ هـذا، تسـأله، ومـا الشـيء الـذي يفتـرض بهـا أن تطلـب مزيـدًا منـه؟ قالـت: إنـه سـؤال غريـب لأنهـا سـعيدة تمامًـا حيـث هـي وفـي هـذه اللحظــة،، وكيـف يمكنهـا أن تطلـب مزيـدًا مـن شـيء تحقـق منـه مـا يفيـض عـن الحاجـة؟ يعتـذر بومغارتنـر لعـدم توضيـح مـا يقصـد .يقـول لهـا: إنـه لا يتحـدث عـن هـذه اللحظـة، التـي لا يمكـن أن تكـون أفضـل أو أكثـر كمـالًا ممـا هـي عليـه الآن، مــا صنعــاه علـى مـدى العاميـن الماضييـن معًـا هـو مـن العمـق ومـن التميـز بحيـث أنـه طـرح سـؤاله الغبـي ليعـرف إنْ كانـت تريـد أن تبقـى كمـا هـي أو تحـدث بعـض التغيير، لأنــه فــي حقيقــة الأمــر، يقــول لهــا، المرتــان أو الثــلاث فــي الأسـبوع لـم تعـد تكفـي وهـو يريـد أن يقضيـا وقتًـا أطـول معًـا، أطـول وقـت ممكـن، وهـو يتسـاءل عمـا إذا كانـت الفكـرة نفسـها قـد عبـرت تفكيرهـا، وإن لـم تكـن فهـل هـي مـع الفكـرة أو ضدهـا؟

تقـول جـودث: آه، فهمـت الآن. مئـة عصفـور صغيـر يحـوم داخـل مخـه الكبيـر القـوي، ويريـد أن يجلسـا ويتحدثـا، أليـس كذلـك؟ بعـد أن حــررت ذراعهــا اليســرى مــن قبضتــه تومــئ إلــى طاولــة المطبــخ بينمـا يتـرك بومغارتنـر ذراعيـه تنـزلان إلـى جانبيـه وتمشـي جـودث إلـى الثلاجـة بنعليهـا الصينييـن الأنيقيـن لتحضـر زجاجـة بـاردة .فـي هـذه الأثنـاء يسـحب بومغارتنـر كأسـين مـن الـدولاب الواقـع فـوق الكاونتــر ويســتخرج فتاحــة فليّــن مــن الــدرج الواقــع تحتــه مباشــرة ،وبينمـا يضـع الكأسـين علـى الطاولـة تضع جودث الزجاجـة بجانبهما .يسـحب كل منهمـا كرسـيًّا ويجلسـان وجهًـا لوجـه علـى طرفـي الطاولـة لتحـل اللحظـة الحاسـمة فجـأة.

يفتــح بومغارتنــر الزجاجة ويصــب كأســين. يرفــع أحدهمــا كأســه للآخــر ويرشــف كل منهمــا رشــفة وبعــد أن يضعــا الكأســين علــى الطاولــة تبــدأ جــودث.

 تقـول إنهمـا جـاءا إلـى مـكان رائـع معًـا، وإنهـا تشـعر بسـعادة معـه تفـوق سـعادتها مـع أي رجـل عرفتـه مـن قبـل. ذلـك مؤكـد. ومـع أنـه لـم يقـل ذلـك بتلـك الكلمـات، فإنهـا تعلـم أنـه يحبهـا، ولأنهـا الآن بـدأ يتكـون لديهـا إحسـاس أكثـر رهافـة بالكيفيـة التـي يعمـل بهـا ذهنـه، فإنهـا تـدرك أن مسـألة قضـاء وقـت أطـول معًـا هـي طريقتـه للمضــي نحــو الســؤال الأكبــر الــذي يخطــط لطرحــه فــي الدقائــق الثـلاث أو الأربـع التاليـة.

إنك تفهمينني تمامًا، أليس كذلك؟ يقول بومغارتنر

ليـس بالضبـط. مـا حـدث هـو أن الفكـرة خطـرت لـي سـتمئة مـرة علـى مـدى الشـهرين الماضييـن.

وماذا قررت؟

قـررت أننـي أشـعر بالنشـوة كلمـا فكـرت فـي الأمـر. قـررت أننـي أخــاف كلمــا فكــرت فــي الأمــر. قــررت أننــي أحتــاج إلــى مزيــد مــن الوقــت لأقــرر، وفــي الوقــت الحالــي أريــد أن نمضــي علــى نفــس الــدرب الــذي نســير عليــه ونتــرك المســتقبل يقــرر البقيــة.

بينمــا كانــت كلماتهــا تســتقر داخلــه،  كان بومغارتنــر يشــعر بالخـدور. يشـعر أن رأسـه غريـب، كمـا لـو أن جمجمتـه تتمـدد فجـأة وتمتلـئ بالفـراغ، المزيـد والمزيـد مـن الفـراغ إلـى أن يشـعر بالـدوار وأنـه مشـدوه وينجـرف بعيـدًا، بعيـدًا جـدًا. يـرى نفسـه مثـل ملاكـم ،مثـل ملاكـم فـي مبـاراة غيـر متكافئـة، أسـقطه خطـاف أيسـر، لكـن بومغارتنـر مـا يـزال فـي حالـة وعـي، هـو ليـس أسـفل بينمـا الحكـم يعـد، وبينمـا ينهـض ببـطء مـن أرض الحلبـة علـى سـاقيه المرتجفتين ،يتمكـن مـن قـول مـا يلـي: قبـل أن نبـدأ بالنـوم معًـا، كنـت أعيـش وحدي لثمانـي سـنوات دون أن أشـعر بأننـي وحيـد أكثـر ممـا ينبغـي، أخـوض فــي مــا أســميه نوعًــا محتمــاً مــن العزلــة البالغــة الألــم، لكــن فــي اللحظـة التـي دخلـت فيهـا حياتـي، تحولـت حياتـي إلـى حيـاة مختلفـة ،وبـت الآن أكـره العيـش وحـدي. بعـد قضائنـا ليلـة معًـا فـي منزلـي ،تغادريـن فـي الصبـاح وأجدنـي حبيـس الفـراغ فـي كل تلـك الغـرف ،أتمنـى لـو كنـت معـي، وحيـن نقضـي ليلـة معًـا هنـا، أصيـر الشـخص الـذي يرحـل فـي الصبـاح عائـدًا إلـى ذلـك البيـت الفـارغ المسـكون بالأشـباح. إن الوحـدة قاتلـة يـا جـودث، وقطعـة قطعـة تأكلـك حتـى تبتلـع جسـدك كلـه. ليـس للإنسـان حيـاة دون اتصـال بالآخريـن، وإذا كنــت محظوظــة بمــا يكفــي لتكونــي متصلــة بعمــق بشــخص آخــر ،متصلـة بالقـدر الـذي يجعـل الشـخص الآخـر مهمًّـا لـك بقـدر مـا أنـت مهمـة لنفسـك، فعندئـذٍ تصيـر الحيـاة أكثـر مـن ممكنـة، تصيـر طيبـة .مـا نملكـه طيـب، لكنـه لـم يعـد طيبًـا بمـا يكفـي، ليـس بالنسـبة إلـيّ، علـى أي حـال، ومـا لا أسـتطيع فهمـه هـو لمـاذا تخيفـك فكـرة الـزواج.

إنـه يـرى التركيـز الحـاد فـي عينـي جـودث، يراقبهـا وهـي تجمـع أفكارهــا ثــم تقــول، بلطفهــا المعهــود: وضعانــا مختلفــان تمامًــا، يــا ســي. أنــت فقــدت آنــا بعــد زواج طويــل وجميــل، وحطمــك فقدهــا لســنوات. أنــا خرجــت مــن زواج طويــل ووحشــي مــع رجــل كرهتــه ،وفرحـت حيـن حـزم حقائبـه وغـادر. حـدث ذلـك منـذ أربعـة أعـوام فقــط، ومنــذ ذلــك الحيــن وأنــا امــرأة حــرة، مــا زلــت مســؤولة عــن عملـي بالطبـع، لكـن عـدا عـن ذلـك أنـا مديـرة نفسـي، أتحكـم تمامًـا فــي كل قــرار أتخــذه. ذلــك مــا يجعلنــي أتــردد علــى نيويــورك بتلــك الكثــرة، لأننــي أريــد ذلــك. أدعــى إلــى كل الأشــياء، وإذا كان هنــاك مؤتمــر أو عــرض ســينمائي أو إطــلاق وأريــد الذهــاب إليــه، فإنــي أذهـب إليـه. أسـتمتع بالضجيـج المحيـط، إنـه ينعشـني، ثـم أعـود إلـى برنسـتون لأعطـي دروسـي وأكـون معـك، الرجـل الـذي أحـب، الرجـل الـذي أريـد المضـي فـي حبـه طالمـا هـو يتقبلنـي، وهـو مـا آمـل أن يسـتمر إلـى الأبـد، وكيـف لـي أن أطلـب مـا هـو أكثـر مـن ذلـك؟ إنهـا الحيـاة طالمـا حلمـت بهـا، يـا سـي، والآن وأنـا فـي غمرتهـا أعيشـها بقـدر مـا أسـتطيع .

يسـتمر الحـوار لسـاعتين ولكنهمـا بعـد مضـي عشـرين أو ثلاثيـن دقيقــة مــن الحــوار يبــدآن بتكــرار نفســيهما، يتنقــلان جيئــة وذهابًــا علــى الأرضيــة نفســها بتعديــات طفيفــة فــي مقاربتهمــا للمشــكلة ،ذلــك أنــه علــى الرغــم مــن موقفيهمــا المتعارضيــن ممــا يجــب فعلــه فــي الخطــوة القادمــة. فــإن كل واحــد يــدرك وجهــة نظــر الآخــر ويسـتطيع حتـى أن يتعاطـف معهـا، ولكـن بقـدر مـا يؤيـد تـوق جـودث إلــى الحريــة والاســتقلال وتحقيــق الــذات، فإنــه يقــول لهــا إن مــن غيـر المعقـول أن تظـن أن تلـك الأشـياء ستسـلب منهـا لـو عاشَـا معًـا ،الأمـر الـذي يقـود إلـى الموضـوع الحسـاس، زواجهمـا الأول، وكيـف أنـه وآنـا كليهمـا وجـدا الحريـة وتحقيـق الـذات بينهمـا يعيشـان معًـا فـي البيـت نفسـه، فـي حيـن أن جــودث، كمـا تقـول، وجـدت نفسـها تختنـق بصـورة متزايـدة بسـبب جـو المتهـور المغـرور، مـا يفسـر لمـاذا هـي متـرددة فـي المغامـرة، بينمـا هـو يثـب إلـى الأعلـى والأسـفل علـى لـوح القفـز متلهفًـا للغطـس. تقـول إنهـا تحتـاج إلـى وقـت وعليـه ألا يضغـط عليهـا لاتخـاذ القـرار حيـن لا تكـون جاهـزة، وهـو الصحيـح ،كمـا يتبيـن لبومغارتنـر، بـل هـو أقـرب إلـى الإنـذار، ولـذا يتراجـع بـدلًا مـن متابعـة الحجـج التـي سـار عليهـا، مغلقًـا فمـه عندمـا كان يوشـك أن يخبرهـا أن لا شـيء مـن ذلـك لـه علاقـة بآنـا أو جـو وأن السـبب فـي كـون هـذه المسـألة أكثـر إلحاحًـا بالنسـبة إليـه ممـا هـي بالنسـبة إليهـا هـو أن لديهـا مـن الوقـت أكثـر ممـا لديـه، وبنـاء علـى تفسـيرها لكلمـة وقـت فـإن ثمـة فرصـة قويـة أنـه سـيكون قـد مـات قبـل أن تتخـذ قرارهـا. ومـع ذلـك فـإن هـذا الانسـحاب الاسـتراتيجي إلـى الصمـت يبـدأ بتخفيـض درجـة حـرارة الغرفـة، وقبـل مضـي وقـت طويـل هـا هـي ذي تمنحـه تنـازلًا مهمًـا. إحـدى الصعوبـات فـي ترتيبهمـا الحالـي أن يوميـن أو ثلاثـة أيـام غامضــة أكثــر ممــا ينبغــي. يومــا الثلاثــاء والخميــس كانــا ثابتيــن إلــى حــد مــا علــى أســاس أنهمــا «اليومــان» لكـن اليـوم الثالـث ظـل مصـدر إزعـاج المـرة تلـو الأخـرى؛ مـا أدى إلـى الخلـط المقلـق فـي الاتصـالات والرسـائل للتأكـد ممـا إذا كان مؤكـدًا أو غيـر مؤكـد، فـإن كان مؤكـدًا فهنـاك خلـط آخـر لتوضيـح مـا الزمـان والمـكان والكيفيـة، فـإن ألغـي فإنـه ينتهـي إلـى الشـعور بالقـرف مـن نفسـه لبذلـه كل ذلـك الجهـد الضائـع فـي شـيء يتبيـن أنـه ليـس أكثـر مــن لاشـيئ  لــن أشــكك فــي حاجتــك إلـى المزيـد مـن الوقـت للإجابـة عـن السـؤال الكبيـر، لكـن بالنسـبة إلـى السـؤال الأصغـر، يبـدو لـي أن مـن الأفضـل لنـا معًـا لـو وافقنـا علـى اليـوم الثالـث، الـذي يبـدو أنـه سـيكون يـوم سـبت، لـذا لنجعلـه يـوم سـبت، جـاء الطوفـان أو لـم يـأت، وإن كان اليـوم الـذي تريديـن الذهـاب فيـه إلـى نيويـورك يـوم سـبت، فسـأذهب معـك وأحضـر أي مؤتمـر أو عـرض أو افتتـاح تخططيـن للذهـاب إليـه، ثـم نقضـي الليـل فــي فنــدق أنيــق ونطلــب مــن خدمــة الغــرف فطــورًا متأخــرًا صبــاح الأحـد. هـذا مـا لـم يكـن لديـك صديـق مخبـأ فـي جحـر سـري علـى الأفنيـو الثانـي، فعندئـذٍ طبعًـا لـن أصـر .

تغتنـم جـودث الفرصـة لتضحـك مـن تقليـد بومغارتنـر الضعيـف لبطـل أحـد الأفـلام. تقـول لـه: لا تجعـل نفسـك حكيمًـا علـي يـا سـيّد .لـدي صديـق واحـد فـي حياتـي، فهمـت؟ والحـروف الأولـى مـن اسـمه مثـل حروفـك، فهمـت؟ لـذا أغلـق فخـك .

هكــذا ينتهــي الحــوار. رفضتــه جــودث، لكنهــا فــي الوقــت نفســه منحتـه كسـرة صغيـرة يفتـرض أن تشـعره بالامتنـان، وهـو مـا يشـعر بــه، فــي تقديــره، ومــع ذلــك فبعــد القبــول بذلــك القليــل وقــد أمّــل بالكثيــر، يــدرك أنــه أنُــزل إلــى مســتوى المســتجدي، يطــرق البــاب الخلفـي للقصـر يتسـول مـن الخادمـة الملكيـة التـي تغسـل الأطبـاق بعــض بقايــا الطعــام مــن طبــق الملكــة.

أثنـاء مشـيه إلـى بيتـه بعـد ظهـر اليـوم التالـي، اليـوم الـذي يسـبق بأربعــة أيــام الذكــرى العاشــرة لمــوت آنــا، يــدرك أنــه ســيتزوج مــرة واحـدة فـي حياتـه. ستسـتمر جـودث فـي تأجيلـه حتـى ييـأس ويمضـي فــي ســبيله أو يبقــى كمــا هــو ويقبــل بالاســتمرار يلعــب دوره حســب القواعــد التــي وضعتهــا إلــى أن يحيــن اليــوم الــذي تتركــه فيــه. إنــه مسـن بالنسـبة إليهـا، ولـن تتزوجـه أبـدًا، مـع أنهـا تحبـه بطريقتهـا ،ربمـا بقـدر حبـه لهـا، لكنـه مجـرد وقفـة فـي حياتـه بينمـا تتعافـى مـن الجـراح التـي خلفتهـا أعوامهـا مـع جـو، ومـا إنْ تقـف علـى قدميهـا سـتقع فـي حـب شـخص أكثـر شـبابًا وإثـارة منـه وسـيكون كل شـيء فـي مكانـه.

لأن كل هــذا ســيحدث فــي غضــون الأشــهر التســعة القادمــة ،ولأن جــودث لــن تتــرك بومغارتنــر لرجــل آخــر فقــط وإنمــا ســتترك نيوجيرســي وتتجــه إلــى كاليفورنيــا لتشــغل كرســي فــي قســم الفلــم فـي جامعـة كاليفورنيـا فـي لـوس أنجلـس، فسـنتجاوز تفاصيـل تلـك الأشـهر. بـدلاً مـن ذلـك سـننهي هـذا الفصـل ببومغارتنـر جالسًـا إلـى مكتبـه، قلمـه فـي يـده، بعـد سـاعة مـن عودتـه مـن بيـت جـودث فـي 12 أغسـطس 2018. إنـه يخربـش واحـدة أخـرى مـن الحكايـات المتخيلة القصيـرة التـي كتبهـا عبـر السـنين، أشـياء لا أهميـة اعتـاد أن يرميهـا فـي درج ولـم يهتـم بعرضهـا علـى أحـد، ولا حتـى آنـا. ومـع ذلـك فإنـه يمضــي فــي كتابتهــا فــي لحظــات التوتــر العاليــة، وبمــا أن معنويــات بومغارتنـر عنـد مسـتوى متـدنٍ فـي تلـك الظهيـرة وهـو ينـدب مـوتمـا أحـس أنـه آخـر فرصـة لـه للحـب، فلربمـا سـتعين هـذه المسـامرة القـارئ علـى فهـم الحالـة الذهنيـة لبطلنـا فـي تلـك اللحظـة بعينهـا وفـي ذلـك اليـوم بعينـه.

حكم بالسجن مدى الحياة

كنـت للتـو قـد تجـاوزت السـابعة عشـرة حيـن أصـدر القاضـي فـي الدائـرة الشـمالية حكمـه علـيّ بمـا سـماه «حيـاة لصناعـة الجُمل». كان ذلـك منـذ أكثـر مـن نصـف قـرن، ومنـذ ذلـك الحيـن وأنا أعيـش وحيدًا فـي زنزانـة فـي الطابـق الثالـث مـن الإصلاحيـة رقـم 7. أعتـرف بـأن الحكـم كان قاسـيًا، لكـن إنصافًـا للمسـؤولين، لـم يغلـق بـاب زنزانتـي مطلقًـا، وفـي ذهنـي قليـل مـن الشـك فـي قدرتـي علـى الخـروج مـن هنـا متـى شـئت. وليـس الأمـر أننـي لـم أجـد مـا يغـري، ولكـن لأسـباب لـم أسـتوعبها تمامًـا، شـئت أن أبقـى.

سـجاني الـذي صـار عجـوزًا الآن، علـى الأقـل بنفـس سـني إن لـم يكـن أكبـر، لـم يسـبق أن قـال لـي كلمـة واحـدة. لأكثـر مـن خمسـين عامًـا، كان يأتـي بوجبـات الطعـام ثـلاث مـرات فـي اليـوم، وكان ثـلاث مــرات فــي اليــوم علــى مــدى العشــرين عامًــا الأولــى يضحــك كلمــا دخـل ورآنـي منحنيًـا علـى الطاولـة أعمـل علـى جملـي. وعلـى مـدى العشــرين عامًــا التاليــة كان يضــع يــده علــى فمــه ويضحــك ضحكــة نصـف مكبوتـة. الآن صـار يكتفـي بهـز رأسـه والتـأوه.

وكان هنــاك ســجين آخــر فــي الزنزانــة علــى بعــد بابيــن عنــي ،رجـال اسـمه برونسـون أو براونسـون، وكنـا نتحـدث أحيانًـا عن الطعام والبطانيـات الخفيفـة علـى سـررنا، لكـن برونسـون أو براونسـون لـم يقـل لـي شـيئًا طـوال الأعـوام الخمسـة أو السـتة الماضيـة، مـا يعنـي ربمـا أنـه ميـت. لا شـك أنهـم حملـوه ذات ليلـة بينمـا كنـت نائمًـا.

مـن صمـت الممـر هـذه الأيـام أشـك أننـي الوحيد الباقـي في جناح الحبـس الانفـرادي مـن السـجن. يوحـي المـكان بالوحشـة، كمـا أظـن ،لكنـه ليـس سـيئًا جـدًا. تتطلـب الجملـة جهـدًا كبيـرًا، والجهـد الكبيـر يقتضـي تركيـزًا عظيمًـا، وبمـا أن جملـة واحـدة يتحتـم عليهـا أن تتبـع أخـرى لبنـاء عمـل يتألـف مـن جمـل، فـإن المطلـوب هو التركيـز الكبير طـوال اليـوم، مـا يعنـي أن الأيـام تمضـي بسـرعة بالنسـبة لـي، كمـا لـو أن كل سـاعة تسـجلها السـاعة ليسـت أطـول مـن دقيقـة. بعـد خمسـين سـنة وأكثـر مـن الأيـام التـي تمضـي بسـرعة، تبـدو حياتـي كمـا لـو أنهـا مضـت فـي غمضـة عيـن. صـرت عجـوزًا، وطالمـا اسـتطعت إمسـاك قلـم الرصـاص بيـدي ورؤيـة الجملـة أمامـي، فسـأمضي علـى نفـس الروتيـن الـذي أتبعـه منـذ الصبـاح الـذي وصلـت فيـه إلـى هنـا. وإن جـاءت اللحظـة أخيـرًا التـي لا أتمكـن فيهـا مـن الاسـتمرار، فـكل مـا علـي فعلـه هـو أن أقـف وأغـادر. وإن بلـغ بـي العمـر أننـي لا أسـتطيع المشـي عندئـذٍ، فسـأطلب مـن سـجاني أن يسـاعدني. أنـا متأكـد مـن أنـه سيسـعد برؤيتـي أغـادر .

الفصل التالي الفصل السابق

مقالات ذات صلة