مقدمة حول الترجمة
كل نـص مترجـم نـص هجيـن، أي مزيـج مـن النـص بلغتـه الأصليـة والنـص الـذي ترجـم إليـه بلغـة جديـدة. فـلا يمكـن لأي ترجمـة فـي المجـالات المعرفيـة والإبداعيـة أن تكـون إعـادة إنتـاج للنـص الأصلي .بـل إن ذلـك ينسـحب إلـى حـد كبيـر علـى مـا يسـمى الترجمـة الحرفيـة لأن اللغـة المنقـول إليهـا سـتختلف حتمًـا فـي دلالات الكلمـات وظـال المعانــي عمــا هــي عليــه فــي الأصــل. الاســم الأجنبــي بحــد ذاتــه يتضمــن حمولــة ثقافيــة واجتماعيــة لا يحملهــا شــكله فــي اللغــة المنقـول إليهـا. فأسـماء مثـل علـي وصالـح لـن تحمـل فـي لغـة أخـرى مـا تحملـه لمتحـدث العربيـة ومـا يرتبـط فـي ذهنـه بتلـك الأسـماء مـن دلالات غائـرة فـي لحمـة الثقافـة والتاريـخ والمجتمـع .
وكذلـك هـي الحـال مـع اسـم «بومغارتنـر» الـذي تأتـي هـذه الروايـة المترجمـة حاملـة لـه. اختيـار الكاتـب الاسـم ثـم ربطـه فـي العمليـة السـردية بجـذور محـددة مبنـي علـى رغبتـه فـي نقـل معـانٍ أو دلالاتٍ محــددة لقارئــه، والقــارئ هنــا فــي المقــام الأول قــارئ أمريكــي ثــم قـارئ غربـي/ أوروبـي، ليأتـي بعـد أولئـك قـراء أبعـد سـيجتهدون فـي التعــرف علــى دلالات الاســم. ومــا يصــدق علــى بومغارتنــر يصــدق علـى أسـماء أخـرى فـي روايـة بـول أوسـتر التـي أقدمهـا للقـارئ فـي ترجمـة حاولـت الاقتـراب مـن تلـك الأبعـاد المختلفـة.
تكمـن أهميـة الترجمـة، أو جانـب كبيـر مـن تلـك الأهميـة، فـي ذلك الاختــلاف، أي فــي كونهــا ميدانًــا لالتقــاء، فــي هــذه الحالــة، علــى مسـتوى السـرد الأدبـي بيـن اللغـات والثقافـات. النـص المترجـم، لا سـيّما النـص السـردي، مجـال خصـب للتفاعـل بين الأذهـان وخلفياتها المعرفيـة والأدبيـة، وبيـن الذائقـات المتفاوتـة إذ تقـف علـى جماليـات قـد لا تكـون مألوفـة. ومـن المؤكـد أن هـذا التفاعـل يحـدث بقـراءة النصـوص الأصليـة، لكنـه يحـدث بقـراءة الترجمـات أيضًـا وإن علـى مســتوى مختلــف. فالعمــل المترجــم لــه مؤلــف ومترجــم فــي الوقــت نفسـه، وقراءتـه هـي قـراءة الكيفيـة التـي تفاعـل فيهـا المترجـم مـع النــص الأصلــي وســعى لســبر دلالاتــه وإيحاءاتــه مــع الحفــاظ قــدر الإمـكان علـى مـا فـي النـص مـن غنـى جمالـي أو فنـي. لكـن عبـارة «قـدر الإمـكان» مهمـة هنـا، لأن الترجمـة اجتهـاد فـي نهايـة المطـاف ،هـي نـص علـى نـص، محاولـة جـادة، فـي أغلـب الأحـوال، لإنتـاج نـص يقـارب الأصـل فـي بيئـة لغويـة مغايـرة .
فــي روايــة «بومغارتنــر» ســيجد القــارئ الكثيــر عــن الحيــاة فــي المجتمــع الأمريكــي الــذي ينتمــي إليــه أوســتر، لكنــه فــوق ذلــك ســيجد رؤيــة متفحصــة مــن زاويــة ســردية تتعمــق فــي أدق تفاصيــل حيــاة الفــرد فــي ذلــك المجتمــع: الطموحــات والمعانــاة، الخيبــات والنجاحـات. سـيجد قضايـا كبـرى مثـل الشـيخوخة والمـوت، العزلـة والسـعي لكسـرها بعاقـات مختلفـة، فضـاً عـن قضايـا ذات طابـع فلسـفي وأدبـي صـرف. فبومغارتنـر -الأمريكـي ذو الأصـل اليهـودي- يواجـه فـي الروايـة قضيـة مركزيـة هـي فقـده زوجتـه آنـا وسـعيه لمـلء حياتـه بمـا تركتـه مـن فـراغ. كونـه أسـتاذًا جامعيًّـا ومؤلفًـا مرموقًـا فـي مجـال الفلسـفة يمنحـه مكانـة اجتماعيـة لكنهـا لا تكفـي لإثـراء حياتـه بالطمأنينـة والمعنـى. نقـرأ كثيـرًا مـن ذلـك بالاسـتعادة أو بالفـاش بـاك، ولكـن الكثيـر أيضًـا سـرد حاضـر يتعمَّـد فيـه الكاتـب اسـتخدام المضـارع لنقـل صـورة حيـة لمـا يحـدث.
لا أريــد أن أفســد علــى القــارئ متعــة استكشــاف الروايــة لكنــي أشـير إلـى مسـائل أحسـبها مهمـة مثـل عمليـة الترجمـة التـي تشـكل مفتاحًـا للعمـل وتمهيـدًا لقـراءة الروايـة مـن حيـث هـي صـورة للحيـاة فـي مجتمـع مختلـف، مجتمـع مفتـوح بقيـم مغايـرة ومشـكلات ناتـج بعضهــا عــن تلــك المغايــرة، أي تحــول القيــم، وفــي طليعــة تلــك المشــكلات مشــكلة الفردانيــة ومــا ينجــم عنهــا مــن عزلــة أحســبها قضيــة مركزيــة فــي الروايــة. العاقــات الإثنيــة، لا ســيّما صلــة بومغارتنــر بجــذوره اليهوديــة، وكذلــك الفئــات الاجتماعيــة الأخــرى فــي المجتمــع الأمريكــي مثــل القادميــن مــن أمريــكا الاتينيــة ومــن اليونــان وغيرهــم مــن المهاجريــن. اســم «بومغارتنــر» ألمانــي وقــد يذكـر بعـض القـراء بالفيلسـوف الألمانـي «بومغارتـنر»، مؤسـس علـم الجمــال، ولكنــه مرتبــط بصــورة أدق مــن ذلــك باليهــود الألمــان ،وللروائيــة الهنديــة أنيتــا ديســاي روايــة بعنــوان «بومبــاي بومغارتنــر » (Baumgartner’s Bombay) حـول يهـودي ألمانـي اسـمه بومغارتنـر أيضًـا يهـرب مـن النازيـة لاجئًـا فـي الهنـد. وبـول أوسـتر معنـي أيضًـا بتلـك الخلفيـة، فهـو نفسـه يهـودي الأصـل، وحيـن يرسـل بطـل الروايـة إلــى أوكرانيــا ليستكشــف جــذوره، أو حيــن يســتعمل اســمه هــو أي «أوســتر» لأســرة أم بومغارتنــر، أي أخوالــه، فإنــه يعمــق الجانــب الســيري مــن الروايــة .
لكــن روايــة «بومغارتنــر» ليســت دراســة إثنيــة أو اجتماعيــة. هــي عمــل أدبــي وفنــي مميــز بعنايتــه بأدبيــة النــص ومطالبتــه القــارئ باستشــعار ذلــك الجانــب بتضميــن النــص نصوصًــا أخــرى كتبتهــا زوجــة بومغارتنــر ومنهــا نــص شــعري. وأســلوب الروايــة يرتفــع فــي بعـض المواضـع إلـى شـعرية بديعـة شـكلت أحـد تحديـات الترجمـة.
لقـد سـعيت فـي هـذه الترجمـة للتغلـب علـى تلـك التحديـات، ومـن تلـك غرابـة بعـض الإحـالات والأسـماء فوضحـت مـا رأيتـه بحاجـة إلى ذلـك بهوامـش، كمـا وضعـت الكلمـات والعبـارات التـي تـرد بالإمالـة فــي النــص الأصلــي فــي حــروف عريضــة( Bold) ووضعــت أخــرى وردت بصيـغ تميزهـا عـن بقيـة النـص ضمـن مزدوجتيـن .
أرجــو أن أكــون بذلــك قــد قدمــت للقــارئ العربــي روايــة جديــرة بالتقديـم مـن كاتـب أمريكـي كبيـر وليـس غريبًـا علـى اللغـة العربيـة ،فقـد سـبق أن ترجمـت بعـض أعمالـه وهـو جديـر بالترجمـة .
سعد البازعي
