يجلـس بومغارتنـر الآن إلـى مكتبـه فـي غرفـة فـي الطابـق الثانـي يشـير إليهـا أحيانًـا علـى أنهـا مـكان البحث، أو التأمل، مخبؤه. يمسـك قلمــه بيــده بينمــا هــو فــي منتصــف جملــة مــن الفصــل الثالــث مــن دراسـته للأسـماء المسـتعارة التـي اسـتعملها كيركيغـارد إذ يخطـر ببالـه أن الكتـاب الـذي يحتـاج إلـى الاقتبـاس منـه لكـي ينهـي الجملـة فـي الطابـق الأسـفل فـي غرفـة الجلـوس، حيـث تركـه ليلـة البارحـة قبـل صعـوده لينـام. فـي طريقـه إلـى الأسـفل لإحضـار الكتـاب، يخطـر ببالــه أيضًــا أنــه وعــد أختــه بالاتصــال بهــا عنــد العاشــرة مــن هــذا الصبـاح، وبمـا أنهـا العاشـرة الآن تقريبًـا يقـرر الذهـاب إلـى المطبـخ لإجــراء الاتصــال قبــل إحضــار الكتــاب مــن غرفــة الجلــوس. لكنــه عنـد دخولـه المطبـخ تسـتوقفه رائحـة حـادة لاذعـة. يكتشـف أن شـيئًا مــا يحتــرق، وأثنــاء تحركــه باتجــاه الفــرن ياحــظ أن أحــد المواقــد الأماميـة تـرك متقـدًا وأن شـعلة ضئيلـة ومسـتمرة تسـير محرقـة مـا أمامهـا باتجـاه قـاع قـدر الألومنيـوم الصغيـر الـذي كان قـد سـلق فيـه قبـل ثـلاث سـاعات بيضتيـن سـلقًا خفيفًـا. يطفـئ الموقـد، وعندئـذٍ، ودون أن يتـروى، أي دون أن يكتـرث بإحضـار مقبـض أو فوطـة، يرفـع قـدر السـلق عـن الموقـد بعـد أن تلـف ولكنـه مـا زال ملتهبًـا فيحـرق يــده. يصرخ بومغارتنـر مــن الألــم. وبعــد جــزء مــن الثانيــة يســقط القـدر فيقـع علـى الأرض محدثًـا رنينًـا مفاجئًـا ومجلجـاً، ثـم يركـض ، وهــو مــا زال يتلــوى مــن الألــم، نحــو المغســلة، يفتــح المــاء البــارد ،يدخـل يـده اليمنـى تحـت المـاء ويتركهـا لثـاث أو أربـع دقائـق بينمـا يغمـر جريـان المـاء الشـديد البـرودة جلـده كلـه . وهــو مــا زال يتلــوى مــن الألــم، نحــو المغســلة، يفتــح المــاء البــارد ،يدخـل يـده اليمنـى تحـت المـاء ويتركهـا لثـاث أو أربـع دقائـق بينمـا يغمـر جريـان المـاء الشـديد البـرودة جلـده كلـه.
يجفـف بومغارتنـر يـده متأنيًـا بفوطـة مطبـخ آمـاً أن يكـون قــد تفــادى أي انتفاخــات محتملــة فــي أصابعــه ومعصمــه، يتوقــف لبرهـة ليفتـح أصابعـه، يربـت علـى يـده بالفوطـة مرتيـن إضافيتيـن ،ثــم يســأل نفســه مــا الــذي يفعلــه فــي المطبــخ. قبــل أن يتذكــر أنــه كان مــن المفتــرض أن يتصــل بأختــه، يــرن الهاتــف. يرفــع الســماعة ويغمغـم بآلـو حـذرة. يقـول لنفسـه لا بـدّ أنهـا أختـه وقـد تذكـر أخيـرًا لمـاذا هـو فـي المطبـخ، والآن وقـد تجـاوزت السـاعة العاشـرة وبعد أن فاتـه الاتصـال بهـا، يتوقـع مـن ناعومـي أن تكـون الشـخص المتصـل ،أختـه الأصغـر والمشاكسـة التـي سـتبدأ الحديـث دون شـك بتأنيبـه لنسـيانه أن يتصـل بهـا ’مـرة أخـرى كمـا هـي عادتـه’، لكـن بمجـرد بــدء الشــخص الآخــر بالحديــث، يتضــح أنــه ليــس ناعومــي وإنمــا رجـل، رجـل لا يعرفـه بصـوت غيـر مألـوف يتمتـم باعتـذارٍ عـن كونـه قــد تأخــر. تأخــر عــن مــاذا؟ يتســاءل بومغارتنـر. أن أقــرأ عــدادك ،يقـول الرجـل. كان يفتـرض بـي أن أكـون عنـدك فـي التاسـعة، تذكـر؟ لا .بومغارتنـر لا يتذكــر، لا يســتطيع أن يتذكــر للحظــة واحــدة أنــه فــي الأيــام أو الأســابيع الأخيــرة توقــع مــن قــارئ العــداد مــن شــركة الكهربـاء أن يأتـي عنـد التاسـعة، ولـذا فإنـه يقـول للرجـل ألا يقلـق ،لأنــه ســيكون فــي المنــزل كل فترتــي الصبــاح وبعــد الظهــر، لكــن موظـف الكهربـاء، الـذي بـدا عليـه أنـه شـاب وغيـر ذي خبـرة وحريـص علـى الإرضـاء، يصـر علـى توضيـح أنـه ليـس لديـه الوقـت ليفسـر الآن لمـاذا لـم يـأت فـي الوقـت المحـدد، لكـن كان هنـاك «سـبب وجيـه »لذلـك، سـبب «أقـوى منـه»، وأنـه سـيحضر بأسـرع مـا يمكـن. جيـد ،يقــول لــه بومغارتنــر، ســأراك حينئــذٍ. يغلــق الخــط وينظــر إلــى يــده اليمنـى التـي بـدأت تنبـض نتيجـة الحـرق، لكـن حيـن يتفحـص ذراعـه وأصابعــه، لا يــرى أثــرًا لانتفاخــات أو تقشــرًا للجلــد، فقــط بعــض الاحمــرار العــام. هــذا جيــد، أســتطيع التعايــش مــع ذلــك، ثــم وهــو يخاطـب نفسـه بضميـر المخاطـب، يفكـر: أنـت أيهـا الحمـار الغبـي ،اعتبــر نفســك محظوظًــا .
يخطـر ببالـه أن يتصـل بنعومـي الآن، فـي هـذه اللحظـة، «ليتفـادى مـا يمكـن أن تقـول»، لكـن بمجـرد رفعـه السـماعة ليديـر الرقـم يسـمع جـرس البـاب. يخـرج مـن رئـة بومغارتنـر نفـس طويـل. يضـع السـماعة وصـوت الرنيـن فـي يـده ويبـدأ بالمشـي نحـو البـاب الخارجـي للمنزل ،يـركل القـدر المحتـرق متبرمًـا أثنـاء خروجـه مـن المطبـخ .
يتحســن مزاجــه حيــن يفتــح البــاب ويــرى أنهــا موظفــة «يــو بــي إس»، مولــي، التــي تمــر بــه كثيــرًا لتكتســب بذلــك صفــة ... صفــة مـاذا؟ ليـس الصديقـة تمامًـا، وإنمـا أكثـر مـن مجـرد شـخص معـروف ،بالنظـر إلـى أنهـا تأتـي إلـى البـاب مرتيـن أو ثـلاث مـرات فـي الأسـبوع علـى مـدى السـنوات الخمـس الأخيـرة، وفـي الحقيقـة أن بومغارتنـر الـذي يعيـش فـي عزلـة، والـذي مضـى علـى وفـاة زوجتـه نحـو عقـد ، و إذا كانـت مولـي سـوداء وزوجتـه ليسـت كذلـك، فـإن فـي عينيهـا مـا يذكّـره بزوجتـه الميتـة كلمـا نظـر إليهـا. لـم يتوقـف ذلـك الشـعور يومًـا، لكنـه لا يسـتطيع تحديـد مـا هـو ذلـك الشـيء بالضبـط. ربمـا كان إحساسًـا باليقظـة، مـع أنـه أكثـر مـن ذلـك بكثيـر، أو لعلـه شـيء يمكـن وصفـه بأنـه «يقظـة متوهجـة»، أو إن لـم يكـن ذلـك، فقـد يكـون ببسـاطة القـوة فـي «ذات مضـاءة»، حيويـة إنسـانية تتدفـق مـن الداخل بـكل مـا فيهــا مــن ألـق يأتلـف فــي رقصـة تجمــع الشـعور بالفكـر – شــيء مــن ذلــك ربمــا، إن كان شــيء مــن هــذا لــه معنــى، لكــن مهمــا يكـن الاسـم الـذي تريـد منحـه لمـا كانـت آنـا تملكـه، فـإن مولـي تملكـه أيضًـا. لذلـك السـبب اعتـاد بومغارتنـر أن يطلـب كتبًـا لا يحتـاج إليهـا ولــن يفتحهــا يومًــا وســينتهي بــه الأمــر متبرعًــا بهــا للمكتبــة العامــة المحليـة لسـبب وحيـد هـو قضـاء دقيقـة أو دقيقتيـن بصحبـة مولـي كلمـا ضغطـت الجـرس لتوصيـل كتـاب .
صبــاح الخيــر بروفيســور، تقــول مولــي، وهــي تبتســم ابتســامتها المضيئــة نحــوه كمــا لــو كانــت تباركــه. كتــاب آخــر لــك.
شـكرًا مولـي، يقـول بومغارتنـر مبتسـمًا لهـا وهـي تمـد لـه المغلـف البنـي النحيـل. كيـف أنـت اليـوم؟
مــا زال الوقــت مبكــرًا للتنبــؤ بــه، لكــن حتــى الآن المؤشــرات الإيجابيـة فـي صعـود والسـلبية فـي نـزول. يصعـب الشـعور بالاسـتياء فــي صبــاح رائــع كهــذا الصبــاح .
إنــه أول أيــام الربيــع – أجمــل أيــام الســنة. لنســتمتع بــه طالمــا أمكننــا ذلــك يــا مولــي. إنــك لا تدريــن مــا ســيحدث بعــد ذلــك.
إن الأمـر فعلـاً كذلـك، تجيبـه مولـي، وهـي تطلـق ضحكـة قصيـرة تعبــر عــن موافقتهــا. ثــم، قبــل أن يفكــر بــرد طريــف ولمّــاح يطيــل الحديـث، تلـوّح لـه مودعـة لتقـود شـاحنتها مبتعـدة.
تلـك مـن الأشـياء التـي أحبهـا بومغارتنـر فـي مولـي. إنهـا تضحـك دائمًــا حيــن يطلــق أحــد تعليقاتــه العرجــاء، حتــى أكثرهــا هشاشــة ،الأشـد تفاهـة مـن بينهـا .
يعــود إلــى المطبــخ ويــوْدع مغلــف الكتــاب الــذي لــم يفتــح فــوق كومـة مـن مغلفـات الكتـب الأخـرى التـي لـم تفتـح أيضًـا والمحشـورة فــي زاويــة مــن الغرفــة بالقــرب مــن الطاولــة. لقــد تنامــى البــرج مؤخــرًا إلــى ارتفــاع بــدا عليــه أن إضافــة واحــد أو اثنيــن مــن تلــك المسـتطيلات البنيـة سـيؤدي إلـى انهيـار كل شـيء. يضـع بومغارتنـر فــي ذهنــه تذكيــرًا بإزالــة الكتــب مــن الكراتيــن فــي وقــت مــا نهايــة اليـوم، ونقـل الكتـب العاريـة إلـى الأقـل امتـلاءً بيـن الكراتيـن العديـدة الجالســة علــى المطلــة الخلفيــة والتــي خصصــت مــع غيرهــا مــن الكتـب غيـر المرغـوب فيهـا للتبـرع بهـا للمكتبـة العامـة. نعـم، نعـم ،يقـول بومغارتنـر بينـه وبيـن نفسـه، أعـرف أننـي وعـدت بالقيـام بذلـك عندمـا كانـت مولـي هنـا آخـر مـرة، وكذلـك فـي المـرة التـي سـبقتها ،لكـن هـذه المـرة أعنـي مـا قلتـه.
ينظـر إلـى سـاعته ويلاحـظ أنهـا صـارت العاشـرة والنصـف. تأخر الوقــت، ربمــا، لكــن ليــس بمــا لا يســمح بالاتصــال بنعومــي وقطــع الطريــق عليهــا قبــل أن تبــدأ بإغراقــي بإهاناتهــا القــذرة. يمســك الهاتــف، ومــا إن يرفعــه عــن موضعــه، يــرن الشــيطان الأبيــض مــرة أخـرى. ومـرة أخـرى يفتـرض أنهـا أختـه، ولكنـه يخطـئ مـرة أخـرى.
صـوت ضئيـل مرتعـش يـرد علـى الألـوو المغمغمـة التـي صـدرت عنــه بســؤال لا يــكاد يســمع: الســيد بومغارتنــر؟ كلمــات تصــدر عــن صـوت شـاب ومـن الواضـح أنـه يتألـم بالقـدر الـذي غمـر بومغارتنـر بالقلـق، كمـا لـو أن كل عضـو فـي جسـده بـدأ يعمـل بسـرعة مضاعفـة .حيـن سـأل مـن المتحـدث، جـاءه الصـوت ’روزيتـا’، فـأدرك فـي الحال أنـه لا بـد أن شـيئًا مـا حـدث للسـيدة فلوريـس، المـرأة التـي كانـت أول مـن جـاء لتنظيـف البيـت بعـد دفـن آنـا وظلـت تأتـي مرتيـن أسـبوعيًا لتمسـح الأرض وتنظـف السـجاد بالمكنسـة الكهربائيـة وتعنـى بغسـيل ملابســه إلـى جانــب العديــد مــن المهــام المنزليــة التــي أبعدتــه عــن العيــش فــي قــذارة وفوضــى علــى مــدى الســنوات التســع والنصــف الماضيــة، الســيدة فلوريــس الطيبــة والملتزمــة والصامتــة غالبًــا ،السـيدة فلوريـس المنعزلـة، مـع زوجهـا عامـل البنـاء وثلاثـة أطفـال ،الولديـن الكبيريـن وروزيتـا الأصغـر والنحيفـة ذات الاثنـي عشـر عامًـا بعينيهـا البنيتيـن الرائعتيـن التـي تأتـي إلـى البيـت كل سـنة فـي عيـد الهاويـن لتأخـذ حقيبتهـا الصغيـرة مـن الهدايـا .
ماذا حدث يا روزيتا؟ سأل بومغارتنر. هل حدث شيء لأمك؟ لا، قالت روزيتا، ليس لأمي. لأبي.
بينمـا ينتظـر بومغارتنـر بضـع لحظـات كانـت الفتـاة تتـرك دموعهـا المكبوتــة تســيل فــي نوبــة بــكاء مخنوقــة وقصيــرة، ولأن الصغيــرة كانـت تحـاول جاهـدة أن تسـيطر علـى نفسـها بحيـث لا تطلـق العنـان لمشـاعرها تمامًـا، نفسـها تحـول إلـى سلسـلة مـن التنهـدات المتقطعة والارتجافـات. يـدرك بومغارتنـر أنـه لأن السـيدة فلوريـس سـتأتي إلـى المنــزل بعــد ظهــر اليــوم حســب الجــدول، ولأن إجــازة الربيــع قــد بـدأت وابنتهـا ليسـت فـي المدرسـة، فقـد طلبـت مـن روزيتـا أن تتصـل ببومغارتنـر بشـأن حالـة الطـوارئ فـي حيـن هـي تذهـب لتواجـه مـا حـدث لزوجهـا .
مــا إن هــدأت التنهــدات والارتجافــات قليــلاً، يطــرح بومغارتنــر ســؤاله التالــي. بلملمــة الحكايــة المتشــظية التــي روتهــا البنــت عــن أمهــا، التــي كانــت نفســها قــد ســمعتها مــن شــخص آخــر، يتبيــن أن السـيد فلوريـس كان يعيـد تصميـم مطبـخ هـذا الصبـاح، وبينمـا كان فــي قبــو الزبــون يقطــع بمنشــاره القطعتيــن إلــى أربــع، وهــي عمليــة قـام بهـا مئـات المـرات إن لـم يكـن آلاف المـرات فـي الماضـي، قطـع اثنتيـن مـن أصابـع يـده اليمنـى.
يـرى بومغارتنـر الإصبعيـن تسـقطان فـي كومـة مـن النشـارة علـى الأرض. يــرى الــدم يجــري مــن أصــل اليــد العــاري والمجــرد مــن الجلــد. يســمع صــوت فلوريــس يصــرخ.
يقــول أخيــرًا: لا تقلقــي يــا روزيتــا. أعــرف كــم هــو مريــع هــذا ،لكـن الأطبـاء يسـتطيعون إصـلاح المشـكلة. يسـتطيعون إعـادة أصابـع أبيــك إلــى يديــه، ومــا إنْ تعــود مدرســتك إلــى العمــل فــي الخريــف ،سـيكون فـي وضـع ممتـاز مـرة أخـرى.
صحيح؟
نعم، صحيح. أعدك بذلك.
لأن الفتــاة وحدهــا فــي البيــت ولأنهــا ســجينة وضــع مــن الرعــب الخالـص المتحجـر منـذ ذهبـت أمهـا إلـى المستشـفى، فـإن بومغارتنر يواصــل الحديــث لعشــر دقائــق أخــرى. فــي لحظــة مــا عنــد نهايــة الحديـث، ينجـح فـي اسـتدرار مـا يشـبه الضحكـة منهـا، وحيـن ينهيـان الاتصــال أخيــرًا، تبقــى معــه تلــك الضحكــة لأنــه متأكــد تقريبًــا مــن أنهـا سـتظل إنجـازه الوحيـد والأهـم فـي ذلـك اليـوم .
ومـع ذلـك فـإن بومغارتنـر يهتـز. بينمـا يسـحب كرسـيًا ويجلـس ،مثبتًــا عينيــه علــى الدائــرة الســوداء لبقعــة فــي كــوب قهــوة قديــم يســتعرض المشــهد فــي ذهنــه. أنجــل فلوريــس، نجــار محتــرف فــي الثامنـة والأربعيـن، يقـوم بعمـل طالمـا قـام بـه ونجـح فـي أدائـه طـوال سـنوات عـدة، فجـأة ودون سـبب واضـح يخطـئ وفـي لحظـة واحـدة مـن عـدم الانتبـاه يجـرح نفسـه. لمـاذا؟ مـا الـذي جعلـه يفقـد قدرتـه علـى التركيـز ويتجـه بتفكيـره مـن العمـل الـذي يقـوم بـه، وهـو عمـل بســيط إن كنــت تركــز عليــه وخطِــر إن لــم تفعــل؟ هــل اســتقطب انتباهـه أحـد العامليـن معـه حيـن نـزل الـدرج فـي تلـك اللحظـة؟ هـل دخلــت فكـرة تائهــة رأســه مصادفــة؟ هــل هبطـت ذبابــة علــى أنفــه؟ هـل شـعر بألـم مفاجـئ فـي معدتـه؟ هـل أكثـر مـن الشـرب ليلـة أمـس أو تخاصـم مـع زوجتـه قبـل مغـادرة المنـزل... فجـأة، يخطـر لـه أن السـيد فلوريـس ربمـا كان يقطـع أصابعـه فـي تلـك اللحظـة بالضبـط التـي كان فيهـا هـو، بومغارتنـر، يحـرق يـده علـى القـدر. كل مـن تلكمـا الحادثتيـن سـبب فـي التعاسـة، حتـى إن كانـت تعاسـة أحدهمـا أعظـم مـن تعاسـة الآخـر، ومـع ذلـك ففـي كل حالـة – يـرن جـرس البـاب فيتوقـف تدفـق أفـكار بومغارتنـر. اللعنـة، يقولها وهـو ينهـض ببـطء عـن الكرسـي ويتحـرك باتجـاه مقدمـة المنـزل. لـن يدَعـوا أحـدًا يفكـر هنـا.
يفتــح بومغارتنــر البــاب فيجــد نفســه وجهًــا لوجــه أمــام قــارئ العــداد، شــخص طويــل بشــيالات فــي أواخــر العشــرينيات أو أوائــل الثلاثينيـات يلبـس القميـص الأزرق النظامـي لشـركة الكهربـاء بشـعار بــي إس إي&جــي الامــع علــى جيبــه الأيســر وتحتــه مباشــرة، فــي تطريــز لامــع باللــون الأصفــر، اســم الرجــل داخــل القميــص: إد .النظـرات فـي عينـي إد، بقـدر مـا يتبيـن لبومغارتنـر، متفائلـة وزائغـة فـي آن. يـرى ذلـك ائتافًـا غريبًـا، وحيـن يرسـم إد ابتسـامة متـرددة علـى سـبيل التحيـة، فـإن الأثـر محيـر أكثـر –كمـا لـو أن لـدى قـارئ العـدادات نصـف توجـس مـن أن البـاب سـيغلق فـي وجهـه. لتخفيـف قلــق الرجــل، يدعــوه بومغارتنــر للدخــول .
شــكرًا ســيد بــوم غــاردن، يقولهــا الرجــل وهــو يتخطــى العتبــة .
ممتــن لــك.
يقـول بومغارتنـر وهـو مسـتمتع أكثـر ممـا هـو مسـتاء ممـا حصـل لاســمه مــن تشــويه: لــم لا نتخاطــب بأســمائنا الأولــى؟ أنــا أعــرف اسـمك الأول –إد– فلـم لا تزيـل مسـألة السـيد هـذه وتسـميني سـي [Sy]؟ ساي؟
ليســت «ســاي » [sigh] التــي تنفثهــا مــع أنفاســك – فقــط ســي .س-ي. إنهـا اختصـار لسـيمور، الاسـم السـخيف الـذي أعطانـي إيـاه والـدي حيـن ولـدت. صحيـح أن سـي ليـس اسـمًا اسـتثنائيًّا، لكنـه علـى الأقـل أفضـل مـن سـيمور.
أنت أيضًا، هه؟ يقول قارئ العدادات.
أنا أيضا ماذا؟ يقول بومغارتنر التصق بك اسم لا تحبه.
ما المشكلة في إد؟
لا شيء. إنه الاسم الأخير الذي يزعجني.
أها؟ وما هو؟
بابادوبولوس.
لا مشكلة في ذلك الاسم. إنه اسم يوناني جميل.
ربمـا بالنسـبة إلـى شـخص يعيـش فـي اليونـان، لكنـه يجعـل النـاس فـي أمريـكا يضحكـون. الأطفـال الآخـرون يضحكـون علـيّ حيـن كنـت فـي المدرسـة، وحيـن كنـت أرمـي الكـرة (A-ball) قبـل أعـوام قليلـة ،كان الجمهـور كلـه يضحـك حيـن يعلـن اسـمي فـي مكبـرات الصـوت .
إنهـا تسـبب للإنسـان ذلـك الـذي يسـمى عقـدة.
إذا كان يزعجك إلى هذا الحد، لم لا تغيره؟لا أستطيع. سيحزن والدي كثيرًا .
بـدأ بومغارتنـر يشـعر بالملـل. إن لـم يضـع حـدًّا لهـذه الأمـور غيـر المهمـة، فسـيبدأ بابادوبولـوس بإغراقـه بقصـة حيـاة والـده كلهـا أو تذكــر ســيرته بمــا فيهــا مــن نجاحــات وخســائر فــي فــرق الدرجــة الثانيـة، ولـذا غيّـر سـي، وهـو اختصـار لسـيمور، الموضـوع فجـأة وسـأل إد إن كان يـود إلقـاء نظـرة علــى العـداد فــي القبـو. إنـه الآن يعــرف أن هــذا هــو اليــوم الأول للشــاب فــي عملــه وأن العــداد فــي الأســفل هــو أول عــداد يطالعــه بوصفــه موظفًــا كامــل الصلاحيــات فـي شـركة الكهربـاء والغـاز، الأمـر الـذي يفسـر لِـمَ لـمْ يحضـر فـي الوقـت المحـدد –ليـس لخطـأ ارتكبـه هـو، وإنمـا لأن مجموعـة مـن قـراء العـدادات السـابقين عملـوا لـه مقلبًـا هـذا الصبـاح– أول أيامـه فـي الوظيفـة! – حيـن أفرغـوا خـزان الوقـود فـي سـيارته وتركـوه بمـا يكفـي لنصـف ميـل، مـا جعـل سـيارة الفـان(Van) تتوقـف فـي طريـق مزدحـم أثنـاء سـاعة الـذروة ليـؤدي ذلـك إلـى التأخيـر المحـرج. يقـول إنـه آسـف، آسـف جـدًا لمـا سـببه ذلـك مـن إزعـاج. لـو أنـه تصـرف بطريقـة صحيحـة: بفحـص مؤشـر الوقـود قبـل تحركـه للقيـام بجولته ،لجََـاءَ فـي الوقـت المناسـب، لكـن أولئـك الأغبيـاء مـن أهـل الألاعيـب أرادوا أن يمزحـوا معـه فقـط لأنـه جديـد فـي العمـل، ولكـي يـروا إن كان سـيجد عقابًـا صارمًـا مـن المشـرف بسـبب ذلـك. خطـأ واحـد آخــر مثــل هــذا وســيوضع تحــت المراقبــة. خطــآن ويكــون مطــرودًا علـى الأرجـح.
بومغارتنـر الآن مهيـأ للصـراخ. مـن أيـن أتـى هـذا الضخـم الـذي لا يتوقـف عـن الحديـث، يسـأل نفسـه، وبـأي وسـيلة يمكـن إيقـاف هـذا الدفــق الــذي لا ينتهــي مــن الكلمــات. ومــع ذلــك، فإنــه علــى الرغــم مـن انزعاجـه لا يسـتطيع أن يخفـي بعـض التعاطـف مـع هـذا الأبلـه الطيــب القلــب، ولــذا فإنــه بــدلًا مــن أن يفتــح رئتيــه ليطلــق صرخــة عاليــة، يصــدر تأوهًــا لا يــكاد يســمع ويبــدأ بالمشــي باتجــاه البــاب الـذي يـؤدي إلـى القبـو .
يقـول: إنـه هنـاك، علـى الجـدار الخلفـي إلـى اليسـار، لكنـه حيـن يديــر مفتــاح الإضــاءة فــي القبــو فإنــه يظــل مظلمًــا. اللعنــة، يقــول بومغارتنـر، وهـو يحـاول السـيطرة علـى نفسـه، بنفـس الطريقـة التـي حاولـت بهـا روزيتـا الصغيـرة ألا تبكـي حيـن تحدثـا مـن قبـل، لا بـدّ أن المصبـاح فـي الأسـفل قـد احتـرق .
ليســت مشــكلة، يقــول إد. معــي مصبــاح كهربائــي. الاســتعداد المعتــاد، كمــا تعلــم.
طيب. متأكد من أنك ستجده .
ربمــا نعــم، وربمــا لا، يقــول قــارئ العــدادات المبتــدئ. أرجــو ألاتمانـع فـي الذهـاب معـي إلـى الأسـفل لترينـي أيـن هـو، أليـس كذلـك؟هـذه المـرة فقـط، لكـي لا أضيـع مزيـدًا مـن وقتـك .
يخطـر ببـال بومغارتنـر أن إد بابادوبولـوس يخـاف مـن الظـلام، أو ربمـا يخـاف مـن ظـلام القبـو فقـط، لا سـيّما في المنـازل القديمة مثل هـذا، حيـث شـبكات العناكـب تتدلـى مـن الأعمـدة وحيـث الحشـرات الضخمــة تعــدو بامتــداد الأرضيــة ولا يعلــم إلا الله عــن الأشــياء الخفيـة التـي تعيـق الممـر نحـو العـداد، ولـذا، مـع أن بومغارتنـر ليـس لديــه شــك أن نعومــي ســتتصل بــه مــا إن يضــع قدمــه علــى العتبــة السـفلى، فإنـه يسـمح لنفسـه متـرددًا أن يسـير فـي المقدمـة .
درج القبــو متــداعٍ ويتأرجــح، أحــد الأشــياء التــي طالمــا وعــد بومغارتنــر نفســه بإصاحهــا دون أن يفعــل، حتــى بعــد مــرور أعــوام علـى قطعـه وعـدًا بـذات التصميـم الجـاد، ذلـك أنـه لا يخطـر الـدرج ببالــه إلا حيــن يجــد نفســه ينــزل عليــه إلــى القبــو، ومــا إن يصعــد ويغلــق البــاب ينســى الموضــوع .
الآن وبـلا ضـوء ينبعـث مـن السـقف ويضـيء الـدرج، وبالاعتمـاد فقــط علــى مصبــاح إد الكهربائــي فــي الخلــف، يمســك بومغارتنــر حـذرًا بسـياج الـدرج الخشـبي المتشـظي، ولكـن مـا إن يشـد قبضتـه حولـه حتـى تلسـع راحـة يـده وأصابعـه آلاف الإبـر الخفيـة – كمـا لـو كان يحتـرق مـرة أخـرى. يسـحب يـده بسـرعة ولأنـه لا يوجـد سـياج علــى الجهــة اليســرى، فلــم يعــد ثمــة مــا يمســك بــه، لكنــه -وهــو واثــق بأنــه يعــرف هــذا الــدرج بعــد أن عــاش فــي هــذا البيــت عــدة أعـوام- يغامـر بالنـزول خطـوة أولـى إلـى القـاع، يخطـئ خشـبة واحـدةبفـارق نصـف إنـش، يفقـد توازنـه فـي الظـلام، ويتدحـرج إلـى القـاع ،محطمًـا مرفقًـا، ومحطمًـا المرفـق الثانـي، ثـم شـارخًا ركبتـه اليمنـى إذ تصطــدم بالإســمنت الصلــب .
يصرخ بومغارتنر في ذلك الصباح للمرة الثانية.
تتبــدد الصرخــة إلــى سلســلة مــن الأنّــات الطويلــة بعــد أن أخــذ جسـمه المتكـوم بالتلـوي حـول نفسـه علـى الأرض الشـديدة الرطوبـة .ليسـت لديـه فكـرة إنْ كانـت أعضـاؤه تتحـرك، لكنـه يـدرك مـع ذلـك أنــه لا يــزال واعيًــا، لأن بعــض الأفــكار المشــتتة تتقافــز فــي رأســه ،حتــى إن كانــت تلــك الأفــكار قاتمــة وغيــر مفهومــة بالنســبة إليــه ،الأمـر الـذي يجعلهـا غيـر جديـرة بـأن توصـف بالأفـكار، كمـا يفَتـرض ،فيصنفهـا علـى أنهـا شـبه أفـكار أو لا أفـكار، باسـتثناء ربمـا أنـه علـى الرغـم مـن الألـم الـذي يهاجـم مرفقيـه وركبتـه اليمنـى، مـا مـن ألـم فـي رأسـه، مـا يعنـي أن جمجمتـه نجـت مـن السـقطة دون ضربـات خطِــرة، وهــو مــا يوحــي بــأن الحادثــة فــي نهايــة الأمــر لــن تحولــه إلــى معتــوه يســيل لعابــه ويقــول كلامًــا غيــر مفهــوم فيصيــر مهيــأ لمصنــع الصمــغ. لكــن بعــد لحظــات، حيــن وقــف إد أمامــه مســلطًا مصباحـه الكهربائـي فـي وجهـه، لـم يسـتطع بومغارتنـر أن يطلـب منـه أن يوجـه الضـوء بعيـدًا عنـه وبـدلًا مـن ذلـك أصـدر أنَّـة وهـو يضـع يـده علـى عينيـه. إن دل ذلـك علـى شـيء فقـد دل علـى أن المـخ مـا زال مضطربًــا، إن لــم يكــن أصيــب بتلــف دائــم، أو أنــه تصمــغ فــي تلـك اللحظـة بسـبب الألـم الـذي نتـج عـن البحـث عـن أعضـاء أخـرى للجسـم غيـر رأسـه، مرفقـه خاصـةً، الـذي أحـس بأنـه يـكاد ينفجـرملتهبًـا حيـن رفـع ذراعـه لتغطيـة عينيـه بيـده، اليـد نفسـها التـي كانـتقـد احترقـت هـذا الصبـاح ولا تـزال تؤلمـه، ومـن المؤكـد أن ذلـك لأنـهوصـل المرحلـة الأخيـرة مـن سـقطته حيـن مـد يديـه وهـو يصطـدمبـالأرض الإسـمنتية فـي الأسـفل، مـع أنـه لا يتذكـر أنـه فعـل ذلـك .
يا للكارثة، قال إد. هل أنت بخير؟
بعــد وقفــة طويلــة اســتطاع بومغارتنــر أن يدفــع ببعــض الكلمــات مـن فمـه. قـال: لا أدري. مـع أنـه ارتـاح لاكتشـافه أنـه لـم يفقـد القـدرة علـى الـكام، فـإن الألـم كان مـن الشـدة بحيـث أفقـده بهجـة الانتصار .
علـى الأقـل لـم أمـت، قـال لإد. أفتـرض أن مـن الممكـن قـول ذلـك .
هذا مؤكد، لا جدال في ذلك. لكن قل يا سي، أين هو الألم؟
بينمـا يعـدد بومغارتنـر مواطـن الألـم يـؤدي إد دور مـدرب رياضـة محتـرف، يتلمـس بعنايـة التلـف المحتمـل فـي كل عضلـة ووتـر وعظـم ،وبعــد تقصــي الأماكــن، يســأل بومغارتنــر إن كان مــن الممكــن رفعــه والصعـود بـه إلـى أعلـى الـدرج.
لنحــاول، يقــول بومغارتنــر. ســيتضح ســريعًا إن كنــت أســتطيع أم لا .
وهكــذا يرفعــه إد بابادوبولــس -ذلــك الغريــب الــذي دخــل منــزل بومغارتنــر منــذ مــا لا يزيــد علــى عشــر دقائــق- عــن الأرض بيــده اليمنــى بينمــا يحمــل المصبــاح الكهربائــي باليســرى، وبينمــا تحيــط ذراعــه اليمنــى بقــوة بأضلــع بومغارتنــر وجذعــه، يبــدأ العمليــة المنهكــة، عمليــة الصعــود بــه بطريقــة مــا إلــى أعلــى الــدرج الضيــق والمتهالـك. بيـن كل مواضـع الألـم يكتشـف بومغارتنـر أن الركبـة تؤلـم أكثــر مــن غيرهــا، تؤلــم إلــى حــد أن مجــرد الوقــوف عليهــا يتســبب فــي ألــم يدفــع للعــواء، تلــك الأصــوات التــي تشــبه مــا بيــن أربعيــنوشـقًا تختصـم بأصواتهـا الحـادة. ومـع ذلـك فـإن بومغارتنـر نتيجـة شـعوره بالامتنـان لعنايـة إد وذراعـه القويـة مصمـم علـى أن يفعـل كل مـا يسـتطيع دون شـكوى، أن يتحمـل العـواء والصـراخ بصمـت رواقـي صامــد. لذلــك حتــى حيــن انطلــق إد فــي روايــة إصابــة ركبتــه هــو قبــل أربعــة أعــوام، حيــن أصيــب بتمــزق فــي الغضــروف المفصلــي أدى إلـى وضعـه علـى الـرف طـوال الموسـم ودمـر فـي نهايـة الأمـر وظيفتـه رامـيَ كـرة. كان بومغارتنـر يسـتمع دون صـوت مـا عـدا أنّـة صغيـرة بيـن الحيـن والآخـر، فلـم يتكلـم أو يصـرخ حيـن مضـى إد فـي شــرح كيــف أنــه مــا إن عــاد مــن إصابتــه كانــت قذفاتــه قــد فقــدت حدتهــا والتفافاتــه فرقعتهــا، وهكــذا كان، كمــا يقــول، «مــع الســامة يـا تشـارلي، كانـت فرصـة سـعيدة»، حتـى أثنـاء ذلـك، ظـل بومغارتنـر ،وهــو محاصــر مــا بيــن حكايــة الرامــي الكثيــرة الالتفافــات حــول الأحــلام المحطمــة وأكــواب القهــوة التــي لــم تشُــرب، الحكايــة التــي اسـتمرت طـوال الدقائـق الأربـع التـي اسـتغرقها لصعـود الـدرج، غيـر حانــق علــى إد، بــل كان ملتصقًــا بكلماتــه مــن حيــث هــي إلهــاء عــن الألــم، إلهــاء كئيــب ولكنــه مطلــوب .
بمجــرد وصولهمــا إلــى أعلــى الــدرج، يواصــل بومغارتنــر اتــكاءه علـى إد بينمـا هـو يعـرج فـي طريقـه إلـى غرفـة الجلـوس حيـث يجلسـه حاميـه بهـدوء علـى الأريكـة ثـم يدفـع بوسـادتين مزركشـتين تسـندان رأسـه. يجـب أن نضـع ثلجًـا علـى تلـك الركبـة، يقـول الشـاب، وقبـل أن يتمكـن بومغارتنـر مـن إخبـاره أن آلـة الثلـج فـي الثاجـة مكسـورة .
لا تقلـق، يقـول بومغارتنـر، سأتحسـن. يختفـي إد مـن الغرفـة. يسـتمع بومغارتنـر إلـى الفريـزر وهـو يفُتـح ثـم يغلـق. ومـا هـي إلا ثـوان حتـى يظهـر إد وهـو مرتبـك وكـدِر. لا يوجـد ثلـج، يقولهـا بـذات النغمـة التـي تصـدر عـن طفـل اكتشـف للتـو أن سـانتا كلـوز غيـر موجـود، أو باحـث مرهـق يكتشـف أنـه لا يوجـد إلـه، أو رجـل يحُتضـر ويكتشـف للتـو أن الغـد لـن يأتـي .
لسـت متأكـدًا مـن ذلـك، يقـول قـارئ العـداد. تبـدو فـي وضـع سـيئ يــا ســي. شــعرك منكــوش، وبنطلونــك ملطــخ وملــيء بالبقــع. ربمــا نحتـاج إلـى أخـذك إلـى المستشـفى لصـور الأشـعة. فقـط للتأكـد مـن أن لا شـيء مكسـور.
إنــسَ الموضــوع، يقــول بومغارتنــر. لا مستشــفيات ولا أشــعة. كل مـا أحتـاج إليـه هـو قليـل مـن الراحـة فقـط لأسـتجمع قـواي. سـأنهض بعـد وقـت قصيـر .
حســنًا، افعــل مــا بــدا لــك، يقــول إد وهــو يمعــن فــي النظــر إلــى مريضـه بينمـا تـدور فـي رأسـه عجـات صغيـرة. دعنـي علـى الأقـل أحضـر لـك كأسًـا مـن المـاء، طيـب؟شكرًا لك. كأس من الماء يبدو رائعًا.
بعـد دقيقـة ونصـف يشـرب بومغارتنـر المـاء، يجلـس إد فجـأة علـى الأرض وينحنـي إلـى درجـة أن وجهـه يـكاد يامـس بومغارتنـر .
أخبرني يا سي، يسأل إد، أي عام هو؟
يتوقــف بومغارتنــر لبرهــة فــي منتصــف الرشــفة، يبلــغ المــاء المتجمــع فــي فمــه ويقــول: أي ســؤال هــذا؟فقط للتسلية يا سي. أي عام هو؟
حســنًا لنــرَ. لــو حذفنــا 1906 1687، مــع عــام 7771 و 1944، ســنكون فــي العــام 2018. مــا رأيــك؟ قريــب بمــا يكفــي؟يبتسم إد ويقول: في قلب الحقيقة.
اقتنعت؟
سؤالان أو ثلاثة – فقط للتسلية.
يتنهــد بومغارتنــر تنهيــدة عميقــة وغاضبــة، ثــم يحتــار إنْ كان عليــه أن يلكــم إد علــى أنفــه أم يواصــل التســلية مــن بــاب اللطــف .يغمـض عينيـه وهـو متـوازن علـى تقاطـع طـرق بيـن العجـوز النكِـد ذي النــزوات والحكيــم المتجــاوز لهــذا العالــم، فيقــول أخيــرًا: حســنًا يــا دكتــور. الســؤال التالــي:
أين نحن؟
أيـن؟ نحـن هنـا بالطبـع، حيـث كنـا دائمًـا – كل منـا سـجين فـي مكانــه أو مكانهــا منــذ لحظــة ولادتنــا حتــى لحظــة موتنــا .
صحيـح تمامًـا، لكنـي كنـت أفكـر فـي المدينـة التـي نحـن فيهـا .
المــكان والخارطــة التــي نحــن الاثنــان فيهــا الآن .
حســنًا، فــي تلــك الحالــة، نحــن فــي برنســتون، أليــس كذلــك؟ برنسـتون، نيـو جيرسـي بالتحديـد. مـكان جميـل ولكنـه شـاحب فـي رأيــي، لكــن ذلــك مجــرد رأي. مــاذا تــرى؟
لا أعـرف. لـم آت إلـى هنـا مـن قبـل. يبـدو لـي أنـه مـكان جميـل ،لكنـي لا أعيـش هنـا مثلـك، ولـذا لا أسـتطيع فـي الحقيقـة الحكـم .
يريــد بومغارتنــر أن يســتمر فــي ممازحــة إد أثنــاء طــرح بقيــة الأســئلة، لكنــه لا يســتطيع ذلــك. لطيبــة الرجــل تأثيــر قــوي يكتســح أي هاجــس للســخرية منــه، وهكــذا بمجــرد انتهــاء الســؤال والجــواب واقتنـاع قـارئ العـداد أن مريضـه خـالٍ مـن الجـروح أو مـا يشـير إلـى أن حياتـه فـي خطـر، يخبـره بومغارتنـر أنـه اسـتغرق وقتًـا كافيًـا وأن عليـه أن يواصـل جولتـه مـع زيـادة السـرعة لأن هنـاك المزيـد مـن العـدادات التـي يجـب أن تقـرأ اليـوم، وهـو مـا يذكّـر إد فجـأة أنـه مـع الفوضـى التـي نتجـت عـن سـقوط بومغارتنـر مـن الـدرج نسـي أن يقـرأ العـداد ،وهكــذا يخطــف مصباحــه الكهربائــي ويجــري خــارج الغرفــة لإكمــال مهمتــه الأولــى بوصفــه موظفًــا رســميًا لشــركة بــي إس إي و جــي .
بينمـا كان بومغارتنـر يسـتمع إلـى خبطـات الحذاءيـن النازليـن عبـر درج القبـو، كان تفكيـره يتجـه إلـى التداخـل العجيـب للظـروف التـي وضعتـه علـى ظهـره بمرفقيـن نابضيـن بالألـم وركبـة منتفخـة موجعـة ،والتـي سـتجعله يعـرج أثنـاء مشـيه لعـدة أسـابيع قادمـة، إن لـم يكـن حتـى نهايـة الصيـف أو ربمـا حتـى نهايـة العمـر. لا حيلـة أمام كل ذلك ،يقـول لنفسـه، ثـم تتجـه أفـكاره إلـى السـيد فلوريـس المسـكين وتلـك العمليـة المرعبـة التـي رأى فيهـا إصبعيـن مـن أصابعـه تقطـع. يقـول لنفسـه: كمـا سـيكون مرعبًـا أن يـرى نفسـه يفعـل ذلـك بجسـده، لا أن يـرى أصابعـه تتسـاقط مـن يـده وإنمـا أن يعـرف أنـه هـو المسـؤول عن تشـويه نفسـه. حسـب مـا سـمع، يمكـن للأطبـاء أن يخيطـوا بصـورة روتينيـة الأصابـع المقطوعـة هـذه الأيـام وجعلهـا تعمـل مـرة أخـرى ،لكنـه لا يعـرف أي شـخص عـاش شـخصيًا مـر بعمليـات الإعـادة تلـك ولـذا يتمنـى ألا يكـون قـد كـذب علـى روزيتـا حيـن أكـد لهـا أن أباهـا يمكـن أن يسـتعيد كل شـيء مـرة أخـرى، ذلـك أنـه يجـب علـى المـرء ألا يكـذب علـى الأطفـال، أبـدًا، وفـي أي ظـروف، حتـى وإن كان مـن الممكـن أحيانًـا تجـاوز ذلـك فيمـا يتعلـق بالبالغيـن.
لقــد نســي الآن مقالتــه حــول كيركيغــارد تمامًــا وكذلــك الكتــاب الــذي كان يخطــط للصعــود بــه إلــى الطابــق الأعلــى لكــي يصقــل الجمــل التــي كتبهــا. كمــا أنــه نســي الاتصــال بأختــه، بــل وحقيقــة أنـه كانـت لـه أخـت يومًـا، ذلـك أن الكثيـر قـد حـدث منـذ كانـت تلـك الأمـور مهمـة، فطـرأت قضايـا تهمـه بالقـدر الـذي جعـل غيرهـا يبـدو كمـا لـو كان جـزءًا مـن حيـاة إنسـان آخـر. كانـت خططـه الوحيـدة فـي الوقـت الحالـي هـي الحصـول علـى قسـط مـن الراحـة وانتظـار عـودة إد مـن الأسـفل بعـد قـراءة العـداد، فعندئـذٍ سيشـكره لأفضالـه الكثيرة ويتركـه يذهـب فـي طريقـه. إنـه يغمـض عينيـه، وخـال الدقيقـة أو الدقيقتيـن التاليتيـن تسـتمر أفـكاره بالسـير علـى غيـر هـدى متنقلـة مـن هـذا الشـيء إلـى ذاك، لكـن سـرعان مـا تختفـي الأشـياء وتحـل محـل الأفـكار سلسـلة مـن الصـور الحالمـة التـي يتركـز معظمهـا علـى آنــا حيــن كانــت شــابة، وبيــن الصــورة والأخــرى يراهــا تبتســم لــه وتعبـس بوجهـه وتـدور عبـر غرفـة مـا وتجلـس علـى كرسـي فـي مـكان مـا وتقـف علـى أصابـع رجليهـا وتمـد ذراعيهـا باتجـاه السـقف .
حيـن يسـتيقظ يوحـي لـه الضـوء المتسـرب إلـى الغرفـة أن وقتًـا قـد مضـى. يفتـرض بومغارتنـر أنـه لـم يمـضِ أكثـر مـن اثنتـي عشـرة أو خمـس عشـرة دقيقـة، ولكنـه حيـن ينظـر إلـى سـاعته يجـد العقـارب تقـول لـه إنهـا الواحـدة إلا عشـر دقائـق، مـا يعنـي أنـه قـد غفـا مـدة تقــارب خمسًــا وأربعيــن دقيقــة أو ســاعة. يلقــي نظــرة ســريعة علــى طاولــة القهــوة إلــى يمينــه مباشــرة ويــرى ملاحظــة مكتوبــة باليــد مفـرودة علـى كومـة مـن الكتـب. لـو أراد قراءتهـا عليـه أن يمـد ذراعـه اليمنــى لخطــف الورقــة بأطــراف أصابعــه، الأمــر الــذي يســتدعي اختبـار حالـة مرفقـه، لكـن أي شـاب شـجاع سـيتمكن مـن فعـل ذلـك ،وهـا هـو بومغارتنـر يفعلهـا، ومـع أن مرفقـه المتـورم مـا زال يؤلمـه ،
فـإن الألـم ليـس سـيئًا إلـى درجـة أن يسـتدعي أكثـر مـن زحـرة عاليـة .عزيـزي سـي، كنـتَ نائمًـا حيـن صعـدت إلـى الطابـق العلـوي. لـم أرد إزعاجــك ولــذا خرجــت. حيــن أنتهــي مــن عملــي ســأذهب إلــى المتجــر وأحضــر لــك كيسًــا مــن الثلــج. سيســاعد ركبتــك ويخفــف الانتفـاخ. وسـأحضر أيضًـا مصباحًـا خفيفًـا لقبـوك. توقـع مجيئـي مـا بيــن السادســة والسادســة والنصــف. المخلــص إد بابادوبولــس.
اسـتثنائي، يقـول بومغارتنـر بينـه وبيـن نفسـه. رجـل غريـب تمامًـا يتـرك مهامـه ليفعـل كل ذلـك. فـي عالـم ملـيء بالسـخفاء والهمجييـن الأنانييـن، يأتـي هـذا البـريء الطيـب القلـب مثـل مـلاك رحمـة، وأجـل سـيكون الثلـج مفيـدًا بالتأكيـد، بمـا أن الركبـة لا تـزال هشـة بصـورة كبيــرة والجلــد المحيــط بالرضفــة منتفخًــا الآن، وهــي مثقلــة بالــدم وبالخلايـا المعطوبـة أو بذلـك الـذي، مهمـا يكـن اسـمه، يتجمـع تحـت الجلـد حيـن يبـدأ جـزء مـن الجسـد بالانتفـاخ .
يذكــر بومغارتنــر نفســه بــأن يتصــل بالمشــرف (إد) فــي الشــركة التـي يعمـل بهـا ويمطـره بالثنـاء علـى المميـزات العظيمـة التـي يتمتـع بهـا العضـو الجديـد فـي فريـق العمـل .
الهاتـف الوحيـد موجـود فـي الطابـق الأرضـي وحيـن يخطـر ببـال بومغارتنـر الذهـاب إلـى المطبـخ يـدرك أنـه جائـع، جائـع إلـى درجـة أنــه يقــرر أنــه إن اســتطاع المشــي تلــك المســافة، فإنــه لــن يجــري ذلــك الاتصــال بشــركة بــي إس و جــي فحســب وإنمــا ســيعد لنفســه غـداءً أيضًـا .
التحـرك مـن الأريكـة أسـهل ممـا تخيـل، لكـن يتضـح أن الوقـوف عـذاب، وهكـذا هـو تحريـك سـاقه اليمنـى إلـى الأمـام، لا سـيّما حيـن يثبّــت قدمــه اليمنــى علــى الأرض. الزحيــر يســاعد قليــاً، ولكنــه لا يكفــي. وبينمــا يبــدو الوثــب علــى القــدم اليســرى حــاً مثاليًــا، فإنــه يظــل خائفًــا أنــه ســيفقد توازنــه ويســقط، مــع أنــه كان ينُظــر إليــه يومًـا علـى أنـه رياضـي جيـد، أحـد أفضـل مـن فـي المدرسـة حيـن كان يافعًــا، لكــن زمنًــا طويــاً قــد مضــى علــى ذلــك، عمــر بأكملــه حيـن تقـف وتتأمـل كـم هـي السـنوات التـي مضـت منـذ ذلـك الحيـن ،ويـدرك بومغارتنـر أنـه سـيكون مـن الحماقـة الشـديدة القيـام بتلـك المخاطـرة، مـع أنـه اسـتطاع مـن قبـل أن يمسـك قدمـه اليسـرى بيـده اليمنــى ويقفــز علــى رجلــه اليســرى برجلــه اليمنــى دون أن تفلــت قدمـه اليسـرى مـن يـده اليمنـى. كان ذلـك عمـاً يبعـث الرهبـة بيـن أصدقائـه ويجعـل البنـات يحبسـن أنفاسـهن، ذلـك لأنـه الوحيـد الـذي يســتطيع القيــام بتلــك الحركــة الجنونيــة الغريبــة، لكــن ذلــك مــاضٍ والحاضــر مختلــف، يقــول لنفســه، والآن ليــس لديــه خيــار ســوى أن يعـرج ويزحـر فـي تحركـه إلـى المطبـخ بخطـوات بطيئـة وحـذرة آمـاً ألا ينهـار قبـل وصولـه إلـى هنـاك .
يـكاد ينهـار فعـلاً، لكنـه يصمـد، لا يـكاد يصـل لكنـه يفعـل، ومـا إنْ يعبـر خـط النهايـة فإنـه مسـتنزف بمـا بـذل مـن جهـد إلـى حـد أنـه يرمـي بنفسـه علـى أحـد الكراسـي الموزعـة حـول الطاولـة. ولا حاجـة إلــى القــول إن المطبــخ هــو الأقــرب إلــى البــاب الــذي دخــل منــه ،لكنــه أيضًــا الوحيــد الــذي يمكــن للمــرء أن يطــل عبــر شــباكه علــىالفنـاء الخلفـي برمّتـه وبالالتفـات قليـاً باتجـاه آخـر أن يـرى الغرفـة كلهـا أيضًـا. يـدرك بومغارتنـر، وهـو يتنفـس بصعوبـة بعـد أن اسـتهلكتمامًــا، أن وقتًــا طويــاً ســيمضي قبــل أن يتمكــن مــن الوقــوف مــرة أخـرى ويرحـل مـن الكرسـي إلـى الـدولاب ثـم إلـى الثلاجـة والفـرن والمغســلة والهاتــف المعلــق علــى الحائــط، والآن لا يفعــل ســوى الجلـوس فـي ضبـاب مـن الألـم والإجهـاد، لا يأبـه بمـا ينظـر إليـه أو حتـى إن كان يـرى شـيئًا علـى الإطـلاق. مـا يحـدث الآن هـو أنـه جالس علـى الكرسـي بطريقـة تجعـل رأسـه مسـتديرًا باتجـاه الغرفـة. وبينمـا تهـدأ أنفاسـه مسـتعيدة إيقاعهـا الأقـرب إلـى الطبيعـي يبـدأ بالنظـر حولـه فـي الغرفـة؛ وهنـاك أخيـرًا القـدر المحتـرق علـى الأرض. كانـت تلــك هــي البدايــة، يقــول لنفســه، الحادثــة الســيئة الأولــى فــي ذلــك اليــوم التــي قــادت إلــى غيرهــا مــن الأحــداث الســيئة التــي لا نهايــة لهـا فـي ذلـك اليـوم. لكـن، بينمـا يواصـل النظـر إلـى قـدر الألمنيـوم المســودّ فــي الجانــب الآخــر مــن الغرفــة، تنجــرف أفــكاره بعيــدًا عـن مشـاهد السـقوط الغبيـة هـذا الصبـاح إلـى الماضـي، الماضـي البعيـد الـذي يرفـرف علـى الحـواف الخارجيـة مـن الذاكـرة، وشـيئًا فشــيئًا يعــود إليــه كل شــيء، عالــم «حينئــذٍ» المفقــود، وهــا هــو ذا هنـاك فـي جسـده، جسـد الحاديـة والعشـرين المكتمـل للتـو، تلميـذ مدقـع الفقـر فـي السـنة الأولـى مـن دراسـته العليـا فـي الجهـة الأكثـر ارتفاعًـا مـن الجانـب الغربـي مـن مانهاتـن، يخطـو بقـوة نحـو الضـوء فـي أواخـر ظهيـرة مـن سـبتمبر يبحـث عـن بعـض الأشـياء مـن أجـل الشـقة الأولـى التـي يقيـم فيهـا وحـده لأول مـرة، منطلقًـا إلـى محـلات «غودويــل» )للبضائــع المســتعملة( علــى شــارع أمســتردام لشــراء مــا يمــلأ دولابًــا مــن أدوات المطبــخ المســتعملة الرخيصــة لمطبخــه البالــغ الصغــر، وذلــك المــكان الشــاحب الكثيــر الــركام بجدرانــه الصفـراء وانعكاسـات الضـوء الخافـت عليهـا حيـث لمـح آنـا لأول مرة ،الفتــاة ذات العينيــن المشــعتين بالــذكاء والمحيطتيــن بمــا حولهمــا ،بأعوامهـا التـي لا تزيـد علـى الثمانيـة عشـر، التـي كانـت طالبـة فـي ذلـك الحـي أيضًـا. لـم يتبـادلا كلمـة واحـدة، ليـس أكثـر مـن لمحتيـن خاطفتيـن باتجـاه بعضهمـا بعضًـا، يتفحـص كل منهمـا الآخـر، يختبـر الإيجابيــات والســلبيات لمــا يمكــن أن يحــدث أو لا يحــدث لــو أن شـيئًا بـدأ بالحـدوث، ابتسـامة صغيـرة منهـا، ابتسـامة صغيـرة منـه ،كان ذلــك كل شــيء، ثــم مضــت إلــى مــا بعــد الظهيــرة فــي ســبتمبر ،بينمـا وقـف «السـيد جبـان» هنـاك بباهتـه المعتـادة منـذ ذلـك الحيـن لينتهـي بشـراء هـذا قـدر الألومنيـوم الرخيـص الـذي كلفـه كل العشـر سـنتات وبقـي معـه كل هـذه الأعـوام حتـى تلـف أخيـرًا هـذا الصبـاح .مضـت ثمانيـة أشـهر قبـل أن يلتقيهـا مـرة أخـرى، لكنـه تذكرهـا بطبيعــة الحــال، ولأســباب لا تــزال غامضــة بالنســبة إليــه تذكرتــه هـي أيضًـا، فكانـت البدايـة، بـدأت شـيئًا فشـيئًا إلـى أن تزوجـا بعـد خمسـة أعـوام لتبـدأ حياتـه الحقيقيـة، حياتـه الواحـدة والوحيـدة التـي اسـتمرت إلـى أن ركضـت نحـو الأمـواج المتكسـرة علـى الشـاطئ فـي كيــب كــود قبــل تســعة فصــول صيفيــة لتواجــه الموجــة الوحشــية الهائلـة التـي كسـرت ظهرهـا وقتلتهـا. منـذ تلـك الظهيـرة، منـذ تلـك الظهيـرة – لا، يقـول بومغارتنـر لنفسـه، عليـك ألا تذهـب إلـى هنـاك مـرة أخـرى، أنـت أيهـا الكيـس الملـيء بالقـذارة، ابلعهـا وأدر عينيـك بعيــدًا عــن القِــدر، أيهــا الســخيف، وإلا خنقتــك حتــى المــوت بيــدي الاثنتيـن .
وهكـذا يوجـه بومغارتنـر نظـره باتجـاه القـدر علـى الأرض ويتطلـع بعيـدًا باتجـاه الفنـاء الخلفـي الـذي ليـس أكثـر مـن قطعـة أرض مـن الأعشـاب غيـر المعتنـى بهـا مـع شـجرة قارانيـا وحيـدة، لـم تزهـر بعـد لكنهـا بـدأت تطلـع بعـض البراعـم، وانظـر يـا للعجـب، يقـول لنفسـه ،هــا هــو ذا طائــر أبــو الحنــاء قــد هبــط علــى العشــب ليستكشــف المــكان دون شــك ويتصيــد بعــض الــدود، وهنــاك، انظــر، هــا قــد وجـد واحـدة، إنـه يسـحبها بمنقـاره وبعـد ذلـك «ضربـة» ويرميهـا علـى العشــب ويتحــرك حولــه لثــوانٍ بحثًــا عــن أشــياء أخــرى، ثــم فجــأة يقفـز علـى الـدودة مـرة أخـرى ويهزهـا بمنقـاره، يقتطـع جـزءًا منهـا ثــم ضربـة ويرميهــا علــى الأرض مــرة أخــرى، يقفــز قفــزات قليلــة أخـرى حولـه ثـم يخفـض رأسـه مـرة أخيـرة، يخطـف الـدودة، ويبتلعهـا بجرعـة واحـدة .
يبقـي بومغارتنـر عينيـه مثبتتيـن علـى أبـي الحنـاء بينمـا يمضـي العصفـور فـي عملـه يمسـك بالـدود ويبتلعـه، ذلـك أن هنـاك كثيـرًا مـن تلــك المخلوقــات الصغيــرة المطمــورة تحــت ســطح الفنــاء الخلفــي ،أكثــر بكثيــر ممــا تخيــل، وتدريجيًّــا يتســاءل بومغارتنــر -وهــو يــرى أبـا الحنـاء يسـحبها مـن الأرض- عـن مـذاق الـدود وعـن الإحسـاس بـدودة تتلـوى، دودة حيـة، فـي الفـم ثـم ابتاعهـا .
