القائمة الرئيسية

كتاب تصميم الدافعية للتعلم والأداء – نموذج آركس – دراسة الدافعية The Study Motivation - الجزء ١/١٢

كتاب تصميم الدافعية للتعلم والأداء – نموذج آركس – دراسة الدافعية The Study Motivation - الجزء ١/١٢
ملخص المقال

يناقش هذا الجزء من الكتاب أن تاريخ دراسة الدافعية طويل وعميق، ولا أحد يعرف متى بدأ تحديدًا. تعتبر التوثيقات المسجلة في هذا المجال حديثة نسبيًا مقارنةً بالتأملات والتفكرات التي خاض فيها الناس منذ آلاف السنين. ولكن، حينما ننتقل من تأملات الفلاسفة وإضاءات الكتاب والفنانين إلى المجال البحثي المنظم، نجد أن تاريخ البحث العلمي في الدافعية يمتد فقط لبضع مئات من السنين.

أسفر هذا التاريخ عن تراكم كبير من المعرفة في مجال الدافعية النفسية، والعلم بطبيعته تراكمي، مما يتيح لنا أن نلقي نظرة عامة على المفاهيم والنظريات الرئيسية في هذا المجال خلال فترة زمنية قصيرة نسبيًا. هناك قدر هائل من المعرفة محفوظ في تقارير بحثية ومراجعات لكتابات سابقة ونظريات متوفرة لأي باحث في هذا الحقل. يقدم هذا الكتاب مقدمة لهذه الكتابات، مع تركيز على تجميعها وترتيبها ضمن إطار مفاهيمي يسهل على المصممين والمعلمين وغيرهم - ممن ينخرطون في مجال معالجة مشكلات الدافعية - الاستفادة منها وتطبيقها.

ومن هنا يأتي الهدف الرئيسي لهذا الكتاب، وهو مساعدتك - عزيزي القارئ - على تطبيق عملية تصميم دافعية منظمة. تتطلب هذه العملية أن تكون على دراية كافية بالدافعية الإنسانية، مما يجعلك قادرًا على استخدام هذه المعرفة بفاعلية. تتضمن الفصول 4 و5 و6 و7 مصطلحات واتجاهات في الدافعية، تليها فصول أخرى تقودك خطوة بخطوة خلال عملية التصميم.

تأمل / تدبر  Forethought

                                                                      حديثٌ في مقهى (الشكل 1.1)

عندما أعملُ مع معلمين، ومدربين، أو حتى أساتذة جامعات، وأسألهم عن دافعية الطلاب، أجد أن عددًا لا بأس به منهم يتجاهل مسؤولية دافعية المتعلمين في صفوفهم، والأسباب التي يعطونها هي كما وضحتها في الشكل السابق. هل توافق على أي منها؟ هل هي أسباب حقيقية أم هي أعذار فقط لتجنب تحدّي الدافعية؟هذه المواقف شائعة بين المربين، وبعضها صحيح؛ فمثلًا لا يمكنك التحكم بدافعية شخص آخر، فالناسُ يفعلون ما يفعلونه بناءً على أسبابهم لا على أسبابك. ولكن من الصحيح أيضًا قول: إن المربي أو أي شخص لديه سلطة يؤثر على دافعية الآخرين. فأنت تستطيع تحفيز طلابك للتعلم، أو قتل دافعيتهم، أي أنك لن تكون محايدًا.

مقدمة Introduction

يقرّبُ تصميمُ الدافعية – موضوع هذا الكتاب الجوهري – الفجوةَ بين دراسة الدافعية وممارسة تعزيز أو تعديل دافعية الأشخاص. في أحد الجانبين، نجدُ المفاهيمَ والنظريات والمبادئ الناتجة عن دراسة دافعية الانسان. وفي الجانب الآخر، نجد الإجراءات والممارسات الناجحة وعمليات مصممة نتجت عن عمل مصممين وممارسين هدفهم تطوير دافعية المتعلم. كثيرًا ما يُستخدمُ مصطلحُ ""اتجاه واحد"" في هكذا مواضيع، ويُقصد به الانتقال من النظرية إلى التطبيق، أي أنْ يكتشفَ العلماء المبادئ الرئيسة، ويقوم الممارسون بتطبيقها. ومع ذلك، فإن العملية ليست خطية تمامًا، ما يعني أنه لا يمكن وصف تطبيق مباشر لكل مبدأ مثبت تجريبيًا في الدافعية، كما لا يمكن شرح كل ممارسة ناجحة بناءً على مفهوم محدد في الدافعية. لماذا؟ أحدُ الأسباب أن المبادئ المبنية على الأبحاث مشتقةٌ من مواقف معينة، بينما لا يقتصر التطبيق على موقف دون آخرَ. يتلاعبُ الباحثون ببعض المتغيرات في دراساتهم بينما قد يبقون على البعض الآخر ثابتًا – كما في الدراسات التجريبية وشبه التجريبية – أو قد يعممون بعض الحقائق بناءً على عدد محدود من الملاحظات في بيئة يحددون سياقها كما في الدراسات النوعية. وكقاعدة عامة، لا يمكنُ تطبيقُ أيٍّ من الحالتين السابقتين مباشرة وبطريقة غير مؤهلة. مرة أخرى، نطرح هنا سؤالًا ""لماذا؟"". يعود هذا لكون المصمم غير قادر على التحكم بالبيئات حوله لتكون مطابقة لبيئة الباحث، أضف وجود المزيد من التنوعات في المواقف ليتم تعميمها في الدراسات النوعية. يجب على المصمم السعي جاهدًا لتوقع كل التأثيرات الحقيقية والمحتملة في مواقف محددة – لا عامة – ومن ثم تقرير أي العناصر الدافعة يمكن التوجه لها ولأي مدى. بعد ذلك يحدد المصمم التكتيكات المناسبة لتعديل الخصائص الدافعة في بيئة المتعلم، أو المداخلات الواجب القيام بها للحصول على التغيرات المرغوبة في المتعلمين. وبالتالي، أصبحَ الجسرُ بين الجانبين التطبيقي والمفاهيمي باتجاهين؛ حيث يتعلم الممارسون والمصممون من أعمال الباحثين ويوجدون طرقًا لدمج تلك المعرفة في التطبيق، ويتعلم الباحثون من خلال ملاحظتهم للعلاقات في سياقات التطبيق، والتي توفر أساسات لاختبار وبناء نظرياتهم.

مع تقديرنا للمعرفة المشتقة من الممارسة، هناك العديدُ من الأشخاص الموهوبين الذين يُعدون محفزين ممتازين بسبب خبرتهم وشخصياتهم ومعلوماتهم وحسهم. يؤخذ على مثل هذه المعرفة اقتصارها على الأفراد الذين يملكونها وموهبتهم فقط، لا على شروط معينة كما هو الحال في دراسات الباحثين. في هذه الحالة، من الصعب فصل أوجه محددة للممارسات الناجحة عن شخصية وتصرفات الأفراد ككل؛ مما يحد من إمكانية نقل هذه المعرفة والمهارات لأشخاص آخرين. وكنتيجة لهذا، تبقى الدافعية تحدّيًا جوهريًا للمربين، فعلى الرغم من امتلاك العديد من الأشخاص موهبة واضحة في تحفيز الآخرين، ووجود عدد كبير من الدراسات في مجال دافعية الإنسان، تبقى الحاجة ماسّة لوجود دليلٍ منظمٍ لهؤلاء الذين يحاولون أن يصبحوا أكثر كفاءة في زيادة دافعية طلابهم. يهدف هذا الكتاب بشكل أساس لإيجاد مثلِ هذا الدليل في قالبِ عملية تصميم الدافعية، ما يعني أنه يتكون من نموذج عام على نظرية في الدافعية، ويضم تحليلًا منظمًا يعتمد المكونات الأساس لدافعية الإنسان لتشخيص مشكلات محددة فيها، وبالتالي، تقود نتائج هذا التحليل لتصميم و/أواختيار استراتيجيات دافعة تنسجم مع المتعلمين، والمدرسين، والبيئة التعليمية.

تلخيصًا لما سبق، تقارنُ الفروق بين تصميم الدافعية ونظرياتها بالفروق بين تصميم التدريس ونظريات التعلم والتعليم. نجد في الحقيقة مثلَ هذا الاختلاف في كل المجالات فيما يختص بالعلاقة بين الممارسات العلاجية والأبحاث المجردة. ويفترضُ الكاتبُ هنا أن دور المصمم هو حل المشكلات؛ حيث يقومُ بتشخيص الموقف وتوظيف كافة المفاهيم والاستراتيجيات المناسبة، وبذلك فهو ليس ذلك الفرد الذي يحدد وينفذ استرتيجيات مكتوبة في قائمة أو يحصر وجهات نظره في مفهوم واحد. من الممكن العملُ من منطلق أساس مفاهيمي محدد كما هو الحال بالنسبة لمحللي السلوك التطبيقي أو الإنسانيين، ولكن هذه المنهجياتِ تتجهُ نحوَ فرض قيود على طريقة تعريف المشكلة وإيجاد حلول لها. بينما يـُعدُّ استخدامُ منهجيات متعددة الأبعاد مبنيةٍ على طريقة منظمة لحل المشكلات شيئًا مثمرًا أكثر، وذا كفاءة أعلى. مواضيعُ كهذه وغيرها ستتمُّ مناقشتُها فيما تبقى من هذا الفصل الذي يعنى بمفهوم الدافعية ويطرح مفهومين منتشرين في دراسات الدافعية بشكل كبير.

ما الدافعية؟ What is Motivation?

تشيرُ الدافعيةُ عمومًا لرغبة الأشخاص واختيارهم ما يريدون فعله وما يـُلزِمون أنفسهم بفعله. بكلمات أخرى، أوضحت الدراساتُ الدقيقة في الدافعية أنها الاهتمامُ العميقُ لدى الأشخاص بـ""لماذا؟""،أي السبب القائم وراء ما يفعلونه. حاولت الكثير من المعارف الإنسانية إجابة هذا السؤال، مثلُ الأدب والموسيقى والفلسفة والعلوم؛ حيث يستكشف الكتاب والفنانون والفلاسفة مثل هذه المواضيع، ويمكن أن يمتلكوا بصيرة، أو لنقل: نظرة ثاقبة في أمور الحياة. ولكن، بالنسبة إلى علم النفس، فإن هدفه هو الحصول على معرفة علمية تـُستخدم لشرح وتطوير الخبرة الإنسانية.

تعرف الدافعية بشكل عام بأنها الشيءُ الذي يفسرُ التوجه للسلوك وأهميته، وبصيغة أخرى فهي أهدافُ الأشخاص التي اختاروها ليواصلوا العمل، ومدى نشاطهم ورغبتهم بذلك، ما يتضمن جميع فئات السلوك الموجهة، بدءًا من جهد طفل رضيع ليجذب اهتمام أمه؛ وصولًا إلى عالم إنساني يحاول اكتشاف الرموز المحيرة التي خلفتها حضارة البيرو القديمة. يصف هذا التعريف عنصري الدافعية (التوجه والأهمية)، ولكنه لا يفسر لماذا أو كيف يتعرف ويختار الناس أهدافهم.

حاولت العديدُ من النظريات والمفاهيم شرح مواضيع وأوجه متعلقة بالدافعية. وبشكل عام، يمكن تقسيم مثل هذه النظريات إلى أربع فئات، بناءً على افتراضاتها المسبقة ومجالات بحثها وتحقيقها. يعتمدُ الجزءُ الأول على علم النفس وعلم الأعصاب، ويتضمن دراسة الجينات والعمليات النفسية المتعلقة بالإثارة ومواصلة التطور. واحتوت المجموعة الثانية مناهج سلوكية تضمنت أشهر مبادئ التعزيز الإيجابي (الاشتراط التعزيزي الإجرائي)، والاشتراط التقليدي (الكلاسيكي)، والدافعية التشجيعية، والمؤثرات البيئية على التحفيز الحسي. أما فيما يتعلق بالمجموعة الثالثة، والتي حصلت على اهتمام كبير في السنوات القليلة الماضية، فقد احتوت على نظريات معرفية مثل نظريات التوقع – القيمة، والدافعية الاجتماعية، ونظريات الإسناد، ونظريات الكفاءة. وبالنسبة للمجموعة الرابعة، والتي نمت شعبيتها بسرعة كبيرة مؤخرًا، فهي تحتوي دراسات حول العاطفة والتأثير.

تُعد تصنيفاتٌ كهذه مهمةً لتنظيم مجالات البحوث الموجودة، ولكنها تقتصرُ في فائدتها على التطبيقات التحليلية وتوليد مسارات جديدة للبحث،بينما يحتاج المصممون والمحللون فهمًا شاملًا لمجال تخصصهم لدعم منهجيات حل المشكلات التي تتضمن التشخيص وتقديم الحل. في كل مجال بحثي رئيس، هناك إطار أو أكثر من المفاهيم السائدة التي لا يميل الباحثون إلى تخطيها. وفي الحقيقة، لا يستطيعُ الأشخاصُ الذين يعملون ضمن منهجيات موجودة مسبقًا تطوير نظرية شاملة، ويعود هذا لكون المعرفة السابقة السائدة ضمن أي نظرية تعتمد على البحث حول مجموعة بيانات أولية ومبادئَ تشكل الأساس لها، ويشكل هذا الافتراض أساس تطوير نظرية الفرض الاستنتاجي والنظرية التجريبية. في منهجية الفرض الاستنتاجي، تتشكلُ الفرضيات بناءً على نظرية أساس يقوم عليها البحث ثم تختبر بوسائل البحث المُحـَـكــَّمة، بينما في المنهجيات التجريبية، تجرى الدراسات وتجمع البيانات ثم تبنى التعميمات مما يقود إلى تشكيل مبادئَ عامة أو بيانات أولية تقوم بدورها في تشكيل الأساس لدورة أخرى في عملية الفرض الاستنتاجي (أي تشكيل واختبار الافتراضات لتوثيق النظرية).

بغض النظر عن نقطة البداية، لا يمكنُ تطويرُ نظريةٍ شاملةٍ بناءً على رأي نظرية واحدة في نمط تطوير الفرض الاستنتاجي. لماذا؟ لأنه، وخلال تنقل الباحث من مجال بحثي إلى آخر، تتغير الافتراضات المسبقة ومواضيع الدراسة السائدة. مثلًا، هناك معتقد رئيس في علم النفس السلوكي مفاده أن الشخص قادر على تطوير نظرية وافية حول السلوك الإنساني بتفحص ردود أفعال الأشخاص على محفزات من البيئة، نجد هنا أن علماءَ النفسِ المعرفيين يعارضون هذا المبدأ، فهم يعتقدون أنه من المستحيل شرحُ السلوكِ الإنساني بشكل وافٍ دون الأخذ بعين الاعتبار النشاطات الداخلية لمعالجة المعلومات. كيف يمكن، إذن، - يتسائل أحدهم- الحصول على نظرية شاملة إذا كان لمكونين ضروريين على الأقل افتراضات غير كاملة؟

ينظرُ هذا الكتابُ للحقيقة على أنها تميل لتوضع في سياقات متناسبة. لكل نظرية افتراضاتها المسبقة المحددة ومجالاتها الرئيسة وطرقها الخاصة لإجراء البحوث. فالتوضيحات لظاهرة ما صحيحة ضمن سياق تُزود به النظرية، ولها درجة عالية من المصداقية، ولكن قد لا تكون النظرية، ككل، قادرة على تقديم توضيحات كافية خارج السياق المعطى. وبالتالي لا يستطيعُ علماءُ النفس السلوكي تقديمَ توضيحاتٍ كافية لعملية معالجة المعلومات الداخلية لدى الإنسان، بل إنهم لا يفكرون أصلًا في ذلك، بسبب افتراضهم القائل بإمكانية إيجاد التوضيحات الوافية من خلال العلاقات بين المحفزات البيئية (التي يمكن ملاحظتها) وبين سلوكات الإنسان. على كل حال، يمكن تجميع هذه النظريات معًا لتشكل نموذجًا أعلى يرفع من قدرتها على التوضيح.

شكلت مثلُ هذه النظرية الشاملة أساسًا وإطارًا مرجعيًا واضحًا لمكونات نموذجARCS(Keller, 1979, 1983). ويستخدمُ ما يسمى نموذج الدافعية والأداء نظامًا نظريًا لتوضيح العلاقات بين الأجزاء من حيث المدخلات والعمليات والمخرجات (الشكل1.2). هناك ثلاثة صفوف في النموذج: صفٌّ في المنتصف يمثلُ المخرجات الرئيسة القابلة لقياس كل من الدافعية والأداء، وصفٌّ علوي يمثل الخصائص النفسية التي تؤثر على الدافعية والتعلم والأداء والاتجاهات، وصفٌّ في الأسفل يمثل المؤثرات البيئية على هذه السلوكات.  

تقعُ المكوناتُ الثلاثة الأولى لنموذج ARCS (الانتباه، والصلة، والثقة) في الجزء العلوي الأيسر من الشكل. وتتضمنُ الصناديقُ البنود الرئيسة للأساسات النفسية لكل جزء، إضافة لمكونات نموذج ARCS، تم تضمين الفضول (الانتباه) والدوافع (الصلة) بما يلائم الأساس المفاهيمي لكل منهما (انظر الفصل 3). كما وُضع مكونُ الرضا  في الجزء العلوي الأيمن من الشكل كنتيجة لدمج نتائج الأداء مع الأخذ بعين الاعتبار المخرجات الداخلية والخارجية التي تحدث والتقييم المعرفي لها.

                                          الشكل 1.2 نموذج كيلر للدافعية والأداء (Keller, 1979, 1983b)

يوضح، أيضًا، النموذج الكلي للأداء والدافعية كيف تتحد الدافعية – التي تؤثر على كمية الجهد المبذول لتحقيق هدف ما – مع معرفة الأشخاص ومهاراتهم التي تؤثر على الأداء ككل. ويقرُّ الجزء الأخير من النموذج بدور البيئة في الدافعية والتعلم والأداء. تتأثر الدافعية بدرجة الفضول التي يثيرها المعلم والمادة التعليمية في نفس الطالب، ومجموعة المحفزات ذات الصلة بالمتعلم والتي تقع على مستوى من التحدّي تشجع الشعور بالثقة، وما إذا كان هناك غياب للضغوطات التي تثبط الجهد. وبشكل مشابه، تؤثر خصائصُ المادة التعليمية- ككونها واضحةَ الأهداف، ومحتويةً على أمثلةٍ وأنشطة تعليمية مصاحبة للشرح - على الأداء.

يحتوي هذا الشكلُ، إضافة إلى ما سبق، على دوراتِ تغذيةٍ راجعة. مثلًا، هناك خطوطٌ تبدأ من مكانين من المخرجات وتتجهُ إلى التوقعات،وهذا يشير إلى أثر درجة النجاح التي يحقق بها الطالب هدفًا متوقعًا على توقعات النجاح في المستقبل. هناك، أيضًا، دورة للتغذية الراجعة تتجه من الرضا  إلى الانتباه والصلة. مما يشيرُ إلى أن خبراتِ الفرد الحقيقية مع نتائج سلوكات موجهة نحو الهدف تؤثران على قيمة الهدف التي يضعها له الفرد في المستقبل. وبكلمات أخرى، إذا عملتَ بجد لتتعلمَ استراتيجيات المقامرة لتكسب نقوداً للذهاب في رحلة إلى لاس فيغاس، وكنت قد ذهبت إلى هناك قبلاً واستمتعت بتجربة ناجحة هناك، فسيرفع هذا من القيمة التي تضعها لتكمل مثل هذا النشاط في المستقبل. ولكن لو كانت تلك التجربة لا تحقق توقعاتك، فسيقلل هذا من رغبتك.

امتداد نموذج ARCS التقليدي ARCS-V:An Expansion of Traditional ARCSModel

إذا كانت دافعيةُ شخص لأداء هدفٍ ما قويةً بما فيه الكفاية فلن يكون هناك الكثير ليثنيه عن متابعة جهده لتحقيق الهدف. تظهر مثل هذه العلاقة في نظرية القيمة- التوقع التقليدية التي تفترضُ أن السلوك المتعلق بالعمل هو نتاج قوة توقع الشخص للنجاح والقيمة الشخصية للهدف، كما يظهر في الشكل (1.2). كما تقول هذه النظرية بالأوتوماتيكية بين الهدف المحتمل والفعل. ولكن من ناحية أخرى، لا نجدُ هذا القول صحيحًا دائمًا، فلكل شخص عدة أهداف، تختلف قوةُ كل منها بناءً على بروزها. لتوضيح ذلك، لدى شخص اسمه مارك رغبة قوية في تحقيق درجة عالية في مساق ""مقدمة في علم النفس"" لأنه يريد أن يتخصص في هذا المجال ويصبح معالجًا نفسيًا، وبالتالي فإن لرغبته في تحقيق التميز في هذا المساق قيمةً عاليةً لأنها متصلةٌ بأهدافه المستقبلية. ولكن، وفي يوم السبت وقبل أسبوع واحد من تسليم ورقته البحثية في المساق، طلبَ منه أحدُ أصدقائه أن يقضي معهم المساء في لعب كرة القدم. يقدِّر مارك صداقاتِه ويحبُّ لعب كرة القدم ولكنه يعلم أن عليه أن يخصص عدة ساعات للبحث في المكتبة وتلخيص عدة تقارير. ماذا سيفعلُ؟ هل سيعتذرُ من أصدقائه لعلمه بكمِّ العمل الذي يجب أن ينجزه؟ أم سيذهبُ مع أصدقائه ويبرر ذلك بحجة أنه ما زال لديه أسبوع قبل الموعد؟ لا تعتمد إجابة هذا السؤال على قوة نيته الأصلية فقط، بل أيضًا على مهارات الإرادة الواعية أو ما يسمى سلوكات التنظيم الذاتية.

تشيرُ الدافعية إلى ما يفسرُ رغبات الأفراد واختياراتهم كما هي موضحةٌ في نظرية القيمة-التوقع، بينما يشيرُ التنظيمُ الذاتي إلى ما يفعله الناس لتحقيق أهدافهم. وزيادة على ذلك، يعرف التنظيم الذاتي باحتوائه مظهرين: الأول هو الالتزام أو التخطيط القبلي، والثاني هو التحكم بالأفعال. يتميزُ التخطيطُ القبلي– وفقًا لـGollwitzer(1993) – بانجذاب مبدئي نحو الهدف، وتشكيل المخططات للالتزام به. إن إدارة هذه المخططات أمرٌ في غاية الأهمية للحفاظ على توجه الشخص نحوَ الهدف والتزامه به. يقلل الناسُ، عادة، من عباراتهم في التخطيط لعدم قدرتهم على تحديد ما إذا كانوا سيقومون بما خططوا له أم لا، وهو ما أشار إليه  Gollwitzer بقوله""مخططات ضعيفة""؛ لأنها تفتقرُ إلى بعض خصائص ما يسميها المخططاتِ القوية. التخطيطُ القوي هو تخطيطٌ لا يشير فيه الشخص فقط إلى التزامه بالهدف بل يشكل أيضًا خطةً ملموسة تحوي كيف ومتى سيحقق الهدف. على سبيل المثال، في دراسة لهذا المفهوم أجريت قبل عطلة الشتاء طلب Gollwitzer وBrandstatter من مجموعة من طلاب جامعة في ألمانيا كتابة مقالة تصفُ عطلةَ نهاية العام، كما طلب منهم أن يكتبوا ملاحظة للمحاضر يصفون فيها رغبتهم في أداء المهمة. حلل الباحثون ملاحظات الطلاب ورقموها اعتمادًا على مدى تحديدهم متى وكيف ستكتب المقالة وغموضهم حول التزامهم بكتابتها. بعد عودة الطلاب من العطلة، وجد الباحثون ارتباطاتٍ إيجابيةً بين الالتزام القوي وإنهاء المهمة. كان احتمال إنهاءِ المقالة لدى الطلاب الذين كتبوا ""في أول صباح بعد يوم عطلة نهاية العام سأجلس على مكتبي في غرفتي وسأكتب المقالة""  أكبرَ من أولئك الذين كتبوا عبارات مثلُ ""سأكتب مقالتي بعد عطلة نهاية العام وقبل أن أرجع إلى الجامعة"".

يتكون المظهرُ الثاني للتنظيم الذاتي الذي أسماه Kuhl (1984) ""التحكم بالأفعال"" من ستةِ مبادئَ أو استراتيجياتٍ تصفُ سلوك التنظيم الذاتي والتصرفات التي تحفظ التخطيط؛ أي تساعد الشحص على البقاء على المهمة وتجنبه الملهيات بعد الالتزام لتحقيق هدف معطى. هذه الاستراتيجيات الست هي (Kuhl, 1984, p.125)

  • الاهتمامُ الانتقائي: والمسمى أيضًا ""الدور الحامي للتنظيم الذاتي"" حيث تحمي هذه الاستراتيجية الهدف الحالي بمنع التفكير في التوجه لأهداف أخرى منافسة.
  • السيطرةُ على الخصائص: تسهلُ الدور الحامي باختيار الخصائص المحفزة المتعلقة بالهدف الحالي وتجاهل الخصائص الأخرى.
  • السيطرةُ العاطفية: التحكمُ بالحالات العاطفية للسماح بالشعور بتلك التي تدعم الهدف الحالي وكبح المشاعر التي من شأنها تقويض أو إضعاف المخطط الحالي كالحزن والانجذاب لهدف آخر.
  • السيطرةُ على الدافعية: الحفاظُ على بروز الهدف الحالي خصوصًا عندما تكون قوة التوجه الأصلية للمخطط ضعيفة نوعًا ما: ""يجب أن أفعل هذا حتى لو كنت لا أريد"".
  • التحكمُ بالبيئة: توفيرُ بيئة خالية من المشتتات غيرُ المتحكمِ بها وإيجادُ حالةٍ من الإلزام الاجتماعي كإخبار الآخرين بما تخطط له، مما يساعدك على حماية هدفك الحالي.
  • الشحُّ في معالجة المعلومات: معرفةُ متى ستتوقف، وإصدارُ حكم حول كمية المعلومات الكافية لصنع قرار ما، واتخاذ قرارات بشأن السلوكات المنشطة والداعمة للهدف الحالي.

يفترض Kuhl أن عملياتِ التحكم بالفعل تشكلُ العاملَ الأساس في أي نوع من النشاط الذي يتم القيام به لحماية المخطط الحالي عندما تضعفُ قدرةُ الفرد على أداء الأمور المهمة؛ بسبب قوةِ الميولِ المنافسة أو ضعفٍ أصلي في المخططKuhl, 1984) ). تم التأكد من كفاءة توظيف استراتيجيات التحكم بالأفعال في دراسات عدة في مختلف السياقات السلوكية Kuhl, 1984)) والسياقات التعليمية ((Corno, 2001;Zimmerman & Schunk, 2001.

أدتْ مفاهيمُ التخطيط القبلي هذه المستندةِ على النية والالتزام إلى التحكم بالأفعال بغرض التنظيم الذاتي كوسائل إدارة تصرفات الفرد بطريقة تبقيه على المهمة، كما أدت إلى امتدادٍ في نموذج (ARCS) الذيتم توضيحه في الجزء العلوي من الشكل (1.3). يحتوي الجزء الأيسر منه مكونات القيمة والتوقع التي تشكل الأساس لمفاهيم الانتباه والصلة والثقة، وتؤثر في الجهد الذي يبذله الشخص لتحقيق هدفه. وتم تعديلُ مفهوم الجهدِ ليصفَ الهدفَ المعطى بشكلٍ أدقَّ، والجهد الموجه لتحقيقه. من المخرجات السلوكية هنا المبادرةُ بالجهد والتي تعكسُ الالتزام والتخطيط، إلى جانب المواظبة على الجهد التي تأتي نتيجةَ التحكم بالأفعال. لا يقتضي هذا النموذجُ بالضرورة أن على الفرد توظيفَ استراتيجيات ما وراء المعرفة المرتبطة بالتخطيط والالتزام والتنظيم الذاتي؛ لأنها قد لا تكون مهمةً فيما لو كانت رغبة الشخص لتحقيق الهدف قوية بما فيه الكفاية. بناءً على ذلك، توضح هذه المكونات الإضافية كيف تقعُ مكوناتُ التنظيم الذاتي تحتَ سيطرة المتعلم، وكيف يمكن دمجها عند اللزوم. كما يُظهر هذا النموذجُ كيف تساندُ المؤثرات البيئية، مثلُ التشجيع والدعم ووضع الأهداف المتوسطة وغيرها، مهارات التنظيم الذاتي لدى الفرد، إذا لم تكن مبنية بشكل جيد. وتسمى النسخة الموسعة من هذا النموذج نظرية الدافعية والإرادة والأداءMotivation, Volition, and Performance(MVP) ، والتي تدمج أيضًا تعديلات أخرى غير تلك المدرجة في هذه المقدمة بخصوص عناصر الدافعية في النموذج (Keller, 2008b)

إن لكلٍّ من نموذج ARCS ونموذج MVP عدةَ استخدامات. أولًا، يساعد هذان النموذجان في ترتيب مفاهيمَ متنوعةٍ ونظرياتٍ مختلفة عن السلوك الانساني بناءً على الوجه الأكثر كفاءة في شرح السلوك. على سبيل المثال، تصنف عدة مفاهيم ونظريات في الدافعية تحت فئةِ معالجةِ الدافعية والإرادة. وكما تشاهدُ في الشكل 3.1 في خط المخرجات، فإن تأثيرها الأساس هو على الدرجة التي يتعهدُ بها الفردُ لإنجاز هدفه ومواظبته على العمل إلى أن ينجح. أيضًا تساعد في بيان ماذا يريد الفرد أن يفعل، في حين تعملُ نظرياتُ التعلم على بيان مدى قدرة الفرد على فعل ذلك. ما نقصدُ قولَه هو أن نظريات التعلم تشرحُ قدراتِ الفرد ومعرفته السابقة ومهارات معالجة المعلومات لديه التي تساعده على تحقيق هدفه، من خلال معرفته أنه يريد تحقيقه. يوضحُ النموذج كيف تتحدُّ مبادئُ التعلم – والتي تصنف تحت فئة معالجة المعلومات والذكاء – مع التأثيرات الدافعة لتؤثر على التعلم والأداء. وكمثالٍ آخرَ، تمثل استراتيجيات التعلم نظرياتٍ للتدريس تم تقديمها على أنها مدخلات خارجية على البيئة التعليمية.

                                                           الشكل 1.3 التعديلاتُ على نموذج كيلر

تدمجُ، عادة، مشاريعُ الأبحاث الواقعية متغيراتٍ ومفاهيمَ محددةً تقع ضمن هذه الفئات لعدم وجود متغيرٍ واحد يمثل كاملَ الفئة. ويمثلُ النموذج إطارًا مرجعيًا للأبحاث التي يتم إجراؤها في هذا المجال.من ناحية أخرى، لا يُتوقع من الأبحاث أن تدرسَ آثار التوقعات والممارسة على التعلم والأداء، ما يشكلُ ثلاثةَ صناديقَ في هذا النموذج، وبدلًا من ذلك، قد تبحث الدراسات في آثار الكفاءة الذاتية (Bandura, 1997) والممارسة المتأنية (Ericsson, 2006) على تطوير الأداء(Ericsson, 2006) في تصويبِ الكراتِ الحرة في كرة السلة، وهي مفاهيمُ ومتغيراتٌ محددةٌ موجودة في تلك الصناديق الثلاثة. وبشكل مماثل، قد يكون النموذجُ مفيدًا في تنظيم دراسات محددة وتعرُّف مناطق تحوي فرصًا للبحث بسبب عدم وجود دراسات فيها أو وجود القليل منها. مثلًا، المعرفة التي نملكها بخصوص التأثيرات المتبادلة بين معالجة الدافعية ومعالجة المعلومات محدودة جدًا كما هو مبينٌ في الصندوق وسط الشكل.

تُعد العملياتُ التحليلية استخدامًا رئيسًا آخر لهذا النموذج. فهو يزود بمعلومات أساس حول بيئة تشخيص الأداء، خاصة عندما يكون سلوك المتعلم وأداؤه أدنى من المستوى المتوقع، لتحديد سبب المشكلة فيما إذا كان متعلقًا بالدافعية أم بالإرادة أم بمشكلات تعليمية. وبشكل أكثر دقةً، إذا ظهرت مشكلات في الدافعية فإن الخطوة التالية هي أن نصبحَ أكثرَ مواظبةً على حلها. بعد ذلك تستخدم هذه المعلومات التشخيصية كأساس لإيجاد استراتيجيات دافعة تهدف لحل مشكلات أكثر تحديدًا. لا يختلفُ هذا النموذجُ لعملية الدافعية، كثيرًا، عن نموذجِ العملية التعليمية المستخدمِ لتحديد المتطلبات التعلمية واستراتيجيات تصميم بيئة التعلم التي يستطيع فيها الطلاب إتقان أهدافهم المرغوبة.

التحديات المفاهيمية في دراسة الدافعية Conceptual Challenges in the Study of Motivation

تعدُ دراسةُ الدافعية معقدةً نوعًا ما، بسبب تعدد المفاهيم والنظريات والاعتقادات فيها التي نشأت لتوضيح تصوراتٍ متعلقةٍ بها، إضافة إلى التعقيد الذي نراه في العوامل البيئية والثقافية والشخصية التي تتفاعل معًا لتؤثر في دافعية الفرد في أي لحظة. يحتوي الفصلان الثاني والثالث من هذا الكتاب نظامَ تصنيفٍ ونموذجا يساعدان في تنظيم كل هذه المفردات والعوامل التي تؤثر في الدافعية، ولكن تبقى هناك بعضُ الخصائص التي تساعدُ في توضيح التحديات المفاهيمية في دراسة دافعية الفرد وأخطاء الفهم المتعلقة بها. يهتمُّ التحدي الأولُ بعلاقة الدافعية بالسيطرة الانفعالية مقابلَ السيطرة المعرفية. بينما يختصُّ الثاني بمفهوم العادة مقابلَ الحالة لدى الفرد. على الرغم من اختفاء مدرسة العادة في علم النفس، إلا أن هذه المفاهيمَ تصبحُ فعالة جدًا فيما يتصل بوصف ظروف الدافعية. وأخيرًا، هناك المفاهيم الداخلية مقابل الخارجية للدافعية والتي كانت موضوع عدد كبير من البحوث والنظريات كونها أضافت الكثير لمفهوم الإرادة وتبعات أفعال الفرد والدافعية اللاحقة بعد هذه الأفعال على حد سواء.

فيما يلي نظرةٌ عامة على هذه المفاهيم، وسيتم في الفصول التالية مناقشتُها بشكل أوسعَ.

السيطرة المعرفية مقابل الوجدانية Affective vs. Cognitive Domain

هل تنتمي الدافعيةُ للجانب الانفعالي؟ أم أنها ترتبطُ بالجانب المعرفي؟ وهل، تعدُّ هذه الجوانبُ ذاتَ معنى متصلٍ بالدافعية، أصلًا؟ تم تقديم الاختلافات بين الجوانب المعرفية (Bloom, 1956) والانفعالية (Krathwohl, Bloom, Masia, 1964) والعقلية (Harrow, 1972;Simpsom, 1972) في الخمسينيات والستينيات والسبعينيات على أنها وسائلُ لتصنيف الأهداف التعليمية. وعادةً ما كانت تترافقُ الدافعية مع السيطرة الانفعالية (Martin & Briggs, 1986, Tennyson, 1992) أو كانت جزءًا مما يسمى العواملَ غيرَ المعرفية (Messick,1979). بينما ناقش (Briggs, 1984) الدافعية على أنها منطقة مستقلة عن الجانب العاطفي تحتاج دراسة مكثفة.

ولكن، وعلى اعتبار أن الدافعيةَ ترجعُ إلى الظروف الداخلية التي ينتجُ عنها السعي وراء أهداف محددة، فليس من الممكن تصنيفُ هذا المكون الواسع من التصرف الإنساني تحت فئةِ السيطرة الانفعالية غير المعرفية لأن لديه، أيضًا، عناصرَ معرفية. تجمعُ الدافعية بين خصائص عاطفية مثل الخوف والانجذاب، وخصائص عقلية مثل الكآبة والعدائية، ومكونات جسدية مثل الجوع والشهوة، ومكونات معرفية، مثلُ التوقعاتِ والنجاح. على سبيل المثال؛ تعدُّ النظرياتُ النسبية في الدافعية (Rotter, 1966;Weiner, 1974) معرفية بشكل أساس. حيث ركزت على تفسيرِ الشخصِ أسبابَ ما حصل عليه وتوقعاته للنجاح في المستقبل.

بناء على ذلك، لا يمكنُ وضعُ الدافعية تحت التأثير الانفعالي أو المعرفي وحده دون الآخر. مصطلحاتُ الدافعية يمكن أن تنتمي إلى أحد التأثيرين، ولكن تبقى لها سمات قد تنتمي إليهما معًا. حيث يتضمنُ مفهومُ الحاجة للإنجاز اختياراتٍ حرةً حول الأهداف ومستويات مقبولة من خطر النجاح مقابل الفشل، إضافة إلى تحديد العقبات التي قد تؤثر على احتمالية النجاح، وأخيرًا المشاعر المتوقعة التي سترافق النجاح أو الفشل.

العادة مقابل الحالة Trait vs. State 

تُعد الحالةُ مقابلَ العادة موضوعًا نافذًا في أي نقاش متعلق بالدافعية. إن عادة الشخص هي اتجاهات متوقعة لتصرفه بطريقة مشابهة في عدة مواقف. مثلًا، شخص لديه حاجة عالية للإنجاز يتجه للتصرف بشغف كبير في مكان عمله وفي الطريق وأثناء لعبه وحديثه مع أصدقائه وعائلته. ترجع دراسة العادة في الأصل إلى دراسة الجينات، ولكنها طبقت، أيضًا، في نظريةِ تطويرِ شخصيةِ الفرد والتي كانت تحوي مناهجَ مختلفةً لدراسة العادات النفسية، حيث كان الهدف تعريفَ الشخصية بواسطة أنواعٍ محددة من العادات تزود بأساس كافٍ لتصنيف الأشخاص. ولكن، وفي دراسة أخرى يستشهدُ بها كثيرًا، عرض Allport (1937) قاموسًا كاملًا، احتوى 4500 مصطلحٍ لتمثيل صفاتِ أو عاداتِ شخصيةِ الإنسان، إذ يمثل هذا العدد من المصطلحات منهجًا مليئًا بالمفاهيم، لكنه غير قابل للتطبيق العملي لوصف الأشخاص، وهو ما قاد Allport لتطوير بناء ثلاثي الطبقات للعادات. تقع في القمة ما نسميها العادات الرئيسة والتي تفسر تقريبًا كل تصرفات الشخص، مثل إنسانية جيمي كارتر، وكوميدية روبن وليام، وعدوانية محمد علي كلاي كملاكم. ولكن يصعب إيجاد عادات مسيطرة كهذه في جميع الأشخاص، فوجود ما يسميه Allportعاداتٍ متوسطة شائعٌ أكثر. لدى الأشخاص مجموعة تتراوح بين 5 إلى 10 عادات متوسطة تصف تصرفاتهم في أغلب المواقف. ويتضمن المستوى الثالث صفات ثانوية تعد دليلًا على شخصية الفرد في كثير من المواقف لا جميعها، ومن الأمثلة على ذلك مشرف يتجه إلى أن يكون عدوانيًا إلى حد ما ومسيطرًا في عمله، لكنه لطيف في المنزل وفي مواقفه الاجتماعية.

يُعطي هذا المنهجُ أساسًا لتصنيف العادات، ولكن لم ينتج عنه تحديد لمجموعة عادات يمكن استخدامها في وصف شخصيات الناس. بدأ Cattell (1950)بـ 4500 مفهومٍ واختصرها بحذف المترادفات وتطبيق تحليل العنصر – وهي تقنية إحصائية استخدمت لفحص العلاقات المتبادلة بين تصنيف الأشخاص على كل البنود في القائمة- ما نتج عنه مجموعة عناصر ترتبط بنود كل منها بشكل ذي معنى مع الأخرى. باستخدام هذه الطريقة، قلل Cattell قائمة الصفات الأصلية الطويلة إلى قائمة أقصر تحتوي 16 عنصرًا شخصيًا(Cattell&Cattell, 1995)،الجدول (1،1). واستخدم هذه القائمة فيما بعد كأساس لاستبيان قياسي يسمى(The 16 PF PersonalityQuestionnaire) استخدم في عدة دراسات (Cattell, 1950) وما زال يستخدم حتى الآن.

          الجدول (1،1) عناصرُ كاتيلCattell الستةُ عشرُ للشخصية. (منقول عن Cattell&Cattell, 1995 )

المودةُ

الحيويةُ

اليقظةُ

تقبلُ التغير

السببية

الوعي بالقوانين

التجرد

الاعتماد على النفس

الاستقرار العاطفي

البروز الاجتماعي

الخصوصية

الكمال

السيطرة

الحساسية

الإدراك

التوتر

وفرت أعمالُ (Cattell, 1950, 1957) Cattell أساسًا للتطوير الذي حصل في الستينيات(Norman, 1963)  ما أدى إلى قائمةٍ أقصرَ من هذه، حيث احتوت 5 عناصرَ فقط لم تحصل - وفقًا لـ (McCrae&John ,1991) - على اهتمامٍ كبير في البداية حتى الثمانينيات. ولكنَّ هذه العناصرَ أصبحت فيما بعد تعرف بـ الخمسة الكبار(McCrae & Costa, 1987)  وشكّلت أساسًا للكثير من- إن لم نقل أغلب- الدراسات الحديثة في الشخصية. على الرغم من وجود تنوع في المصطلحات الدقيقة المستخدمة للتعبير عن هذه العناصر، إلا أننا أوردنا فيما يلي المصطلحات الأكثر استخدامًا والتي قدمها Norman (1963) وهي: الانفتاح،والقبول،والوعي، والقلق، والتقبل. وقد تم وصف كل منها بصفات تعطي فهمًا أوفى لها:

 اسم العنصر

الصفات

الانفتاحُ

نشيطٌ، يفرض شخصيته، مليء بالطاقة، حماسي، مبتهج، مجد، اجتماعي، مشاعره إيجابية، متحدث، ودود.

القبولُ

لديه إيثارٌ، يقدر الآخرين ويطاوعهم، مسامح، كريم، لطيف، متواضع، مستقيم، عطوف، جدير بالثقة

الوعيُ

يسعى للإنجاز، كفء، ينجز مهامه وبكفاءة، منظم، يخطط لما يفعل، يعتمد عليه، مسؤول يحاسب نفسه، يفكر بشمول ودقة.

القلقُ

متوترٌ، غاضب، كئيب، عدائي، متهور، مرتبك، يشفق على ذاته، عصبي، شديد الحساسية، غير مستقر، ضعيف، منزعج

الانفتاحُ للتجربة

مقدّر للفن، حسه مرهف، فضولي، خيالي، لديه مشاعر وأفكار وقيم واهتمامات عديدة، حالِم، ذو بصيرة، أصيل

                                                الجدول 1.2:الصفاتُ الشخصية ""الخمس الكبار"". المصدر:
                                  (McCrae & John, 1992, p178 -179 ;Paunonen& Ashton, 2001, p529)

لاقت هذه العناصرُ الخمسة قبولًا كبيرًا في مجال علم النفس المختص بالشخصيات كما شكلت مكونًا أساسًا للحالات المتفق عليها عبر الثقافات المتعددة(McCrae & John, 1992 ;Paunonen& Ashton, 2001). وعلى النقيض، يؤخذ على علم النفس المختص بالعادات أنه أُسس بشكل أوليّ بناء على طرق تحليل إحصائية طُبقت على قوائم للعادات الشخصية وأخذت من قاموس إنجليزي، ما نتج عنها قوائمُ أقصرُ جُمعت بنودها بناءً على معانٍ مشتركة. يمكن إيجاد هذه الصفات الشخصية في أناس من جميع الثقافات تقريبًا وبالتالي قد نجد أساسًا لغويًا لهذه المفاهيم في كل لغة. على الرغم من أن هذه العادات حُددت بشكل تجريبي، إلا أنه تم اشتقاقها مما يترافق مع الأفكار المحكية للأشخاص بدلًا من بنائها على الملاحظة المباشرة للسلوك المرتبط بالصفات الإنسانية المفترضة.

تضمنتْ دراسةُ الدافعية مفهومَ العادات بشكلِ مفاهيمَ نفسيةٍ تعرّف شخصية محددة مثل الحاجة للإنجاز والسيطرة والفضول وما يتعلق بالنجاح والفشل إضافةً للقلق. وزيادة على ذلك، تم النظر إلى العادة على أنها مختلفة عن الحالة بخصوص كل مفاهيم الدافعية تقريبًا؛ حيث اتفق على وصف العادة بأنها ميل أصيل للتصرف بطريقة معينة، بينما تم وصفُ الحالةِ بأنها نزعة لتوضيح محفز معطى أو صفة شخصية في وقت محدد أو في أنواع محددة من المواقف. لنأخذ الفضول مثلًا، يتصرفُ الأشخاصُ الذين لديهم مستوياتٌ عاليةٌ من الفضول بفضولٍ في أغلب المواقف لا جميعها، بينما يظهر الأشخاص من ذوي مستويات الفضول المنخفضة فضولًا أقل كقاعدة عامة ولكنه قد يزداد في مواقف محددة أو، بكلمات أخرى، في ظروف محددة. يوضح الشكل 1.4 ذلك حيث نرى اختلافات بين كارلوس وكارل في ثمانية مواقف مختلفة (المحور السيني):

  1. العلوم
  2. الأدب
  3. التاريخ
  4. الرقص
  5. السيارات
  6. الاختراعات
  7. ألعاب الفيديو
  8. تطوير المواقع الإلكترونية

                                                 الشكل 1. توضيحُ العادة مقابلَ الحالة (كارل وكارلوس)

بشكل عام، لدى كارلوس فضولٌ أعلى بمعدل 7.25  في حين كان معدل فضول كارل 4.69.  هنا يمكننا الخروجُ بنتيجة مفادُها أن لدى كارلوس مستوًى أعلى في الفضول في مجالين (الرقص والسيارات) وهذا يوضحُ كيف يمكن أن يختلفَ سلوكُ الأشخاص في مواقف محددة (سلوكات بمستوى الحالة) عن توجهاتهم بشكل عام (خصائص بمستوى العادة).

إن المبدأَ العام مهمٌّ هنا، لأنه وبالرغم من أن مدرسة ""العادة"" في علم النفس لم تعد تحظى بذلك الاهتمام، إلا أن استخدامَ مصطلحِ العادة باعتباره يشير إلى مميزاتِ شخصيةٍ ثابتة تتناقضُ مع مميزات متغيرة حسب الموقف -تسمى الحالة- يعد شائعًا نوعًا ما، وكما أشرنا يمكن تطبيقه على جميع متغيرات الدافعية، تقريبًا.

تعدُّ العادةُ هنا مفهومًا ذا تطبيقات عدة مفيدة لتصميم الدافعية. فعند تصميم أي مساق أو مادة تعليمية، من المهم معرفةُ الميول المتعلقة بالدافعية لدى الجمهور والتي تساعدُ في اختيار الأنواع المناسبة من الاستراتيجيات الدافعة. إن المؤشر الأفضل لمعرفة ميول طالب معين لدراسة اللغة على سبيل المثال هو معرفتُنا بدافعيةِ الطالب في مواقفَ أخرى سابقة مشابهة للموقف الحالي. ولكنْ، هناك مواقفُ لا يمكن فيها تحصيلُ معرفةٍ سابقة حول خبرة المتعلم في حالات مشابهة أو قد تكون المادة الدراسية جديدة على المتعلم؛ لم يدرس مثلها قبلًا، في هذه الحالة فإن المؤشرَ الأفضلَ هو قياسُ الدافعية الأكاديمية العامة (على مستوى العادة).

يساعدُ هذا المفهومُ أيضًا المعلمَ على تجنب الخطأ في تشخيص مشكلات  المتعلمين في الدافعية. فعلى سبيل المثال، من السهل جدًا تعميم رأي ما بخصوص أحد الطلاب، بناءً على تصرفه في موقف محدد، فقد يقول معلمٌ: إن هذا الطالب الذي لا يظهر اهتمامًا في مادة الأدب أو اللغة، يملكُ رغبةً قليلة، نوعًا ما، في الدراسة نظرًا لمستوى فضوله المتدني بشأن المادتين. قد يكون لدى الطفل مستويات عالية من الفضول ولكن مواضيع وطرق التدريس لا تحفز فضوله بسبب افتقار المادة لصلتها بالطالب أو ثقته المتدنية. فهم وتطبيق هذا المفهوم والموضح أيضًا في الفصول4 و5 و6 و7 متعلق بشكل مباشر بفهم شامل ودقيق لدافعية المتعلم وكيفية تصميم استراتيجيات دافعة.

الدافعية الداخلية مقابل الخارجية Intrinsic vs. Extrinsic Motivation

هناك موضوعٌ آخرُ نراه كثيرًا في الكتابات المتعلقة بالدافعية وهو التمييز بين الدافعية الداخلية والخارجية. من البديهي التفريق بين هذين المصطلحين اعتمادًا على معاني "" داخلية وخارجية""، وحقيقة، هناك إجماع بين الباحثين على معانيهما. وفقًا لـ(Deci, 1975, p23)  فإن نشاطات الفرد ذات الدافعية الداخلية هي ""تلك التي ليس لها أي مكافأة ظاهرة سوى النشاط نفسه"". أي أن الأفرادَ ذوي الدافعية الداخلية يقومون بمهامهم فقط لأجل الرضا  الذاتي الذي يترتب على إنجازها. من ناحية أخرى فإن الأفراد ذوي الدافعية الخارجية يقومون بمهامهم لأجل المكافآت التي تتبعها لا الرضا  والسعادة بتحقيقها. قد تكون المهام ذات الدافعية الخارجية ممتعة ولكن هذا ليس السبب الرئيس للقيام بها. يتعهد الأفراد بالقيام بالنشاطات ذات الدافعية الخارجية لكونها تتضمنُ قيمةً مساعدةً بمعنى أنها خطوات ضرورية لتحقيق أهداف رئيسة. وهكذا، فإن النشاطات ذات الدافعية الداخلية تُرى على أنها نهاياتٌ بذاتها بينما تعدُّ النشاطاتُ ذات الدافعية الخارجية وسائلَ لإتمام هذه النهايات. مثلاً، قد تسجلُ طالبةٌ في المرحلة الثانوية في مساقِ رياضياتٍ إضافي متقدم لتزيد من فرصة دخولها كلية الهندسة، لا لأنها تحب الرياضيات أو تملك دافعية ذاتية لدراسته. وعند دخولها الجامعة، تمضي كل وقت فراغها في مختبر الروبوت حتى لو لم يكن عليها واجبات في مادته، وذلك لأنها مغرمة بإمكانياته وخصائص تطبيقاته. لاحظ أن إنجازها الناجح للمتطلب ذي الدافع الخارجي قادها لفرصة القيام بنشاط ذي دافعية داخلية، وقد وجدت أن مساق الرياضيات ساعدها في برمجة الروبوتات. مثال آخر، قد يسجل رجل لديه عائلة ويعمل كمشرف في متجر كبير في كورس علوم مالية مسائي معتقدًا أن ذلك قد يساعده في الانتقال للعمل في الإدارة، فهو يريد أن يجني المزيد من المال مما قد يجعله يستمتع بالتخييم في المناطق البرية مع عائلته. هنا نرى أن الهدف ذا الدافعية الخارجية سيساعد هذا الرجل في تحقيق الرضا عن أعماله ذات الدافعية الداخلية. من الطبيعي وجود خلط بين هذين العنصرين في أي موقف، ولكن وكما سنرى لاحقاً قد يؤدي هذا الخلط إلى أزمة بينهما.

اهتمت الكثيرُ من الدراسات الأولى في موضوع الدافعية الداخلية والخارجية بالعلاقة بينهما وقد وُجد أن تطبيق تعزيزات خارجية إيجابية على مهام ذاتية الدافعية يقلل من تكرار أو مدة السلوك. كان هذا من أهم مخرجات نظرية التعزيز التي شُرحت في الفصل السابع من هذا الكتاب. إذا أردنا الحديثَ هنا بشكلٍ موجزٍ فنستطيع القولَ: إن Deci(1971); Lepper, Greene, Nisbett(1973) تابعوا كم من الوقتِ يستطيعُ الأفرادُ قضاءَه في مهامٍ مُعطاة خلال تجربة لهم. وأعطيت حرية الاختيار لكل فرد ليقوم بالقراءة أو حل الألغاز أو اللعب بأقلام اللباد المائية.

بعد ذلك، كوفِئ هؤلاءِ الأفرادُ بتعزيزٍ على عملهم بعد إنجازِ المهمة، وفي المرحلةِ الثالثة، تم إرجاعُهم إلى غرفة الأنشطة وعرض نفس أنواع الأنشطة وأخرى بديلة قد يتم اختيارها. أظهرت المقاييس أن الأفراد الذين تم تعزيزُهم قضوا وقتًا أقل في المهام المختارة سابقًا، وأيضًا وقتًا أقل قضاه الأشخاصُ الذين لم تتم مكافأتهم. نتيجةٌ كهذه ناقضت توقعات نظرية التعزيز التي تفترض أن الأنشطة التي تتم المكافأة عليها سيزدادُ تكرارُ أدائها. بناءً على مقاييس طبقت في عدة دراسات تم إجراؤها على هذه الظاهرة، خرج الباحثون بنتيجة مفادها أن المكافآت الخارجية قد يكون لها أثر مقوض-مضعف- للدافعية الداخلية (Condry, 1977). ومع ذلك، فإن هذه العلاقة ليست بتلك البساطة وستتم مناقشتها بتفصيل أكثر في الفصل السابع.

عادة ما يتمُّ طرحُ مفهومي الداخلية والخارجية على أنهما منفصلان بمعنى أن يكون الشخص إما مدفوعًا داخليًا أو خارجيًا في أي موقف. من ناحية نظرية، من الممكن أن تكون دافعية الشخص داخلية تمامًا أو خارجية تمامًا. ولكن بالنظر إلى تعقيد الإنسان والمهام فالشائع أكثر وجود عناصر متداخلة من النوعين في أي موقف. لدي صديق يحب زراعة أزهار الأوركيد وصناعة أوعية جميلة من الخشب. هذه دون شك نشاطات داخلية الدافعية، ولكنه أيضًا يستغل حرفته ومهاراته في الزراعة لإنتاج أشياء يمكن بيعها لدعم هوايته. على النقيض من ذلك، يعمل أحد أقاربي في قسم أمن وحماية في جامعة، وهو يستمتع بعمله هناك، ولكن الدافع الرئيس للبقاء في وظيفته هو حاجته للعمل ليعيل عائلته، كما أن هذه الوظيفة هي أفضل الخيارات المتوفرة. ولو أتيحت له الفرصة فسيقضي جُلّ وقته في التخييم والاستكشاف وكتابة الشعر. مثال آخر هو قريب آخر لي يكره وظيفته – ميكانيكي سيارات– ولكنه يعمل فقط للحاجة للدخل. هناك الكثير مثل هذه الأمثلة في حياتنا الواقعية التي تظهر الدمج بين دوافع داخلية وخارجية للسلوكات.

أخيرًا، نأتي إلى المدرسة التي يقضي فيها الطلابُ سنينهم الأولى. هل يـُعد الذهابُ إلى المدرسة مهمةً مدفوعة داخليًا أم خارجيًا؟ عادة ما نجد التربويين يرفعون من قيمة وهدف إيجاد متعلمين ذوي دافعية داخلية؛حيث يأمل هؤلاء أن يطوروا رغبة طلابهم للتعلم بحيث تستمر هذه الرغبة معهم طيلة حياتهم. ولكن، هل هذا منطقي؟! أولنقل هل هو ممكن؟ كم طالبًا سيذهب للمدرسة إذا ما تم تخييرهم؟ أيضًا، سؤالٌ آخرُ، كم من هؤلاء الطلاب الذين ذهبوا للمدرسة، لو كان له الخيار سيفعل ذلك بسبب اهتمام داخلي؟ وكم منهم سيذهب بسبب قيمة خارجية ستأتى في التحضير لحياته ومهنته في المستقبل. هذا يعني أن هناك فقط دافعية داخلية قليلة للذهاب للمدرسة. ومع ذلك – وهو ما يبدو متناقضًا ظاهريًا – إذا قمت بزيارة لمدرسة ما فلن يخفى عليك حب الفضول لدى الطلاب واستغراقهم تمامًا بما يفعلون.

أثبتَ باحثان هما Deci& Ryan, 1985 شرحًا لما سبق عن طريق نظرية اتخاذ القرار ذاتيًا(SDT) التي توسعت في تحديد الفرق بين الدافعية الداخلية وبين الخارجية. تم توضيح نظريتهم أكثر في الفصلين الخامس والسادس ولكن الأساسَ فيها هو أنها وضعت حالات للدافعية بشكل عام ثم حالات للدافعية الداخلية، وميزت أربعة أنواع من الدافعية الخارجية. يعد ""التنظيم الخارجي"" أكثر هذه الأنواع الأربعة خارجية، ويقصد به المهام التي تفرض على الشخص بسبب مكاسبَ خارجيةٍ، وهو ما يظهر في حالة الميكانيكي الذي ذكر قبلًا. بينما يعد""التنظيم المتداخل"" أقل هذه الأنواع خارجية، والتي تعبرُ عنها حالةُ موظف الأمن الذي ذكرته. حيث تضمنت معتقداته بعض القيم والأهداف المرتبطة بعمله ولكن بقيت المتطلبات الخارجية هي الدافع الرئيس، بين هذين النوعين هناك نوعان آخران أيضًا للدافعية الخارجية.

النقطةُ التي نريد توضيحها هنا هو أن هذا الموضوعَ معقدٌ وأن التحدي يكمن في بناء الدافع الذاتي للموضوع الدراسي دون توقع - بالضرورة - أن يصبح جميع الطلاب مدفوعين بشكل تام بدوافع داخلية مما يقتضي احترام التوجهات الدافعة لدى الطلاب بالتزامن مع تشجيع النمو الإيجابي.

مقالات ذات صلة