في يوليو 2020، حَذَّر المرشَّح الرئاسيّ الديمقراطيّ حينها جو بايدن روسيا وغيرها: «إن جازفت قوّة خارجيّة بالتدخُّل في ديمقراطيتنا، لن أتردد عن اتخاذ إجراء بوصفي رئيسًا من أجل فرض عقوبات كبيرة ودائمة». كما حذَّر، بُعيْدَ انتخابه، من أن هجومًا سيبرانيًّا روسيًّا كبيرًا على الولايات المتحدة، كُشِفَ عنه في ديسمبر، لن يمضي بلا ردّ. وفي بيانٍ أصدره الفريق الانتقاليّ، بدا الرئيس المُنتخب مستعدًّا للمعركة: «الدفاع الجيد لا يكفي؛ إذ علينا أن نُعطِّل ونردع خصومنا من إجراء هجمات سيبرانيّة كبرى في المقام الأول… وعلى خصومنا أن يُدركوا أني -بوصفي رئيسًا- لن أقف مكتوف اليدين في وجه الهجمات السيبرانيّة على دولتنا».
الرئيس السابق ترمب لم يواجه فلاديمير بوتين بخصوص العدوان السيبراني الروسي الموجَّه إلى الشركات الأمريكيّة والوكالات الحكوميّة، كما أن ترمب وحلفاءه في الكونغرس لم يتحركوا لتحميل موسكو مسؤوليّة محاولاتها تقويض المؤسّسات الديمقراطيّة الأمريكية: اختراق إيميلات شخصيّات بارزة في الحزب الديمقراطي، والحملة المنظَّمة التي أجراها عملاء رُوس للتأثير في نتيجة انتخابات 2016 باستخدام برمجيّات خبيثة (في هذه الحالة: البوتات) والتلاعب بالشبكات الاجتماعيّة والدعاية عبر الإنترنت.
بوجود فريقٍ جديدٍ في البيت الأبيض، قد يتغيَّر النهج. ولكن ماذا ينبغي أن يكون ردّه؟ وعمومًا، ماذا ينبغي أن تفعل أيُّ دولة عندما تجد نفسها تتعرّض للتدخُّل في انتخاباتها؟ وعلى أيِّ حال، ليست الولايات المتحدة الضحيّة الوحيدة؛ فالفيسبوك -على سبيل المثال- يُقرُّ بأنه «صار ميدان معركة لحكومات تسعى إلى التلاعب بالرأي العام في دول أخرى».
ما على المحكِّ هنا هو مسألة السيادة بحدِّ ذاتها. فالقوّة الأجنبيّة ليست بحاجةٍ إلى العبث مباشرةً في نتائج الانتخابات من أجل تقويض سيادة الدول الديمقراطيّة. فحتى لو لم تُخترق آلات التصويت أو تُعدَّل السجلّات، التدخُّل في الانتخابات بالطرق المذكورة آنفًا يُفسد العملية التي يستخدمها الجمهور لتشكيل إرادتهم والتعبير عنها. كما أنها تشوب إيمان الناخبين بالعمليّة الديمقراطيّة وحكم القانون، وتجعلهم متوجّسين من الاحتيال وتُفسِد شرعيّة الهيئات والمسؤولين المُنتخبين. والغاية الرئيسة من التدخُّل في الانتخابات هو وضع تفضيل القيادة لقوة أجنبية -بقدر الإمكان- محلَّ شعبٍ سياديّ. ولا يوجد ما هو أخطر من هذا على ممارسة الديمقراطية ومُثُلها. إذن ما الذي ينبغي للقادة الديمقراطيّين فعله عندما يواجهون تدخُّلًا في الانتخابات؟
في الردّ على التدخُّل الأجنبيّ في الانتخابات، تبدو اللغة الحربيّة مفهومةً؛ فالتدخُّل في الانتخابات، بوصفه انتهاكًا للسيادة، يتوافق مع أحد الأوصاف الفنية للغزو. ولكن نظريّة الحرب العادلة، وهي المصدر الأكثر تأثيرًا للتوجيه الموضوعيّ للتنفيذ الأخلاقيّ للحروب، والأساس الفلسفيّ للقانون الدوليّ المُتعلِّق بالحرب، تُقدِّم ردًّا رصينًا. فالنظرية تقترح أنه على الرغم من أن التدخُّل في الانتخابات فعلٌ عدوانيّ، إلَّا أن الاستخدام الفعليّ للقوة العسكريّة لا يمكن تبريره أخلاقيًّا ردًّا على هذا.
Roses’n’Gun © فردريكو دي سيكو 2021.
المُعضلة الأخلاقيّة للعنف الذي لا ينطوي على دماء
في حينِ أن الدماء لا تُرَاق في حالات التدخُّل في الانتخابات، إلا أنه فعلٌ حربيّ. فوفقًا لتقرير حكوميّ أمريكيّ رُفِعَت عنه السرية، في أثناء حملة انتخابات عام 2016 وجَّه الرئيس بوتين مرؤوسيه إلى تقويض الثقة بالديمقراطيّة الأمريكيّة والإضرار بفرص هيلاري كلينتون بالفوز ومساعدة ترمب لأجل أن يصبح رئيسًا. وبكل هذه الطرق، تهجَّمت الحكومة الروسيّة على سيادة الشعب الأمريكيّ، محاولةً تغيير النظام السياسيّ القائم بنظامٍ جديد. وفي ظلِّ هذا النظام، سيكون لمواطنين روس -يعملون خفيةً ومن دون تفويضٍ ديمقراطي- دورٌ مُتضخِّم في تقرير كيف ستُحكَم الولايات المتحدة.
العديد من الأمريكيّين ينظرون إلى هذه التصرُّفات بوصفها هجمات، على الرغم من أن روسيا لم تستخدم العنف. بيل إفانينا، مدير مركز الاستخبارات المضادّة والأمن الوطنيّ، أصدر بيانًا يقول: «الجهود الأجنبيّة للتأثير أو التدخُّل في انتخاباتنا تهديدٌ مباشرٌ لنسيج ديمقراطيّتنا». عضو الكونغرس إريك سوالويل، الذي كان جزءًا من التحقيقات التي أُجريت في التدخُّل الروسيّ، كتب في رسالة على صفحته في موقع مجلس النوَّاب أن «روسيا ستتعلَّم من دروس هجومها في عام 2016 على ديمقراطيّتنا لتشُنَّ هجماتٍ مُستقبليّةٍ على ديمقراطيّتنا وعلى دول سياديّة أخرى حول العالم». فيونا هيل، التي عَمِلت بوصفها الخبير الأعلى في الشؤون الروسية في مجلس ترمب للأمن الوطني، أخبرت مجلة الأتلانتك: «كونهم لم يواجهوا عواقب على أفعالهم يعطيهم دافعًا للاستمرار»، وهو كلامٌ يدعو إلى الردع، ومن ثَمَّ فهو يوحي بوجود أزمةٍ أمنيّة. وفي مقالة رأي لموقع السي إن إن (16ديسمبر 2020) كريستوفر كريبس، الذي كان مسؤولًا رفيعًا في الأمن السيبرانيّ، اتّهم روسيا بالفتِّ من «الثقة الجماهيريّة بالديمقراطيّة الأمريكيّة من خلال الهجمات السيبرانيّة وحملات المعلومات الزائفة المنظمة». وما رآه كريبس هو «تهديدات محسوبة وموجَّهة، من الداخل والخارج». كذلك صحفٌ بارزة عدَّت روسيا قوةً أجنبيّةً تحاول تخريب السيادة الأمريكيّة. وعلاوة على هذا، قالت يو إس آي توداي: «ليس من غير المعقول رؤية الهجمة الروسيّة على أنها نسخةٌ رقميّةٌ من هجمات الحادي عشر ن سبتمبر. لم يُقتَل أحدٌ بالطبع، ولكنَّ عدوًّا أجنبيًّا سعى إلى ضرب إحدى أعزِّ الحريّات الوطنيّة: حقُّ التصويت للرئيس في انتخابات آمنة». وانتهت افتتاحية الواشنطون بوست إلى أن «بايدن يجب أن يُظهِرَ حرب بوتين السريّة على الولايات المتحدة إلى العيان»، وأن يُصنِّف أفعال بوتين على أنها «حرب غير نظاميّة» باستخدام «أسلحة غير معهودة».
وباختصار، تدخُّل روسيا في الانتخابات نُظِرَ إليه في الولايات المتحدة كهجومٍ على الحكومة وعلى حقوق المواطنين. وعندما يجري هجوم من هذا القبيل بقوّة السلاح، القانون الدولي وأخلاقيّات الحرب تعطي الطرف المُعتدى عليهِ حقَّ الدفاع عن نفسه بقوة السلاح أيضًا. ومع ذلك فنحن واثقون بأنه حتى أولئك القلقون جدًّا من الهجوم الروسيّ على السيادة الأمريكيّة سيرتعبون لو كان الردّ انتقامًا عسكريًّا. ولا أحد من المذكورين أعلاه الذين وصفوا التدخُّل الروسيّ على أنه فعل حرب يوصي بأن تردَّ الولايات المتحدة بالعنف. ولكن إن نحَّينا جانبًا الاعتبارات السياسيّة والاستراتيجيّة الداعية لضبط النفس، هل هذا الحذر مُبرَّر من وجهة نظر أخلاقيّة؟ الفحص الدقيق لمفهوم السيادة ولزواجر نظرية الحرب العادلة يقترح أن التحذير من استخدام العنف مُبرَّر بالفعل، وهو ما يُضيِّق من الأدوات المتوفرة للردِّ الأخلاقيّ على التدخُّل في الانتخابات.
السيادة والسلطة والعنف
تُنسب نظرية الحرب العادلة عادةً إلى أمبروز (حوالي 397-339م) وأوغسطين (430-354م). وبعد تسعمئة سنة، استنبط توما الأكويني قواعد أساسيّة لما يُبرِّر شنَّ حرب. وقد تطوَّرت النظريّة خلال القرون، لكنَّ أكبر تطوُّرٍ حدث بسبب الاتِّباع الواسع لمفهوم السيادة، في حين أُعيدت صياغته إلى ما هو مُباح وما هو مُحرَّم في الحروب بين الدول القوميّة الحديثة. والآن السيادة هي المبدأ الموجِّه للعلاقات الدوليّة، وهي تُشير إلى السلطة العُليا التي تتمتَّع بها الدولة على أراضيها. وقد طُوِّر المبدأ على يدِ فرانشيسكو دي فيتوريا في مطلع القرن السادس عشر، ثُمَّ على يد أمثال جان بودين وهوغو غروتيوس وألبريكو جانتيلي الذي كتب في أثناء أو بُعيْد الحروب الدينية الفرنسية. وألهمت أفكارهم سلام ويستفاليا (1648) الذي أنهى حرب الثلاثين سنة. ولكن تبيَّن أن سلام ويستفاليا لم يكن اتفاقًا لإلقاء السلاح وحسب؛ فمفهوم السيادة المُضمَّن في الميثاق صار أساس القانون الدولي.
القانون الدوليّ الآن يَعُدُّ السيادة مُقدّسةً، ولا سيَّما أن ما يُعَدُّ مُبرِّرًا لاتخاذ ردٍّ دفاعيٍّ ليس الضرر الذي يلحق بالحياة أو الممتلكات وإنما انتهاك السيادة. والتاريخ حافل بحالات انتهاك السيادة، حيث ردّت الدول بعنف على احتلالات غير دمويّة، ومع ذلك لم تُعانِ هذه الدول من اتهامات دوليّة بارتكاب خطأ. مثالٌ على هذا، الفعل البريطانيّ بعد غزو القوات المسلّحة الأرجنتينيّة لجزر الفوكلاند؛ فخلال الغزو الأوليّ لم يسقط قتلى أو جرحى بريطانيّين، ومشاة البحريّة الملكيّة استسلموا بعد صِدَامٍ قصيرٍ وأُعيدوا إلى بريطانيا سالمين. ومع ذلك، كان ردُّ بريطانيا -شنُّ حربٍ أزهقت حياة ما يقرب من ألف إنسان، من بينهم عدد قليل من مدنيّي جزر الفوكلاند- مُبرَّرًا تحت المعاهدات الدولة، التي تمنح الدول حقَّ استخدام القوة لحماية حدودها. وأساسُ هذا الحقّ هو الاحترام المُطلَق الذي تُوليه نظريّة الحرب العادلة التقليديّة للسيادة، بغضِّ النظر عن أيِّ عوامل أخلاقية أخرى. فحدود دولةٍ يُمكن أن ترسم على نحوٍ مُجحف؛ فالأراضي التي تحتويها هذه الحدود قد تكون عديمة القيمة لذي السيادة ومواطنيه، وقد تكون عرضةً لمطالب الآخرين المستمرّة، ولكن حتى في هذه الحالة أخلاقيات الحرب تقف في صفِّ القوة ذات السيادة؛ لأنه كما أدركت الأطراف المُشاركة في ويستفاليا، أن مظالم السيادة قد تصغُر مقارنةً بالمنافع المُتأتّية من السلام المُتحقِّق من سياسة عدم تدخُّلٍ حازمةٍ.
التقليديون في مقابل التنقيحيّين
في سعينا إلى اتخاذ خيارات أخلاقية حيال الانخراط في الحرب أو عدم الانخراط فيها، ينبغي لنا ألَّا نسترشد بمثال ويستفاليا وحسب؛ ففي القرون التي تلت المعاهدة، فعل الفلاسفة الكثير للتفصيل في نظريّة الحرب العادلة.
في العصور الحديثة، تفرَّعت نظريّة الحرب العادلة إلى مدرستين: التقليدية والتنقيحية. الموقف التقليديّ يعكس موقفًا لا يختلف كثيرًا عن الخط المُستمدّ من سلام ويستفاليا والقانون الدوليّ المعاصر، ويُمثِّله أحسنَ تمثيل الكتاب المُؤثِّر الحروب العادلة وغير العادلة لمايكل والزر، الصادر في 1977. فوفقًا لوالزر: «كلُّ انتهاكٍ لسلامة الأراضي أو للسيادة السياسية لدولةٍ مُستقلَّةٍ» يُعدُّ عملًا عُدوانيًّا. فعند والزر أن للدول حقوقًا سياديّةً أساسيّة، وبفضل هذه الحقوق أيُّ أذًى يلحق بسيادة الدولة يُبرِّر استخدام القوة.
المعسكر التنقيحي قاده جيف مكماهن، الذي أحدث كتابه المرجعي الصادر في 2009، القتل في الحرب، ثورةً في النقاش الفلسفيّ لأخلاقيّات الحرب، بمُساءلته لكلٍّ من الموقف الأخلاقيّ للدول والافتراض التقليديّ في أن السيادة هي الخير الأسمى. فوفقًا لمكماهن، يمكن للدول أخلاقيًّا أن تحمي حياة مواطنيها وحقوقهم، ولكن السيادة بحدِّ ذاتها ليست خيرًا مُستقلًّا؛ وإنما تستحقّ الحماية بقدر ما يكون في هذا تأمينًا لحقوق المواطنين وحياتهم. ولذا توصلت المدرستان التنقيحيّة والتقليديّة إلى استنتاجات مختلفة حيال حالاتٍ كالفوكلاند.
إن افترضنا أن الدفاع البريطانيّ عن أراضيها في الفوكلاند غير مُبرَّر بالفعل، فإذن النشاطات السيبرانية الروسية غير العنيفة لا يُمكن أن يُردَّ عليها بالقوّة أيضًا. ولكنَّ نظرية الحرب العادلة التنقيحيّة تنتهي إلى الاستنتاج المُعاكس: يمكنُ الردّ عليها بالقوّة. وهذا الاستنتاج تُشاطره إياه النظريّة التقليديّة. لذا مع أن نظريتيْ الحرب العادلة التقليديّة والتنقيحيّة تتضادّان في أمور كثيرة وتقدّمان توجيهًا متناقضًا في بعض الحالات، إلّا أنهما في موضوع التدخُّل الأجنبيّ في الانتخابات متفقتان. وهذا يبدو أنه حجة دامغة على أن ردًّا عنيفًا مُبرَّرٌ في هذه الحالة.
لسنا بحاجةٍ إلى التعمُّق في النظريّة التقليديّة لنفهم استنتاجها في أن التدخُّل في الانتخابات سببٌ مشروعٌ لشنِّ حرب. وسيكون هذا قائمًا ببساطةٍ على انتهاك السيادة. لكن ماذا عن النظريّة التنقيحيّة؟ وفقًا لمكماهن، ما يجعل المرء مُطالَبًا بأذًى دفاعيّ هو ما إذا كان الضرر الدفاعيّ مُبرَّرًا بمقتضى شروطٍ معينة، لا نوع الضرر المُهدَّد به. لذا فانتهاك السيادة ليس -بحدِّ ذاته- سببًا كافيًا لشنِّ حرب، ولكنَّ الضرر الكافي الذي لحق بحقوق المواطنين يُبرِّر إراقة الدماء. ولهذا إن كان التدخُّل الأجنبي في الانتخابات يقوِّض على نحو كبير الحقوق السياسيّة لعددٍ كافٍ من المواطنين، فالدولة المُتضرِّرة قد يكون لها المبرِّر للجوء إلى العنف لأجل تصحيح الضرر الذي عاناه شعبها، ولأجل استعادة سلامة مؤسساتها السياسية.
تنقيحيٌّ آخر يتفق في الرأي؛ فسيسل فابر تدعونا إلى تخيُّل موقفٍ حيثُ المصوتون في الدولة -ولنُسمِّها ديموكراتنايا- لم يستطيعوا استخدام الاقتراع لأن مخترقين من دولةٍ عدوّة -ولنُسمِّها إنفادا- خرّبوا نتائج الانتخاب. وإنفادا لم تقتل مواطنًا واحدًا من ديموكراتنايا، ومع ذلك -وفقًا لفابر- انتهاك الحقوق على هذا المستوى الكبير قد يُبرِّر ردًّا قاتلًا.
لنُعقِّد مثال فابر، دعونا نتخيَّل ديمقراطيّةً حيث القضية الجوهرية المُحدِّدة للانتخابات القادمة هي ما إذا كان يجب الاستمرار في حربٍ طويلةٍ ضد دولةٍ مُجاورة. ولنتخيَّل أن هناك مُرشحَيْنِ اثنَيْنِ للانتخابات، والفائز سيقرر ما إذا كانت الحرب ستستمر. والمرشحان يُمثلان وجهات نظر متضادّة: أحدهما يَعِد بإنهاء الحرب، والآخر يَعِد بتمديدها. ولنتخيَّل الآن أن قوةً أجنبيّة، لها مصالح ماليّة وسياسية في تمديد الحرب، تتدخَّل في العمليات الديمقراطية للانتخابات، مخترقةً الحسابات الشبكية الدولية وآلات الاقتراع، من أجل تلفيق فوز المُرشَّح المؤيّد للحرب. في هذه الحالة، لا يُقرِّر الشعب الاستمرار في الحرب أو عدم الاستمرار فيها، وإنما قوّةٌ أجنبيّة. ومن دون تحمُّل التكاليف الباهظة للغزو أو لاغتيال المُرشّح الآخر، تمكّنت هذه القوة من فرضِ إرادتها على دولةٍ لا تملك حقوقًا سياسيّةً فيها. وإن كان التدخُّل في الانتخابات طريقةً أقلَّ تكلفةً لتحقيق الأهداف التي تُحقَّق عادةً بالعنف، فهذا لا يعني أن الأهداف تغيرت على نحوٍ يُلغي حقوقَ دولةٍ باللجوء إلى الدفاع عن النفس.
روح السلام تُحلِّق فوق العالم، لفارشاد رازمجوي 2021
أسباب أخرى لعدم اللجوء إلى القوّة
من التجربة الفكريّة هذه، يسهل رؤية أن التدخُّل في الانتخابات يمكن أن يكونَ انتهاكًا يضرُّ بالحقوق والسيادة؛ لذا يظهر -على الأقلّ للوهلة الأولى- أن التدخُّل في الانتخابات قد يُبرِّر استخدام القوّة وفقًا للنظريتين التقليدية والتنقيحية للحرب العادلة. ولكن كلا النسختين تضع قيودًا أخرى على استخدام القوة، وبفضل هذه القيود يتضح أنه من المستحيل استخدام القوة استخدامًا أخلاقيًّا في الردِّ على التدخُّل في الانتخابات.
نظريّة الحرب العادلة تُعدِّد ستة شروط مُسبقة للاستخدام المُبرَّر للقوة: 1) يجب أن تكون هناك قضيّة عادلة، 2) اللجوء إلى العنف يجب أن يكون ضروريًّا لتحقيق هذه القضية، 3) الرد المُخطَّط يجب أن يكون مُتناسبًا مع الضرر المُتوقَّع من أفعال العدو، 4) يجب أن تكون هناك احتماليّةٌ معقولةٌ للنجاح في تحقيق القضيّة العادلة، 5) المدافع يجب أن يتصرّف بنوايا حسنة، 6) المدافع يجب أن يتصرّف انطلاقًا من سلطة شرعية. ولنفترض جدلًا أن التدخُّل في الانتخابات يوفّر قضيّةً عادلةً؛ ليس من الواضح ما إذا كان اللجوء إلى القوة سيُحقِّق معايير الضرورة، والتناسب، واحتماليّة النجاح. وفي رأيي أن هذه الشروط تُشكِّل أهم القيود الأخلاقية على الإقدام على الحرب.
دعونا ننظر أولًا في مسألة الضرورة: هل من الضروري استخدام القوة لمنعِ قوةٍ أجنبيةٍ من التدخُّل في الانتخابات؟ في أغلب الحالات، هذا ليس محتملًا؛ فمسارات عملٍ أخرى قد تكون أكثر نجوعًا. وهذا يتضمَّن أمورًا كتحسين أمن التصويت على الشبكة، ووضع تنظيمات تمنع استخدام البوتات على الشبكات الاجتماعيّة، وجعل عملية الاقتراع غير متصلة بالشبكة. كما أن استخدام القوة ليس ضروريًّا لمعاقبة المُتدخِّل، الذي يمكن أن توضع عليه عقوبات اقتصاديّة أو غيرها من وسائل التقريع الدبلوماسيّ.
ولننظر في التناسب ثانيًا: هناك المشكلة العويصة في قياس الضرر لأجل تفصيل ردٍّ متناسب معه. كيف يمكن أن تُحدِّد كمية الضرر الناتج عن التدخُّل في الانتخابات، خصوصًا عندما لا تكون هناك أصوات تمّ تغييرها، أو عندما لا يُعرَف ما إذا كان التدخُّل قد أثَّر في النتائج؟ وكيف يمكن أن تُقارن هذا بالضرر المختلف تمامًا الذي سينتُج عن ردٍّ عسكري؟ أيُّ إجابةٍ عن هذه الأسئلة سيشوبها انعدام الدقّة.
ثالثًا: ما احتمالية أن يُحقِّق الردُّ العنيف هدفه العادل؟ أيْ ما احتماليّة أن يُعيد استخدام القوّة سيادة الدولة المعتدى عليها أو حقوق مواطنيها؟ فعمليّة عسكريّة لا يُمكن اعتبارها ناجحةً إلا لو أقرَّ قادة الدولة المتدخلة بما فعلوه ثم كفُّوا عن فعله. ولكن حتى في هذه الحالة، استعادة سيادة الدولة لا يمكن أن يأتي إلا من داخل الدولة نفسها؛ فعلى سبيل المثال، السياسيّون الذين تمّ انتخابهم على نحو غير شرعي بسبب التدخُّل في الانتخابات قد يردّون على هذا الكشف بتسليم السلطة والقبول بأنهم لم يتسلّموها بشرعيّة. وهذ النتيجة بعيدة عن التحقيق إلا بتكلفة كبيرة، أكبر بكثير من أن تكون مُتناسبة مع الضرر الواقع. وليس لنا أن نكون واثقين من أن ثقة الشعب بسيادته ستُستعاد فعلًا في هذه الحالة. والاحتمال الأكبر أن ردًّا عنيفًا على التدخُّل في الانتخابات سيُلحِق ضررًا بالديمقراطية أكبر بكثير من ضرر التدخُّل نفسه. وعندما يتعلَّق الأمر بالتدخُّل في الانتخابات، فئات كثيرة من الشعب ستكون أفضل حالًا على الأرجح بتجاهُل المتدخِّل، وباتّخاذ خطوات غير عنيفة لضمان ألَّا يحدث التدخُّل مرةً أخرى.
وهكذا وصلنا إلى استنتاج مُذهِل: في كلا نظريتيْ الحرب العادلة، التدخُّل في الانتخابات كالذي فعلته روسيا في 2016 لا ينتهك سيادة الدولة على نحوٍ يُبرِّر ردًّا دفاعيًّا. ومع ذلك، في كلا النظريتَيْنِ، أيدي السيادة المُعتدى عليها مُقيّدة نوعًا ما؛ فاستخدام القوّة سيكون غير أخلاقيّ، رغمًا عن الضرر الحقيقي الواقع على السيادة.
الطريق أمامنا
إن عوَّلنا على نظريتيْ الحرب العادلة التقليديّة والتنقيحيّة فقط، فسنَعلَق في هذا الطريق المسدود؛ ويجب علينا أن نتقبَّل أن التدخُّل في الانتخابات لا يمكن منعه باستخدام القوّة أو التلويح باستخدامها.
وفي رأيي أن الضرر الحقيقيّ للتدخُّل في الانتخابات على السيادة يأول على كيفية التأثير في حقوق الجماهير المُنتهَكة؛ فالتدخُّل في الانتخابات يخلق وضعًا حيث جزء من الناخبين يعتقدون أن حقوقهم تمّ تقويضها، والجزء الآخر مُتمسِّك بشرعيّة نتيجة الانتخاب رغمًا عن الإقرار بوجود تدخُّل. ومن ثَمَّ فالمشكلة يجب أن تُحلَّ داخل مجتمع ومؤسسات الدولة المُعتدى عليها. ومع أن المؤسسات الدوليّة يمكن أن تُساعد بالبتِّ في الحقائق وتصل إلى قرارٍ استشاريّ، إلَّا أنه عائد إلى الشعب «المغزوّ» إدراك أن الحقوق الديمقراطية أكبر من نتائج انتخاباتٍ تشوبها شائبة. لذا مع أن الكثير من الأمريكيين قد يرون تدخُّل روسيا في الانتخابات عملًا حربيًّا، إلَّا أن الدفاع عن الديمقراطية يجب أن يأتي من الداخل ويجب أن يأخذ شكل إدراكٍ عابرٍ للطيف الأيديولوجي أن هذا انتهاك غير مقبولٍ للسيادة، ويجب أن يقود إلى إصلاحٍ داخليّ من أجل تحصين البلاد من انتهاكات مُماثلة: إصلاحات لتنظيم وسائل التواصل الاجتماعيّ، وإصلاحات لقوانين الانتخاب، وعمليّات سياسيّة لإزالة السياسيّين الذي يرفضون شجب هذا الانتهاك للسيادة من السلطة؛ فهم برفضهم شجبها يُشجِّعونها.
© د. إيلاد يوزان 2021
أنجز إيلاد يوزان رسالته في دكتوراة الفلسفة والقانون في جامعة تل أبيب. وبدءًا من أكتوبر 2021، سيلتحق بكلية الفلسفة في جامعة أكسفورد كزميل في كرسي ماري كوري.
