ترجمة مقصدية: المهندس عبدالله بن ابراهيم الرخيص
جدة ، يوم الجمعة 5 صفر 1446هـ الموافق 9 اغسطس 2024 م
بناءً على أوامر من الرئيس الأمريكي ميلارد فيلمور في صيف عام 1853م قاد العميد البحري الأمريكي ماثيو بيري أربع سفن حربية في مهمة لإقناع اليابان بإنهاء سياستها الانعزالية التي استمرت لنحو 200 عام. عندما وصل إلى ما يُسمى الآن خليج طوكيو، وجه بيري إنذاراً نهائياً إلى شوغونية ""امارة"" توكوغاوا: إما الانفتاح على التجارة مع الولايات المتحدة الامريكية أو مواجهة العواقب. كان وصول هذه السفن السوداء"" التي سميت بهذا الاسم على الدخان المظلم المنبعث من محركاتها البخارية التي تعمل بالفحم كان وصولها لحظة محورية في مواجهة هذا العرض المثير للإعجاب للبراعة التقنية حين مثلت القوة الصناعية التي مكنت بالفعل الإمبراطورية البريطانية من السيطرة على معظم أنحاء العالم - وافقت الشوغونية اليابانية حينذاك وعلى مضض على مطالب العميد
الامريكي ماثيو بيري، مما أدى إلى توقيع معاهدة كاناغاوا في صيف عام 1854 و بعد عام واحد، تلقت الشوغونية أول سفينة حربية تعمل بالمحرك البخاري من الهولنديين رمزاً للتقدير لانفتاحها التجاري.
و في حين أن التكنولوجيا يمكن أن تشكل تهديداً حقيقياً، فإنها تعمل أيضاً على تشغيل البنية التحتية الحيوية مثل المدارس والمستشفيات، فعلى مدى القرن الماضي، على وجه الخصوص، أصبح الفرد والمجتمع مرتبطاً ارتباطاً وثيقاً بمجموعة واسعة من التقنيات، بما في ذلك الأنظمة المترابطة مثل شبكات الطاقة والإنترنت والهواتف المحمولة والآن روبوتات الدردشة المزودة بدعم الذكاء الاصطناعي.
كما أظهرت بعثة بيري قبل مائتي عام ، فإن التكنولوجيا هي أيضا العمود الفقري للسيادة العسكرية للدولة. بفضل هيمنتها التكنولوجية، أصبحت الولايات المتحدة القوة العسكرية الرائدة في العالم، مع أكثر من 750 قاعدة في 80 دولة - ما يمثل ثلاثة أضعاف ما تملكه كل البلدان الأخرى مجتمعة. لكن هذه الصورة لسيادة الدولة تتغير بسرعة. في حين أن السيادة المالية لأمريكا، التي يدعمها وضع الدولار كعملة احتياطية عالمية، لا تزال سليمة، فإن سيادتها الاقتصادية تواجه تحدياً متزايداً من قبل الصين الصاعدة. من حيث تعادل القوة الشرائية، تجاوزت الصين الولايات المتحدة لتصبح أكبر اقتصاد في العالم في عام 2014. مع إنتاج التصنيع الذي اضحى يساوي تقريباً انتاج الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي مجتمعين، وتعد الصين الشريك التجاري الأول لأكثر من 120 دولة.
تتنافس كلتا القوتين العظميين حاليا للسيطرة على تصميم وتطوير وإنتاج التقنيات الحيوية مثل أشباه الموصلات والشرائح فائقة الدقة والذكاء الاصطناعي والبيولوجيا التركيبية والحوسبة الكمية والبلوكشين.
وقد أظهرت دراسة أجريت أواخر عام 2023 بتكليف من وزارة الخارجية الأمريكية، والتي تتعقب المساهمات البحثية عبر 64 تقنية ناشئة أن الصين تتفوق على الولايات المتحدة في أكثر من 80% من هذه المجالات تاركة الولايات المتحدة خلفها في المرتبة الثانية. مع تصاعد التنافس بين الولايات المتحدة والصين في الساحة التكنولوجية، ستضطر البلدان في جميع أنحاء العالم إلى اختيار جانب واعتماد التقنيات والمعايير والقيم وسلاسل التوريد المتميزة لحليفها المختار. يمكن أن يؤدي ذلك إلى حقبة جديدة من الاستعمار التكنولوجي مما يقوض الاستقرار العالمي. ومع ذلك، من الغريب أنه لم تتمكن الولايات المتحدة ولا الصين من السيطرة على صناعة أشباه الموصلات، لأن شركة تايوان لتصنيع أشباه الموصلات (TSMC) وسامسونج في كوريا الجنوبية هما المصنعان الوحيدان القادران على إنتاج أشباه الموصلات أصغر من خمسة نانومتر لتغيير ذلك، تقوم كلتا القوتين العظمى ببناء ما نسميه ""دوائر السيادة التكنولوجية"" - مناطق النفوذ التي يجب على البلدان الأخرى الانضمام إليها للوصول إلى هذه التقنيات الحيوية.
على عكس الاستعمار القديم، لا يتعلق الاستعمار التقني بالاستيلاء على الأراضي ولكن بالسيطرة على التقنيات التي يدعمها الاقتصاد العالمي و نمط استهلاكنا وحياتنا اليومية لتحقيق ذلك، تقوم الولايات المتحدة والصين بشكل متزايد بتقديم القطاعات الأكثر ابتكاراً وتعقيداً من سلاسل التوريد العالمية، وبالتالي إنشاء نقاط خنق استراتيجية للمنافسين حيثما كانوا.
الصين على سبيل المثال، سيطرت على سلاسل التوريد للمواد الخام الحرجة والمعادن النادرة، مما مكنها من أن تصبح المنتج الرائد للسيارات الكهربائية في العالم. وفي الوقت نفسه، تقود الولايات المتحدة برامج تصميم الرقائق بفضل شركات مثل أنظمة تصميم كادنس Cadence Design Systems و سینوبسس Synopsys.
تحرص أوروبا أيضاً على ترسيخ أقدامها كلاعب رئيسي في هذا القطاع سريع التطور. بالإضافة إلى استضافة الشركة الهولندية ASML ، التي تنتج أنظمة الطباعة الحجرية فوق البنفسجية الحاسمة لتصنيع الرقائق المتقدمة، فإن الاتحاد الأوروبي هو مستورد صاف للمواهب البحثية للذكاء الاصطناعي. كما أنها موطن لمزيد من طلاب العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات وعلماء الكمبيوتر وتخلق بلدانها المزيد من الشركات الناشئة أكثر من الولايات المتحدة وإن كانت اقل أثراً في الريادة التقنية و الابتكار.
اصبح واضحاً أن سلاسل الإمداد العالمية تقود السيطرة على مفاصل التجارة العالمية من خلال تعقيدها المتنامي و ارتباطها الجيوسياسي وعندما يثبت أن النقل مستحيل تعمل دوائر السيادة التقنية كشكل آخر أكثر مرونة و قدرة على اختراق الحدود من خلال زراعة التبعيات غير المتماثلة والراسخة بعمق في النسيج الصناعي والتقني و تدفع البلدان بشكل فعال إلى العبودية التقنية والاقتصادية.
المملكة المتحدة هي مثال رئيسي. ففي عام 2020 أجبرت الولايات المتحدة المملكة المتحدة على استبعاد شركة التكنولوجيا الصينية هواوي من شبكة الجيل الخامس مهددة بقطع الوصول إلى جهاز الاستخبارات الأمريكي وبرامج تصميم الرقاقات. وبالمثل تم الضغط على هولندا لوقف تزويد الصين بآلات تصنيع الشرائح ASML في أوائل يناير. رداً على ذلك، شددت الصين قبضتها على المواد الحرجة من خلال تقييد صادرات الغاليوم والجرمانيوم وهي مدخلات رئيسية للرقائق الدقيقة والألواح الشمسية.
يمكن لكل بلد أن يواجه قريباً لحظة السفينة السوداء التي تخنق ما تبقى من السيادة الوطنية كالتي واجهتها اليابان قبل مائتي عام.
أولئك الذين لا يملكون الحماية التي توفرها ملكية التقنيات الأساسية والعلوم السيادية ومحاضن صناعة العلماء يخاطرون بأن يصبحوا مستعمرات تقنية ويخدمون احتياجات ملوكهم و مستعمريهم التقنيين من خلال إجبارهم على استهلاك تقنيات تؤثر على راه شعوبهم ومستقبلهم الصناعي اذ يمكن ينتهي بهم المطاف خدماً لأسياد الصناعة وسلاسل الإمداد .
قد ينتهي بهذه البلدان المطاف إلى التقاط فتات الصناعات الاستهلاكية او الركون إلى الصناعات التقليدية و الأساسية او تصنيع الإلكترونيات البسيطة، أو تكرير المعادن، أو وضع العلامات على مجموعات البيانات، أو استضافة الخدمات السحابية لإمدادها بالطاقة الرخيصة من المناجم المادية إلى مناجم البيانات.
ستجد البلدان التي لا تتماشى مع الولايات المتحدة أو الصين نفسها هبطت إلى وضع المناطق النائية التقنية الفقيرة والمستعمرة و ربما المعزولة عن اسباب التقدم والرفاه.
وسط التوترات الجيوسياسية المتزايدة، تعد التقنيات الناشئة مثل الحوسبة الكمية والذكاء الاصطناعي والبلوكشين والبيولوجيا التركيبية بدفع حدود الاكتشاف البشري. كما أشرت في كتابي فريق 8 مليارات"" فإن السؤال الرئيس هو ما إذا كانت هذه الابتكارات التكنولوجية سيتم التحكم فيها من قبل عدد قليل مختار كأدوات للإخضاع و انتهاك السيادة الوطنية أو الديمقراطية لتعزيز الرخاء المشترك. بدلا من الدخول في حقبة من الاستعمار التكنولوجي المدمر، يمكن أن تساعد هذه التقنيات الجديدة في تنشيط نظامنا الدولي القائم على القواعد ورفع مستوى الحكم الجماعي.
ولكن لتحقيق ذلك يجب أن نستبدل السفن الأمريكية السوداء اليوم بشيء لم تخترعه البشرية بعد إطار للتعاون المشترك على أساس ركيزة موحدة للمصالح البشرية. يجب أن يعكس هذا الإطار ترابطنا المتزايد واعتمادنا التكنولوجي، فضلا عن التحديات العالمية التي نواجهها من الحرب والانتشار النووي إلى الأوبئة وتغير المناخ.
يمثل الاستعمار التقني أحدث تكرار للنضال القديم من أجل الهيمنة العالمية. هل سنصبح مهندسين لهلاكنا في براثن الاستعمار الجديد، أم أبطال مستقبل أكثر إشراقاً؟ للأفضل أو الأسوأ، الجواب في أيدينا.
