القائمة الرئيسية

كتاب تصميم الدافعية للتعلم والأداء – نموذج آركس – بناء ودعم الصلة - Establishing and Supporting Relevance - الجزء ٥/١٢

كتاب تصميم الدافعية للتعلم والأداء – نموذج آركس – بناء ودعم الصلة - Establishing and Supporting Relevance - الجزء ٥/١٢
ملخص المقال

يناقش هذا الجزء من الكتاب أن لمبدأ الصلة تطبيقًا قويًا في البيئة الصفية؛ إذ سيتوجه المتعلمون نحو معالجة المعلومات بشكل أكثر فاعلية وكفاءة، وسيزداد لديهم الدافعية للانتباه والتعلم عندما يدركون صلة المادة بحياتهم واهتماماتهم. ويمكن تحقيق هذا الحس من الصلة في نفوس الطلاب عبر عدة طرق، مثل: محتوى المادة نفسه، الدفء في التعامل، انتباه المعلم وحماسته، والتي تساهم في توليد حسٍ من الاهتمام لدى الطلاب، بالإضافة إلى أنشطةٍ مصممة بعناية لربط المادة الحالية بخبرات الطلاب السابقة.

افترض بعض الباحثين في تصميم الدافعية، مثل Means, Jonassen & Dwyer (1997) وSperber & Wilson (1986)، الذين ينتمون إلى مدارس نظرية مختلفة، أن الصلة هي أهم مكون في الدافعية. وعلى الرغم من ذلك، لم يتجاهل هؤلاء الباحثون أهمية المكونات الأخرى؛ إذ يتضح من مفاهيم الدافعية المتنوعة وتوليفة نموذج ARCS أنه لا توجد أولوية لأي مكون على الآخر، وهذا ما يدعم النهج المتكامل في تصميم الدافعية.

تأمل / تدبر  Forethought

كثيرًا ما يسألُ الطلابُ أسئلةً متعلقة بالصلة مثل: لماذا يجب أن أدرس هذا؟ ويأتي الرد بطريقتين: أولاهما المعروضة بالشكل 5.1، وثانيتهما أن ما يدرسه الطالب متطلب إجباري للمنهاج. أما في بيئة العمل، فالرد الأول هو: ""ستساعدك هذه المادة في عملك""، والرد الثاني أنها متطلب. لا يجد الطالب غالبًا، إجابات مرضية عن سؤاله؛ وذلك بسبب عدم وضوح فائدة المحتوى له، فلو أحس بهذه الفائدة لن يسأل! ويشكل عدم امتلاك المعلم إجابة جيدة- غير قول: إن هذه المادة متطلب- مشكلة أخرى، وبالتالي يجب أن يمتلك المعلم فهمًا واضحًا لأهمية المادة التدريسية؛ كي يستطيع بناء الصلة لدى طلابه. من الجيد أن تقول لطلابك: إن المادة مفيدة، ولكن هذا يعني أن توضح ذلك لطلابك بشكل مقنع. هناك أشياء أخرى قد تستخدم لبناء الصلة في حال كانت المادة غير مفيدة له بالمعنى الحرفي. ما نريد التأكيد عليه هنا هو أن المعلم أو المدرب يجب أن يمتلك فهمًا واضحًا بشأن صلة الطالب بالمحتوى قبل أن يقنعه بها!

                                                                 الشكل 5.1  محاولةٌ لإجابة سؤال الصلة

مقدمة Introduction

ما سببُ اختيارِ الناسِ الأشياءَ التي يقومون بها؟ يمكن القول بداية: إن هناك أسبابًا لذلك بقدر عدد المواقف، أي أن كل موقف يشكل حالة فريدة خاصة، ولكن، ومن وجهة نظر أخرى أكثر شمولية، يمكن تفسير اختيار الأشخاص بناء على عدة مفاهيم ونظريات نفسية متنوعة أكثرها قبولاً هي نظرية التوقع-القيمة Expectancy-ValueTheory(Steers & Porter, 1983; Vroom, 1964) والتي تكلمنا عنها باختصار في الفصل الثاني. تفترض هذه النظرية أن الشخص يثابر لإنجاز هدف ما عندما تكون نتيجته المتوقعة مرغوبة بالنسبة له، وتكون توقعاته إيجابية للنجاح. يمكن تمثيل العلاقة بين السلوك والقيمة والتوقع بمعادلة طردية ]نمط السلوك = ق(التوقع×القيمة)[ ، وبالتالي يجب أن يكون لكل من القيمة والتوقع قيم موجبة، وإلا فإن السلوك يساوي صفرًا. نشير هنا إلى أن الجزء الثاني من المعادلة المتعلق بالأهداف والدوافع والقيم هو ما نتحدث عنه في سياق الصلة.

وكما نعلم، فإن الالتحاقَ بالمدرسة متطلبٌ إجباري من النادر أن يكون اختياريًا، بناء على قيم الفرد وتوقعاته. وهنا نتساءل، ما توقعات الفرد في مساق (مقرر دراسي) ما، بالنسبة للصلة؟ يحتوي هذا الفصل عدة مفاهيم نفسية تساعد في شرح الصلة، ويناقش الفصل السادس (الثقة) الجزء الآخر من المعادلة – توقعات النجاح - لتكتمل الصورة لديك.

ماذا يُقصد بالصلة؟ What is Mean By Relevance?

تعني الصلةُ إحساسَ الفردِ بالانجذاب تجاه نتائج وأفكار مرغوبة وأشخاص آخرين بناء على أهدافهم ودوافعهم وقيمهم. وكلما زاد الانجذاب نحو هدف مقرر، زادت احتمالية إنجازه من قبل الفرد بافتراض أنه قابل للتحقق. والصلة مفهوم عملي، فعندما يسأل الطالب عن سبب تعلمه للمادة، فهو يريد إجابة تدل على أهمية ما يتعلمه في حياته، وتطبيقًا عمليًا لها، إن هذا مطلب معقول، ولكن لا يمكن دائمًا توفير تطبيق مباشر، بعد نهاية الدرس أو حتى المساق؛ مثلاً: في دورة لتعليم تصليح السيارات، نرى لتعلم مفاهيم العزم والتسارع فوائد عملية مباشرة، ولكن مثل هذا لا يُرى عندما تدرس نفس المفاهيم في مساق الفيزياء النظرية في المرحلة الثانوية.

من ناحيةٍ أخرى يمكنُك إيجاد الثقة في غياب الفائدة المباشرة، وذلك بوجود خصائص نفسية أخرى متعلقة بمفهوم الصلة، فقد يمتلك الأشخاص دافعية داخلية مرتفعة في موضوع ما دون فائدة عملية له. مثلاً: يهتم أحد أبنائي كثيرًا بالديناصورات، منذ أن كان في الرابعة، حيث تعلم أسماءها وعاداتها ومساكنها، وقد قدرت معلمته في الروضة هذه المعرفة برسالة إلينا مفادها أنها عندما تطرقت لهذه الوحدة، أبدى ابني خبرة ومعلومات فاقت ما لديها. تظهر كثير من مثل هذه الاهتمامات في مرحلة ما قبل الروضة والمرحلة الأساس لأسباب ما. والآن ما هذه العناصر التي تساعد في توضيح مفهوم الصلة؟

الأسسُ النفسيةُ للصلة Psychological Basis for Relevance

سؤالٌ أساسٌ للصلة

كيف ستكونُ هذه التجربةُ التعليمية قيّمة لطلابي؟

من المؤكد أن يُحِس الفرد بالصلة عندما تكون المادة مفيدة لعمل الفرد، ولكن هذا الشعور يزداد عندما يتوافق التدريس مع أسلوب التعلم، ويتوافق المحتوى مع الاهتمامات الشخصية، ويستطيع الفرد ربط معلومات وخبرات سابقة بالمحتوى الحالي، وتتناغم متطلبات المحتوى والأداء مع قيم الفرد الشخصية والثقافية، ما يعني أن فهم الصلة يتعلق بمصطلحات أخرى، مثل: اختيار الهدف، والاحتياجات النفسية، والدوافع، والتوجه المستقبلي، والاهتمامات، والدافعية الداخلية، والقيم الشخصية والمجتمعية، وعدد من الحالات الشعورية المؤثرة كالشعور بالترابط والتفاهم العاطفي.

اختيارُ الهدف Goal Choice

من الطبيعي أن يكونَ للفردِ أكثرُ من هدف، ولكن تختلف الرغبة لإنجاز بعضها عن الآخر. يختار الناس أهدافهم بناء على اهتماماتهم الداخلي وفوائد نتائجها المتوقعة، ويستخدم مصطلح التكافؤValence(Vroom,  1964) للتعبير عن اتجاهات الفرد نحو هدف ما، فعندما يفضل الفرد نتيجة هدف معين على أخرى، فإن لهذا الهدف تكافؤًا إيجابيًا.    

وعندما يتجنبُ الفردُ هدفًا ما، أو يكون لا مباليًا تجاهه، فلهذا الهدف تكافؤ سلبي، تنتج قوة هذا التكافؤ من القيمة النفعية للهدفInstrumental Value (أي علاقة إنجاز الهدف بإنجاز هدف آخر)، والقيمة الداخلية Intrinsic Value ( بمعنى إلى أي درجة يقيم الفرد الهدف بحد ذاته). وبالتالي تسهم القيمة النفعية والقيمة الذاتية جنبًا إلى جنب في تحديد الرضى المتوقع بعد الحصول على الناتج، ما يعني أن الناتج يتم تقييمه وحده، وتقييم علاقته بإحراز نتائج أخرى، على سبيل المثال: قد لا يحتاج شخص مقيم في شقة في مدينة كبيرة فيها نظام مواصلات عامة جيد، امتلاك سيارة، ولكنه يرغب بها بشدة بسبب رضاه الافتراضي بخصوص تجربة قيادتها الممتعة بحد ذاتها، في حالة أخرى، قد يرغب شخص امتلاك سيارة لأنها ستمكنه من تحقيق عدة نواتج، كأم لديها عدة أطفال ستستخدمها لتنقلاتها معهم، والتسوق، وزيارة الأصدقاء، وهذا يعني أن امتلاك السيارة بالنسبة لها ذو تكافؤ عالٍ. وفي حالة أخرة أيضًا، قد يرغب شاب امتلاك سيارة رياضية لأسباب ذاتية وأخرى مساعدة تتضمن متعة قيادتها، وتوقعه أن الجميع سيعجب به لاقتنائه مثلها، واستخداماتها الهامة الأخرى، مثل الذهاب للعمل وغير ذلك.

كانت النظرياتُ المبكرةُ التي حاولت شرحَ السلوك الموجه نحو الهدف اختزالية بطبيعتها، أي حاول علماء النفس وقتها تبسيط شرح السلوك بوصف مكوناته الأساس. ومن تلك النظريات نظريات الغريزية، ونظريات الدافع. ويعتبر واضعو نظريات الغريزة أمثال (James, 1890) و (McDougal, 1908, 1970) كل السلوكات المدفوعة غريزية– بعكس السلوكات المتعلمة. تطورت هذه النظرية في بادئ الأمر من دراسات أجريت على الحيوانات، ولكنها أثبتت أيضًا على الإنسان، غير أنه وُجِد أن بعض الغرائز لديه لم ينتج عنها نفس أنواع السلوك؛ فسلوك البحث عن غذاء لدى الإنسان موجود لدى الجميع ولكن الطعام القابل للأكل يختلف من ثقافة لأخرى، أما مفهوم المخالطة الاجتماعية فيعد ضبابيًا أكثر وغير مُجمع عليه علميًا كسلوك غرائزي حقيقي. وبالتالي فإن نظرية الغريزة ضعيفة، ويرجع ذلك إلى أن أي سلوك ملاحظ يمكن، افتراضيًا، أن يعطى أي مسمى وتطلق عليه صفة الغريزية، انظر الأمثلة في الجدول 5.1. أضف إلى ذلك أن تسمية السلوك بحد ذاتها لا تعطي توضيحًا له، وتعريف شيء على أنه غريزة يقف عائقًا أمام الحصول على نظرية في الدافعية تعتمد التنبؤPrediction  والتثبت Validation. وأخيرًا، لا توجد نظرية تصنيف عليا، أو قواعد شاملة، توجه عملية وضع الغرائز في قوائم (تعدادها)؛ فعلماء النفس قادرون على وضع قوائم لا نهائية لسلوكات مفتاحية وتسميتها غرائز.

أمثلةٌ على غرائز Instincts

McDougall

James

التعاطفِ

الترابطِ الذاتي

الإذعانِ

التزاوجِ

بناءِ الذات

الجاذبية

 

الرعايةِ الأبوية

الميلِ للقتال

الفضول

البحث عن طعام

النفور

الهرب

المخالطة الاجتماعية

الفضولِ

الألفةِ الاجتماعية

الخجلِ

التكتم (السرية)

النظافة

التواضع

الغيرة

الحب الأبوي

التنافسِ

الشراسةِ

التعاطفِ

القتلِ

الخوف

الحرص على الكسب

بناء الذات

اللعب

       

                                       الجدول 5.1  أمثلة على غرائز ذكرها McDougall (1908) و James (1890).

 

هناك نظرياتٌ أخرى تقدم توضيحات لبعض خصائص السلوكات المدفوعة جمعت تحت مسمى نظرية الحافز Drive Theory، والتي يعد الاستقرار الداخلي – أي المحافظة على التوازن- مبدأها الأساس. تنتج الدافعية حسب هذه النظرية من حالة انعدام التوازن، يسببها فقد حاجة أو رغبة نفسية أو جسدية. نشير هنا إلى أنه لا ينتج عن كل الحاجات دوافع بالضرورة، وأن الدوافع قد تنشأ عن رغبات، أيضًا، لا حاجات فقط. إن أفضل نظرية مشهورة شرحت أصل وعملية الحافز هي نظريةHull(1943)، ولكنWoodworth (1918)هو أول من قدم مفهوم الحافز بخصائصه الثلاث، وهي: الشدة والتوجه والمثابرة. تعني الشدة معدل تفعيل الحافز ومستوى الإحساس الوجداني المصاحب له، أما التوجه فهو الهدف من الحافز، بينما تعني المثابرة الميل للاستمرار في السلوك لحين تحقيق الهدف واسترجاع التوازن.

صاغ Hull نظريتَه بقوله: إن السلوك يعتمد على قوة الحافز (الحاجة أو الرغبة غير المتوازنة) وقوة العادة، والتي تعني مدى تعلم نمط السلوك الذي يؤدي إلى إشباع الحافز. وبكلمات أخرى، لن تؤدي حالة من فقدان التوازن، كالجوع، تلقائيًا للبحث عن طعام إلا بتعلم علاقات وعادات بين البحث عن طعام والحصول عليه، وبالتالي التقليل من قوة الحافز (الجوع). وضح Hull هذه العلاقة الطردية بالتعبير الآتي: السلوك = الحافز× العادة.

توضحُ نظريةُ الحافزِ بعض أوجه الدافعية الثابتة والتلقائية نسبيًا، ولكن تبقى هناك سلوكات لم تقدم لها تفسيرات واضحة، فجاءت نظريات أخرى أكثر شمولاً كالنظريات الإدراكية، ونعني بالإدراك هنا العمليات العقلية التي تحدث داخليًا عند محاولة فهم أفعالنا وتفسير العالم حولنا وصنع القرار.

السلوكُ الهادف Tolman: Purposive Behavior

تعدُّ نظريةُ Tolman (1932) نظرية إدراكية مبكرة قدمت بديلاً عن نظرية الحافز، فبدلاً من افتراض تلقائية الحافز، كان افتراض Tolman الأساس أن السلوك هادفٌ، بمعنى أنه موجه لِـ/أو بعيدًا عن ناتج محدد. وهي طريقة أخرى للتعبير عن أن السلوك موجهٌ نحو هدفٍ، إلى جانب كونه مثابرًا ونمطيًا وانتقائيًا. تعبر الخاصية الأولى عن ميل الأفراد للمثابرة على جهودهم لحين تحقيق الهدف، ولكن، لهذا الافتراض المتواضع مضامين معقدة، ويعود السبب في ذلك إلى تعدد الأهداف عند الأفراد، والصراعات التي تحدث بينها خلال عملية تحقيق الهدف الأول منها. على سبيل المثال: قد يُقسم شخص أنه يحاول التخفيف من وزنه، حيث إنه سيتبع نظامًا غذائيًا صحيًا صارمًا في اليوم التالي، ولكن وبمرور اليوم يحل محل الهدف الأساس أهدافٌ أخرى مرتبطة بعادات الفرد الغذائية التي تقدم إرضاءً مباشرًا للفرد، وتنقص من توتره. لتوضيح ذلك انظر الشكل التالي:

                                                 الشكل5.2  توضيحٌ لتحولٍ في الهدف في حمية غذائية

 

إن افتراضَ Tolman الثاني متعلقٌ بخاصية تسهم في المثابرة، وهي الميل لنمط ثابت من السلوك يقود لتحقيق الهدف. على سبيل المثال: يسلك الكثير منا طريقًا اعتيادية للعمل، ويتصرف بأسلوب اعتيادي فيها، وهذا هو السبب وراء عدم رؤيتنا معارفنا الذين يعملون بأماكن قريبة، ولكنْ لديهم أنماطٌ مختلفة، كما أنه يفسر أحد أسباب صعوبة تغيير السلوك. وجود أنماط كالمبينة في الشكل 5.2 تجعل التغيير صعبًا بسبب الاعتياد، وإرضاء أهدافٍ قويةٍ مرتبطة بالتقليل من التوتر.

أما الخاصيةُ الثالثة فهي الانتقائية، وتعني أننا نصنع قراراتٍ مدروسةٍ بشأن الطرق التي يجب اتباعها لتحقيق أهدافنا، وتدل على أننا نميل لاختيار أسهل الطرق، وأكثرها مباشرة خصوصًا في الأهداف العملية، مثل: الوصول إلى العمل في الوقت المحدد. أما في أنواع أخرى من الأهداف، فقد نختار طرقًا أخرى، مثل: عرض أكبر قدر ممكن من الأماكن التاريخية في فترة محددة، خلال جولة سياحية في أراضي معارك الحرب العالمية الثانية. ولكن، حتى هنا، يبقى المبدأ نفسُه وهو اختيار الطرق الأكثر كفاءة، وفاعلية لتحقيق الهدف.

تحدثَ Tolman أيضًا، عن مفهوم التوقع بمعنى أن تؤدي مجموعة سلوكات لتحقيق هدف معين. تميز مفهومه للتوقع بصرامته؛ بحيث إنه يرتكز على فكرة مجموعة سلوكات تؤدي لتحقيق هدف من دون إعطاء فرصة للحدس أو المصادفة (الابتعاد عن الدليل المنطقي أو المادي). وقد طور مفهومه هذا بالتحدث عما أسماه الخريطة الإدراكية للبيئة والتي تحتوي معرفة مكتسبة حول موقع الهدف وسلسلة الخطوات التي تؤدي لتحقيقه. لا تدل هذه الخطوات بالضرورة على تفكيرٍ فوقَ معرفي، بل تعكس ببساطة مجموعةً متعلـَّمةً من العلاقات. تم اختبار صلاحية هذه المفاهيم بإجراء دراسات على حيوانات مثل: الفئران، ولكنها أُثبتت فيما بعد على أداء الإنسان وحالاته النفسية. خذ هذا الكتاب، على سبيل المثال: يرتكز معظمه على خريطة إدراكية للمؤثرات الدافعة الأساس للتعلم، والعلاقات فيما بينها والتي ينتج عنها نماذج شاملة للتعلم والأداء (انظر الفصل الأول). ويدعم النموذج الإدراكي هذا تطوير توقعات الفرد فيما يخص قدرته على تحقيق أهداف دافعة بتتبع مجموعة خطوات، وصفتها عملية تصميم الدافعية ضمن نظريتها ونموذجها. بقيت الخرائط الإدراكية والمفاهيم المرتبطة – كالنماذج المعرفية التي يمكن تطويرها لصياغة أفكار الناس وقراراتهم وتوقعاتهم - موضوعًا للكثير من الأبحاث اللاحقة في نظريات التدريس (Craik, 1943; Johnson-Larid, 1983, 2005; L.Westbrook, 2006) .

نظريةُ المجال Lewin: Field Theory

على النقيضِ من نظرية الحافز (التي تعد نظرية بيئية بشكل أساس) ونظرية Tolman الإدراكية، وضع Lewin (Lewin, 1935, 1938) نظرية المجال، والتي تعد نظرية تفاعلية مبنية على مفاهيم التوقع-القيمة. حاولت نظرية Lewin الأخذ بعين الاعتبار جميع القوى التي تتفاعل للتأثير في السلوك وكيف ينتج السلوك عن العوامل المتعددة، وافترض Lewin (1935) أن السلوك الإنساني هو نتيجة التفاعل بين الفرد والبيئة المدركة، أو ما أسماهLife Space بمعنى واقع الفرد النفسي.  من المهم هنا فهم دور البيئة المدركة مقابل البيئة المحسوسة المادية. حيث يرى Lewin أن واقع الفرد يتكون من فهمه، وتوجهاته، ومعرفته السابقة، وغيرها والتي تختلف كثيرًا عن بيئته المحسوسة الحقيقية. يشكل هذا المفهوم أيضًا افتراضًا جوهريًا في النظرية البنائيةConstructivist Theory(Duffy, Lowyck & Jonassen, 1993) التي ظهرت مؤخرًا، بعد أعمال Lewin. يمكن تمثيل البيئة المدركة في حياة الفرد باستخدام شكلٍ بحدودٍ خارجيةٍ مقسمٍ إلى ثلاثة أجزاء (الشكل 5.3)، تسمى هذه الأجزاءُ مناطق مرتبطة فيما بينها وتفصلها حدود تختلف في نفاذيتها.هذه المناطق المذكورة ترتبط فيما بينها حسب التوترات ومستوى قوة الارتباط.

                                      الشكل 5.3. مثالٌ على تمثيل واقع الفرد النفسي (بناء على Lewin, 1935).

يحاولُ الفردُ تقليصَ التوتر بين المناطق بإنجاز الناتج المتعلق بها. مثلاً: قد تشعر أمّ تعيش في بيئة تسمح بامتلاك سيارة، ولديها أهداف متعددة تتحقق بامتلاكها، بتكافؤ إيجابي قوي لامتلاكها؛ لأنه سيخفف من شدة الفواصل بين هذه الأهداف (المناطق) الممثلة بالمناطق الأربع المتجاورة في الوسط والجزء العلوي الأيسر من الشكل 5.4. كما قد يقلل امتلاكها من التوتر في المناطق الأخرى؛ لأن حاجتها لزراعة الخضراوات ستقل، حيث سيكون جلب تجهيزات للعشاء سهلاً نسبيًا، كما سيزيد وقت الاستجمام لديها لتقرأ مثلاً. في المقابل، سيشعر مزارع من الأمش- (طائقة بروتستانية متشددة تعيش في جنوب بنسلفانيا في الولايات المتحدة الأمريكية) يمنعه دينه من استخدام السيارة وحتى الكهرباء للراحة الشخصية - بتكافؤ سلبي قوي تجاه امتلاك سيارة؛ لأن منفعتها المتوقعة لن توجد ضغطًا على الحدود بين مجموعتي الأهداف والاعتقادات، ما يجعل الحدود بين امتلاك سيارة وتلبية حاجات النقل لدى الفرد غير منفذة. سيكون هدف هذا المزارع مختلفًا، كامتلاك حصان أو عربة أو حذاء جيد يحل محل امتلاك سيارة.

                                                   الشكل 5.4 . مثالٌ على مناطق نشاطات و مواقف شخس

 

مهدتْ أعمالُ Lewin الطريق لفهم أفضل للتفاعل بين تأثير الأهداف المتعددة. هناك عدة أنواع لأهداف الطلاب، فيما يتعلق بدافعيتهم للتعلم، منها: المرغوب وغير المرغوب. مثلاً: نحن نريد أن ندفع الطلاب للإنجاز، لا أن يندفعوا للغش أو المماطلة بسبب الإهمال، ونريد أن ندفعهم للتعاون والمثابرة، لا الانغلاق والكسل. وبذلك فإن التحدي الذي يواجهنا كمربين، هو ربط التدريس بالأهداف المرغوبة، وتشكيل أو تعديل غير المرغوبة منها. قدمت الدراسات والأبحاث اللاحقة توضيحاتٍ وتوجيهاتٍ إضافية بهذا الخصوص.

الدوافعُ Motives

إن لدراسةِ توجهِ الهدفِ نحو السلوك – بما في ذلك أعمال Lewin- تاريخًا طويلاً، فهي تحتوي نظريات الحافز الغريزي (Drive) المبكرة (Hull, 1943)، والتي تفترض أن الدافعية تنتج من حرمان في أحد العناصر المحركة، والتي يغلب عليها الطابع الفيزيائي أو الجسدي، إضافة لعوامل أخرى نفسية. فإذا شعر الفرد بالجوع أو العطش أو الخوف أو الوحدة فسيتوجه لإشباع هذه الحاجات، وعندما يشعر بالرضى أو الإشباع ستتوقف دافعيته للعمل على أهداف متعلقة بهذه الحاجات.

جاءت افتراضاتُ Tolman مختلفةً بعض الشيء، فقد افترض أن السلوك بحد ذاته هادف، وأن لدى الأفراد دوافع وأهدافا تنتج من الحاجات والرغبات التي تنشط السلوك وليس من الحرمان فقط. وشكلت أعمالTolman أساسًا لأفكارLewin(1935)، الذي تحدث عن قوى بيئية ونفسية تساعد في تعرف أهدافنا وتحفيزنا للعمل، وهو ما ظهر أيضًا في أفكار (1938)Murray الذي تحدث عن نشوء الدافعية بسبب حاجات نفسية وضغوط بيئية خارجية.

ساهم جلُّ ما سبق في إعداد الأساس لنظريات Maslow(1954) و McClelland المشهورة، حيث واجهت الأبحاث السابقة مشكلة عدم وجود نظام تصنيف للحاجات يسمح للباحثين بإضافة أي سلوك ملاحظ على أنه حاجة جديدة، وهذا ما دفع Maslow لوضع نظرية تصف الحاجات وتضعها في مستوياتٍ؛ بناء على أهميتها للفرد، أي أنه يسعى لإشباع الرغبات الدنيا، أولاً، ثم يصعد إلى ما بعدها. فيما يلي نذكر مستويات تصنيفه الخمسة:

  • جسديةٌ: ترمز للجوع والعطش.
  • الأمانُ: ويشمل المسكن والحاجات الجسدية والأساسية.
  • الحبُّ والانتماء: وتشمل الصداقة والعلاقات طويلة الأمد.
  • تقديرُ الذات: الناتج عن الإنجاز والاعتراف به.
  • تحقيقُ الذات: ويعرف بالوصول للأهداف العليا للفرد.

جذبَ هذا التصنيفُ الكثير من الممارسين والمربين، بينما انتقده بعضهم أيضًا؛ بسبب صعوبة التأكد من موثوقيته. من وجهة نظر عملية، ساعدت هذه النظرية في فهم أنه لا يمكن تنشيط الدافعية للنجاح في المدرسة –والذي يرتبط بالمستوى الرابع (تقدير الذات)- ما لم يحصل الطالب على طعامٍ كافٍ، وعدم الشعور بالخوف أو الانعزال عن أقرانه. ومن ناحية أخرى، يشكل معنى إرضاء الحاجة تحديًا لهذه النظرية؛ حيث إنه موضوعٌ خاصٌ بكل شخص. على سبيل المثال، يتوقع طالب في السنة الجامعية الأولى أن يمتلك سيارة، وشقة مريحة، ومصروفًا جيدًا، قبل شعوره بتلبية حاجاته الأعلى مستوى. ولكن إذا كانت الدافعية للإنجاز عالية فقد يصمد الشخص أمام مستوياتٍ عالية من الحرمان. انظر مثلاً إلى بعض الفنانين والممثلين الطموحين الذين رضوا بمستويات قليلة من الطعام والمسكن، وتابعوا التقدم في أحلامهم، ولكن وحتى في حالتهم، هناك مستوى محددٌ لحاجاتهم يجب أن يلبّى قبل أن يندفعوا للتعلم.

على العكس من Maslow، ركّز McClelland(1976) على ثلاث حاجات هي: الإنجازُ، والانتماءُ، والسلطةُ، واختلفت نظرته للحرمان عمـَّا وصفته النظريات السابقة. لا يفسر الحرمان سببَ نمو الحاجة أو الدافع بدلاً من تلاشيه، فعلى سبيل المثال: نلاحظ توجه الأشخاص ذوي الحاجة المرتفعة للإنجاز لتحقيق مزيد من النجاحات، لا الوصول لحالة من التوازن بتحقيق نجاح توقعوه سابقًا فقط. وبالتالي، يقترح  McClelland أن حالة التوازن هذه مرحلة عابرة فقط، تقع عندما يقترب الفرد من تحقيق حالة مرغوبة، وأن متابعة تحقيق هدف ستتسبب في حالة جديدة من اللاتوازن، وهذا هو سبب سعي الأفراد وراء مزيد من الأهداف، انظر إلى التجار الذين يسعون دائمًا لتجاوز مبيعات السنة الماضية، والرياضيين الذين يكافحون لكسر أرقامهم السابقة وتحقيق أرقام جديدة.

الإنجاز والانتماء والسلطة Achievement, Affiliation, and Power

تعدُّ ثلاثةُ الدوافع هذه التي درسها McClelland مفيدةً جدًا؛ لمساعدتنا في فهم سلوكات الأشخاص في المدرسة والعمل، وربط البيئات التعليمية بأنماط تعلم الطلاب. حيث يستمتع الأفراد ذوو الحاجة المرتفعة للإنجازبتحديات متوسطة، ليست سهلة كثيرًا تفقدهم المتعة، ولا صعبةً إلى حد عدم التمكن من إنجازها؛ فهم لا يحبون الفشل، ويضعون معاييرهم الخاصة للتميز، ويسعون لتحقيقها في ظل التنافس مع الآخرين، عن طريق فعل شيء مميز، أو رفع مستوى الإنجاز الشخصي. لا يحب هؤلاء الأشخاص العمل ضمن مجموعات؛ بل يفضلون السير في اتجاه، هم يقررونه، ويتحملون مسؤولية أفعالهم.

إن أكثرَ الطرقِ تقليدية لقياس الحاجة للإنجاز هي اختبار تفهم الموضوعThematic Apperception Test(TAT)، الذي يعرض محفزات غامضة، ويطلب من الفرد تخيل وإنشاء قصة مرتبطة بها. تعدُّ مثلُ هذه الاختبارات غير منظمة كاختبارات رورشاخ(Rorschach)المعروفة باختبارات الذكاء المعتمدة على بقع الحبر، حيث يعرض على المستجيب شكلٌ مجردٌ مكونٌ من نقاطِ حبرِ أسودَ على صفحةٍ بيضاءَ تـُطوى ويضغط عليها. ويستخدم أطباءُ النفس مثلَ هذه الاختبارات لاستثارة قصصٍ تـُظهِر أحاسيسَ مرضاهم وأفكارهم وقيمهم الدفينة. يستخدم اختبار TAT صورًا وعباراتٍ مفتاحيةً كمحفزات، ويطلب من الفرد تخيلُ قصةٍ حيةٍ منها، كما يطرح هذا الاختبار أربعة أسئلة على الفرد لتحفيز مخيلته أكثر، منها: ""ماذا يحدث؟ وَمنْ هؤلاء الناس؟"" . لدى المستجيب 5 دقائق للرد على كل محفز من المحفزات الستة الموجهة إليه. لقد نتجت هذه المحفزات عن دراسة معمقة للصور والعبارات المؤثرة والمتضمنة إشاراتٍ مرتبطةً بالموقف، وغموضًا يثير ميولاً دافعة. تقيّم القصص الناتجة بناء على قوائم رصد دقيقة، ويستطيع الخبراء تحقيق مصداقية عالية تقارب 0.9.

وعلى النقيضِ، فإن الأفرادَ المنتمين يهتمون بعلاقاتهم مع الآخرين أكثر، ويحبون أن تكون هذه العلاقات دافئةً ومُرضيةً، ليس فقط الرومانسية منها، بل علاقاتُ الصداقة أيضًا؛ حيث يقدرون الصداقة، ويفكرون بأصدقائهم كثيرًا، ويحزنون إذا ما واجهوا مشاكل معهم، أو انقطعوا عن التواصل معهم. يستمتع هؤلاء الأفراد بالعمل ضمن مجموعات، وتحمل الجميع مسؤولية العمل، لا أن يتم تعرف جهودهم فرديًا بعيدًا عن المجموعة. أضف أيضًا، أن مهاراتهم القيادية منخفضة، نوعًا ما؛ فهم يفضلون أن يحبهم الآخرون، على أن يكونوا قائدين يفرضون القوانين والمعايير.

وأخيرًا، نلاحظُ أن من يحبون السيطرةَ يشعرون بالرضى عندما يستطيعون التأثير في سلوك الآخرين، ويؤخذ على هذا التأثير، عند غير الناضجين منهم، كونُه هدّامًا، ولمصلحة الفرد الشخصية، ولكن، وبنضوجهم يتحول هذا التأثير إلى حدِّ أن يرهق الفرد نفسه في سبيل مصلحة مؤسسته ومن يعتمد عليه. ونجد هذا كثيرًا في المديرين  والمعلمين الناجحين.

نرى في الأفراد العاديين أثرًا مشتركًا لأكثر من حاجة من الحاجات السابق ذكرها، أي لا تقتصر شخصية الإنسان على حاجة فقط دون الأخريات، وقد يقابل المعلم طلابًا ذوي حاجات مرتفعة للسيطرة، يتحدونه في قدرته على إدارة الصف، وبالتالي يجب عليه أن يخلق دافعًا للقيادة لديهم قبل أي شيء آخر – كقيادة إنجاز ما مثلاً. وقد يتكيف طلاب لديهم أكثر من حاجة من الحاجات المذكورة بإعطائهم مجموعة من الواجبات تتناسب مع حاجاتهم.

الجدارةُ / الكفاية Competence

تحدثَ White(1959) عن الجدارة كدافع رئيس، بمعنى ""القدرة على التفاعل بكفاءة مع البيئة"" ص297. ابتعد White -كغيره من مؤسسي نظريات الدوافعMotive Theory- عن افتراضات نظرية الحافز للدافعية المبنية على التخفيف من الحرمان، والتي لم تفسر القيام بأعمال تطوعية تقود إلى حالة من الرضى. وافترض أنه لا يمكن تحصيل الكفاءة من أفعال تقودها الفطرة أو المحركات الفردية أو حالة من التوازن في الإنسان. أشار White إلى توجه الأفراد للتوازن وتخفيف توترهم في حالات مثل أوقات الحروب أو ضغط العمل، ولكن عندما يقل توترهم قليلاً يبدءون بالبحث عن محفزات خارجية. فبدلاً من تجنب الضغوطات، يبحث الأفراد بل يحتاجون مستوى جيدًا من التحفيز. وقد أظهرت دراسات  Hebb(1958)المكثفة على سلوك أفراد، تحت ظروف حرمان من حاجة ما، أنهم يبدءون بتشكيل حوافزهم الخاصة –ولو متوهمين- عندما تنتهي المحفزات من البيئة الخارجية. كما أظهرت الدراسات أن من يعيش ظروفـًا اجتماعية قاهرة، كالأيتام، لا ينمو أو ينضج بشكل جيد، حيث قال Hebb (1958) إن ""من يتربى في عزلة عن غيره لن ينمو، عقليًا ودافعيًا واجتماعيًا وفكريًا، بشكل طبيعي"". ص109. وبالتالي فإن السلوك الاستكشافي مكـِّون مهمٌ للتطور الإدراكي والاجتماعي.

قدمَ White(1959) مفهومَ الدافعية المؤثرة لشرح الآلية التي تقود لتطوير الكفاءةEffectance. على سبيل المثال: يستمتع الأطفال باستكشاف أشكال تأثيرهم على بيئتهم، وأثر البيئة عليهم أيضًا، وبالتالي ينتج الرضى عن تفاعلهم مع البيئة، لا حل مشكلاتها والوصول إلى الاستقرار. عرف White نتائج هذه الأفعال على أنها الشعور بالفاعليةFeelings of Efficacy والذي يجب أن لا يختلط مع مفهوم الفعالية الذاتيةSelf-Efficacy (Bundura, 1977)، والذي يعني توقعَ الفرد بالنجاح في سعيه نحو هدفٍ ما. أما الشعور بالفاعلية فيقصد به مشاعرُ الرضى عن التفاعل مع البيئة بشكل ممتاز وحكيم. أضف أنه من المتوقع أن يقوم الأفراد بنشاطات استكشافية تبني كفاءتهم عندما تكون البيئة المحفزة معقدة نوعًا ما، بالنسبة لمستوى التحدي في المهمة. إذا كانت المهمة سهلةً سيشعر الفرد بالملل، وإذا كانت صعبةً ستصبح العمليات الإدراكية محدودة من ناحية التركيز، ولن يستطيعَ الفردُ التفكيرَ في كل المفاتيح والإشارات الموجودة بالبيئة والمتصلة بالمهمة (Golman, 1949).

وعلى الرغم من أن خطوطَ تطويرهما منفصلةٌ، إلا أن هناك بعض الجوانب المشتركة بين دافع الكفاءة وبين دافع الإنجاز. وأشار Elliot & Dweck (2005a) إلى أن الكفاءة هي لبُّ دافعية الإنجاز، وذكرا عدم وضوح المقصود بالإنجاز في الكتابات التربوية، إضافة لتحديدهما نقطتي ضعف أساستين بالمفاهيم المطروقة له، أولهما: أنها ""تفتقر للتناسق وطرق القياس الممنهجة"" (ص4)، بمعنى أنه من الصعب تعريف المصطلح نظريًا، وتعرف أساليبه وتطبيقاته المرتبطة بالمعنى الأساس. والثاني: أنها محصورة وضيقة التركيز لا تدمج عدة أوجه للسلوكات التي تقع تحت الفهم العام لسلوك الكفاح من أجل الإنجاز. وانطلق هذان الباحثان من هنا؛ لافتراض استبدال مفهوم دافعية الكفاءة بمفهوم دافعية الإنجاز، وقدما أوراقـًا عديدة مع باحثين آخرين لفهم هذه القضية الأساس. من المبكر الحكم على إعادة تأطير مفاهيم دافعية الإنجاز كما افترضا، ويمكن الاستفهام عن خصائص دافعية الإنجاز ودافعية الكفاءة، كما قدمهما هذا الكتاب، ولكن فهم الافتراض السابق مفيد ويسهم في إدراك أكثر شمولاً. 

التوجهُ للمستقبل والرؤية المستقبلية Future Orientation and Future Time Perspective

يعدُّ التوجهُ المستقبلي مؤثرًا آخرَ على تكافؤ الهدف، وعرّفه Raynor(Raynor, 1969, 1974) على أنه نفع الهدف الحالي للأهداف المستقبلية؛ أي أن الفرد عندما يدرك أن الهدف الحالي مربوط بتحقيق الهدف بعيد الأمد، يصبح الحالي قويًا بقوة تأثيرِ نتائجِه على الهدف بعيد الأمد، وهذا يسبب حالة من التوتر؛ لأنه كلما زاد نفع الهدف زادت تكلفة الفشل. نجد مثل هذه العلاقة أيضًا في المواقف التي نركز فيها على الإنجاز، حيث يجب إنجاز عدة متطلبات غير متسلسلة للوصول لإنجاز الهدف النهائي، كما في حالة أشبال الكشافة الذين يجب عليهم الحصول على عدة أوسمة للانتقال إلى مستوى مرشدي الكشافة، كما يعد هذا المفهومُ إعادةَ صياغةٍ لمفاهيم نظرية Tolman بشكل موضح أكثر بما فيها قوة الهدف المرتبطة بتأثير الهدف المعطى على الهدف المشروط.

هناك مصطلحٌ آخرُ يرتبط بالتوجه للمستقبل هو تصور زمن المستقبلFuture Time Perspective(FTP) والذي يعني طول المدة التي يتوقعها الفرد بين الوقت الحالي وبين حدث سيتم بالمستقبل، حيث نرى أناسًا ينظرون لفترات كهذه أقصر مما ينظر لها أناس آخرون، ويركز هؤلاء الأفراد أنفسهم على الحاضر، ولا تُقوِّي تصوراتهم عن الفوائد المستقبلية لهدف وشيك، دافعيتهم لإنجازه. بينما بالمقابل، يرى الأفراد الذين يتوقعون مدة أطول بين الحاضر وبين هدف مستقبلي ما رابطًا أقوى بين النشاط الحالي وبين الأهداف المستقبلية، وتقوي تصوراتهم للمستقبل دافعيتهم في الحاضر. وجدDeVolder & Lens أن ارتباط دافعية طلاب المرحلة الحادية عشرة إيجابيٌ مع القيمة التي يتصورونها للأهداف المستقبلية ومع الفائدة المتوقعة لأعمالهم المدرسية الحالية في تحقيقهذه الأهداف.

من ناحية أخرى يجبُ تعديلُ هذه الارتباطات بالأخذ بعين الاعتبار نظرة الطلاب للمستقبل. وجد Van Calster (1987) وزملاؤه في دراسة أجروها على 230 طالبًا ألمانيًا أعمارهم بين 17 و19 عامًا أنه وبغض النظر عن الفائدة المتصورة Perceived Instrumentality(PI)، إن كانت مرتفعة أو منخفضة، أظهر الطلاب الذين ينظرون للمستقبل بشكل سلبي ترابطًا ضعيفًا نسبيًا، بين الدافعية للتعلم وبين (PI)(الشكل 5.5). ولكن وبتطور مواقف الطلاب تجاه المستقبل، أي عندما ينظرون له بشكل إيجابي أكثر سنجد نموًا متزايدًا في الترابط بين (PI) وبين الدافعية للتعلم. وعلى النقيض، فقد وجدوا ارتباطًا منخفضًا بين الدافعية من جهة، وبين النظرة الإيجابية للمستقبل التي يصاحبها مستوى (PI) منخفض، من جهة أخرى. إن معظم المجموعة التي كانت مواقفها متوسطةً إلى إيجابيةٍ في نظرتها للمستقبل ومستوى (PI)عندها منخفضٌ- كانت من متدني الأداء، وبالتالي ختم الباحثون بالقول: إنه يمكن للجهود التي تزيد من مستوى (PI) في المهام المستعجلة أن ترفع من دافعية الأفراد الذين لديهم، أصلاً ، توقعات جيدة للمستقبل، ولكن ليس من المحتمل أن تكون النتيجة نفسها مع من لديهم توقعات سلبية.

                               الشكل 5.5 تمثيل العلاقة بين النظرة المستقبلية ومستوى الـ PI، والدافعية للدراسة.

زيادةً على ذلك، فقد بحثتْ دراساتٌ عديدة في تأثير جنس الشخص على نظرته للمستقبل، ومن ذلك دراسة Greene & DeBacker (2004) التي وجدت اختلافات مرتبطة بالجنس في تأثر الفائدة المتصورة للفرد بخمسة توجهات نظرية مختلفة هي: دافعية الإنجاز، وتصور زمن المستقبل، وتوجهاته بعيدة الأمد (أي كيف يرى نفسه في المستقبل)، ونظرية القيمة-التوقع، ونظرية الإدراك الاجتماعي Social Cognitive (ملخص هذة النظرية أن الإنسان يكتسب الخبرة والعلم من خلال ملاحظته سلوك الآخرين، في إطار العلاقات الاجتماعية، والتفاعل مع الآخرين). وعلى الرغم من وجود تنوع عبر الثقافات بين الدراسات التي راجعها هذان الباحثان، إلا أنهما وجدا نمطًا ثابتًا تقريبًا، عبر التاريخ،  للرجال يتمحور حول تصور أطول، لزمن المستقبل (FTP)، مع تركيز ضيق بعض الشيء على الأهداف المتعلقة بالتوظيف والأمان المالي. بينما وجدا تنوعًا أكبرَ عند النساء، فيما يخص توجهاتهن المستقبلية، حيث ركزت أهدافهن أكثر على الزواج، وتكوين العائلة، ومن ثم أهداف متعلقة بالعمل. كما وجدا مؤثرات مجتمعية قوية على الأهداف والتوجهات المستقبلية لكل من الرجال والنساء.

تُعدُّ نظرةُ الأفراد لأجـَلـِهم، كان قريبًا أم بعيدًا - وهو مرتبط بالعمر - مؤثرًا آخرَ على تصميم البيئات التعليمية الدافعة، ووجهًا آخرَ للتوجه المستقلبلي (Lang & Carstensan, 2002). فعندما ينظر الفرد لمستقبله على أنه بعيد الأمد (أي أن يكون صغيرًا بالسن ) سيميل أكثر للتركيز على أهداف متعلقة باكتساب معرفة مفيدة و مرتبطة بمستقبل مرغوب. ولكن لو كان الفرد كبيرًا بالعمر ومستقبله محدودا، سيركز على إدارة علاقاته الاجتماعية. في دراسة أجراها Lang & Carstensen (2002)  في ألمانيا على 480 شخصًا بالغًا، تتراوح أعمارهم بين 20 و 90 عامًا، أكد الباحثان على ميل الأشخاص الأصغر عمرًا إلى تصورٍ مستقبليٍ بعيد الأمد، وميل الأشخاص الأكبرِ عمرًا لتصور مستقبلي محدود أكثرَ. كما يركز ذوو التصور المستقبلي المحدود على تحجيم شبكاتهم الاجتماعية بانتقاء العلاقات المرضية شخصيًا و اجتماعيًا، وفي حال الأفراد ذوي النظرة الممتدة أكثر فإنهم يميلون لتوسيع شبكة معارفهم والتعرف على أشخاص قد يسهمون في تحقيق أهدافهم المستقبلية. و في دراسة أخرى وجد Fredckson & Carstensen (1990) أن الاختلافات في تحديد الأهداف بناءً على العمر تختفي بظروفٍ محددة، أو بتخيل الأفراد لظروفٍ ما؛ فمثلاً: عندما يتوقع الشاب أن ينتقل من بيئة لأخرى، أو يتوقع الشيخ حدوث تطور في الطب يزيد في العمر، فسيضعون أهدافًا بعيدًا عن أعمارهم. وقد تؤثر عناصر أخرى في اختيارات الفرد ضمن الفئة العمرية الواحدة وهو ما وجدهCarnsen & Fredricksen (1998) عندما أجريا دراسة على مرضى إيدز في مرحلة الشباب، حيث كان لدى الأفراد الذين يتوقعون أن حياتهم ستمتد أكثر، توجهٌ مستقبليٌ بعيدُ الأمد، بينما أظهر الأفراد الأقربُ للموت؛ بسبب سوء الحالة أهدافًا تشابه تلك التي يضعها الشيوخ في العمر. نختم بالقول: إنه، كلما اقترب الفرد من الموت، كانت أهدافه أكثرَ عاطفيةً، بدلاً من أهداف متعلقة بالعمل عند الشباب. وبالرغم من ذلك، قد يكون لدى الفرد توجهات مستقلة عن عمره، كمن يكون شابًّا، ولكنه يخاف من المستقبل وأحداثه، أو شيخًا، لكنَّ نفسه ما زالت شابة، وحياتَه مليئة بالأهداف المتعددة.

التوجهُ للهدف Goal Orientation

ناقشنا عدةَ دوافعَ تؤثرُ على سلوكات الأفراد، ونضيف هنا دافعًا آخرَ هو التوجه للهدف، الذي نعني به: هل وجَّه الفردُ تركيزَه أكثرَ على نتائجَ سلوكِ سعيه نحو الهدف، أم النشاطات المؤدية للهدف؟ وتعد المهمة مقابل الأنا، والإتقان مقابل الأداء مفاهيمَ يكثر استخدامها في هذا السياق.

درسNichols(1984) تطورَ السمات السلوكية في الأطفال، ولاحظ فرقًا واضحًا بين الأطفال وبين البالغين من ناحية التوجه نحو الهدف و التوجه نحو الأنا. ولاحظ ميل من يهتم بالمهمة إلى التركيز على كيفية إنجازه لها، وعناصر تساعده في ذلك. أما القسم الآخر، فيركز على ما سيحدث نتيجة قيامهم بالمهمة، ويهتم بشأن تقييمات الناس لهم .

كما أجرى Dweck(1986) دراسةً للتفريق بين الأهداف التعليمية وبين الأهداف الأدائية. حيث يحب الأشخاص ذوو الأهداف التعليمية، المهام ذات المستوى العالي من التحدي، ويعتقدون أنه يمكن اكتساب وتعلم المهارات وتطويرها بالتمرين و الجهد، ويركزون على إتقان المهمة. وعلى العكس نجد أن الفرد ذا التوجه الأدائي يهتم أكثرَ بامتلاكه كفاءة لإنجاز المهمة أمامَ الآخرين، ويريد النجاحَ بأقل جهد ممكن، ويعتقد أنه لا يمكن تطوير القدرات، ويهتم بالمقارنات الاجتماعية ورموز النجاح.

وقد أكدت الدراساتُ على ترافقِ التوترِ المرتفع مع الأنا أو الأداء، حيث يصبح خوف الفرد من الفشل أو عدم النجاح قويًا إلى درجة أن يمنعه من أي تقدم. بينما يظهر الفرد ذو التوجه نحو المهمة أو التعلم تركيزًا أفضلَ على إنجاز المهمة بأفضل شكل ممكن تحت أي ظرف كان.

قد يكونُ التطرفُ في أي توجه هدّامًا، كما حصل في حالة التوجه نحو الأنا السابقة، أو قد يكون التطرف في التوجه نحو المهمة هدّامًا عندما يضع الفرد معايير مستحيلةً أقرَب إلى الكمال، لا يستطيع الحصول عليها. ولكنْ، وبشكل عام، يمتلك الأفراد توجهاتٍ لكلا النوعين بدرجات متفاوتة؛ فقد يفكر شخص بنتائج الفشل أو النجاح دون أن تضعف دافعيته، وربما يكون هذا الفرد نفسُه قادرًا على التركيز على المهمة، وعلى درجة من الأداء تستثيره أكثر، وتقوده لأداء أفضل.

من المهم أخذُ هذه الثنائيات المفاهيمية بعينِ الاعتبار عند تصميم البيانات التعليمية، فعند تعلم الأفراد مهارات لا يعرفون عنها كثيرًا، وكانت ثقتهم قليلة، فمن الأفضل تصميمُ بيئةٍ تركز على التوجه نحو المهمة، لا التوجه نحو الأداء. بعد مدة، وعندما يبدءون تحقيق الإتقان، يمكن الانتقال إلى ظروف تستحث الأداء لتقوية هذه المهارات. على سبيل المثال: عندما يقبل الطلاب على امتحان صعب، مثل اختبارات الاستعداد الدراسي Scholastic Aptitude Test ، يجب أن نركز في تجهيزهم له على ممارسة المهارات التي ستؤدى في الامتحان، ثم يتمرن الطلاب على اختبارات دون تحديد عامل الزمن، وبعد ذلك تُغير الظروف لتصبح شبيهة بظروف الامتحان. يمكنك استخدام استراتيجيات مشابهة عند تدريب الطلاب على آلة موسيقية ما أو مهارة كالجمباز.

إن هذه المفاهيمَ مهمةٌ في تشخيص مشاكل الأداء، وعادة ما تتسبب مستويات عالية من التوجه نحو الأنا أو التوتر الأدائي في صعوبات لدى الطالب في تعلم مهاراتٍ جديدة. يمكن تقليلُ هذا التوتر بمساعدة الطالب على التركيز أكثرَ على المهمة، وإشراكهِ في نشاطات متعلقة ببيئة الأداء.

الاهتمامُ Interest

ينسبُ تقديمُ مفهومِ الاهتمام وعلاقته بالتعليم إلىJohn Dewey  في دراسته المعنونة ""الاهتمام و الجهد في التعليم"" Interest and Effort in Education(Dewey, 1913). تمحورت دراسته حول أن الجهد و حده لا يؤدي إلى تعليم فعال، بل يجب أن يترافق معه اهتمام. وقال:""إن الإجبار وحده يجعل الطفل يقوم بعمله الذي يعد مهمةً بالنسبة له، وفي اللحظة التي يخف فيها الضغط الخارجي، سيذهب انتباهه لشيء آخر يهمه. ويكتسب الطفل الذي يُتعامل معه على أساس ""الجهد"" مهارات جيدة في مواد لا يهتم بها، ولكنَّ طاقاته الحقيقية ستصرف في أشياء أخرى"" (ص.1).

إن مفهومَ Dewey للاهتمام مختلفٌ قليلاً عن مفهومه لدينا الآن، ولكنه توقعَ مثلَ هذا المفهوم. وقد وازن لدرجة معينة بين الاهتمام والدافعية الداخلية من جهة، وبين الجهد والدافعية الخارجية، من جهة أخرى، وأشار إلى أن الاهتمام يقود إلى سلوكات تجنبية. وقال: إن من المهم امتلاك اهتمام داخلي في المواقف التعليمية، ولكن تكفي أحيانًا الدافعية الخارجية لتعليمٍ فعالٍ.

دُرس الاهتمامُ أيضًا، في سياق التعلم من مواد مكتوبة. وافترض Schank(1979)- الذي كان له إسهامات مبكرة في هذا المجال، خاصة في رواية القصة- أن الأحداث التي تبتعد أكثر عن توقعاتنا الطبيعية تثير اهتمامنا أكثر َمن الأحداث المتوقعة. على سبيل المثال، لن تجذب قصةٌ، مات فيها شخص عمره 83 عامًا إثر ذبحة قلبية في متجر ما، اهتمامَ الناس كما ستجذبهم قصة يموت فيها نفس الشخص أثناء مساعدته لمحاسب المتجر في إحباط عملية سرقة بنفس الذبحة الصدرية. فرق Shank بين الأحداث التي تثير اهتمامًا مؤكّدًا وبين آخرَ متوقعًا مثل: الموت، والغضب، والسلطة، والزواج التي أسماها ""الاهتمامات المطلقة"" من جهة، و""الأحداث النسبية"" مثل المفاجأة أو الحداثة (الجِدة Novelty) التي تختلف من شخص لآخر. ووضع Shank عدة ظروف تساعد في جذب الاهتمام، يرتبط اثنان منهما - عندما يكون هناك خرقٌ للتوقعات، وفقدُ معلومات ذات صلة، كما في قصص التحقيق - بأعمال Berlyne حول مفهوم الفضول (الفصل الرابع 4). وهناك ظرف ثالث آخرُ هو أن ترتبط الأحداث بالمواضع الرئيسة، مثل: تلك المذكورة في فئة ""الاهتمامات المطلقة"". وعلى الرغم من اشتراك الاهتمام والفضول في بعض العناصر، إلا أننا نرى أن السمات الأساس للاهتمام ترتبط بمواضيع الصلة مثل الأهداف الشخصية، والخبرات السابقة، والاهتمامات الأصلية.

كانت معظمُ الدراسات في الاهتمام، بما في ذلك أبحاث Shank، في سياق التعلم من النصوص، أو تحليل الخطابات المكتوبة، المرتبطة بالتعلم وتصميم التدريس. وأجرى Hidi&Baird(1986) مراجعة لها، وقسماها بناء على تحدثها عن قصصٍ أو روايات، هدفها الأساس التسلية وتوظف الكثير من سمات استثارة الفضول(Berlyne, 1954b)، أو عن شروحاتٍ تتلخص وظائفها في الإخبار أو التفسير أو الإقناع. أثناء حديثهما عن أساليب سرد القصص، أشار Hid &Baird (1986) إلى أن للاهتمام مكوناتٍ معرفيةً وعاطفيةً؛ تستثار العاطفية فيها بمواقفَ إنسانيةٍ دراماتيكية Wilensk, 1983))، أو اهتمامات مطلقة مثل تلك التي تحدث عنها Shank. أما المعرفية منها فتنتج عن الخصائص المحفزة للفضول مثل التنافر المعرفي والمفاجأة والحداثة والمغالطات الفكرية إلى آخره، والتي وصفها Berlyne (1954b) بـ ""المتغيرات المحفزة Collative Variables"". زيادة على ذلك، أشار Hidi & Baird (1986) إلى أنه، وعلى العكس من بعض الكتاب الذين يفرقون بين إعطاء الأولوية لاستثارة الاهتمام عن طريق تعديل المحفزات الخارجية، أو من خلال نفسية الفرد، ينتج الاهتمامُ عن التفاعل بين المحفزات الخارجية وبين الفرد ما يساعد في تفسير الاختلافات في ردود فعل الناس تجاه محفزات متشابهة.

أفادَ Hidi & Baird (1986) أنه لا يوجدُ الكثيرُ من الدراسات في مجال الشروحات (بعكس القصص)؛ بسبب قلة الأفراد الذين يجدون مثل هذه النصوص ممتعةً، ولأن الكثير من الدراسات تمّت على نصوص لمواد يدرسها طلاب الجامعات ونصوص مصممة خصيصًا لأغراض بحثية. هناك دراسات قليلة أجريت على الطلاب من مرحلة التمهيدي إلى المرحلة الثانوية الذين احتوت موادهم نصوصًا قصصية وأخرى مهمةً جدًا لهم، وطور Flesh (1984) مجموعة معاييرَ يمكن استخدامُها لتقييم أيِّ نص، ولكن يبدو أنها لم تستخدم في هذه الدراسات.

هناك مأخذٌ آخرُ يتعلقُ بتأثير مجهود الطلاب ،على أشياء تهمهم، على الحفظ، خاصة عندما تكون المادة التي تهمهم مجردَ شيءٍ مساعد للمحتوى الرئيس. وجد Hidi & Baird(1986) أن الطلاب يتذكرون الأشياء التي يهتمون بها أو تعنيهم شخصيًا، بغض النظر عن أهميتها في المحتوى الدراسي ككل. واختبر هذان الباحثان أيضًا في عام 1982 التذكر الحر لمحتوى مطروحٍ بثلاث طرق في الكتب المدرسية: الشروحات، والسرد الممتع، وخليط بينهما وضعت فيه نصوصٌ ممتعةٌ غيرُ مهمة ضمنَ شروحاتٍ مهمةٍ، ووجدا أن معدلاتِ تذكرِ المعلومات المهمة في النصوص المختلطةِ كانت أقلَّ من المتوقع، وبالتالي فقد قللت الإدخالات القصصية من تذكر المعلومات المهمة.

قدم Garner, Gillingham & White (1989) مفهومَ ""التوسع أو الزيادات الجذابة Seductive Augmentation"" للإشارة إلى معلوماتٍ غيرِ متصلة بالموضوع؛ ممتعة لكنها غيرُ مهمة. استخدم هذا المصطلح في البحوث ذات العلاقة مثل Harp & Mayer (1998) للدلالة على معلومات غير متصلة برسالة النص الأصلية أو أهداف التعلم في البرنامج التدريسي، ولكنْ ليس بالضرورة أن تكون غيرَ متصلةٍ بالموضوع العام. على سبيل المثال: في إطار الحديث عن مبادئِ تكوُّن الأعاصير، قد يكون التوسع الجذاب بعرض قصة قصيرة عن البيوت التي تقع على شاطئ المسيسيبي والتي دمرها إعصار كاترينا بالكامل، أو صورة لقوارب مدمرة، أو أشجار كسرتها قوة الرياح (يمين الشكل 5.6) غير متصلٍ بالهدف الجوهري للدرس، بالرغم من كونه متصلاً بتوضيح القوى التدميرية للأعاصير. وبالمقابل، يـُعدُّ عرضُ صورة توضيحية لتكوِّن غيوم العواصف الاستوائية (يسار الشكل 5.6) ذا علاقةٍ مباشرةٍ أكثرَ. توسع Garter (1989) وزملاؤه في أعمال Hidi (1982) وزملائه بمقارنةِ تذكرِ المعلومات الرئيسة من نص تلقيني، ونصٍّ آخر ذي محتوى ممتعٍ (تفاصيل جذابة). أجريت هذه التجربة على طلاب في المرحلة الجامعية، وطلابٍ في الصف السابع، وفي كلتا الحالتين، شوشت التفاصيل الجذابة على تذكر المعلومات الأساس.

                                             الشكل 5.6 . أشكال متصلة وغير متصلة في درس عن تكون الأعاصير.  

من البديهي أن تدفع إضافةُ موادَّ ممتعةٍ إلى النص- وبخاصة النصوص العلمية- القارئَ إلى قراءةٍ متأنية أكثرَ وبالتالي تعليمٍ أفضلَ، إلا أن الدراساتِ السابقة لم تحصل على هذه النتيجة، حيث لوحظ أن الموادَّ الممتعةَ غيرَ المتصلة بالموضوع تحولُ الانتباه عن المحتوى الجوهري للنص. اقترح Harp & Mayer (1997) أن يُفرَّق بين الاهتمام العاطفي، مثل الذي تسببه التفاصيل الجاذبة المذكورة في الدراسات السابقة، والاهتمام المعرفي الذي يعني معلومات تضيف شروحات تفصيلية للنص. واستخدما في دراستها أيضًا مزيجًا من النصوص والصور التوضيحية.    

وكان من بين التفاصيلِ الجاذبةِ غير المتصلة التي استخدماها: معلومة تقول ""يصاب تقريباً 10000 أمريكي سنويًا نتيجة البرق. ورأى شهودُ عيان في ولاية ميرلاند برقًا يصيب لاعبًا في فريق كرة قدم في الثانوية أثناء تدريباته مما تسبب في حفرة في خوذته وحرق كنزته وطيران حذائه بعيدًا، عاش الفتى لكنه كان يرفض الحديث عن تجربته التي كادت أن تتسبب بموته حتى بعد عام. (ص94)"" تكونت الصور التوضيحية الجاذبة من صورٍ لنفسِ الأحداث الموصوفة في النص، أما الاهتمامُ المعرفي فقد تشكل من سلسلةِ رسوماتٍ توضحُ ستَّ خطوات لتكون البرق. وكانت نتائج البحث منسجمةً مع الدراسات السابقة التي تحدثت عن أثر تشويش هذه التفاصيل الجاذبة، والأبحاث السابقة في التعلم من النصوص التي وضحت الأثرَ المفيدَ لاستخدام الصور التوضيحية Fleming & Levie (1978). وفي سياق متصل، أوضح Harp & Mayer في دراسة أخرى لاحقة (Harp & Mayer, 1998) أن التشويش الناتج عن التفاصيل الجاذبة يأتي نتيجة تحفيزها نماذجَ تنظيميةً غيرَ مناسبة، لا صرف انتباه ولا تشتيت القارئ.

ومن وجهة نظرٍ أخرى مختلفة تمامًا، تعد امتدادًا لدراسة الاهتمام في النص، افترض لُغـَويـَّان اثنان هما Sperber &Wilson (1986) أن الصلةَ هي متطلبٌ أساس - إن لم تكن العنصرَ الأكثرَ أهمية - في التواصل والفهم. ففي أي موقف، سننتبه إلى المثيرات الجديدة، إلى حد أن ندرك علاقتها بشيء مهم في حياتنا، وإذا لم نحصل على مثل هذه العلاقة فسنتجاهل المثيرات. مثلاً: افترضْ أنك دخلت قاعةً مليئة بالناس، ستقوم أولاً بمسح الغرفة، ثم ستلاحظ الأشخاص الذين يشكلون مصدرَ تهديدٍ أو خوفٍ بسبب أحجامهم أو أشكالهم أو حالاتهم، وسيظل انتباهُك عليهم قائمًا – حتى لو بشكل غير مباشر- ما دام شعورُك بالتهديد موجودًا. ولكن قد تبددُ معلوماتٌ إضافية أخرى أحياناً هذا التهديدَ مما يفقدك اهتمامك بهم، كأن تكون رجلاً عاديًا، وتلاحظ وجود رجل جميل أنيق، فتتخيل أنه سيشكل مصدر تهديد لعلاقتك بزوجتك أو حبيبتك؛ ما يجعلك تشعر بتوتر. ولكن إذا عرفت فيما بعد أن هذا الأنيق متزوج وسعيد بزواجه وعيناه ليستا ""زائغتين""، فستتجاهله. كما سيجذب أصدقاؤك، وأصدقاءُ أصدقائِك انتباهَك، وسيكون باقي الناس عاديين لن تنظر إليهم، ولو قابلت أحدَهم في الشارع في اليوم التالي فلن تعرفَه. وإذا بدأت بالحديث مع شخص لا تعرفه، فسوف تحاول تحديد ما إذا كان لديكما اهتماماتٌ وخبراتٌ مشتركة تحفز حديثًا مطولاً، ومن ثم تضعه ضمن قائمة معارفك، وإذا لم تجد فستتجاوز هذا الشخص وتتركه. لاحظ أن السبب الكامن – بحسب Sperber & Wilson- وراءَ كل تصرفاتك هو الصلةُ، حيث نوظف تواصلَنا البصري واللفظي بناء على هذا المبدأ، فنتواصل بصريًا ولفظيًا عندما نجد صلة للموضوع بحياتنا.

الدافعيةُ الداخلية Intrinsic Motivation

يختلفُ مفهومُ الدافعية الداخلية عن الاهتمام، حيث تعني الانجذاب المبدوء ذاتياً نحو أهداف أو أنشطة محددة بسبب اهتمام داخلي وحاجة للرضى الناتج عن تحقيق الكفاءة وتحديد الذات Self-Determination (Deci, 1975)، بينما يعني الاهتمامُ انجذابًا أو عنايةً نشعر بها تجاه أحداث أو أشياء لكونها تلامس حاجاتنا ومخاوفنا الأساس أو اهتماماتِنا المطلقة (Schank, 1979 ). يمكن توليد الاهتمام أيضًا من خصائص مثل الحداثة والمفاجأة وسمات استثارة الفضول. وبالتالي فإن الاهتمامَ بطبيعته يبنى على مواقفَ أكثرَ من مفهوم الدافعية الداخلية الأوسع.

قد يطورُ الفردُ اهتمامًا داخليًا بالموضوع، حتى لو كان الهدف أو المهمة مدفوعًا خارجيا في البداية. مثلاً: عندما كنت في الجامعة ومع اقترابِ نهاية الفصل والضغوطاتِ التي تصاحب ذلك لتسليم أوراق بحثية ولاجتياز الامتحانات، وجدتُ أني أصبحتُ مهتمًا بشدةٍ بموضوع معين بينما كنت أبحث فيه، وذلك بالرغم من عدم اكتراثي به بادئَ الأمر. وجدت العديد من المراجع والمصادر التي تتحدث في موضوعي، ولكن وبسبب الضغط الواقعِ علي، كتبت ملاحظات بأسماء الكتب التي أثارت فضولي للرجوع إليها فيما بعد – وهو ما لم يحصل!- وأنجزت ما هو مطلوب فقط. فيما بعد، عندما بدأت أُدرِّس نظريات التعليم والمعرفة والدافعية بنوعيها الداخلية والخارجية، استذكرت هذا الموقفَ وحاولت تفسيرَه. لم أجد تصنيفًا له؛ فقد كان المساق متطلبًا خارجيًا والنجاحُ به أداةً للوصول إلى درجة الدكتوراه، أما الاهتمام بالموضوع فقد انتهى بانتهاء الفصل، ما جعلني أسمي مثل هذه الحالة ""الدافعية الداخلية المؤقتة"" حيث كان من المهم تطويرُ درجةٍ من الاهتمام للمضي قدمًا في المادة وتسليم الأوراق البحثية، واتصف هذا الاهتمامُ بكونه عميقًا ومستمرًا كما الدافعيةُ الداخليةُ، ولكنه تلاشى بسرعة بعد انتهاء الفصل وقد وجدت تفسيرًا جيدًا له في نظريةِ تحديد الذات (Deci & Ryan, 1985) حيث تحول هذا الاهتمام إلى دافعية داخليةٍ، ولكن ليس بالشدة التي كان عليها في نهاية الفصل.

أوضحَ (Deci, 1975) أن الدافعيةَ الداخلية مرهونةٌ بالرضى، وتحديدًا فيما يخص الكفاءة وتحديد الذات (الاستقلالية)، ولكنه أشار في بحثه معRyan(Deci& Ryan, 2000) أن الأنشطةَ المدفوعةَ داخليًا لا تنجز لأجل الرضى من هذه الحاجات (الكفاءة والاستقلالية) بل بدافع ""الانخراط الحر الناتج عن الاهتمام"" (ص. 233). أي أن تحفيز الدافعية الداخلية يحتاج رضًى في سياق الكفاءة والاستقلالية، والعكس غير صحيح؛ ما يعني أن الانخراط في سلوكاتٍ مدفوعةٍ داخليًا مهمٌّ للرضى عن الحاجات السابقة، والذي نستطيع إشباعَه أيضًا بأنشطة لا تعدُّ دافعية ًداخليةً، ولكنها مهمةٌ للشعور بالكفاءة والاستقلالية، وبالتالي إدامةُ الدافعية الداخلية. تتضمن نظريةُ الحكم الذاتي SDT Self-Determination Theory(Deci & Ryan, 1985) مثل هذه المفاهيم التي تتعلق أيضًا باختيار الأهداف والحاجات النفسية التي تحافظ على السلوك الموجه نحو الهدف، ودمجت نظرية SDT مفاهيم الاهتمام والكفاءة والاستقلالية التي تشكل أساسَ القوةِ المحركة النفسية للدافعية الداخلية.

إن وصفَ الدافعية الداخلية والخارجية على أنهما متضادتان ليس من عادة الكتّاب التربويين، ولكن قدمت نظريةُ التكامل العضوي(OIT) Organismic Integration Theory التابعة لنظرية SDT(Deci & Ryan, 1975; Ryan & Deci, 2000) تصنيفًا لدافعية الإنسان في ستِ فئاتٍ تتضمن: اللادافعيةَ، وأربعةَ أنواع للدافعية الخارجية، والدافعية الداخلية. طُوِّر هذا التصنيفُ ليشرحَ أنواعَ الدافعية الخارجية المتنوعة وأنواع العوامل الخاصة بكل سياقٍ والتي تسهم في تطور توجه دافعي محدد.

 

نوعُ الدافعية

الخصائصُ

اللادافعيةُ

فقدانُ النية للعمل أو بصيغة أخرى حالة عدم الاكتراث بالهدف أو النشاط.

الدافعيةُ الخارجية (أربعة أنواع)

 

الإلزامُ الخارجي

مدفوعٌ بمتطلبٍ خارجي. وهو الصورة النمطية للدافعية الخارجي كما دُرِست في البحوث المبكرة (Condry, 1977).

الإلزامُ غير الواعي

يُتحكم بالفرد خارجيًا ولكنه مدفوع داخليًا؛ بسبب رغبته للشعور بالقبول والتقدير؛ نتيجة أدائه الجيد. ينسجم هذا مع مفهوم Nicholls, 1984 للتوجه نحو الذات.

تعرف الترابط

وهو إلزام عن طريق تعرف الترابط، أي أنه متطلب خارجي، لكن الفرد وبتعرفه أهمية النشاط يشعر بدافعية داخلية لإنجازه. مثلاً، سيُقبل مجند في الجيش على الاشتراك في دورة لياقة بدنية عن طيب خاطر لأنه على علم بأهميتها لإبقائه على قيد الحياة في القتال.

الإلزام المختلط

تعرفُ الدافعيةُ في هذه الحالة بأنها سلوكٌ متطلبٌ ولكنه مدفوعٌ داخلياً، وبالتالي يصبح الفرد ذا دافعيةٍ داخلية لإنجاز عملٍ يجب تأديته؛ لأسباب نفعية لإنجاز أهداف خارجية.

الدافعية الداخلية

يُؤَدى النشاط هنا؛ لأسباب تتعلق بالسعادة الأصيلة في الفرد وليس بسبب فوائد محتملة له.

                                           الجدول 5.2 تصنيفُ الدافعية الإنسانية وفقًا لـ (Deci & Ryan)

من المهم أن ندركَ أن هذا تصنيفُ فئاتٍ، لا تصنيفا هرميا، وبالتالي لا يجب أن تكون في مرحلةٍ دنيا لتنتقل بعدها إلى مرحلة عليا. وعادة ما أصبحت السلوكات المدفوعة خارجيًا بشكل كامل سلوكات مدفوعة داخليًا وذلك عندما يألفُ الفردُ الموقفَ أكثر. مثلاً: قد يكون التزام أي موظف جديد بالقوانين الخاصة بالالتزام بالوقت واللباس والمظهر العام والتواصل بأدب جمٍّ مع الآخرين مدفوعًا داخليًا بشكلٍ كامل؛ بسبب رغبةِ الموظف بتجنب أي انتقاد وبالتالي أي تحكم خارجي به، ولكن وبعد أن يعتادَ على المكان ويرى التشتيتَ الحاصل في بيئة العمل ويلاحظ عدمَ رغبة أعضاء فريقه للعمل بفاعلية سينتقل الفرد إلى مستوى تعرف الترابط الذي يجمع ما بين درجة من الالتزام الداخلي إلى جانب المتطلبات الخارجية. تلخيصًا لما سبق، قد تكون دافعيةُ الفرد الابتدائية في أي عملٍ أو مهنةٍ ضمن إطار أيٍّ من الأنواع السابقة وقد تنتقل إلى أي فئة أخرى بناء على خبرة الفرد بالموقف.

نقطةٌ أخيرةٌ نودُّ ذكرَها هنا حول الاهتمام والدافعية الداخلية أنه وفي أي بيئةٍ تعليمية لا يجب على التدريس بعناصره أن يحتويَ هدفًا عمليًا مباشرًا حتى يتعرفَ المتعلمُ صلةَ التدريس به. إذا استطعت كمدرس إيجادَ روابطَ بين محتوى المساق وبين اهتمامات طلابك الداخلية، أو على الأقل اهتماماتِهم المؤقتة المبنية على الموقف فستكون دافعيتُهم للتعليم إيجابية.

التدفقُ Flow

بحسب (Csikszenhtmihalyi, 1975) يعنى بالتدفق حالةَ الانهماك أو الاستغراق في النشاط لدرجة عدم الوعي بأي ملهياتٍ، بحيث يكون مستوى الدافعيةِ الداخلية مرتفعًا جدًا، ولن يكون التفكيرُ منشغلاً بالنجاح أو الفشل بل سيكونُ الانتباهُ منصبًّا بشكل كامل على المهمة بحد ذاتها، وسينتقل الفرد من فكرة أو نشاط إلى آخر دون وعي. إن حالة التدفق هذه تدل على أن الفردَ يشعر بأقصى صلة ممكنة. ووفقًا لـ (Csikszenhtmihalyi, 1990) هناك ثلاثة عوامل تمثل حالةَ التدفق هذه وهي: الاهتمام، والتركيز، والمتعة.

أجريت دراساتٌ على التدفق في أكثر من مجال مثل: التعليم والألعاب والرياضة وغيرها. وركزت معظمها على ما يحدث للفرد عندما يكون تفكيرُه في حالة من التدفق (Csikszenhtmihalyi, 1975) وبقي لديهم فضولٌ لمعرفة ما يؤدي إليها. وافترض (Csikszenhtmihalyi (1990 أن الوصول لمرحلة كهذه قد يتم عن طريق التعلم الزائد (Over-learning) الذي يجعل الفرد قادرًا على إنجاز أكثرَ من مهمة معًا على أنها نشاطٌ واحدٌ مدمجٌ، بدلاً من سلسلة نشاطات منفصلة. كما يمكن الوصولُ لها في سياق النشاط الذي يتقنه الفرد جيدًا، مثل: العزف على أداة موسيقية، بشكل منفرد أو ضمن فرقة. إضافة لذلك، قد يشعر الفرد بالتدفق عندما يعمل في مهامَّ مثل: إجراء الأبحاث، أو أخذ ملاحظات، أو توليد أفكار لورقة بحثية، بحيث ينهمك الفرد بالعمل لدرجةِ عدم إحساسه بمرور الوقت. 

من جهة أخرى، لا يفسرُ التعلمُ الزائد أو التمحورُ حول المهمة بشكل كبير سببَ حصول التدفق في مواقفَ دون أخرى. وضمن جهودهم لفهم العلاقة بين التدفق وبين عناصر أخرى في البيئة، درسShernoff  وزملاؤه (Shernoff, Csikszentmihalyi, Schneider & Shernoff, 2003) الظروف المتعلقة بانخراط طلاب المرحلة الثانوية إيجابيًا في التدريس، وجمع هؤلاء الباحثون بيانات من 526 مدرسة ثانوية ومتوسطة من 12 منطقة مختلفة، ضمن الولايات المتحدة الأمريكية، خلالَ السنوات الأولى والثالثة والخامسة من الدراسة، طويلة الأمد التي تمت في تسعينيات القرن الماضي. تم اختيارُ الطلاب عشوائيًا ثم ترتيبهم حسب الأداء الأكاديمي والجنس والعرق، وجمعت البيانات بطريقة (ESM)Experience Sampling Method (التي تتطلّب من المستجيبين التعبير عن مشاعرهم في أوقات محدّدة وبطريقة عشوائيّة). أُعطي كلُّ مشارك رزمةً من نماذج الإجابة التي تحتوي كل ورقة منها 45 بندًا، وساعة يدٍ مزودةٍ بنظام نداء إلكتروني. يبدأ المشاركون عند انطلاق الشارة بتعبئة نموذج واحد يطلب منهم وصفُ موقعهم والأنشطةِ التي يشاركون فيها وأفكارِهم حولها، بالإجابة على سلسلة بنود من نوع مقياس لايكرتLikert (يعتمد المقياس على ردود تدل على درجة الموافقة أو الاعتراض على صيغة ما) تبدأ من 0 (منخفض) إلى 9 (مرتفع).

قاست مجموعةُ بنودٍ درجةَ الانخراط في النشاط، وذلك بالسؤال عن درجة الاهتمام والاستمتاع به والتركيز عليه وهي مكوناتُ التدفق. وقاست بنودٌ أخرى درجةَ الانتباه التي أشاروا بها إلى مدى تفكيرهم بالمواضيع الدراسية (الرياضيات، أخذ الملاحظات، كتابة الأبحاث ... إلخ) وغير الأكاديمية (الأصدقاء، الأكل، الرجوع إلى المنزل، الاهتمامات العاطفية أو لا شيء أبدًا) أما المجموعة الأخيرة (جودة التجربة Quality of Experience) فقد احتوت أربعةَ متغيرات فرعية هي: المزاج (سعيد، اجتماعي، قوي، فخور، نشيط)، والتقدير (قيمة الذات، القدرة ، الإنجازات، تلبية التوقعات، والتحكم بالذات)، والقوة الأكاديمية (التحدي، أهمية الموضوع بالنسبة للأهداف الشخصية، التركيز، الأهمية الشخصية)، والدافعية الداخلية (الاهتمام، والاستمتاع ، والرغبة للمشاركة في النشاط).

وقد أتت هذه المقاييس متناغمة مع ثلاث فئات من متغيرات مستقلة (الجدول 5.3)، المتغير الأول: كان مستوى التحدي / المهارة، والذي يتضمن أربع مستويات هي: التدفق، والتوتر، والارتياح، واللامبالاة، والثاني هو: نوع النشاط الصفي الحاصل، حين الإجابة على الاستمارة، وهو من خمسة مستويات. والثالث هو: الموضوع الدراسي الذي احتوى تسع موادَّ مختلفة.

التحدي/ المهارة

النشاط الصفي

المادة الدراسية

التدفق (تحدٍ عالٍ، مهارة عالية)

التوتر (تحدٍ عالٍ، مهارة عالية)

الارتياح (تحدٍ عالٍ، مهارة عالية)

اللامبالاة (تحدٍ عالٍ، مهارة عالية)

المحاضرة

تلفاز / فيديو

امتحانات

العمل الفردي

العمل الجماعي

الرياضيات

اللغة الانجليزية

علوم

اللغات الأجنبية

التاريخ

الاجتماعيات

الحاسوب

الفن

التربية المهنية

الجدول (5.3) المتغيرات والمستويات المستقلة بناء على Shernoff,  Csikszentmihalyi, Schneider & Shernoff, 2003

وبشكل عام، أكدت نتائجُ هذه الدراسة التوقعاتِ النظرية بأن التدفقَ يترافق مع مستوياتٍ عالية من التحدي والمهارة والانخراط في النشاط. كما ترافقت المستوياتُ العالية من الانخراط مع مستويات عالية من الصلة والتحكم. وفيما يختصُّ بالأوقات التي يقضونها بالمدرسة، فقد أخذ العملُ الجماعي بما فيه المختبرات 15%، والنقاشات 9%، ومشاهدة التلفاز والفيديو 9%، والعمل الفردي 23%، والاستماع للدروس 21%، والدراسة 7%، والامتحانات 13%. سجل الطلاب أعلى نسب في المتغيرات غير المستقلة السابقة أثناء العمل الجماعي والامتحانات. كما سجل المقيّمون نسبًا عالية أثناء العمل الفردي. أما فيما يختص بالمواد الدراسية فقد أدرجت النتائج في الجدول (5.4). 

المتغيراتُ غير المستقلة

المتغيراتُ المستقلة

التحدي/ المهارة

الصلةُ التعليمية والتحكم

النشاطاتُ الصفية

المواضيعُ الدراسية

الانخراطُ

في كل المتغيرات غير المستقلة، حصل التدفق (تحدٍ عالٍ، مهارة عالية) على أعلى ارتباط بها، بينما حصلت اللامبالاة على أقل نسبة.

ترافقت المستويات العالية من الصلة والتحكم مع مستويات عالية للانخراط

أظهر الطلاب تحسنًا في كل المتغيرات غير المستقلة أثناء العمل في مجموعات و اجتياز الامتحانات.

أيضًا، أظهروا انتباهًا أكبر أثناء العمل الفردي

سُجل أعلى انخراط في الفن والحاسوب متبوعين بالتربية المهنية والاجتماعيات.

الاهتمامُ

 

نفس النتيجة في الأعلى للاهتمام والمتعة دون التركيز

التركيزُ

 

المتعةُ

 

الانتباهُ

 

أعلى نسبة في الرياضيات ثم العلوم ثمالحاسوب. أقل نسبة في التاريخ ثم اللغة الإنجليزية ثم الاجتماعيات. 

جودةُ التجربة

 

 

المزاجُ

ارتبطت بالتحكم طرديًا بالمزاج والتقدير الإيجابيين

ارتبط الفن طرديًا بالمزاج الإيجابي والشدة والدافعية لكن دون التقدير.

كانت مواد العلوم والرياضيات الأكثر شدة ولكن ليس الأكثر دافعية.

التقديرُ

الشدةُ

كلما زادت الصلة زادت الشدة

الدافعيةُ

 

الجدول 5.4 تلخيصٌ عام لأهمِّ نتائج دراسة Shernoff  وزملاؤه (Shernoff, Csikszentmihalyi, Schneider & Shernoff, 2003)

وبالملخص، أوضحتْ هذه الدراسةُ علاقةً منطقية بين خصائص المدرسة والخصائص الشعورية، وهي مفيدة جدًا في توضيح نقاطِ القوةِ والضعف في المجالات الدراسية وطرق التدريس في الصفوف. كما أن من الجيد اختبارَ عناصرَ تؤثر في التدفق في التعليم الإلكتروني؛ وذلك بسببِ سيطرة التعلم المستند إلى الحاسوب وبرامج التعليم المتمحور حول الفرد ومساقات التعليم عن بعد.

تساعد دراساتُ التدفق في سياق الانخراط في التعليم الإلكتروني في تحسين تصميمه. بحثChen,  Wigland & Nilan (1999) فيما إذا كان مفهومُ تطبيق التدفق في سياقِ التعلمِ بالإنترنت والظروف التي يجب توفرها للحصول على تدفق في الأداء، وقال Csikszentmihalyi & Geirland, (1996):

""يشبه موقعُ الإنترنت الذي يحفز التدفقَ الوجبةَ المتكاملة، حيث تبدأُ بالمقبلات ثم تناولُ السلطاتِ والطبق الرئيس، وتنتهي بالحلويات. ولكن لسوء الحظ، فإن المواقعَ في الحقيقة تشبه الكافتيريا؛ حيث تختار ما تريد. قد يبدو هذا جيدًا في البداية ولكنك لن تعرفَ ما تختار فيما بعد، لأن كل شيء يصبح بالنسبة لك عاديًا. يفترض مصممو هذه المواقع أن الزائر يعرف أصلاً ماذا يختارُ وهذا غير صحيح؛ فالفرد عندما يدخل موقعًا يأمل أن يجد ما يقوده"".

يساعد هذا التشبيهُ في فهم المشاعرِ المرتبطة بالموقف، ولكننا نحتاجُ تعريفًا أكثرَ دقةٍ. أثناء التعاملِ مع شبكة الإنترنت، قد يعيش الفردُ حالاتٍ من الفرح أو خيبة الأمل أو الشك. ولتمييز حالةِ التدفقِ عن حالات أخرى، وضع Chen, Wigland & Nilan (1999) أربع مميزات للموقع الإلكتروني هي:

  1. يجب أن يوفرَ تغذيةً رجعية مباشرة.
  2. يجب أن يضعَ قوانينَ واضحةً تجعلُ المستخدمَ يتبع أهدافًا واضحة ويثابر عليها.
  3. يجب أن يتضمن قدرًا مناسبًا من التعقيد أو المهام المركبة.
  4. يجب أن تخلق تحديًا عند المستخدم. ( ص 589 )

جهز الباحثون استبيانًا وزعوه على بعض مستخدمي الويب وتَلَقَّوا 327 ردًا. قدم هذا الاستبيان ثلاثة أوصاف لحالات من التدفق وضعها Csikszenhtmihalyi (1975) واستخدمت في دراسات أخرى (McQuillan &Conde, 1996) وتم استخلاصُها من متسلقِ جبالٍ، وكاتبٍ، وراقصٍ وهي:

""عقلي غير مشتت، فأنا لا أفكرُ في شيء آخرَ. أنا منهمكٌ تمامًا فيما أفعل. أحسُّ بشعورٍ جيد. يبدو أنني لا أسمع جيدًا وأنني معزول عن الآخرين. لا أشعر حتى بنفسي أو بمشاكلي"".

""إن تركيزي مثل التنفس؛ لا أفكر فيه أبداً. أشعر أنني غيرُ واعٍ أبداً لما يحصلُ حولي حينما أبدأ بالعمل. قد يرن الهاتف أو جرس المنزل أو قد تشتعل النار في المنزل أو شيء من هذا القبيل دون أن أشعر. عندما أبدأ، أُطْفئُ العالمَ كلـَّه من حولي، وعندما أتوقف أستعيد وعيي مرة أخرى"".

""أنا مندفعٌ تمامًا فيما أفعله، لا أشعر أبدًا أنني مفصول عنه""

سأل الاستبيان المستخدمين فيما إذا شعروا بأحاسيسَ مثل هذه أثناءَ عملهم على الويب، وطُلب من الذين أجابوا بـ (نعم) وصفَ الحالة أكثرَ والتحدث عما كانوا يفعلونه وقتها بالضبط. كما طرح عليهم سؤال حول شعورهم بالوقت أثناء ذلك إذا كان سريعًا، أو شعورهم بالمتعة والتحكم والتحدي.

أظهرت النتائج  ترافقَ ثلاثةِ أنشطةٍ مع الإحساس بالتدفق وهي: البحثُ على الإنترنت، واسترجاعُ معلوماتٍ باستخدامه، وإنشاءُ صفحاتٍ عليه. كما أظهرت أن الظروف المصاحبة لذلك هي: الأهداف الواضحة، والتغذية الراجعة المباشرة، والتوافق مع المهارات والقدرات الشخصية. من ناحية أخرى، تحدثت بعض الدراسات عن استخدام الويب في العمل للمتعة الشخصية، إذ إن بعض الموظفين يستخدمون الويب كمهرب ممتع من العمل، وقد بحثت بعض هذه الدراسات في العلاقة بين التدفق وبين الأنشطة التي تدفعك لتأجيل عملك، ووجدت أن الأنشطة المعتادة- التي تسحب الموظفين من عملهم– كالألعاب، والمحادثات على الإنترنت، والمدونات، هي أفضل مؤشرات دالة على استخدام خاطئ غير مقبول وحتى غير مشروع للإنترنت في العمل، وعلى تسبب الإنترنت بتأجيل العمل، وعلى التدفق. أشارت دراساتهم إلى الحاجة لبحوث جديدة في هذه القضايا والتي يمكن التحقيق فيها ضمن سياق التعليم. حيث نجد بعض المعلمين يمنعون استخدام الحاسوب المحمول (اللابتوب) لأن بعض الطلاب يستخدمونه في أنشطة غير مرغوبة مثل التسوق والتواصل الاجتماعي متى أتيحت لهم الفرصة لذلك.

لاحظ أن ثلاثة الشروط التي حددهاChen وزملاؤه (Chen, Widand, Nilan, 1999) هي أيضًا، أهداف لأنشطة التعلم باستخدام الإنترنت، إذا ما كانت خصائص له أصلاً. وقد تساءل أحدهم عن إمكانية استخدامها للتفريق بين التدفق والمماطلة. وهناك تحدٍ يتعلق بالتعليم عبر الإنترنت حول وجود أنواع عديدة من الإضافات التي قد تجعل من المستجيبين منهمكين تمامًا في الأنشطة، من ناحية، و تشتتهم عن أهداف التعلم، من ناحية أخرى. ناقشDeimann & Keller (2006)  بعضًا منها مثل: ظاهرة الارتباك التي يمكن أن تواجه القارئ عند قراءته نصًا يحتوي الكثير من الروابط التشعبية (Lost in Hyperspace)، والتفاصيل المغرية (Seductive Details) والكم العلمي الكبير (Cognitive Overload)، كما بحثا في توظيف استراتيجيات التحكم الذاتي لمساعدة الطلاب في البقاء على المهمة. لقد أدت مثلُ هذه البحوث إلى سؤالٍ حول وصفِ التدفق بأنه حالةٌ مفيدة أم أنها ضربٌ من التسلية العقلية، إلى جانب التفكير في تصميم أنشطة موجهة نحو الهدف وتحفيزِ التدفق الإيجابي.

الانتقال إلى التطبيق Transition

من الواضح أن هناك أساسًا غنيًا لمفاهيم الصلة التي توفر قاعدةً لتعرف فئات فرعية عديدة للصلة واستراتيجياتٍ للمساعدة في غرسها في نفوس الطلاب، سنراها فيما يلي:

استراتيجيات لبناء الصلة Strategies for Relevance

""لماذا يجب أن ندرس هذا؟"" كم مرةً سمعت هذا السؤالَ أو سألته أنت نفسك؟ هذا السؤالُ هو سؤالُ الصلة التقليدي، وكما نعلم فمن الصعب دفعُ الطالب للدراسة إذا لم يدرك صلة المادة به. إذا كانت المكافآت الخارجية مثل: الترقيات،أو الجوائز المادية، قويةً بما فيه الكفاية، فسيأخذ الطالب التعليم على أنه متصلٌ بتحقيق هذه المكافآت- ولن تجعل من المحتوى متصلاً شخصيًا بالطالب. دائمًا، هناك مكافآتٌ خارجية في المدارس، ولكنَّ نوع الدافعية الناتج عنها هو دافعيةُ الإنجاز، وليس التعلم، فدافعيةُ التعلم تنشأ عن ربط التعليم بخلفيات الطلابِ واهتماماتهم وأهدافهم، ويحتوي الجدول(5.5) التالي ثلاثَ فئات من استراتيجيات الصلة، وأمثلةً على الأسئلة الأساس التي يجب طرحها في كل منها، إضافة لعينات من تكتيكات كل فئة. تحتوي الفئة الأولى أهدافًا داخلية وخارجية، أما الثانية والثالثة فطبيعة أهدافهما داخلية.

المفاهيم والأسئلة الإجرائية

التكتيكات الداعمة الرئيسية

R.1 . التوجه للهدف:
كيف أستطيع تلبية احتياجات المتعلمين بالشكل الأفضل؟ هل أعرف احتياجاتهم؟

إخبارهم بفائدة التعليم مع أمثلة عليها، ثم تقديم الأهداف أو جعل المتعلمين يضعونها بأنفسهم.

R.2. تلبية الدافع:
كيف ومتى أربط تدريسي مع نمط التعلم لدى الطلاب واهتماماتهم الشخصية؟

جعل التعليم مستجيبًا لدوافع الطلاب وقيمهم بإتاحة الفرصة للإنجاز والنشاطات التعاونية ومسؤوليات القيادة وأمثلة على قدوات إيجابية.

R.3 . التآلف:
كيف أربط التدريس بخبرات الطلاب السابقة؟

جعل المفاهيم والمواد مألوفة بالتحدث عن أمثلة ومقارنات مرتبطة بالعمل وبخلفية الطالب.

                                    الجدول5.5 الفئات الفرعية، والأسئلة الإجرائية، والتكتيكات الداعمة الرئيسية للصلة

R.1. استراتيجيات مرتبطة بالأهداف Relate to Goals

""أثناء تدريسه مادةً عن معالجة البيانات، استخدمَ جيم أمثلةً تطبيقية وتمارينَ مرتكزة على عملاء وبيانات من المتوقع أن يجد المشاركون مثلها في عملهم""

تتحدث جميعُ الكتب التحفيزيةِ المتعلقةِ بمواضيعِ النجاح عن ضرورةِ امتلاكِ أهدافٍ محددة واضحة. فكر في لحظات في حياتك كنتَ فيها مدفوعًا بشكل كبير، هل كان لديك، وقتَها، هدفٌ كنت متشوقًا لتحقيقه كالحصول على عطلة مثلاً، أو جذب اهتمام أو انتباه أحدهم ""شخص مهم لك""، أو الحصول على شهادة أو جائزة؟ ستكون أغلب الإجابات نعم، فعندما يضع الفرد هدفًا محددًا واضحًا سيكون من السهل عليك، كمعلم، ربطُه بما تدرسه، حتى وإن كان رابطًا ضعيفًا.

ولكن، ماذا لو لم تكن أهدافُ الطلاب محددةً بوضوح، أو لم تجد رابطًا بين المحتوى وبين الأهداف التي قد يضعونها؟ ستساعد التكتيكات التالية المتعلمين على رؤية صلات بين التعليم وبين أهداف الطلاب الحقيقية أو الكامنة، ومن هذه التكتيكات: مقارنةُ ""قبل وبعد""، والقيمة المستقبلية. من المؤكد أنك شاهدت ""قبل وبعد"" في الكثير من الإعلانات على سبيل المثال، حيث تستخدم لإظهار فائدة مُنـْتـَج جديد. تستطيع استخدام نفس الأسلوب لإظهار أن إتقان المحتوى سيقود لأشياء جيدة بالمستقبل.

وهناك تكتيك آخر، نذكره هنا، هو القيمة المستقبلية، ومن خصائص هذا التكتيك الجيد أن الطلابَ أنفسهم - لا أنت كمعلم- يولدون صلاتٍ بأهدافهم واحتياجاتهم المستقبلية. يشبه هذا التكتيكُ نوعًا ما الخريطةَ الذهنية . ولتطبيقه دع الطلاب يرسمون دائرة كبيرة في منتصف ورقة بيضاء، وقل لهم: ""تخيلوا أنكم نجحتم في هذه المادةِ، كيف سيفيدكم هذا في المستقبل. فكروا في كل الأشياء التي قد تنتج عنها، أو التي قد تساعدُ هذه المادة فيها. وارسموا دائرة أخرى أصغر متصلةً بالدائرة الكبيرة، اكتبوا فيها ما تبادر إلى أذهانكم"". عندما ينتهي الطلابُ سيتفاجئون من الكم الهائل لفوائد هذه المادة، حتى أنت نفسك سترى أشياء لم تكن تتوقعها.

ليس من الضرورة أن تربط كل الأهداف بالمستقبل، فقد يكون بعضها متعلقًا بالوقت الحاضر. تحتوي القائمة التالية تكتيكاتٍ تركز على الفائدة الحالية للمحتوى إضافةً لإنجازِ أهدافٍ مستقبلية.

القيمة الحالية Present Value:

  1. اذكر فائدة المحتوى المباشرة إذا لم تكن بديهية.
  2. اذكر أمثلةً وتعليقاتٍ وقصصًا تركز على الرضى الداخلي عن الموضوع الدراسي.

القيمة المستقبلية Future Value:

  1. بين ما سيستطيع الفرد القيامَ به، بعد إنهاءِ المادةِ الدراسية.
  2. تأكد أن بعضَ ما ستتذكره من أمثلةٍ وتدريبات، على الأقل، مرتبطٌ بوضوح بالمعارف والمهارات التي سيحتاجُها الطلاب في المستقبل.
  3. أخبر المتعلمين كيف سيؤدي إتمامُ المادة بنجاح إلى إنجاز أهدافٍ مستقبليةٍ (مثلاً، هل سيكون النجاح في هذا المساق (المقرر دراسي) ضروريًا للقبول في مساقاتٍ لاحقة، أو اختيارِ مجالٍ الدراسة، والقبول في مستويات أعلى للدراسة، أو زيادة الراتب، أو الاحتفاظ بالوظيفة أو الترقية).
  4. أخبر المتعلمين كيف سيطورُ هذا المساقُ مهاراتِهم في التكيفِ الحياتي بشكل عام.
  5. شجع الطلاب ليفكروا في المساقِ على أنه يسهم في تطويرِ مجالات اهتمامٍ داخلية.

مثال  An Example:

يقدم النشاطُ الموضح في الشكل 5.7 كيف يستطيعُ المدرسُ استكشافَ مشاكلَ وقضايا الطلاب المتعلقة بالموضوع الدراسي. ويسهل هذا النشاطُ على المدرس تعرفَ احتياجات الطلاب المهمة ليربطَها بأهدافِ المساق التعليمية. يضع المتعلمون، في الجزء الأول من هذا التمرين، مشاكلَهم - بشكل فردي - ثم يستمعُ المدرس لكل هذه المشاكل، ويناقشها معهم، مع تقديم أشياءٍ مشابهةٍ. في الجزء الثاني، يقيم الطلاب هذه المشاكل على النحو التالي:

Y: إنني مسؤولٌ عن حل هذه المشكلة الدافعة.
N: تقع هذه المشكلةُ خارجَ نطاق سيطرتي، لا أستطيع فعل شيءٍ بخصوصها.
؟؟: لست متأكدًا من تصنيفها.
   

بعد أن ينتهي الجميع، يطلب منهم المدرس مناقشة ملاحظاتهم وآرائهم، ثم يربط هذه المشاكل بالأهداف التعليمية، ويشيرُ إلى طرقٍ للتعامل مع المشاكل غيرِ المتحكم بها، والتي تحدث عادةً بعد أن يتعلم الأفراد عملية تصميم الدافعية.

هل واجهت مشكلة بخصوص دافعية طلابك؟

الجزء الأول: قائمة بمشاكل الدافعية:

ما أنواعُ المشكلات  التي واجهتها في الغرفةِ الصفية، أو أثناء إعدادك المادةَ (بسبب الطلابِ، أو بسبب الموقف التعليمي ذاته)؟ اذكر ثلاثًا منها أو أكثر واجهتها أنت، أو أحدُ زملائك، ممن يدرس نفس المادة.
1. ________________________

2. ________________________

3. ________________________

4. ________________________

5. ________________________

6. ________________________

الجزء الثاني: تصنيف مشاكل الدافعية

(سيخبرك المدرب بالتعليمات)

Y = _______________________________

N = _______________________________

؟ = ________________________________

 

YN    ؟؟            مجموعات المشكلات

_    _    _         1. _______________________________________

_    _    _         2. _______________________________________

_    _    _         3. _______________________________________

_    _    _         4. _______________________________________

_    _    _         5. _______________________________________

_    _    _         6. _______________________________________

 

ما الآليات التي يمكنك استخدامها لبناء حس أقوى للصلة؟

 

                                                                            الشكل 5.7 تعرف ما يهم الطلاب

 R.2. تلبية الاهتماماتMatch interest:

""في مساقٍ حول مفاهيمِ التسويقِ وأساليبه، طلبَ مارك من مجموعاتِ الطلاب لديه اختيارَ أهدافهم واستراتيجياتِهم التسويقية الخاصة، في جو تنافسي بين المجموعات"".

لا يقتصر مفهومُ الصلة على المنفعة المتوقعة من المادة فقط، بل إن تطويرَ نهجٍ شاملٍ لها والتعامل مع مواقف يكون فيها ارتباطُ التعليم بأهداف المتعلم ضعيفًا يحتاج منك، كمعلم، أن تشيرَ إلى أشياءٍ أخرى. يندفع الناسُ للإنجاز أكثرَ عندما يشعرون باعترافٍ وقيمةٍ لذواتهم بسبب ما يفعلونه. في الصف، سيشعرُ الطلاب بصلة أكبرَ إذا شعروا أن المعلم يعرفُهم ويهتمُّ بهم ويكترث لنجاحهم من عدمه. وبالتالي تحققُ سلوكاتُ المعلم مثل: التواصل البصري مع الطلاب، ومعرفة أسمائهم، والتحاور معهم دائمًا، في كل ما يهمهم مستوياتٍ أعلى للصلة في الموقف التعليمي.

يعدُّ استخدامُ قدوات أو قصصَ نجاحٍ، واجهت تحديات حقيقية، وكافحت لإنجاز أهدافٍ فردية في سياق التعليم - تكتيكاتٍ لها أصولُها القديمة، ولكنها ما زالت فعالةً حتى الآن، وهو ما جعلها شائعةً في الأدب والأفلام وحتى الإعلانات.

أضف الى ذلك، أن إحساس المعلم بالحماسة قد يلهمُ طلابَه بالتحدي ويوقظ اهتمامهم بالمحتوى. حتى لو لم يشعر الطلابُ بالحماسة، يكفي شعورُهم بالدافعية بسبب معلمهم وبالتالي اهتمامُهم بما سيقدمه.

أيضًا، قد تؤدي طريقتك في تدريس الموضوع إلى الشعور بالصلة، على الأقل أثناء مدة تدريس الوحدة. مثلاً: سيشعر الطلاب الذين لديهم دافعيةٌ قويةٌ للإنجاز بإحساس أعلى للصلة إذا نَظَّمت لهم مسابقاتٍ، أو أعطيتهم فرصًا لوضع أهدافهم الشخصية. سيستجيب أغلبُ الطلاب إيجابيًا للعمل الجماعي ضمن مجموعات؛ حيث يوفر هذا الجو إحساسًا بالارتياح، يتكلم فيه الطلاب ويتعاونون مع بعضهم بعضًا. ولكن، لن يستمتعَ الطلابُ ذوو الحاجة المرتفعة للإنجاز بهذا العمل الجماعي إذا كانت علاماتُهم معتمدةً على علامات المجموعة ككل، وبالتالي ستواجه تحديًا يتمثل في استخدام أساليبَ تدريسيةٍ متنوعةٍ تلبي احتياجات جميع الطلاب، ما سيرفع من إحساسهم العام بصلة متطلبات الموقف التعليمي بحاجاتهم، وسيزيد من احترامهم للتدريس.

محفزات أولية أساس Basic Motive Stimulation

  • استخدام لغة قريبة للمتعلم ليشعر أنك تشبهه.
  • قدم أمثلة ( قصصًا، احصائيات... إلخ ) توضح السعي للإنجاز.
  • قدم أمثلةً تظهر المشاعر المرتبطة بالإنجاز.
  • ساعد الطلاب على بناء وإعطاء صورة ذهنية عن عملية النجاح والإنجاز والمشاعر المرتبطة بهما.
  • قدم تمارينَ تتضمنُ وضعَ المتعلم أهدافه، وأن يتمَّ تقييمها، ومن ثم إعطاؤه التغذية الراجعة.
  • قدم تمارين تتضمن عملاً تعاونيًا (مجموعات).
  • قدم ألغازًا، أو ألعابًا، أو أنشطة أخرى تحفز سلوكاتِ حلِّ المشكلة والسعي للإنجاز.
  • شجع المتعلمين (في الأنشطة المذكورة في النقطة السابقة) على التنافسِ فيما بينهم وتحدي أنفسهم (بكسر أرقامهم القياسية) أو تحدي معيارٍ معين.

القدوات Role Model:

  • استخدم قصصًا عن أشخاص مهمين في المجال الذي تطرحه.
  • استخدم أمثلةً وتوصياتٍ وغيرَها من أناس حققوا أهدافًا أكبر بعد إنجاز المساق الحالي.
  • ضمن اقتباساتٍ من أشخاص وصفوا أهميةَ وفائدةَ المساق بدقة.

R.3. الربط بالخبرات: Tie to Experiences

""بدأت ليز ورشةَ عملٍ حول تطبيقات المحاسبة البرمجية بالطلب من كل مشارك التحدثَ عما يعرفه عن أي نوع من هذه التطبيقات.""

أطلقت سلسلةُ فنادقَ عالمية مشهورة مقرها الولايات المتحدة الأمريكية حملة إعلانية بعنوان ""لا مفاجـِئَات""؛ كان الهدف منها إشعار المسافرين أنهم سيرون ما يتوقعونه من خدمات عالية الجودة ولباقة مألوفة لهم من دون مفاجـَآت أخرى ما سيتسبب في تقليل توترهم الناتج عن توقع مواجهة أشياء غير مألوفة أثناء سفرهم. عكسَ شعارُ الحملة توجهَ الأفراد للاهتمام بأشياءٍ موجودة لديهم أصلاً، وهم يريدون تأكيدات على أشياءٍ يؤمنون بها قبلاً.

إن توسيع عقول الطلاب وتحفيزَ تفكيرهم النقدي والإبداعي هو هدفٌ أساس للتعليم، قد يتعارضُ مع الرغبة بأشياءٍ مألوفة. ولتحقيق الهدفين معًا يمكنك ربطُ المحتوى غيرِ المألوف مع الخبرات والمعارف السابقة، ومن ثم تحويلُهما معًا إلى معارف وتصورات جديدة (انظر الجدول 5.6). نعرض فيما يلي بعض الاقتراحات في هذا السياق:

الربط بالخبرات السابقة Connection to Previous Experience

  1. تكلم بوضوحٍ حولَ بناءِ المعارف الجديدة على المهاراتِ والمعلومات الموجودة أصلاً.
  2. استخدم تشبيهاتٍ ومقارناتٍ لربط المادة الحالية بالعملياتِ والمفاهيمِ والمهارات المألوفة لدى الطلاب.

 الحالة : حالةُ تحدٍ في مادة الاجتماعيات

لدى الأستاذ ""جيل بركنز"" وحدةٌ عن المدن في مادة الاجتماعيات. تركز هذه الوحدة على السياسات والاقتصاد والتعليم وغيرها من البنى التحتية كأنظمة التوزيع مثلاً (توزيع الطعام والبضائع) والاتصالات. واجهَ جيل مشكلةً في دفع طلابه في مدرسته الريفية الواقعة في الغرب الأوسط في أمريكا، فتقريباً لم يزرْ أحدٌ منهم أبداً مدينة كبيرة، وكانت انطباعاتُهم حولَها تتلخص في المتعةِ والإثارةِ والترفِ أحياناً بسبب ما يشاهدونه عنها في التلفاز. أما المادة فلم تكن ممتعةً أو على صلة بهم.

بعد قراءةِ عدة موادَّ عن التعليم الاستفهامي، بدأَ جيل وحدته بالسؤال التالي: ""ماذا سيحدث لبلدةٍ عددُ سكانها 12500 لو نقصت الإمدادات الغذائية للنصف فجأة؟ً"" تفاجأ الطلابُ بهذا السؤال الذي أثارَ اهتمامَهم حول بلدة تشابه بلدتهم في حجم السكان. انخرط الطلابُ في تأملاتٍ تحولت لنقاش جيدٍ مرتكز على معرفتهم ببيئتهم ومزارعهم ومواشيهم.

بعد 20 دقيقة، سأل جيل: ""ماذا سيحدث لمدينة عدد سكانها 1250000 لو تقصت الإمدادات الغذائية فجأة؟"" وأورد أسماءَ بعض المدن بهذا الحجم. أخذ النقاش هنا منحنًى مختلفاً بعض الشيء، حيث كان تأملياً أكثرَ وعكس قيم ومعتقدات الطلاب المرتكزة على خلفياتهم وأسفارهم وما يشاهدونه على التلفاز. بعد فترةٍ قليلةٍ من بداية النقاش تبين للجميع أنهم يضعون توقعاتٍ فقط وهم غير قادرين على تحليل الموقف بدقة.

قدم جيل هنا الوحدة الجديدة وشرح للطلاب كيف سيفيدهم ما سيتعلمونه في فهم أفضل لما يحدث حولهم. وقبل أن يبدأ، لخص مع طلابه قائمة بتوقعاتهم وأسئلتهم، وخلال عملية التدريس، كان جيل يربط المعلومات الجديدة بالبلدة وبالقائمة.

                                                        الجدول 5.6 مثال لربط غير المألوف بالمألوف

خيارات فردية: Options for Individualizaion

  • أعطِ المتعلم خياراتٍ في محتوى الواجبات (مثلاً، هل يستطيعُ المتعلمُ اختيارَ أمثلة ومواضيعَ يهتم بها، في بعض الواجبات على الأقل؟ )
  • أعطِ المتعلم خيارات في نوعِ الواجبات (اسمح للمتعلمين باختيار وسائلَ متنوعةٍ لتحقيق هدف معطًى)

مقالات ذات صلة