القائمة الرئيسية

ماذا بعد بريتون وودز؟

ماذا بعد بريتون وودز؟
ملخص المقال

في مقاله، يناقش فرانسيس فوكوياما مستقبل مؤسسات بريتون وودز، مؤكدًا على الحاجة لمؤسسات دولية قوية في مواجهة التحديات العالمية مثل الصراعات وتغير المناخ. يحدد ثلاثة شروط لإصلاح النظام الدولي أو إنشاء مؤسسات جديدة: إعادة توزيع القوة الدولية، ظهور قوة مهيمنة، ووجود ""فكرة كبرى"" تحفز التغيير. فوكوياما يستعرض تطور النظام الدولي من الليبرالية الكلاسيكية إلى الهيمنة الأمريكية، ثم تراجع هذه الهيمنة بعد أزمة 2008 وصعود الصين. لكنه يرى أن الظروف الحالية تفتقر إلى الشروط اللازمة لإجراء إصلاحات جذرية أو ابتكار مؤسسي جديد.

بقلم فرانسيس فوكوياما

 تاريخ النشر: 3 أكتوبر ٢٠٢٤

 ترجمة سلمان العنزي، باحث في العلوم السياسية.

Salanazias@gmail.com

طلب مني مؤخرا إلقاء كلمة في مؤتمر رعاه صندوق النقد الدولي والبنك الدولي بمناسبة الذكرى الثمانين لانعقاد مؤتمر بريتون وودز الأول الذي شهد تأسيس هاتين المؤسستين وفي نفس الفندق الذي انعقد فيه اجتماع عام ١٩٤٤، طلب مني أن أفكر في كيفية تطور هذه المؤسسات خلال هذه الفترة، وما يمكن أن تعكسه هذه التطورات على مستقبلها خلال الثمانين عاما القادمة إن الحاجة إلى مؤسسات قوية وتعاونية أصبحت أكبر من أي وقت مضى، نظرا للصراعات والاضطرابات الحالية والتحديات الجديدة التي ظهرت مثل تغير المناخ والاستعداد للأوبئة. ولكن ما هي احتمالات ظهور شيء كبير وجديد؟ 

هناك ثلاثة شروط ضرورية لإنشاء مؤسسات دولية جديدة، أو لإجراء إصلاح جذري للمؤسسات القائمة أولاً. يتطلب الأمر إعادة توزيع كبيرة للقوة الدولية، بحيث يتم القضاء على أصحاب المصلحة القدامى الذين يدافعون عن الوضع الراهن. ويمكن أن يحدث هذا نتيجة الحرب أو أزمة مالية كبيرة أو أي حدث آخر كارتي كاف لخلق الحاجة للتغيير. 

الشرط الثاني هو ظهور قوة مهيمنة قادرة على قيادة عملية بناء نظام دولي جديد من الناحية النظرية، يمكن للأطراف الأقل قوة أن تتحد ! الصباغة اتفاق، ولكن هناك تحديات كبيرة في العمل الجماع عي يجب التغلب عليها. ولنتأمل هنا فشل الأمم المتحدة في مراجعة عضوية مجلس الأمن، الذي يدرك الجميع أنه لم يعد يعكس التوازن الحقيقي للقوى في العالم اليوم. 

 الشرط الثالث هو ضرورة وجود ""فكرة كبرى"" تحفز الحاجة إلى التغيير قبل عقدين من الزمان، كتب لانت بريتشيت وديفيد لينداور مقالاً عن التنمية الدولية بعنوان ""ما هي الفكرة الكبرى؟"". وادعيا أن هذه الفكرة الكبرى"" كانت دائماً تدور حول الدور المناسب للدولة في الاقتصاد، وأن هذه الفكرة تتأرجح مثل البندول بين مستويات مختلفة من تدخل الدولة. 

منذ بداية القرن العشرين، كانت هناك أربع فترات تحول حاسمة تحقق بها الشرط الأول لإعادة توزيع القوة بين الدول الحرب العالمية الأولى الحرب العالمية الثانية، فترة الأزمات النفطية والديون في السبعينيات والثمانينيات، وأخيرا الفترة الحالية.

 في بداية القرن العشرين، كانت الفكرة الكبرى المهيمنة التي تحكم النظام الدولي هي الليبرالية الكلاسيكية، التي صاغتها بريطانيا، القوة الاقتصادية الرائدة في العالم. وكان العالم يعتمد على معيار الذهب الذي كان يعتقد أنه يتوازن ذاتيا كانت الدول تتدخل لحماية قطاعات محددة، ولكنها لم تتحمل مسؤولية حماية المواطنين من تقلبات قوى السوق وكان على الناس بشكل عام أن يعتنوا بأنفسهم.

لقد أضعفت الحرب العالمية الأولى بريطانيا بشدة، وكان بوسع الولايات المتحدة في تلك المرحلة أن تتولى دوراً قيادياً عالمياً. ومع ذلك، اختارت عدم القيام بذلك عندما تحدى مجلس الشيوخ الرئيس ويلسون وفشل في التصديق على عضوية عصبة الأمم. وعكس هذا الرفض التيار القوي من الانعزالية الذي ميز الكثير من السياسة الخارجية الأميركية منذ تأسيسها، وكان متسقاً إلى حد كبير مع هيمنة الليبرالية الكلاسيكية من جانب النخب الأميركية. 

وفي غياب الهيمنة العالمية، سقط العالم في حالة الفوضى القومية. فقد تبنت الدول سياسات نقدية أنانية وحمائية ذاتية مدمرة، الأمر الذي أدى إلى الكساد العظيم وارتفاع معدلات البطالة إلى ٢٥% أو أكثر في الولايات المتحدة وغيرها من البلدان الصناعية. كما أثبت معيار الذهب عدم قدرته على التعامل مع الأزمة المصرفية العالمية في ۱۹۳٢-۱۹۳۳، مما دفع إدارة روزفلت الجديدة إلى الانسحاب من النظام وأفسحت القومية الاقتصادية المجال للقومية السياسية، وكانت الحرب العالمية الثانية هي النتيجة. 

انعقد مؤتمر بريتون وودز في نهاية تلك الحرب، عندما أصبح من الواضح بشكل جلي أن دول المحور سوف تهزم وفي هذه المرة، تولت الولايات المتحدة بمحض إرادتها الدور القيادي الذي تخلت عنه بريطانيا المنتصرة والمنهكة بشدة. وعلاوة على ذلك، حلت فكرة كبرى أخرى محل الليبرالية الاقتصادية الكلاسيكية، وهي ما أطلق عليها جون روغي "" الليبرالية المضمنة رفض هذا الأخير الاشتراكية، لكنه سمح للدول الليبرالية بالتدخل في الاقتصاد الإدارة السياسة النقدية بنشاط وحماية المواطنين من تقلبات السوق لقد أدى الكساد العظيم إلى ظهور الصفقة الجديدة في الولايات المتحدة ورؤية لدور أكثر نشاطا للدولة. كما رفض بشكل قاطع القومية الاقتصادية، ودفع باتجاه تحرير التجارة والتعاون الدولي في إدارة مهام إعادة الإعمار والتنمية التي كانت متوقعة بمجرد تحقيق السلام كان هذا هو الإطار الذي أقيمت فيه اتفاقية بريتون وودز التي أنشأت صندوق النقد الدولي الإدارة السياسات النقدية، والبنك الدولي لإعادة الإعمار والتنمية (البنك الدولي) لتعزيز النمو الاقتصادي.

وبحلول سبعينيات وثمانينيات القرن العشرين، تأكلت الهيمنة الأميركية ببطء، مع إنهاء الاستعمار وظهور ""العالم الثالث المكون من الدول المستقلة حديثا التي لم تكن متحالفة مع واشنطن أو موسكو استعرضت هذه الدول عضلاتها بعد حرب أكتوبر / تشرين الأول ۱۹۷۳ في الشرق الأوسط عندما فرضت منظمة أوبك حظرا تغطيا على الدول التي تدعم إسرائيل. وقد أدى هذا إلى دوامة من التضخم في الولايات المتحدة، وأزمة ديون متنامية في أمريكا اللاتينية وأفريقيا جنوب الصحراء مع تدفق دولارات النفط التي أعيد تدويرها إلى بلدان عجزت عن تحمل مستويات الديون التي تحملتها في مواجهة ارتفاع أسعار النفط. وفي الوقت نفسه، واجهت الولايات المتحدة دعوات ""عودي إلى الوطن، يا أمريكا"" بعد هزيمتها في حرب فيتنام وخلال هذه الفترة، تحولت الولايات المتحدة من كونها أكبر دائن في العالم إلى مدين، كما أنهى الرئيس نيكسون قابلية تحويل الذهب تماما. 

وفي هذه المرحلة، بدأ الكثيرون يتوقعون نهاية الهيمنة العالمية الأمريكية والتحولات الكبرى في النظام الاقتصادي الدولي الذي أنشأته برزت في تلك الفترة بعض البدائل لـ ""الليبرالية المضمنة""، وخاصة على اليسار، حيث لاقت نظرية التبعية، التي ظهرت في دول أمريكا اللاتينية، قبولا واسعا لدى العديد من الأكاديميين في ذلك الوقت ولكن حدث أمر مفاجئ فلم تؤد الهزيمة في حرب فيتنام إلى عودة الانعزالية في أمريكا بل أظهر الاقتصاد الأمريكي مرونة مذهلة وثقة سياسية خلال الثمانينيات وبحلول نهاية العقد انهار الاتحاد السوفييتي والشيوعية، تاركين أمريكا مرة أخرى في وضع مهيمن فيما يتعلق بالتوزيع العالمي للقوة. وهو ما تجلى في المجالات الاقتصادية والسياسية والثقافية والعسكرية، حيث كانت ميزانية الدفاع الأمريكية تعادل ميزانية معظم دول العالم مجتمعة.

 لقد كانت أميركا التي عادت إلى الظهور مجدداً مدفوعة بفكرة كبرى أخرى. فقد رفضت الليبرالية المضمنة وتبنت الليبرالية الجديدة""، والتي دفعت البندول إلى الوراء في اتجاه الليبرالية الكلاسيكية من خلال السعي إلى إبعاد الدولة عن التدخل الاقتصادي إلى أقصى حد ممكن ومارست واشنطن هيمنتها الجديدة من خلال مؤسسات بريتون وودز لدفع الدول النامية التي تعاني من التضخم المفرط وأزمة العملة إلى التكيف الهيكلي. 

كان لصعود الليبرالية الجديدة و إجماع واشنطن آثار إيجابية وأخرى سلبية. فقد سمحت العولمة وتحرير التجارة الدول نامية مثل الصين وفيتنام والهند بالدخول في النظام التجاري الدولي وتحقيق معدلات نمو غير مسبوقة، ومن ناحية أخرى، مهد انتقال الوظائف من أميركا الشمالية وأوروبا إلى شرق آسيا الأساس لرد فعل سياسي قوي في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين.

 لقد استمرت هذه الفترة من الهيمنة الأمريكية المتجددة لمدة عقدين تقريبا من سقوط جدار برلين في عام ۱۹۸۹ حتى الأزمة المالية العالمية في عام ۲۰۰۸، كان للقيادة الأمريكية للنظام الدولي جوانب جيدة، حيث تم إنشاء إطار ليس فقط للنمو الاقتصادي، ولكن أيضا لنشر الديمقراطية في العديد من أجزاء العالم. ولكن للأسف كانت هذه الفترة مشوبة بخطأين رئيسيين في السياسة الأمريكية، بسبب الاستناد على فكرتين خاطئتين مستمدتين من النيوليبرالية السائدة آنذاك.

 كان أولها غزو العراق في عام ۲۰۰۳، والذي بني على الاعتقاد بأن القوة العسكرية الصلبة يمكن استخدامها الإعادة تشكيل سياسات جزء بعيد ومختلف ثقافيا من العالم. وبينما حقق الغزو غرضه القصير الأجل المتمثل في إزاحة صدام حسين عن السلطة، فإنه لم ينجح في بناء ديمقراطية مستقرة في العراق، واليوم، تقترب تلك الدولة من إيران أكثر من الولايات المتحدة. وما زالت تداعيات الغزو تتكشف فإلى جانب الاحتلال الذي دام عقوداً في أفغانستان ، ستم الجمهور الأمريكي من الحروب الأبدية والتدخل في الشؤون الدولية بشكل واسع.

كان الخطأ الكبير الثاني هو دعم مؤسسات بريتون وودز الحركة رأس المال - أي قدرة البنوك والمؤسسات المالية الأخرى على نقل مبالغ كبيرة من أموال الاستثمار قصيرة الأجل عبر الحدود الدولية - باعتبارها جزءا أساسيا من إجماع واشنطن. ومن عجيب المفارقات أن يحدث هذا، لأن الميثاق الأصلي لصندوق النقد الدولي لم يتضمن هذا الأمر، والواقع أن المادة السادسة، القسم الثالث من بنود الاتفاقية أعطت البلدان صراحة الإذن بفرض ضوابط على العملة. وبدأ هذا يتغير في ثمانينيات القرن العشرين، مدفوعاً بشكل جزئي بالتقدم التكنولوجي الذي سمح بحركة سريعة للغاية للسيولة عبر الحدود الدولية، ولكن هذا التغيير كان مدفوعا أيضا بفكرة كبرى، وهي أن أسواق رأس المال يمكن أن تخصص رأس المال بكفاءة إذا تركت لتعمل دون تدخل.

ولكن للأسف، اتضح أن هذا غير صحيح فقد كانت أسواق رأس المال عرضة للهوس، والاندفاع الجماعي وحالات الهلع المفاجئة. فقد تحطم الاستقرار المالي الذي شهدته أغلب دول العالم بعد الحرب العالمية الثانية فجأة بسبب سلسلة من أزمات العملة في تسعينيات القرن العشرين، لقد شهدت المكسيك والعديد من الدول في شرق آسيا تحويل المستثمرين العالميين المبالغ ضخمة من السيولة إلى أسواقها المحلية، ولكنهم تراجعوا فجأة بنفس القدر عندما تراجعت الثقة. وفي وقت الأزمة المالية الأسيوية عام ۱۹۹۷، عزا العديد من المراقبين الأميركيين هذا إلى ضعف التنظيم المالي، ولكن في عامي ۲۰۰۷ و ۲۰۰۸، رغم ما يشاع عن قوة المؤسسات التنظيمية الأمريكية، وجدت الولايات المتحدة نفسها غارقة في أزمة مالية عميقة، بعد أن الدفع المستثمرون بقوة نحو سوق الائتمان العقاري الثانوي الأمريكي، ثم انسحبوا منه فجأة.

 لقد شهدت القوة الأمريكية تراجعا نسبيا منذ ذروتها في عام ۲۰۰٨ وكانت حصة أميركا من الناتج العالمي في انحدار نتيجة الصعود الصين وغيرها من دول شرق آسيا وأصبحت الولايات المتحدة دولة مدينة ضخمة حيث توجد تجمعات ضخمة من رأس المال خارج حدودها وخارج سيطرتها، وعلى الرغم من أن الجيش الأمريكي لا يزال الأقوى في العالم، إلا أنه يتعرض لتحديات متزايدة من القوى العظمى الصاعدة روسيا والصين، فضلاً عن القوى المتوسطة الجديدة مثل دول الخليج وتركيا وغيرها. ولم يعد النموذج السياسي الأميركي يقلد على نطاق واسع أو حتى يحظى بالإعجاب، إن أعظم نقاط الضعف العالمية التي تعاني منها أميركا تتمثل في استقطابها الداخلي، الأمر الذي يجعل من الصعب على الأميركيين الاتفاق على قضايا مثل المساعدات المقدمة الأوكرانيا. وهذا من شأنه أن يجعل النموذج الأميركي أقل جاذبية على الصعيد الدولي. وفي حين ازداد عدد الديمقراطيات في جميع أنحاء العالم باطراد من منتصف السبعينيات حتى العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، إلا أنها في حالة تراجع منذ ما يقرب من العشرين عاما. 

وعلى هذا فإن الظروف غير مواتية لإجراء إصلاحات جذرية في مؤسسات بريتون وودز، أو إنشاء مؤسسات جديدة لتحل محلها بينما شهد القرن الحادي والعشرون إعادة توزيع كبيرة للقوة الدولية، فإن الشرطين الآخرين من الشروط الثلاثة للإصلاح غير متوافرين فلم تنشأ قوة مهيمنة لتحل محل واشنطن، ولا توجد فكرة كبرى التقود عملية إعادة بناء النظام العالمي.

ورغم الانتقادات التي طالت النيوليبرالية في السنوات الأخيرة، فإن الرؤية المستقبلية للنموذج الاقتصادي الذي سيقود التنمية العالمية لا تزال غامضة، وتبرز الصين كلوة مهيمنة بديلة، إلا أن ترددها في تحمل أعباء القيادة العالمية المتمثلة في الاستثمار في السلع العامة العالمية، يقلل من فرص نجاحها في هذا الدور لدى الصين فكرة كبرى مضمنة في مبادرة ""الحزام والطريق، ولكن مشروعها بواجه تحديات كبيرة ومقاومة واسعة لذلك. يظل من المرجح أن تستمر مؤسسات بريتون وودز في التكيف مع ظروفها الجديدة ببطء وحذر، ولكن لن يحدث أي ابتكار مؤسسي جذري، على غرار ما شهدناه في عام ١٩٤٤، في ظل الظروف الراهنة الحرجة.

 

مقالات ذات صلة