يعمــل بومغارتنــر علــى فكــرة جديــدة. لقــد حــل يونيــو وبانتهائــه مــن كتابــه الصغيــر عــن كيركيغــارد وركبتــه الجريحــة وقــد غادرهــا الألـم تقريبًـا، فإنـه يغـوص فـي متاهـة العاقـة المعقـدة بيـن العقـل والجســد التــي تســمى متلازمـة الأطـراف الوهميـة. إنــه يشــك أن الفكــرة غرســت فــي ذهنــه فــي أبريــل الماضــي عندمــا أخبرتــه روزيتــا عــن حادثــة أبيهــا مــع المنشــار الأزاز، فحتــى لــو لــم تعــرف مــا يكفــي لإخبــاره بــأي تفاصيــل، فقــد مــلأ بومغارتنــر الفراغــات بنفســه، متخيـلا المشــهد الدمــوي بتكــرار علــى مــدى الســاعات العديـدة التاليـة بحيـث شـعر كمـا لـو أنـه شـاهد بعينيـه الشـفرة وهـي تقطـع جلـد النجـار. وكان مـن الرحمـة بالسـيد فلوريـس أن إصبعيـه المقطوعتيــن ثبتتــا بيــده فــي ذلــك الصبــاح نفســه، ولكــن كمــا علــم بومغارتنـر بعـد ذلـك، فـي حالـة القطـع النهائـي يسـتمر كل شـخص تقريبًــا ممــن فقــدوا ذراعًــا أو ســاقًا يشــعرون أن ذلــك العضــو مــا زال مربوطًـا بجسـده أو جسـدها لعـدة سـنوات بعـد ذلـك، وأن ذلـك يكــون مصحوبًــا بألــم شــديد، بحكــة، وبتشــنجات لا إراديــة، وأيضًــا بإحسـاس بـأن العضـو قـد ضمـر أو أنـه ملـوي فـي وضـع بالـغ الألـم .لقـد أمضـى بومغارتنـر وقتًـا يحـرث الكتابـات الطبيـة حـول الموضـوع باجتهـاده المعتـاد. درس أعمـال متشـل وسـاكز وميلـزاك وبونـز وهِـل ومـا نتشـيكانت وراماتشـاندران وكولنـز وباربـن، وعـددٍ كبيـرٍ آخـر، مـع أنـه يعـرف أن اهتمامـه الحقيقـي ليـس فـي الجوانـب البيولوجيـة أو العصبيـة للمتلازمـة بقـدر مـا هـو فـي قدرتهـا علـى أن تكـون مجـازًا للألــم والفقــد البشــريين .
إنــه المجــاز الــذي ظــل بومغارتنــر يبحــث عنــه منــذ وفــاة آنــا الســريعة وغيــر المتوقعــة قبــل عشــرة أعــوام، يبحــث عــن المــوازي الأكثـر إقناعًـا وتأثيـرًا لوصـف مـا حـدث لـه منـذ ذلـك الظهـر الحـار والشــديد الريــاح فــي أغســطس ٢٠٠٨ حيــن رأت الآلهــة أن مــن المناسـب سـرقة زوجتـه منـه وهـي فـي قمـة حيويتهـا وشـبابها لتنتـزع أعضــاءه مــن جســده هكــذا، أعضــاؤه الأربعــة: الذراعــان والســاقان معًــا فــي الوقــت نفســه، وإذا كان رأســه وقلبــه لــم يمســا مــن تلــك الهجمـة، فـإن ذلـك لأن تلـك الآلهـة منحتـه الحـق الملتبـس بالمضـي فـي الحيـاة دونهـا. إنـه كتلـة بشـرية صمـاء الآن، نصـف رجـل فقـد النصـف الـذي اكتمـل بـه. صحيـح أن الأعضـاء المفقــودة مــا زالــت موجــودة ولا تــزال تؤلــم، تؤلــم إلــى درجــة أنــه أحيانًــا يشــعر أن جســده علــى وشــك أن يشــتعل ويحرقــه رأسًــا.
طــوال الأشــهر الســتة الأولــى عــاش فــي حالــة اضطــراب عميــق بحيـث إنـه كان أحيانًـا يصحـو فـي الصبـاح وقـد نسـي أن آنـا ميتـة .كانـت دائمًـا تصحـو قبـل أربعيـن دقيقـة أو سـاعة مـن تمكنـه مـن فتـح عينيــه، ولــذا اعتــاد أن يتــرك الســرير وليــس فيــه أحــد ثــم يمشــي كالنائــم إلــى مطبــخ خــالٍ لإعــداد إبريــق مــن القهــوة لنفســه، مــع سـماع صـوت آلتهـا الكاتبـة غالبًـا وهـي تطقطـق بصـوت خافـت فـي الغرفـة الصغيـرة علـى الطـرف الآخـر مـن الطابـق الأرضـي أو سـماع خطواتهـا تتحـرك فـي غـرف الطابـق الأعلـى أو ألا يكـون هنـاك أي صـوت مطلقًـا؛ مـا يعنـي فقـط أنهـا كانـت تقـرأ كتابًـا أو تتطلـع مـن النافـذة أو مشـغولة بنشـاط صامـت فـي مـكان آخـر مـن البيـت. يفسـر ذلـك لمـاذا كانـت تلـك الفجـوات الغريبـة فـي الذاكـرة تحـدث فقـط فـي الصبـاح، قبـل أن يكـون قـد اسـتعاد وعيـه الكامـل وبـدأ يمـارس نشـاطه تحـت هيمنـة عـادات قديمـة تشـكلت علـى مـدى حيـاة كاملـة مـن الحيـاة المشـتركة مـع آنـا، كمـا حـدث فـي الصبـاح بعـد عشـرة أيـام مـن مراسـم الجنـازة عندمـا جلـس علـى أحـد كراسـي المطبـخ ومعـه كـوب قهـوة يتصاعـد بخـاره لتتجـول عينـاه وتقعـان علـى كومـة مجـلات مفتوحـة ومراكمـة علـى الطاولـة دون ترتيـب. كانـت إحـدى الصفحـات بـارزة وعليهـا رأى مـا بـدا أنـه عنـوان فـي نيويـورك ريفيـو أوف بوكـز يقـول: «حقيقـة الطقـس». وكان عنـوان الكتـاب الـذي تتناوله المراجعـة «ميـاه العالـم»، واسـم المؤلفـة سـاره دراي.
«مياه العالم» تأليف ساره دراي
كان الربـط بيـن هـذه غيـر متوقـع أبـدًا وبالـغ الفجاجـة فـي بنائـه الصبيانـي إلـى درجـة أن بومغارتنـر أطلـق ضحكـة مدهوشـة وقصيرة ،ضـرب بيـده علـى الطاولـة ووقـف.
خـذي يـا آنـا الكثيـر مـن هـذا، قالهـا وهـو يمشـي باتجـاه غرفـة الجلــوس. ســتبللين بنطالــك مــن الضحــك.
قــدّر أنهــا موجــودة حتمًــا فــي غرفــة الجلــوس لأن الآلــة الكاتبــة كانـت صامتـة ولـم تكـن تأتـي أصـوات مـن أرضيـة الطابق الأعلـى. لذا كانـت متكـورة فـي صوفـا ومعهـا كتـاب، متسـلحة بقلـم رصـاص بيدهـا اليمنـى للتأشـير علـى مقاطـع اجتذبتهـا، وإن لـم تكـن تسـتعمل قلـم الرصـاص فـي تلـك اللحظـة فقـد وضعتـه دون شـك فـي فمهـا وكانـت شــاردة الذهــن وهــي تمضــغ الطــوق المعدنــي المحيــط بالممحــاة الورديـة القصيـرة. كانـت كل تلـك الصـور تمـر فـي ذهنـه وهـو يمشـي نحوهـا فـي غمـرة نسـيان - ثـم دخـل غرفـة الجلـوس الخاليـة وتذكـر .عــادت كل أفــكاره حــالًا إلــى الجنــازة وهــا هــو هنــاك مــع الآخريــنكلهـم قبـل عشـرة أيـام، يقـف إلـى جـوار قبـر مفتـوح بينمـا كان الهـواء يهـب بقـوة تـؤذن بالعاصفـة المداريـة التـي كانـت تزحـف على السـاحل بريـاح متصاعـدة، تيـارات هـواء مـن القـوة بحيـث طـارت بقبعـة أختـه عـن رأسـها وحملتهـا إلـى الجـو، شـيء أسـود يلتـف ويمضـي متعرجًـا عبـر السـماء مثـل طائـر مجنـون إلـى أن هبطـت أخيـرًا علـى الأغصـان العليـا مـن إحـدى الأشـجار.
قـال الـذي يواسـي الحـزن: إنـك مُتخـدر. لـم تسـتوعب مـا حـدث لـك.
قـال بومغارتنـر لنفسـه: كل مـا حـدث لـم يحـدث لـي وإنمـا لآنـا .إنهـا ميتـة بسـببه، ولأننـي شـاهدت جسـدها الميـت علـى الشـاطئ ،ولأننـي حملـت ذلـك الجسـد الميـت فـي ذراعـيّ، فقـد اسـتوعبت مـا حــدث لهــا. مــا لا أســتطيع اســتيعابه هــو أنهــا أصــرت علــى العــودة إلـى المـاء مـرة أخيـرة، مـع أن الريـح قـد نشـطت والمـاء يضطـرب ،مـع أمـواج تتعالـى متدفقـة وصاخبـة فـي تكسـرها، لكـن عندمـا قلـت لهـا إن الوقـت تأخـر وعلينـا أن نعـود إلـى البيـت، ضحكـت ثـم قفـزت علــى المــوج المتكســر. تلــك كانــت آنــا، شــخص يفعــل مــا يريــد ولا يقبــل الاعتــراض، شــخص ذو نــزوات ومعنويــات عاليــة، فضــاً عــن كونهـا سـباحة ماهـرة .
قــال مواســي الأحــزان، أنــت تلــوم نفســك. ذلــك مــا يبــدو أنــك تقولــه لــي.
لا، لا ألــوم نفســي. كان مــن غيــر المجــدي أن أصــر. لــم تكــن إنســانًا يمكنــك توجيهــه أو إعطــاؤه الأوامــر. كانــت ناضجــة، ليســت طفلـة، وقرارهـا بوصفهـا امـرأة ناضجـة هـي العـودة إلـى المـاء، ولـم أكـن بصـدد إيقافهـا. لـم يكـن لـي الحـق فـي ذلـك.
إن لم يكن اللوم فهو الشعور بالأسف، بل الندم.
لا، ولا مــرة أخــرى. أرى مــن تعابيــر وجهــك أنــك تعتقــد أننــي أقاومـك، ولكننـي لا أفعـل. الأمـر هـو فقـط أننـا بحاجـة إلـى توضيـح مــا نريــد قبــل أن نغــوص ونبــدأ الحديــث. نعــم كان يمكــن أن تكــون علـى قيـد الحيـاة لـو أنهـا لـم تعـد إلـى المـاء، لكننـا لـم نكـن لنسـتمر أكثـر مـن ثلاثيـن عامًـا معًـا لـو أننـي فعلـت أشـياء مثـل إيقافهـا عـن الذهــاب إلــى المــاء حيــن أرادت ذلــك. الحيــاة خطــرة، يــا ماريــون ،ويمكـن لأي شـيء أن يحـدث لنـا فـي أيـة لحظـة. تعـرف ذلـك، وأعـرف ذلــك، وكل شــخص يعــرف ذلــك - وإن لــم يعرفــوا فإنهــم لــم يكونــوا منتبهيـن، وإن لـم تنتبـه فإنـك لسـت حيًّـا بصـورة كاملـة .
بم تشعر الآن، في هذه اللحظة؟ تعيس، بائس. متناثر وقطعي بالآلاف .
بتعبير آخر، منفصل عن العالم، لست أنت.
هكـذا أفتـرض. لكـن إلـى الحـد الـذي يمكننـي مـن فهـم مـا أمـر بـه فـي هـذه اللحظـة، يمكننـي أن أقـول بصـدق إننـي لا أشـعر بالأسـف ،ولسـت غارقًـا فـي التأسـي علـى نفسـي أو أتوسـل إلـى السـماء: لمـاذا أنـا؟ لمـاذا ليـس أنـا؟ النـاس تمـوت. يموتـون صغـارًا، يموتـون مسـنين ،يموتـون عنـد الثامنـة والخمسـين. أفتقدهـا، هـذا كل مـا فـي الأمـر .إنهـا الإنسـان الوحيـد فـي العالـم الـذي أحببـت، والآن علـيّ أن أجـد طريقـي للمضـي فـي الحيـاة مـن دونهـا .
فـي تلـك الليلـة قبـل عشـر سـنوات، بعـد جلسـته الأولـى والأخيـرة مــع ماريــون مستشــار الحــزن، ذهــب بومغارتنــر إلــى مكتــب آنــا الصغيـر فـي الطابـق الأرضـي وأمضـى عـدة سـاعات يطالـع أوراقهـا ومخطوطاتهـا. كان الـدولاب محشـورًا مـن الأرض حتـى الذقـن بنسـخ أوليـة ونسـخ للمراجعـة مـن ترجماتهـا المنشـورة، لا تقـل عـن خمسـة عشــر أو ســتة عشــر كتابًــا علــى مــدى الخمســة والعشــرين عامًــا الماضيــة، معظمهــا مــن الفرنســية والإســبانية إلــى جانــب اثنتيــن مـن البرتغاليـة أيضًـا، نفـس العـدد تقريبًـا مـن الروايـات ومجموعـات القصائـد، كلهـا كان قـد قرأهـا مرتيـن أو ثلاثًـا وعرفهـا عـن قـرب ،ولــذا فقــد أغلــق الــدولاب وانتقــل إلــى خزانــة الملفــات فــي إحــدى زوايـا الغرفـة، أربعـة أدراج عميقـة وواسـعة ضمـت كتاباتها الشـخصية فــي مراحــل مختلفــة مــن الاكتمــال حزمــة منتفخــة مــن القصائــد تعــود إلــى المدرســة الثانويــة وتســتمر حتــى مــا قبــل غرقهــا بثاثــة أســابيع، نســخة مطبوعــة ومصححــة باليــد لروايتيــن ألغيتــا، عــددًا مـن القصـص القصيـرة، اثنتـي عشـرة مراجعـة، وصندوقًـا متوسـط الحجــم مــن الكتابــات (ســير ذاتيــة) تجلــس وحدهــا أســفل الــدرج .التقـط بومغارتنـر الصنـدوق، حملـه إلـى مكتبهـا، جلـس علـى كرسـيها ورفـع الغطـاء. النـص الـذي فـوق الـركام كان متماسـكًا بمشـبك ورقـي صـدئ، مـا يعنـي أنـه قديـم، نـص كتـب منـذ سـنوات وسـنوات، ربمـا فــي الأيــام الأولــى للــزواج، أو ربمــا قبــل ذلــك. أمســكه بيديــه وبــدأ يقـرأ.
فرانكي بويل
فــي مرحلــة الطفولــة المبكــرة، فــي الســنوات التــي يحُتقــر فيهــا طفــل الخامســة والسادســة والســابعة والثامنــة، كانــت البيســبول رياضتــي وكنــت أجــري مــع الأولاد، وهــي مكانــة كان علــي أن أكافــح للوصـول إليهـا بـأن أضـرب مارفـن هاولـز حتـى أدمـي أنفـه، هاولـز الـذي كان زعيـم المجموعـة، ومـا إن كسـبت احتـرام العصابـة وسـمح لــي بالمشــاركة فــي ألعــاب فتــرة مــا بعــد الــدروس وفــي الســباقات ،أثبــت أننــي بمهــارة أي منهــم وأفضــل مــن معظمهــم، ذلــك أنــه فــي الأيـام الماضيـة حيـن كان للبنـت الصغيـرة مجـد محـاكاة الأولاد، كان يمكننـي أن أجـري أسـرع مـن أي منهـم ووجـدت مركـزي فـي منتصـف الملعــب لــكل الفــرق التــي لعبــت معهــا. إضافــة إلــى ســرعة ســاقيّ وقدمـي، كانـت ذراعـي أكثـر مـن قـادرة، ذلـك أننـي كنـت بنتًـا لا ترمـي مثـل البنـت وإنمـا مثـل الولـد، ومـع أننـي افتقـرت إلـى العضـلات التـي تمكننـي مـن الضـرب بقـوة تذكـر، فقـد كنـت أرسـل الرميـة المفـردة تلـو الأخـرى وأحيانًـا أضاعـف الفجـوة، رميـات مـن الكثـرة بحيـث أنني مــن النــادر ألا أكــون فــي القاعــدة، الأمــر الــذي ثبّــت دوري بوصفــي لاعبــة متقدمــة ومحرضــة رئيســة علــى تحقيــق نقطــة بعــد جــولات نصفيـة متتاليـة وناجحـة. ثـم بلغنـا التاسـعة كلنـا وأرسـل لـي سـادة الجهـل أول صفعـة خشـنة علـى وجهـي. كنـا قـد كبرنـا بحيـث انضممنا إلـى الـدوري الصغيـر، محاولتنـا الأولـى فـي البيسـبول المنظـم بعـد ســنوات مــن اللعــب فــي الحدائــق العامــة والأفنيــة الخلفيــة، عالــم مضـيء جديـد مـن الملاعـب المنظمـة، وملابـس الفـرق، والمدربيـن ،والحـكام، ومنصـات الجمهـور، شـكل مصغـر ممـا هـو حقيقـي، لكـن حسـب قواعـد ذلـك الزمـن، القواعـد البدائيـة التـي اسـتمرت أطـول ممـا ينبغـي فلـم يفدنـي إلغاؤهـا. كان الـدوري الصغيـر لـلأولاد فقـط ،لذلـك منعـت لاعبـة الوسـط السـريعة القـادرة علـى إرسـال الكـرة فـي أي اتجــاه مــن الدخــول إلــى ذلــك العالــم الســحري، وانتهــى مســار حياتهـا فـي اللعبـة الأمريكيـة العظيمـة .
مزحــة ثقيلــة، كمــا كنــا نقــول حينئــذٍ، لكنــي تلقيــت خيبــة الأمــل بألــم وبقيــت مســتاءة مــدة أطــول ممــا ينبغــي، تتغيــر أحوالــي ســلبًا وإيجابًـا لمـدة عـام، أجـد العـزاء الروحـي فقـط فـي صالـة الرياضـة المشـتركة التـي اسـتمرت حتـى نهايـة الدراسـة الابتدائيـة، أي حتـى بلغنــا الحاديــة عشــرة والثانيــة عشــرة، حيــث لعبتــا الكــرة الناعمــة وكـرة المراوغـة اللتـان أثبـت نفسـي فيهمـا فـي وجـه لاعبيـن مكرسـين ببزاتهـم البيضـاء الرائعـة التـي تحمـل شــعار الــدوري الصغيــر، الأولاد المحظوظيــن الذيــن وقفــوا ضــدي حينئـذٍ وبـرزوا لكـي يثبتـوا أننـي كنـت لا أسـاوي شـيئًا، أنثـى تافهـة ،وكيـف كان الشـعور بديعًـا أن أعبـر خـط ضرباتهـم فـي المركز الأيسـر مــن الملعــب وأحرمهــم مــن إصابــة أهدافهــم المؤكــدة، متبِْعــة ذلــك بالمتعـة الأكبـر حيـن رأيتهـم يلقـون بأيديهـم فـي غضـب مصـدوم وأنـا أرمــي الكــرة بهــدوء إلــى الميــدان، أو حيــن يكــون الطقــس ممطــرًا وفـي الشـتاء فنلعـب فـي الداخـل، كـم يكـون الشـعور مريحًـا إذ أحطـم وجوههــم بواحــدة مــن قذفاتــي الكاســحة، الأمــر الــذي وصــل فــي إحــدى المــرات إلــى درجــة إدمــاء أنــف مارفــن هاولــز نفســه الــذي ســبق أن أدميــت أنفــه فــي مــا مضــى. والأفضــل مــن كل ذلــك، لأنــه الأكثـر مـردودًا مـن كل شـيء، كانـت سـباقات التحـدي بعـد انقضـاء الـدروس، الأوقـات التـي تحديتهـم فيهـا أن يلحقـوا بـي فـي انطلاقـة السـتين يـاردة، سـباقات فرديـة فـي الملعـب بعـد جـرس الثالثـة، بنـت ضــد ولــد بينمــا يشــاهد ذلــك حشــد مــن الأولاد. طــوال الســنتين الأولييـن، لـم أخسـر مـرة واحـدة، وقـد وصلـت بـي الثقـة نتيجـة تلـك الانتصــارات إلــى التوصــل إلــى النتيجــة الخاطئــة وهــي أن الســرعة أبديــة، لكــن الســنة الثالثــة جــاءت وجــاء معهــا ولــد اســمه فرانكــي بويـل، شـاب محتـرم نحيـل ومشـع بأخـلاق عاليـة، الذكـر الوحيـد فـي الفصـل الـذي لـم يقـف ضـدي وظـل صديقـي، ومـع أننـي تفوقـت عليـه مرتيـن مـن قبـل فـي سـباقات مشـابهة، فقـد تعـرض فرانكـي لقفـزة فــي النمــو أثنــاء الصيــف، إلــى الحــد الــذي جعــل الولــد الــذي كان أقصـر منـي بقليـل يصيـر مـع بدايـة السـنة السادسـة الابتدائيـة أطـول منـي بثلاثـة إلـى أربعـة إنشـات حيـن أتطـاول إلـى أقصـى حـد. وهـا نحـن أولاء فـي الملعـب فـي مسـاء مضـيء مـن سـبتمبر بعـد يوميـن مـن بـدء الدراسـة، وبحضـور مجموعـة الأولاد المعتـادة الذيـن وقفـوا لتشـجيع مـن أعجبـوا بـه، وفـي هـذه المـرة خسـرت، خسـرت خسـارة واضحـة حيـن تجاوزنـي فرانكـي بويـل فـي الخطـوة السـابعة أو الثامنة ثـم زاد تقدمـه حتـى النهايـة، كان متقدمًـا إلـى حـد أننـا حيـن انتهينا لا بـدّ أننـي جئـت بعـده بمسـافة مضاعفـة. ابتهـج الجمهـور كثيـرًا، كمـا أتذكــر، وتلــت ذلــك سلســلة مــن الأغانــي التهكميــة –«كانــت، كانــت »إحداهـا– لكـن فرانكـي بويـل كان مـن كـرم الخلـق والإحسـاس اللامتناهـي بالآخـر بحيـث أنـه لـم يسـتغل صيحـات التأييـد مـن الأولاد الآخريـن وإنمـا أحاطنـي بذراعـه (أول ولــد يفعــل ذلــك علــى الإطــلاق) واصطحبنــي بعيــدًا عــن أرض المدرسـة، موضحًـا بهـدوء أنـه لـم يكـن سـباقًا عـادلًا لأنـه كان أكبـر وأقــوى بكثيــر ممــا كنــت، فقــد صــار مــن الــوزن الثقيــل بينمــا كنــت خفيفــة الــوزن، ومــن الــذي ســمع بخفيــف وزن يطيــح أرضًــا بثقيــل وزن، لكـن لـو قسـنا الأمـر بباونـد مقابـل باونـد، كمـا قـال، فإننـي أكـون الأفضــل فــي الجــري علــى مســتوى المدرســة، الفتــاة الأفضــل فــي الجـري فـي كل نيـو جيرسـي، ولـو أردت التـدرب للألعـاب الأولمبيـة حيــن أكــون فــي الســن المناســبة لانضمــام إلــى الفريــق الأمريكــي ،فســيكون مدربــي ويجعلنــي علــى مســتوى مــن الســرعة بحيــث أفــوز بالميداليـة الذهبيـة حسـب الرقـم القياسـي العالمـي. ربمـا كان ذلـك أجمـل مـا قيـل لـي، لكنـي عرفـت حيـن ضُربـت، فهمـت أن هزيمتـي فــي فنــاء المدرســة ذلــك اليــوم كانــت مؤشــرًا علــى هزائــم ســتتلو فـي الشـهر التالـي. بـدلًا مـن أن أتسـكع وأضيـع الوقـت فـي التفكيـر بقـواي المتناقصـة، انسـحبت بهـدوء مـن تحديـات السـباق بيـن البنـات والأولاد وبحثـت عـن مناشـط ترضـي حبـي للحركـة، تلـك التـي بـدا أن جسـدي المتأجـج والـذي لا يهـدأ يتطلبهـا بجرعـات كبيـرة، فنقلـت قدراتـي الداخليـة ومضيـت إلـى حفـلات نهايـة الأسـبوع، حيث رقصت حتـى طـاب رأسـي مثـل متوحـش مجنـون إلـى أن بقيـت آخـر شـخص واقـف علـى أرضيـة الرقـص، أو بـدلًا مـن ذلـك قفـزت فـي البحيـرات أو المسـابح والمحيطـات وسـبحت فـي مـا أتذكـره الآن بشـغف علـى أنــه عزلـة مشـبوبة العاطفـة، لا أفكــر فــي شــيء علــى وجــه الدقــة عــدا الضربــة التاليــة والتــي تليهــا بينمــا كان ذهنــي يخلــو وأســقط فـي نشـوة فصلتنـي عـن نفسـي وجعلتنـي متماهيـة مـع المـاء. وحيـدة وبـلا وزن، أنزلـق فـي بدلـة سـباحتي ذات القطعـة الواحـدة فـي حيـن كان صـدري المسـطح يتكـور مـع المؤشـرات الأولـى لتغييـرات قادمـة ،لسـت هنـا ولا هنـاك ولا فـي أي مـكان آخـر فـي العالـم العجيـب الـذي يـدور حولـي .
أمـا فرانكـي بويـل فقـد وقعـت فيـه بقـوة منـذ اللحظـة التـي أحـاط فيهـا كتفـي بيـده وقادنـي بعيـدًا عـن المدرسـة. كانـت اليـد هـي التـي فعلـت كل شـيء، وقـال كل تلـك الأشـياء المهدئـة والغريبـة ليشـجعني ويعيننـي علـى مقاومـة إنزالـي عـن عـرش انطلاقة السـتين يـاردة، ويحيلنـي أثنـاء ذلـك إلـى ملكـة المسـافات كلهـا. بعــد إنهــاء المدرســة الابتدائيــة نهايــة العــام، تفرقنــا فــي إجــازة الصيــف وحيــن عــاد كل شـيء فـي الخريـف انتقلـت إلـى مدرسـة إعداديـة عامـة مـع معظـم زمـلاء صفـي، لكـن فرانكـي لـم يكـن معنـا. أرسـله والـداه إلـى مدرسـة كاثوليكيـة، ولكـي يـزداد الأمـر سـوءًا، كانـت المدرسـة تقـع وراء عـدة بلـدات فـي مقاطعـة «سـاوث أورنـج»، مدرسـة سـيدة أحزاننـا، الـذي كان أسـوأ اسـم اخترعـه أحـد لمدرسـة، مـع أنـه كان وصفًـا مناسـبًا للحــزن الــذي شــعرت بــه حيــن اتصــل فرانكــي وأعلمنــي بالخبــر .تحدثنــا علــى الهاتــف مــرات قليلــة بعــد ذلــك فــي ذلــك الســبتمبر ،وكانـت أحاديـث مرتبكـة لـم يكـن لدينـا الكثيـر ليقولـه بعضنـا لبعـض فيهـا أكثـر مـن التأسـي علـى مـا آل إليـه العالـم مـن كآبـة ويـأس، لكـن بالنظـر إلـى أننـا لـم نكـن أكثـر مـن أطفـال عندئـذٍ، ولأن أيًـا منـا لـم يعـد جـزءًا مـن حيـاة الآخـر اليوميـة، توقفـت الاتصـالات الهاتفيـة فـي النهايـة .
لــم نعــد نتواصــل لعــدة ســنوات بعــد ذلــك، لكــن فــي منتصــف الســنة مــن دراســتنا الإعداديــة كان هنــاك مــرة أخــرى، يقــف خــارج محطـة وقـود والـده علـى أطـراف البلـدة، حيـث كان قـد بـدأ العمـل مؤخــرًا فــي صباحــات الســبت وظهريــات الأحــد، وقــد بلــغ الســابعة عشـرة الآن، طويـلاً وعريـض المنكبيـن وبـذات الوجـه الوسـيم الـذي حملـه دائمًـا. بـدأت صداقتنـا مـرة أخـرى كمـا لـو أن الأعـوام الأربعـة والنصــف مــن الانقطــاع مــرت فــي أربــع عشــرة ثانيــة، الأمــر الــذي يبـدو غريبًـا لكنـه لـم يكـن غريبًـا إطلاقًـا. لكــن الســيد بويــل الشــاب كان هــو ذات الشــخص المشــع الــذي كان دائمًــا، ونقطــة ضعفــي تجاهــه كانــت علــى ضعفهــا كمــا كانــت فــي أيـام وزنـي الرياضـي الخفيـف.
لـم تكـن مهـام بويـل فـي محطـة بويـل للوقـود وإصـلاح السـيارات مرهقـة كثيـرًا، فقـد اقتصـرت فـي الغالـب علـى مسـح زجـاج السـيارات الأمامـي، وتعبئـة خزانـات السـيارات بالوقـود عالـي الأوكتيـن والعـادي ،وقيـاس معـدل الزيـت وضغـط الإطـارات. لـم أحـول زياراتـي لـه إلـى عــادة فــي ذلــك الربيــع الــذي تــا عودتنــا للتواصــل، ربمــا مــرة كل أسـبوعين أو ثلاثـة، لكنـي كنـت دائمًـا أحـرص علـى أن أكـون أمامـه قبـل انتهـاء فترتـه بقليـل، وذلـك لكـي نتجـول فـي سـيارة أمـي بعـض الوقـت ونتحــدث حيــن لا يكــون لدينــا أيــام العمــل شــيء لنفعلــه بعــد انتهــاء الـدوام. مـن الصعـب تذكـر تمامًـا مـا الـذي قالـه بعضنـا لبعـض، لكنـي أتذكـر شـذرات مـن الأحاديـث حـول أشـياء مثـل ألبيـر كامـو والبيتلـز فـي مقابـل فرقـة سـتونز وحـرب الأيـام السـتة فـي إسـرائيل، ومـع أن فرانكـي يتحـدر مـن أسـرة متشـددة فـي محافظتهـا حيـث الأب محـارب سـابق كان فـي معركـة أنزيـو وداعـم قـوي لحـرب فيتنـام، فـإن فرانكـي كان ضـد الحـرب، الأمـر الـذي سـاعد علـى إيجـاد رابـط آخـر بيننـا. لقـد كانـت فتـرة الطفولـة سـيئة، لا سـيّما إن كنـت يافعًـا يقتـرب مـن الثامنـة عشـرة فـي نهايـة المرحلـة الثانويـة، وبالـذات فـي تلـك المرحلــة، فــي النصــف الثانــي مــن عــام 1976 والنصــف الأول مــن 1968، حيــن كان كل شــيء علــى الجبهــة الداخليــة يتشــظى إلــى قطــع ولجــان التجنيــد تعمــل بــكل طاقتهــا ممتصــة الآلاف مــن الأولاد المراهقيـن ترسـلهم ليحاربـوا فـي أدغـال بعيـدة دونمـا سـبب يسـتطيعون اسـتيعابه. كانـت تلـك سـنتنا النهائيـة، منـا مـن يبـذل كل جهـده فـي مدرسـة لفنغسـتون الثانويـة والآخـر فـي مدرسـة سـيتون هـول التحضيريــة، ولمضاعفـة الحيـرة التـي شـعر بهـا فرانكـي فـي الأشـهر الأولـى مـن 68، مـع إعـلان جونسـون أنـه لـن يرشـح نفسـه لمـدة ثانيـة وإرداء مارتـن لوثـر كنـغ قتيـلاً بإطـلاق نـار فـي ممفـس فتشــتعل عشــرات المــدن فــي مختلــف أنحــاء البــلاد، رأت صديقتــه ميــري ألــن الفلانيــة، التــي عرفهــا علــى مــدى الأعــوام الثلاثــة الماضيــة رأت أن مــن المناســب الانفصــال عنــه فــي شــهر مايــو واصفـة فرانكـي بأنـه ثقيـل دم وغامـض، أبعـد مـا يكـون عـن الولـد الـذي أحبتـه ذات يـوم. وفـوق ذلـك كلـه كانـت هنـاك المعـارك بينـه وبيـن والـده الـذي بـدأ يصفـه بالجبـان والشـيوعي لمعارضتـه الحـرب وأنـه لـن يعطيـه شـيئًا مـن المـال لمواصلـة تعليمـه الجامعـي حتـى لـو علـى جثتـه إن هـو لـم ينهـض وينضـم إلـى التجنيـد. حـدث فـي خضـم كل تلـك الفوضـى أننـا، فرانكـي وأنـا، التصـق كل منـا بالآخـر وعشـنا لكـن فرانكـي بـدأ يترنـح ويفقـد توازنـه قبـل مضـي وقـت طويـل، فحتــى لــو أن والـده صـدق فـي وعيـده ورفـض أن يدعمـه، فـإن فرانكـي سـيتمكن مـن الاسـتمرار بقـرض طلابـي أو منحـة دراسـية أو وظيفـة فـي مقـر الجامعـة أو مجمـوع هـذه كلهــا، الأمــر الـذي سيســمح لـه بالانتظـام بوصفــه طالبًــا فــي طريقــه للتخــرج وعلــى مســتوى جيــد، وهــو مــا سـيجعله بـدوره مؤهـلاً لتأجيـل التجنيـد فـي الجيـش لأربـع سـنوات قادمـة. كان ذلـك هـو القـرار المنطقـي الوحيـد الـذي يمكـن لشـاب معـارض للحـرب أن يتخـذه فـي ذلـك الوقـت، وكان طـوال فتـرة الربيـع يتحــدث عــن ذلــك كمــا لــو أنــه مــا يخطــط لفعلــه، لكــن مــع مــرور الوقـت اتضـح أنـه لـم يكـن كذلـك.
لـم يفسـر يومًـا التغييـر الـذي تبنـاه، أو أنـه لـم يسـتطع، أو لـم يـرد ،أو لـم يفهـم هـو نفسـه ذلـك القـرار تمامًـا، لكـن بعـد أن فكـرت فيـه طويـلاً وبعمـق فـي السـنوات التـي تلـت، يبـدو لـي أن فرانكـي كان فـي حالـة غضـب مـن أبيـه الـذي لـم يتوقـف عـن التهجـم عليـه علـى مـدى العاميـن السـابقين واصفًـا إيـاه بابـن أمـه الجبـان والــكاره لأمريــكا، الوصــف الــذي تجــاوز كونــه مجــرد رأي سياســي صيـغ بفجاجـة وإنمـا تهجـم صريـح علـى رجولـة فرانكـي، ولأنـه شـاب معتـز بنفسـه نشـأ يحتقـر والـده لقسـوته الغبيـة مـع أنـه فـي الوقـت نفسـه أكثـر أدبًـا وتهذيبًـا مـن أن ينقلـب علـى أبيـه ويقـول لـه اخـرس ،فقـد أخرسـه بـأن اختـار الانضمـام إلـى الجيـش، الانضمـام الـذي كان ينــوي فعلــه فــي اليــوم الــذي يتخــرج فيــه فــي المدرســة الثانويــة. لا شـك أن فرانـك الأب سُـرّ لقـرار ابنـه، ولكـن الحقيقـة البـاردة هـي أن فرانكـي لـم يفعـل ذلـك ليرضـي أبيـه وإنمـا نكايـة بـه، ليبصـق عليـه ،وإن كان هـو نفسـه لا يـدري سـوى القليـل عمـا كان يفعـل .
لكـم بكيـت ولكـم توسـلت إليـه، ولكـم اسـتمررت فـي الأيـام التاليـة ،لكـن كل حركاتـي المسـرحية غيـر المنضبطـة لـم تفلـح، ولـم يفلـح أي شـيء قلتـه. كان فرانكـي متصالحًـا مـع نفسـه بطريقـة غريبـة، وحتـى اللحظـة التـي دخـل فيهـا إلـى مركـز التجنيـد وأدى القسـم، كان يسـبح فــي مــزاج منبســط ومنتــشٍ، كمــا لــو أن البيانــو الــذي كان يحملــه علــى ظهــره لمــدة عاميــن اختفــى بطريقــة غامضــة وصــار بإمكانــه أن يتحـرك بحريـة مـرة أخـرى، لا تثقـل كاهلـه الشـكوك ولا يزعجـه التـردد والاسـتياء الـذي جـاء نتيجـة حملـه ذلـك العـبء الثقيـل .
قــال: «إن الأمــر ليــس ســيئًا حيــن ينظــر المــرء فــي الأمــر مليًــا .ســأمنح العــم ســام ســنتين مــن حياتــي وفــي المقابــل أحصــل علــى أربعـة أعـوام مـن الدراسـة الجامعيـة علـى فاتـورة الــ جـي آي، الأمـرالــذي يعنــي أننــي ســأكون مســؤولًا عــن نفســي ولــن أســتجدي أبــي ليعطينــي تكاليــف الدراســة». قلــت لــه: كل شــيء تمــام، ولكــن مــاذا ســيحدث حيــن يلقــون بــك فــي الأدغــال وتبــدأ فرقــة مــن الرجــال الخفييـن فـي إطـلاق الرصـاص عليـك؟ «لـن أقلـق»، قالهـا وهـو يبتسـم ابتســامة عريضــة. «إذا كنــت اســتطعت أن أســبق آنــا بلــوم الرائعــة حيـن كنـت فـي الحاديـة عشـرة فسـأكون سـريعًا بمـا يكفـي لتجـاوز تلــك الرصاصــات الآن.»
لـم يصـل فرانكـي بـول إلـى الأدغـال فـي فيتنـام. بعـد انضمامـه بخمسـة أسـابيع تعـرض لحادثـة أثنـاء التدريبـات الأساسـية فـي فورت دكــس تضمنــت خلــاً أدى إلــى انفجــار قاذفــة صواريــخ فــي يديــه .مــزق الانفجــار جســده وحولــه إلــى كومــة مــن الأجــزاء المتطايــرة فــي كل الاتجاهــات قبــل نزولهــا علــى الأرض. حيــن وصــل فريــق الإسـعاف ليبحثـوا عـن الأجـزاء المتطايـرة، مشـطوا المنطقـة لأكثـر مــن ســاعتين ثــم وجــدوا أجــزاء مــن أصابــع يديــن وقدميــن، مــن الذراعيــن والســاقين، مــع كثيــر مــن قطــع الجلـد المحـروق التـي لـم يمكـن تحديدهـا والعظـام المكسـورة، ولكـن مـع بدايـة انحـدار الشـمس فـي المغيـب وحلـول الظـلام، كان عليهـم التوقـف عـن البحـث. علـى الرغـم مـن محاولاتهـم، لـم يكـن قـد تبقـى مـن فرانكـي بويـل فـي اليـوم الـذي دفنـوه فيـه مـا يجعـل وزن محتويـات تابوتـه تزيـد علـى واحـد وسـتين باونـدًا .
عـرف بومغارتنـر عـن ذلـك. كانـت آنـا قـد تحدثـت عـن فرانكـي فـي فتـرة مبكـرة تعـود إلـى حديـث بينهمـا عـام 1969، لتعـود بذلـك إلــى الرعــب المتمثــل بنهايتــه المروعــة التــي اخترقتهــا مثــل ســيف ،كمــا قالــت، وخلفــت «نزيفًــا دائمًــا فــي روحهــا». كمــا أخبرتــه أنهــا حيـن علمـت بمـا حـدث فـي فـورت دكـس جلسـت فـي سـكن السـنة الأولــى الطلابــي فــي كليــة بارنــارد و «انتحبــت مــن أعماقهــا» لعشــر سـاعات متواصلـة، نحيبًـا لـم تعرفـه مـن قبـل ولـن تعرفـه مـرة أخـرى ،لأن الانتحـاب بتلـك الشـدة وطـوال تلـك المـدة يـكاد يقضـي عليـك ،والجسـد لـم تهيـأ بنيتـه لتحمـل تشـنجات بذلـك الحجـم أكثـر مـن مـرة فـي العمـر. لـم تشـر إلـى ذلـك الحـادث فـي نصهـا، ولـذا فـإن النـص نفسـه لـم يحمـل شـيئًا كان بحـد ذاتـه جديـدًا بالنسـبة إليـه، ولكـن مـع ذلـك، وأهـم منـه، حركـه النـص بعمـق ليـرى تلـك الذكريـات العائـدة إلــى مرحلــة الصبــا ترقــص عبــر صفحــات مخطوطتهــا الصفــراء ،ذلـك أنـه مـا إنْ بـدأ يقـرأ كلماتهـا، شـعر كمـا لـو أنـه يسـمع صـوت آنـا يصعـد مـن الورقـة وأنهـا تتحـدث إليـه فعـلاً مـرة أخـرى، مـع أنهـا ميتـة الآن، ماتـت ورحلـت، ولـن تقـول لـه كلمـة واحـدة طـوال حياتـه .أدار بومغارتنــر الكرســي إلــى اليســار وبــدأ ينظــر إلــى الآلــة الكاتبــة العتيقــة التــي امتلكتهــا آنــا. كانــت الآلــة جاثمــة علــى لــوح خشـبي مائـل يطـل مـن أسـفل ثقـب مسـتطيل بسـعة إنـش واحـد، أثـر ضخـم صنـع مـن خشـب الماهوغنـي الداكـن يعـود إلـى ثلاثينيـات أو أربعينيـات القـرن التاسـع عشـر كانـت قـد اشـترته بسـتين دولارًا فـي محـل لبيـع الأثـاث المسـتعمل علـى شـارع كولومبـس قبـل أسـبوع مـن تركهــم نيويــورك وانتقالهــم إلــى البيــت الواقــع علــى شــارع بــو Poe فــي برنســتون. كان والداهــا قــد أهدياهــا الآلــة الكاتبــة فــي عيــدميادهـا الخامـس عشـر –7 مايـو 1965 واسـتمرت فـي اسـتعمال الآلـة مـن نـوع سـمث كورونـا ذات اللـون الرمـادي/ الشـاحب والمائـل للخضـرة حتـى النهايـة، إذا اسـتثنينا وقفـة حاولـت فيهـا التحـول نحـو كمبيوتـر ثـم اكتشـفت أنهـا لا تحبـه، فـي المقـام الأول لأن ملمـس لـوح الحـروف كان رقيقًـا أكثـر مـن الـازم بحيـث سـبب ألمًـا لأصابعهـا ،كمــا قالــت، بينمــا أدى الضــرب علــى مفاتيــح الآلــة الأكثــر مقاومــة فــي آلتهــا المحمولــة إلــى تقويــة يديهــا، لــذا تخلصــت مــن «المــاك »بتمريـره إلـى ابـنٍ لأكبـر بنـات عمهـا عمـره سـتة عشـر عامًـا وعـادت إلــى متــع اللمــس متمثلــة فــي لــف الــورق فــي الســمث كورونــا ومــلء غرفتهـا بموسـيقى نقـار الخشـب العاليـة. وكان الصـوت ينسـاب عبـر الحيطــان ويصعــد عبــر الســقوف، متدرجًــا ببــطء إلــى كل أجــزاء البيـت، وحيثمـا كان بومغارتنـر مـن تلـك الأجـزاء فقـد أحـب الاسـتماع إلـى تلـك الفرقعـات الخافتـة سـواء أكان يتجـول داخـل غـرف الطابـق الأول أو خارجهــا أو يجلــس إلــى مكتبــه فــي الطابــق الأعلــى منكبًّــا علــى بدعتــه الكتابيــة، التــي فــي حالتــه صــارت كمبيوتــرًا لأنــه لــم يكــن بــدًّا مــن أن تكــون كذلــك، بمــا أنــه كان يعمــل فــي جامعــة وأن قســمه صــار رقميًّــا مثــل بقيــة أقســام الجامعــة ومكاتبهــا. أمــا آنــا فلأنهـا كانـت مترجمـة مسـتقلة وكاتبـة لا تعمـل لجهـة مـا، فقـد كانـت مديــرة نفســها وكان يمكنهــا إدارة عملهــا بالكيفيــة والمــكان الــذي يعجبهـا، مـا يعنـي الاتصـال بالرسـائل أو الهاتـف أو الفاكـس بـدلًا مـن الإيميــل والاســتمرار فــي أداء عملهــا بمســاعدة رفيقتهــا المســتهلكة وغيـر القابلـة للتلـف. قـال بومغارتنـر لنفسـه: شـكرًا لله لإتاحـة تلـك السـوناتات الصباحيـة حيـن كان يصحـو علـى أصابـع آنـا وهـي تطـرق المفاتيـح، أي لسـماع صـوت عقـل آنـا يغنـي عبـر أصابعهـا التـي تطرق المفاتيــح، وبعــد شــهر مــن عيشــه وحيــدًا فــي البيــت الخالــي، بــدأ يفتقـد تلـك الأصـوات إلـى حـد أنـه كان يدخـل غرفتهـا ويجلـس خلـف الآلـة الصامتـة ويطبـع شـيئًا –أي شـيء– فقـط ليسـمع الصـوت مـرة أخـرى .
هكـذا مضـت الأشـهر السـتة الأولـى، شـق فـي الزمـن سيشـير إليـه بومغارتنـر لاحقًـا بأنـه التلاشـي، أو الرجـل المجنـون بالحـزن. علـى مــدى نصــف سـنة كان تقريبًــا غيــر قــادر علــى معرفــة نفســه، كائــن غيــر ذلــك الــذي عرفــه وســكن فيــه منــذ الصبــا، وفــي تلــك الفتــرة الوســيطة مــن الصــلات الضائعــة والنزعــات الجنونيــة، عبــر الأيــام متذبذبًــا بإشــغال نفســه بمشــاريع كثيــرة غريبــة وغيــر ناضجــة. لــم يقتصـر ذلـك علـى طباعـة كلام لا معنـى لـه علـى آلـة آنـا الطباعيـة وإنمــا تبديــد مســاءين كامليــن علــى طــي وإعــادة طــي الأشــياء فــي أدراج مكتبهـا -بناطيـل دانتيـل، بناطيـل قطـن، سـوتيانات، قمصـان ،جـوارب، بانتـي هـوز، سـراويل رياضيـة قصيرة، سـراويل تنس، ملابس سـباحة، فانيـلات نصـف كـم – وتنسـيقها فـي صفـوف منتظمـة قبـل وضـع كل مجموعـة متراصـة منهـا فـي الأدراج مـرة أخـرى، أو شـراء علاقـات خشـبية ثمينـة واسـتعمالها بـدلًا مـن المعدنيـة والبلاسـتكية ثـم إعـادة تعليـق فسـاتين آنـا وتنانيرهـا وقمصانهـا وجواربهـا القطنيـة وجاكيتاتهــا ذات القبعــة، والجاكيتــات وبناطيــل الجينــز الشــفافة بسـحابات لتخزيـن فانيلاتهـا علـى الـرف العلـوي، أو صـب كـوب مـن القهـوة لهـا كل صبـاح حيـن يجلـس إلـى طاولـة المطبـخ ليشـرب كـوب قهوتـه الـذي اعتـاد أن يرفعـه تحيـة لهـا قبـل الرشـفة الأولـى، أو كتابـة العشــرات مــن الرســائل المليئــة بالولــه الحميمــي إليهــا وإرســالها بالبريـد مـع بـذل الجهـد اللامعقـول المتمثـل بتغليفهـا وكتابـة العنـوان ثــم إلصــاق الطوابــع ووضعهــا فــي صنــدوق بريــد، يتبــع ذلــك متعــة تلقيهـا بعـد يـوم أو يوميـن وتخيـل المتعـة التـي كانـت آنـا سـتجدها لـو كانـت هنـاك حيـن تتلقاهـا بنفسـها .
لربمـا لـم يكـن مـن المفيـد لـه أنـه كان فـي إجـازة علميـة طـوال فصــل الخريــف مــن تلــك الســنة، لكــن الفجــوة كانــت طــور الإعــداد لبعـض الوقـت وكان هـو وآنـا قـد رتبـا لقضـاء أربعـة أشـهر فـي باريـس دون تدريــس، باريــس المدينــة التــي كانــا قــد عاشــا فيهــا مــن قبــل وظـلا يتمنيـان أن يعيشـا فيهـا مـرة أخـرى وإن كان ذلـك لأشـهر قليلـة فقــط. كانــا قــد اســتأجرا شــقة واشــتريا تذاكــر مرجعــة وخططــا للإقـلاع فـي العشـرين مـن أغسـطس، بعـد يوميـن مـن عودتهمـا مـن زيــارة لأصدقــاء قدامــى امتــدت أســبوعًا فــي شــبه جزيــرة الكيــب بولايـة ماساشوسـتس. لكـن بـدلًا مـن الطيـران عبـر الأطلسـي مـع آنـا فـي العشـرين مـن الشـهر، وجـد بومغارتنـر نفسـه يراقـب آلـة تنـزل تابوتهــا فــي الأرض بينمــا كانــت ريــاح هوجــاء تصــدم وجهــه ويلــف صديقـه جـم فريمـان ذراعـه اليمنـى حـول جسـده لكـي يحمـي نفسـه مـن السـقوط – خطـوة احتياطيـة لـم تكـن لهـا عاقـة بالريـاح ولكـن لأن ســاقي بومغارتنــر كانتــا علــى وشــك الانهيــار، ولــو فعلتــا لــكان هنـاك احتمـال قـوي لأن يسـقط هـو نفسـه فـي القبـر .
لـم تكـن هنـاك مهـام تدريسـية إذًا، ولـذا لـم تكن هناك مسـؤوليات ،ولا اقتحامــات علــى وقتــه، ولا حاجــة ملحــة إلــى أن يتزحــزح مــن بيتـه. فيمـا يتعلـق بالجامعـة، كان غائبًـا بصـورة رسـمية، ومـع أنـه ظـل فــي مكانــه دون أن يغــادر المدينــة أثنــاء الإجــازة، فقــد كان بإمكانــهب سـهولة أن يكـون فـي باريـس، أو فـي بارمـا، أو فـي باتاغونيـا، دون أن يعنـي ذلـك شـيئًا للجامعـة. غـاب أم لـم يغـب، ظلـت قدمـاه ملتصقتيـن بأرضيـة المنـزل، يعيـش فـي فضـاء داخلـي قلـق حولـه إلـى شـخص لديـه مـن الوقـت أكثـر ممـا هـو معتـاد، ولأن بومغارتنـر لـم يكـن فـي وضــع يســمح لــه بمواصلــة العمــل علــى كتبــه حــول ثــورو أو البــدء بعمـل علـى أي شـيء آخـر، كان ذلـك الوقـت مفـرط الطـول والفـراغ ،أيامًـا تتعاقـب ملأهـا فـي الغالـب بطـي وإعـادة طـي ملابـس داخليـة وبإغـراق البريـد الأمريكـي بتيـار لا يتوقـف مـن الرسـائل الإيروتيكيـة الحـارة إلـى امـرأة لـن يـراها مـرة أخـرى.
ومــع ذلــك فــإن الســاعات لــم تضــع كلهــا بمشــاغل لا معنــى لهــا ،وحيــن مضــى فــي دراســة المخطوطــات التــي لــم تنشــر مــن قصائــد آنــا المئتيــن والســت عشــرة التــي كتبتهــا فــي فتــرة تقــارب الأربعيــن عامًـا، فقـد أدرك أن العمـل كان يتجـاوز فـي جودتـه المسـتوى الـذي يؤهلـه لأن ينشـر علـى المـلأ. ربمـا ليـس كلـه، ولكـن الثمانيـن أو المئـة الأفضـل مـن القصائـد يمكـن أن تشـكل كتابًـا مميـزًا، ولـذا فقـد جنـد بومغارتنــر نفســه للعمــل علــى تنظيــم مجموعــة قصائــد آنــا، وهــو الشــيء الملمــوس الــذي أنجــزه أثنــاء تلــك الشــهور الضائعــة التــي لا شـكل لهـا، بمـا أن الكتـاب قـد نشـرته فـي نهايـة الأمـر دار نشـر صغيرة ولكنهـا محترمـة ومـن النـوع الطليعـي اسـمها «ردوينـغ بـرس» كان لهـا مـوزع قـادر علـى بيـع الطبعـة الأولـى فـي ثمانيـة عشـر شـهرًا ليقـذف بقـوة بعـد ذلـك بطبعـة ثانيـة ثـم ثالثـة تتلوهـا بعـد أربـع سـنوات. كانـت الأرقـام صغيـرة بطبيعـة الحـال، لكـن لأن الشـعر لـم يكـن كوكبًـا وإنمـا نيـزك مصغـر يجـول فـي الفضـاءات السـماوية لـلأدب الأمريكـي، فقـد وجـدت آنـا مكانهـا الصغيـر الخـاص بهـا فـي القبـة المضيئـة.
شــعر بأنــه كان يمكنهــا أن تكــون هنــاك منــذ فتــرة طويلــة، لكــن لسـبب مجهـول وغيـر مصـرح بـه، لـم يسـبق لهـا أن بذلـت أي جهـد لتنشــر قصائدهــا. كان ذلــك هــو الشــيء الــذي لــم يحــر لــه جوابًــا بصفـة خاصـة، ذلـك أن آنـا كانـت شـخصًا يـذود عـن نفسـه وكانـت تحـارب مـن أجـل مـا تؤمـن بـه، وتعـرف جيـدًا أن قصائدهـا جيـدة .صحيــح أن الشــك واليــأس كانــا يعتادانهــا أحيانًــا لكــن أي كاتــب أو فنـان لـم يعـش فـي تلـك المنطقـة الرجراجـة مـا بيـن الثقـة واحتقـار الـذات؟ الدليـل هـو فـي أنهـا طالمـا أرتـه قصائدهـا، ليـس لأنـه كان دائمًـا يسـألها عنهـا وإنمـا لأنهـا هـي أرادت ذلـك، إمـا بقراءتها بصوت عـالٍ أو بإعطائـه قصاصـات تتألـف مـن سـتة أو سـبعة نصـوص، وكان المـرة تلـو الأخـرى يعلـق علـى عملهـا الجديـد بالقـول إنـه حـان الوقـت لكــي تنهــض وتبــدأ فــي النشــر، لتــرد بهــزة كتــف تعبــر عــن الشــك مضيفـة «معـك حـق» أو «فـي يـوم مـا» أو «سـنرى»، حسـب مزاجهـا .وبنــاء علــى تلــك التعليقــات المقتضبــة كان متأكــدًا، أو شــبه متأكــد ،مــن أنهــا لــم تكــن لتعتــرض علــى مــا كان يفعلــه، بمــا أن «يومًــا مــا »قــد وصــل، والشــاعرة التــي تجيــش إلــى حــد الفــوران والتــي عــاش معهـا مـا يقـارب ثلثـي عمـره جديـرة بـأن يقرأهـا شـخص مـا أو عـدة أشـخاص غيـر كيـس العظـام الشـائخة التـي كانـت زوجهـا .
أقـدم القصائـد التـي قـرر بومغارتنـر ضمهـا كتبـت فـي سـبتمبر 1971، بعــد أربعــة أشــهر مــن احتفــال آنــا بعيــد ميادهــا الحــادي والعشـرين وشـهر مـن عودتهـا مـن الدراسـة فـي باريـس (ومـا بينهمـا صيفــان فــي مدريــد). صــار عنــوان ذلــك العمــل الأول عنــوان كتــاب بأكملـه (ليكسـيكون) «معجـم: قصائـد مختـارة 1971-2008». لـم تكـن بأيـة حـال أفضـل القصائـد، لكـن بومغارتنـر أحـب مزاجيـة القصيـدة وغرابتهـا، ضجيـج الحيويـة التـي اسـتطاعت بطريقـة مـا أن تكشـف عــن ذات آنــا وروح عملهــا فــي آن. فــوق ذلــك كانــت ذكريــات شــبابه قـد تشـربت هـذه القصيـدة، فهـي لـم تكتـب فقـط فـي ذات اللحظـة التـي كان فيهـا قـد غـرق فـي حبهـا، بـل كانـت أول قصيـدة لهـا تقرؤهـا لـه بصـوت عـالٍ .
معجم
كانت الزهرة من الصغر بحيث
لم يكن لها اسم
لذا سميت اكتشافي
«اللسين»
لكني أحسنت الظن بها فيما بعد
وسميت تلك النقطة الصغيرة
من الأحمر المشع المتقد
«كيف أنت يا سيدة دوليتل
وأين كنت تختبئين مؤخرًا؟»
بقدر ما كانت النقطة الحمراء زهرة
لم تجبني
ولذا لن أعرف
إن كانت أعجبت بالاسم الذي منحتها
أم لا. مضيت.
وحين عدت في الصباح التالي
لأرى إن كانت الزهرة قد نمَت أثناء الليل
كانت النقطة الحمراء قد اختفت.
إلى أين الآن يا سيدة دوليتل
وإن كنت لن تعودي أبدًا
هل من أحد يتفضل بإخباري
لماذا يبتسم لي ذلك الرجل الشيطاني الصغير عبر الشارع
بشيء أحمر لا يكاد يرى في فتحة قميص
هويشع مثل كبريت مشتعل في الظلام.
يتعجـب بومغارتنـر بعـد عشـر سـنوات مـن قلـة مـا شـعر بـه مـن تغييـر منـذ تلـك الأشـهر الأولـى التـي اقتـرب فيهـا مـن الجنـون. كان يتظاهـر بعكـس ذلـك بطبيعـة الحـال، وبمجـرد تمكنـه مـن النهـوض عــن الأرض، والوقــوف علــى قدميــه، والمشــي مــرة أخــرى، بــدا لــه أنـه شـق طريقـه عائـدًا إلـى عالـم الأحيـاء. واصـل التدريـس. وبعـد شـهر، بـدأ يخطـو تدريجيًّـا نحـو عملـه مـرة أخـرى، ثـم الغـوص فيـه مـرة أخـرى، ليقـود ذلـك إلـى كتـاب ثـم كتابيـن والآن كتـاب ثالـث –كتـب أكثـر ممـا أنتـج فـي عقـد سـابق مـن حياتـه. تعمقـت الصداقـات القديمـة، ولـدت صداقـات جديـدة، مؤشـرات حيـاة، أو علامـات ظاهـرة مـن الحيـاة شـجعت أصدقـاءه علـى الاعتقـاد أن بومغارتنـر وجـد طريقـة للمضـي مـن دون آنـا. حتـى بومغارتنـر نفسـه يميـل فـي الغالـب إلـى ذلـك الاعتقـاد، ولكـن ذلـك فقـط لأن الأعضـاء الصناعيـة التـي ربطهـا بجسـده الـذي بـلا أرجـل ولا أذرع صـارت مألوفـة بالنسـبة إليـه حتـى إنـه لـم يعـد يلاحـظ أنهـا موجـودة. لكـن تلـك الأربطـة المصنوعـة مـن التيتانيــوم ميتــة لا تشــعر بشــيء علــى الرغــم مــن فاعليتهــا وكل مــا توفـره للمصـاب مـن عـون .
تحطـم كل شـيء بالنسـبة إليـه فـي يـوم احتـراق القـدر والسـقوط مــن الــدرج. حتــى تلــك اللحظــة لــم يكــن قــد أدرك عمــق انفصالــه فيمـا يتعلـق بـكل شـيء لـه صلـة بآنـا، كيـف أنـه كان كل ذلـك الوقـت يدفعهـا بعيـدًا عنـه ويتمسـك بهـا فـي الوقـت نفسـه، يطهـر البيـت مـن كل آثارهـا ويحتفـظ بمكتبهـا مـع ذلـك دون مسـاس، موزعًـا أكـداس الملابـس التـي أعـاد تخزينهـا وعلقهـا بعنايـة فائقة أثناء فتـرة الانهيار التــي تلــت موتهــا ومســتبدلًا الســرير، والفــرن، والثلاجــة، والطاولــة والكراســي التــي فــي المطبــخ، وأثــاث غرفــة الجلــوس، والملايــات ،والوســائد، والفــوط، والآنيــة الفضيــة، والصحــون، والزبديــات ،والأكـواب الصغيـرة والكبيـرة، وكـؤوس الشـرب، والأباريـق، وآلـة صنـع القهـوة، وآلاف الأشـياء الصغيـرة والكبيـرة الأخـرى فـي كل غرفـة مـنغـرف الطابـق الأعلـى والأسـفل مـا عـدا واحـدة، ومـع ذلـك، ومـع أنـه قلمـا ذهـب إلـى تلـك الغرفـة بعـد ذلـك، فإنهـا مـا تـزال فـي البيـت معـه، تختبـئ فـي مـكان مـا قريـب، أحيانًـا قريـب جـدًا، لكـن دائمًا وراء حـدود بصـره، ثـم خرجـت عليـه فجـأة فـي عصـر ذلـك اليـوم الكئيـب مـن أبريـل بينمـا كان يجلـس إلـى طاولـة المطبـخ ينظـر إلـى غايـة البيــض المســودة علــى الأرض، الشــيء الوحيــد الــذي لــم يكتــرث للتخلـص منـه، وبـدلًا مـن أن يرحـب بفرصـة تتيـح لـه التطـواف بعيـدًا مـع آنـا، ركلهـا بعيـدًا، نافيًـا إياهـا بوحشـية وحماسـة لا واعيـة إلـى حـد أنـه صُـدم بمـا فعـل. ثـم جـاء مشـهد العصفـور أبـي الحنـاء وهـو يلتهـم الـدود فـي باحـة المنـزل، ثـم جـاء الانكسـار، ذلـك أنـه فقـط فـي تلـك اللحظـة، بعـد تسـع سـنوات وثمانيـة أشـهر مـن الصـراع للعيـش مـا بيـن حالتيـن عقليتيـن متناقضتيـن ومدمـر بعضهمـا لبعـض، أدرك إلـى أي حـد أسـاء التعامـل مـع الوضـع برمّتـه. أن تعيـش هـو أن تحـس بالألـم، وأن تعيـش فـي خـوف مـن الألـم هـو أن ترفـض العيـش.
بعــد مضــي شــهرين نجــده مدفونًــا فــي مقالتــه حــول متلازمــة العضـو الشـبح التـي اعتـاد أن يطلـق عليهـا متلازمـة الشـخص الشـبح مــع اتضــاح التوافــق المجــازي لــه بصــورة متزايــدة. لا يــدري إلــى أيـن سـيمضي بذلـك فـي هـذه اللحظـة، ولديـه شـك فـي أنـه سـينهي المقالـة أصـلاً، لكنهـا فـي هـذه اللحظـة تلبـي احتياجًـا، وهـو مـا يمثـل دافعًـا كافيًـا لـه لاسـتمرار بأبحاثـه فـي خرائـط المـخ، وموصـات الإحســاس، ودوائــر الأعصــاب، فــي محاولــة لترجمــة الألــم العقلــي والروحـي إلـى لغـة للجسـد. يتذكـر الأمهـات والآبـاء إذ يحزنـون علـى أطفالهـم المتوفيـن، الأطفـال الذيـن يحزنـون علـى والديهـم المتوفيـن ،النسـاء الاتـي يحـزن علـى أزواجهن المتوفين، الرجـال الذين يحزنون علـى زوجاتهـم المتوفيـات وكيـف يشـبه ألمهـم النتائـج الناجمـة عـن البتـر، الحـزن علـى رجـل أو ذراع مفقـودة كانـت يومًـا جـزءًا مـن جسـد حـي، والإنسـان المفقـود كيـف كان مربوطًـا بإنسـان حـي آخـر، وإذا كنـت أنـت الحـي، ستكتشـف أن العضـو المبتـور، العضـو الشـبح منـك ،يمكـن أن يظـل مصـدرًا لألـم عميـق ومغايـر. يمكـن لبعـض العـاج أن يخفـف الأعـراض، لكـن ليـس ثمـة عـلاج نهائـي.
إنـه منتصـف الليـل تقريبًـا. مضـت سـاعة منـذ تمـدد بومغارتنـر علـى السـرير مهيـأ للنـوم لكنـه لا يسـتطيع ذلـك يتأمـل فـي الظـام مقالتـه وإلـى أيـن سـيمضي فـي كتابتـه صبـاح الغـد. لكـن أفـكاره تبـدأ بالتفـكك واحـدة إثـر الأخـرى وتتفتـت إلـى أجـزاء أصغـر فأصغـر، فـي حيـن ترتخـي عضـات رقبتـه وكتفيـه وتـذوب فـي عضـات ذراعيـه وســاقيه وظهــره. إنــه نائــم قبــل أن يــدرك ذلــك. يتخيــل أنــه علــى حافـة النـوم ولـذا لـم يفقـد الصلـة بمحيطـه. يـدرك أن السـرير الـذي يســتلقي عليــه ســريره وأن الســرير فــي غرفتــه، والغرفــة فــي بيتــه ،البيـت ذاتـه الـذي عـاش فيـه مـع آنـا خمسـة وعشـرين عامًـا ويعيـش فيــه الآن وحــده. لقــد توفيــت فــي 16 أغســطس 2008، واليــوم 20 مــن يونيــو 2018، أو إن كان منتصــف الليــل قــد حــل فهــو الحــادي والعشــرين مــن الشــهر. يســمع بومغارتنــر صوتًــا فــي مــكان مــا مــن البيـت، علـى الأرجـح فـي واحـدة مـن الغـرف السـفلية، أزيـزًا خافتًـا يســتمر عــدة ثــوانٍ ثــم يتوقــف لثانيــة ليبــدأ مــرة أخــرى عــدة ثــوانٍ، ثــم يتوقــف لثانيــة، نبــض متعاقــب مــن الصــوت يتبعــه صمــت يتبعــه صــوت، متتاليــة مــن الأصــوات الأطــول ولحظــات الصمــت الأقصــرالتــي تمضــي فــي تكــرار يصــل إلــى عشــر أو اثنتــي عشــرة مــرة ثــم يتوقـف. هنـا يكـون بومغارتنـر قـد أشـعل الإضـاءة المجـاورة للسـرير ،تـرك السـرير وغطـى جسـده بـروب الحمـام. الأصـوات غريبـة بمـا يكفـي لتسـتدعي التحقـق، وحتـى إذا كانـت قـد توقفـت الآن فـإن بومغارتنــر يواصــل الســير إلــى الطابــق الأول مشــعاً الإضــاءة فــي الصالـة، ثـم يهبـط الـدرج، مشـعلاً الإضـاءة فـي القاعـة السـفلى ثـم فــي غرفــة الجلــوس حيــث يتبيــن لــه أن المــكان خــالٍ مــن أي ســبب لانزعـاج، ثـم ضـوء المطبـخ حيـث كل شـيء كمـا تركـه تمامًـا حيـن صعــد إلــى الطابــق الأعلــى عنــد العاشــرة، حتــى الإبريــق المزركــش والمملـوء بالمـاء فـي المغسـلة، الإبريـق الـذي تركـه ينقـع طـوال الليـل قبـل معالجتـه مـرة أخـرى فـي الصبـاح.
أخيـرًا هنـاك مكتـب آنـا التـي خشـي بومغارتنـر أن تكـون عرضـة لاقتحـام أو لألـوان أخـرى مـن السـوء بسـبب البـاب الزجاجـي الـذي يفتـح مباشـرة علـى الفنـاء الخلفـي. مهمـا قلّـت المـرات التـي يذهـب فيهــا إلــى تلــك الغرفــة بنفســه هــذه الأيــام، فــإن الســيدة فلوريــس تمضــي إليهــا مــدة ثلاثيــن أو أربعيــن دقيقــة كل ثلاثــاء لكنســها ومســحها ونفــض الغبــار عنهــا، متبعــة بدقــة تعليمــات بومغارتنــر للحفــاظ علــى المــكان نظيفًــا وفــي أعلــى مسـتويات الترتيــب. حيــن يضـيء بومغارتنـر نـور السـقف يشـعر بالارتيـاح أن البـاب المطـل علـى الفنـاء الخلفـي مغلـق وأن الزجـاج لـم يكسـر. أكثـر مـن ذلـك يبـدو كلشــيء داخــل الغرفــة فــي مكانــه الصحيــح. لكــن بومغارتنــر، نتيجــة تيقظــه الآن وتراجــع شــعوره بالتعــب، يفضــل البقــاء حيــث هــو بــدلًا مـن العـودة إلـى الطابـق الأعلـى والزحـف إلـى السـرير - فقـط للتأكـد مـن أن كل شـيء فـي مكانـه.
لا تــزال آلــة آنــا الكاتبــة رابضــة علــى لــوح الخشــب الماهوغنــي الناتــئ عــن المكتــب. أقــلام رصاصهــا وأقلامهــا الأخــرى لا تــزال متراصـة فـي كـوب متحـف نيويـورك للفـن الجالـس علـى بعـد إنشـات شــمال النشــافة الخضــراء. الشــيئان اللــذان كانــت تســتعملهما للإمسـاك بالـورق مـا زالا علـى النشـافة نفسـها، أحدهمـا فـي الزاويـة العلويــة اليســرى والآخــر فــي الزاويــة اليمنــى: كتلــة مــن الكونكريــت غيـر المتناسـق المجتـزأ مـن جـدار برليـن الـذي أعطاهـا إيـاه صديـق ألمانــي عــام 1989؛ شــظية خشــنة مــن الحفريــات التــي تعــود إلــى أكثــر مــن مليــون ســنة كانــت قــد ركلتهــا مصادفــة مــن الأرض أثنــاء رحلــة عبــر إقليــم أرديــش فــي الجنــوب الأوســط مــن فرنســا. ثــم هنـاك هاتفهـا الأحمـر الـذي لا يـزال جالسًـا فـي مكانـه إلـى الجنـوب الشـرقي مـن النشـافة، مـع أن الخدمـة قـد انفصلـت عـن ذلـك الخـط الخــاص وأن الهاتــف لــن يــرن مــرة أخــرى.
مــا تــزال الخزانــة مركومــة بصناديــق ترجماتهــا، ولا تــزال مخطوطاتهــا فــي الأدراج التــي تصطــف آخــر الحائــط إلــى يميــن المكتــب. إلــى جانــب أدراج الملفــات رف خشــبي، ثلاثــة أرفــف علــى ارتفــاع خمســة أقــدام تعلــوه كتــب متراصــة تــكاد تســقط ،يــوازي الارتفــاع أســفل بطــن بومغارتنــر الــذي يتجــاوز طولــه الســتة أقـدام، بينمـا يصـل إلـى وسـط آنـا ذات الخمسـة أقـدام وثمانيـة مـن عشــرة. إلــى جانــب رف الكتــب فــي الزاويــة القريبــة مــن الحائــط جهـازُ الفاكـس الـذي لـم يفصـل، يغفـو بصمـت أعلـى طاولـة الطباعـة بجناحيــه مطوييــن، يتدلــى كل واحــد منهمــا موازيًــا لســاقيه. وفــوق هـذه الأشـياء الثلاثـة، علـى الأرض، كانـت الأجـزاء العليـا مـن الحائـط مغطـاة وبكثافـة بأشـياء مؤطـرة وأخـرى غيـر مؤطـرة، لـم يعُبـث بشـيء منهـا أو يحُـرك، عشـرات اللوحـات والرسـومات الصغيـرة مـن عمـل أصدقـاء مختلفيـن، بورتريهـات وصـور لنمـاذج محبوبـة تحتـذى (مـن بينهــم إيميلــي ديكنســون وإيمــا غولدمــان). وكانــت هنــاك ترجمــة آنــا التــي فــازت بجائــزة الترجمــة مــن نــادي القلــم الدولــي(PEN) لترجمتهــا مختـارات مـن قصائـد فيرنانـدو بيسـوا، مشــهد ثابــت مــن فلـم بلونـد كريـزي لجـوان بلونديـل وهـي تلكـم جيمـس كاغنـي علـى فكـه، ورقـة مربعـة ومؤطـرة مـن كراسـة رسـم كتبـت عليهـا كلمـات مـن عبـارة وردت فـي آخـر لجـوان بلونديـل عنوانـه« ديمـز» تقـول: «لـدي سـبعون سـنتًا والملابـس التـي أقـف فيهـا - لكـن مـا تـزال هنـاك حيـاة فــي الفتــاة الكبيــرة»، والغــلاف الأصلــي لكتــاب بومغارتنــر المنشــور الأول الـذات المتجسـدة (1976)، إلــى جانــب سلســلة مــن الصــور الملتقطـة فـي أكشـاك التصويـر.
يبتســم بومغارتنــر لمــرأى الأولاد فــي تلــك الصـور المحببـة، باللونيـن الأبيـض والأسـود، ثـم فـي نشـوة مسـرحية يحنـي رأسـه وفـاءً لوطـن الشـباب الـذي ولـى. يشـعر بالسـعادة أن لا شـيء قـد أحـدث ضـررًا، أن الجـدار والغرفـة وكل الغـرف الأخـرى لا تـزال كمـا كانـت عندمـا صعـد إلـى سـريره لينـام. ومـن ناحيـة أخـرى ،إن لـم يكـن أحـد قـد دخـل البيـت، فما تفسـير تلك الأصـوات الغامضة التـي دفعتـه لتـرك سـريره والنـزول إلـى غرفـة الطابـق السـفلي؟ هـل مـن الممكـن أن الأصـوات كانـت تأتـي مـن البيـت المجـاور؟ هـل مـن المحتمــل أن الأمــر لــم يــزد علــى تخيلاتــه هــو؟ لقــد كان فــي نهايــة المطـاف يتحـرك فـي المنطقـة الحدوديـة بيـن اليقظـة والنـوم، وفـي تلــك الحالــة مــن التأرجــح بيــن النــوم واليقظــة حيــن يكــون الذهــن سـيركًا ذا ثـلاث حلبـات لصـور غريبـة مـن الهلوسـة، ربمـا يكـون قـد سـمع الصـوت نتيجـة الهلوسـة. يـرى أن ذلـك ليـس محتمـاً إذا أخـذ فــي الاعتبــار أن الأصــوات التــي ســمعها مركبــة، لكــن ليــس فيمــا يتجـاوز منطقـة الاحتمـال .
يجلـس بومغارتنـر فـي الكرسـي الـذي خلـف المكتب. وفـي اللحظة التـي يضـع نفسـه فـي وضـع مريـح، يـرن الهاتـف. الهاتـف الأحمـر .الهاتـف المفصـول الـذي لا يمكـن لـه أن يـرن هـا هـو ذا يـرن ويواصـل الرنيـن.
مــع شــعوره بالرعــب والفضــول يــدرك بومغارتنــر أن الأصــوات القادمـة مـن الهاتـف الـذي يـرن هـي نفـس الأصوات التي سـمعها حين كان مسـتلقيًا فـي السـرير فـي الطابـق الأعلـى، نفـس السلسـلة التـي تــراوح بيــن وقفــات طويلــة وأخــرى قصيــرة من الصوت والصمــت ،ضعيفــة ومرتبكــة فــي الطابــق الثانــي ولكنهــا عاليــة وواضحــة فــي الطابـق الأول، وإن كان ذلـك هـو الحاصـل فـإن الشـخص المشـاغب أو الوكيـل الخفـي الـذي اتصـل فـي البدايـة هـو مـن يتصـل الآن .
يرفــع بومغارتنــر الســماعة ويغامــر بآلــو حائــرة ومتــرددة – آلــو مرفقـة بعلامـة اسـتفهام. يتلـو ذلـك صمـت يقـول لنفسـه أثنـاءه أنـه يحلـم بالتأكيـد، مـع أنـه صـاحٍ ومـن غيـر الممكـن أنـه يحلـم، ثـم إنهـا آنــا تحدثــه، تحدثــه بــذات الصــوت الرنــان الــذي تملــك حيــن كانـ ـتحيـة، تخاطبـه بــ «حبيبـي» و «رجلـي الحبيـب»، موضحـة لـه أن المـوت ليـس كمـا توقعـه أحـد، أنهمـا، هـو وهـي، وكل الماديين كانـوا مخطئين حيــن افترضــوا أنــه لا حيــاة بعــد المــوت بــل إن الحيــوات الأخرويــة لــدى المســيحيين واليهــود والمســلمين والهنــدوس والبوذييــن، أنهــم جميعًــا قــد أخطــؤوا فــي فهمهــا. ليــس هنــاك عقوبــات أو مكافــآت مقدســة، ليــس ثمــة صــور ينُفــخ أو نيــران جحيــم، لا عرائــش مــن النعيـم السـماوي ولـن يعـود إنسـان إلـى الأرض فـي صـورة فراشـة أو تمسـاح أو متجسـدًا بصــورة مارليـن مونـرو أخـرى. مـا يحـدث بعـد المــوت أنــك تدخــل فــي «التيــه العظيــم»، فضــاء أســود لا يـُـرى فيــه شــيء، فــراغ مــن العــدم الــذي لا صــوت فيــه، نســيان الفــراغ. ليــس ثمــة اتصــال بميــت آخــر، ولا ســفير مــن الأعلــى أو الأســفل يأتــي ليخبـرك عمـا سـيحدث لاحقًـا. لذلـك ليـس لديهـا أي فكـرة إلـى أي مـدى سـتظل فـي وضعهـا الحالـي، إن كان لكلمـة «حالـي» أي معنـى فـي مـكان كهـذا، وهـو ليـس حتـى بالمـكان وإنمـا هـو لا مـكان، عـدم فــارغ مشــتق مــن عــدم لا نهايــة لــه. إنهــا لا تــرى شــيئًا ولا تســمع شـيئًا لأنهـا لـم تعـد تملـك جسـدًا أصـلاً، ليـس هنـاك «امتـداد» كمـا اعتـاد الفلاسـفة القدمـاء أن يقولـوا، مـا يعنـي أنهـا لـم تعـد تتعـب أو تجـوع أو تشـعر بـأي ألـم أو سـرور أو أي شـيء مطلقًـا، لربمـا لـم تعـد أكبـر مـن جـزيء نـووي، الجـزء الأكثـر صغـرًا مـن «الماهيـة» الكونيـة .فليســمها «مــاذا» -إن شــاء- أو روحًــا، أو انبثاقًــا للمحيــط الهائــل الـذي لا شـكل لـه، أو، ببسـاطة، عنصـرًا وجوديًـا يفكـر، وحيـن تفكـر يحـدث أحيانًـا أنهـا تـرى الأشـياء التـي تتخيلهـا، تراهـا بوضـوح بعيـن عقلهـا، إن كانـت لديهـا أشـياء مثـل العقـل أو العيـن، وهـي لا تملكهـا ،ولكنهـا مـع ذلـك تسـتطيع أن تراهـا بوضـوح، وضـوح يقـارب مـا كانـت تسـتطيعه حيـن كانـت حيـة علـى الأرض .
يصمــت بومغارتنــر. يريــد أن يتحــدث، يريــد أن يحكــي لهــا مئــة شــيء ويســألها مئــات الأســئلة، لكــن يبــدو أنــه فقــد المقــدرة علــى فتـح فمـه والتحـدث. يقـول لنفسـه: لا يهـم. يمكـن للمحادثـة أن تنتهـي فجـأة فـي أي لحظـة، ولمـاذا الحـرص علـى الحديـث مـا دام أن كل مـا يريـده هـو الاسـتماع إلـى صـوت آنـا إلـى أن ينتهـي الوقـت وتختفـي فـي الظـلام مـرة أخـرى؟
تقـول إنهـا غيـر متأكـدة مـن أي شـيء، لكنهـا تظـن أنـه هـو الـذي يمنحهــا القــدرة علــى الاســتمرار فــي هــذه الحيــاة الأخرويــة غيــر المفهومــة، هــذه الحالــة العجيبــة مــن الوعــي وعــدم الوعــي، التــي تشـعر أنهـا لا بـدّ أن تصـل إلـى نهايـة وسـتصل إلـى تلـك النهايـة، لكـن طالمـا هـو علـى قيـد الحيـاة وقـادر علـى التفكيـر فيهـا، فـإن وعيهـا سيسـتمر توقظـه المـرة تلـو الأخـرى أفـكار بومغارتنـر بالقـدر الـذي يمكنهـا أحيانًـا مـن الدخـول فـي رأسـه والاسـتماع إلـى أفـكاره ورؤيـة مــا يــرى بعينيــه. إنهــا لا تــدري كيــف يحــدث ذلــك، ولا هــي تــدري كيـف يمكنهـا التحـدث إليـه الآن، لكـن الشـيء الوحيـد الـذي تعرفـه هـو أن الأحيـاء والأمـوات متصـل بعضهـم ببعـض، ويمكنهـم أن يظلـوا متصليــن بعــد موتهــا بالعمــق الــذي كان حيــن كانــت حيــة، ذلــك أنــه لـو مـات أحدهمـا قبـل الآخـر يمكـن للحـي أن يبقـي الميـت فـي حالـة مــن التعليــق المؤقــت مــا بيــن الحيــاة والاحيــاة، لكــن حيــن يمــوت الحـي أيضًـا، فـإن تلـك هـي النهايـة، حيـث ينطفـئ وعـي الميـت إلـى الأبــد. تتوقــف آنــا لبرهــة لتســترد أنفاســها، وبعــد أن تتنفــس مــرةأخـرى تسـأل للمـرة الأولـى منـذ أن رفـع السـماعة: هـل يجـد فـي مـا سـمع منطقًـا؟ قبـل أن يجيـب بومغارتنـر تتوقـف أنفـاس آنـا، وتتوقـف كلماتهــا، وينقطــع الاتصــال .
