يحبّ الفلاسفة المصطلحات ويبتكرونها. هذه كانت بالتأكيد وجهة نظر الفيلسوفَيْنِ الفرنسيّيْنِ جيل دولوز (1925-1995) وفيليكس جواتاري (1930-1992) إذ يقولان في كتابهما ما الفلسفة؟ (1991): ""الفلسفة هي مجال إبداع المفاهيم"" (ص 5). بالطبع، لن يتمكّن أيّ من المشتغلين في مجال ما أن يبتكروا مفاهيم كما يفعل الفلاسفة، خذ مثلًا ""الصفحة البيضاء"" (Tabula Rasa) أو ""ألعاب اللّغة"" (Language Games) أو ""الكيفيّات"" (Qualia)، ولكن أليس من المؤكّد أن لكلّ مجال مفاهيمه الخاصّة؟ وفقًا لدولوز وجوتاري، فإن لكلّ مجال مصطلحاته الواقعة ضمن إطار مرجعيّ، حيث تُبتَدع المصطلحات لتسمية الأشياء الموجودة بالفعل، لا الأفكار التي تنطوي عليها هذه المصطلحات، كما يجري في الفلسفة.
غالبًا ما ترتبط المفاهيم الفلسفيّة بالشخصيّات التي ابتكرتها؛ الكوجيتو مثلًا، مفهومٌ ديكارتيّ. بَيْدَ أن المفاهيم التي سنتناولها هنا -كـ ""التحليل الفصامي"" (Schizoanalysis) و""الأقْلمَةُ"" (Territorialisation) و""خطوط الهروب"" (Lines of Flight) و""الجذمورية"" (Rhizomatic) و""مسطّح المحايثة"" (The Plane of Immanence)- هي أمثلة تنتمي إلى قائمة طويلة من المفاهيم الفلسفيّة التي ابتكرها دولوز وجوتاري من خلال اللّعب المزدوج باللغة. ولا نبالغ بالقول إنه لا يوجد فلاسفة آخرون مبدعين مثل هذَيْنِ الاثنَيْنِ في ابتكار مفاهيم جديدة وإعادة نشر أخرى. ويرجع ذلك إلى اعتقادهم بأن اللّغة، مثلها مثل أيّ شيء آخر، تتطوّر باستمرار. وتاليًا، فإن الكلمات ليس لها معاني ثابتة. وتوازيًا مع تفضيلهم للحركة وسبرهم لأغوار الفكر، فإن المفاهيم الفلسفية التي وضعها دولوز وجوتاري ليست ثابتةً. ترتبط المفاهيم الموضّحة أدناه بأحد الكتب الأربعة الآتية: أوديب-مضادًّا (Anti-Oedipus)؛ ألف هضبة (A Thousand Plateaus)؛ كافكا (Kafka)؛ ما الفلسفة؟ (What is Philosophy?).
إنّ استخدام دولوز وجواتاري المطواع للمصطلحات فضلًا عن تلاعبهما باللغة يعكس وجهة نظرهما عن الواقع؛ فالواقع، بالنّسبة إليهما، هو العالم المستقل عن العقل والذي يتكوّن ممّا هو فعليّ وافتراضيّ وإذا كان الفعليّ هو ما جرى تجسيده، فإنّ الافتراضيّ هو كلّ ما يمكن أن يحدث (لا يقتصر الوضع الافتراضيّ على محاكاة الكمبيوتر للواقع، على الرّغم من أنّه يتضمّنها). من هنا، فإنّ كلّ كائن حيّ ينفتح على ما هو افتراضيّ لأنّه يشارك في عملية التحوّل من خلال تفاعله مع بيئته. إنّ هذا التحوّل هو الذي يحظى باهتمام خاصّ عند دولوز وجوتاري، والذي على أساسه يصنَّفان فيلسوفان ميتافيزيقيّان عمليّان. في كتابهما ""ألف هضبة"" (1980) يستخدمان مفهوم ""الصيرورة"" للإشارة إلى التغيير الذي قد لا يكون بالضرورة تقدّميًّا أو رجعيًّا. يعتبر دولوز وجوتاري، على سبيل المثال، أن الدبّور أصبح سحليّة، والأوركيد أصبح دبورًا، حيث تتفاعل هذه الكائنات فيما بينها عبر علاقاتها التكافليّة. (ص 9).
لا تنطوي الصيرورة على المحاكاة أو التماهي مع شيءٍ ما؛ بالأحرى، إنّ طبيعة الواقع تقوم على إنتاج المزيد من الصيرورات أو التعدّدات اللّانهائيّة. ""التعدديّة"" هي مفهوم استخدمه دولوز وجوتاري لوصف العلاقة بين العناصر التي تُشكّل الواقع. يدّعي كلاهما أنّ الجوانب المتعدّدة التي يتكوّن منها العالَم لا تستقلّ بذاتها؛ على سبيل المثال، ثمّة العديد من القطط التي تختلف عن بعضها بعضًا كما تختلف عن البشر، لذلك لا يوجد شيءٌ مستقلّ في ذاته. قد نصف العالَم بأنّه تعدّد الأشكال المترابطة بشكل انسيابيّ، ومع ذلك كل الأشياء تختلف فيما بينها.
غير أنّ الطبيعة المتعدّدة للواقع قد تنتج بنًى أو ترتبياتٍ متماسكة العناصر، تسمّى بـ ""التآلفات"" ]المترجم: التجمّعات أو التنسيقات[. تتكوّن التآلفات، وفقًا لهذه الفلسفة، من كلّ الأشياء الفاعلة والمتفاعلة، فضلًا عمّا تعبّر عنه الأفعال. هذه المقالة عينها عبارة عن مجموعة من الحروف التي تشكّل كلمات الصفحة؛ الصفحة هي الورق المطبوع عليه؛ أنت تقرأ الآن هذه الصفحة ثمّ تتفاعل معها، وهكذا دواليك.
يمكن للتآلفات أن تتفاعل على مستويات مختلفة لتنتج تأثيرًا. هذا التّأثير قد يكون عاطفيًّا بالمعنى الحرفيّ للكلمة أو ماديًّا، وروحيًّا، وإدراكيًّا وفكريًّا. يشير مصطلح ""التّأثير"" إلى أيّ شيء تتجلّى فيه عملية الصيرورة باعتبارها استجابةً لتفاعل قد حدث سابقًا. في كتابهما ""ما الفلسفة؟""، يناقش دولوز وجوتاري التأثيرات التي تحصل في عالم الفنّ؛ العمل الفنّي هو الأثر الناتج عن التآلف الذي يصنعه الفنّان بالموادّ فضلًا عن الإنتاج الأخير للعمل. إذا أخذنا مثلهما المفضّل، توثّر العلاقة التكافليّة بين الدبّور وزهرة الأوركيد في تآلف جديد يكوّن ""هجين الدبّور-الأوركيد"". ولأنّ التآلفات تعدّديّة في طبيعتها، يمكن القول بأنّه ليس لها بنية أصيلة ولا تشكّل وحدة. لذلك يمكن للدبّور أو للهجين الدبّور-الأوركيد أن يكوّنا عددًا من التنسيقات الأخرى بحسب الخيارات المتعدّدة المتاحة. قد يتحوّل هجين الدبابير والأوركيد إلى تجمّع (زرزور- دبّور- أوركيد)، حيث يأكل الزرزور الدبابير التي تتغذّى من زهرة الأوركيد. مثل هذه الصيرورات هي جذموريّة تمامًا، لأنّها يمكنها التحرّك أو النموّ في أيّ اتّجاه كان.
التجذّر وفرانز كافكا
يشير مصطلح الـ ""جذمور"" إلى الأفكار والمفاهيم والتنسيقات التي لا يمكن تحديد بداياتها أو نهاياتها أو توضيحها بنقاط ثابتة، الأمر الذي يجعل منها قابلة للتطوّر والتّأويل المتعدّد. شبكة الإنترنت جذموريّة؛ لأنّه يمكنك التنقّل عبر روابطها في أي وقت وإلى أي مكان. المصابيح والدرنات والفئران، تشكّل تنسيقات؛ البطاطس، والأريكة، والأعشاب، هي أيضًا جذامير، تنتشر في جميع الاتجاهات وتؤدّي العديد من الوظائف. يعرّف دولوز وجواتاري الجذمور بقولهما: ""ليس له بداية أو نهاية؛ إنه دائمًا في الوسط، مُتحابكٌ، يقع بين الأشياء، بين الكائنات"" و""يربط أيّ نقطة كانت بأي نقطة أخرى، ولا ترتبط سماته بالضرورة بسماتٍ من طبيعة مماثلة"" (ألف هضبة، ص ٢١، ص ٢٦).
بشكل عامّ، يستخدم الفيلسوفان مصطلح ""الجذمور"" لوصف الأشياء التي ليس لها نقطة بداية ويمكن أن تسير في أيّ اتجاه. كان الهدف من ""ألف هضبة"" أن يُقرأ بهذه الطريقة، بحيث يمكن للقارئ أن يختار أيّة صفحة في أيّ وقت؛ لأنه لا يوجد سرد خطيّ للكلام. وهكذا فإنّ الواقع جذموريّ إذ يُعوِزه التماسك ويفتقر أيضًا إلى مركز أو نقطة نهاية.
يربط دولوز وجوتاري في البداية مصطلح ""الجذمور"" بفرانز كافكا (1883-1924)، فيدّعيان أن عمله ليس له بنية خطيّة، وتاليًا يمكن تفسيره باتّجاهات متعدّدة. وللولوج إلى ""الجذمور"" في أعمال كافكا، يقترح الفيلسوفان تتبّع تكرار هذه الموتيفات: ""الصورة المرسومة أو الفوتوغرافيّة، والرأس المنهَك والمنحني"" (كافكا، 1986، ص 3). تظهر هذه الموتيفات في روايات كافكا (القلعة، أميريكا، المسخ، والمحاكمة)، بمظاهر مختلفة ولها العديد من التفسيرات الممكنة. وعلى عكس التفسيرات الشائعة، التي تجعل من الرأس المنهَك رمزًا للإذعان، فإنّ دولوز وجوتاري يفسّران هذا الموتيف باتّجاه أكثر إشراقًا، فيقولان بأنّ هذا الرأس يمكن أن يستقيم؛ ففي القلعة، على سبيل المثال، يشير وجود برج الكنيسة أو برج القلعة إلى أنّ ثمّة احتمالًا أن ينتصب الرأس المنحني (كافكا، ص. ٤). هذه مجرّد طريقة واحدة من طرق عديدة لقراءة أعمال كافكا، وهذا تفسيرٌ معقولٌ لأنّ كتابات كافكا ذات طبيعة جذموريّة غير ثابتة.
ضدّ التحكّم
إنّ الرّغبة هي التي تدفع الأشخاص إلى إنشاء تجمّعات جديدة؛ لقد جعل دولوز وجوتاري القوّة الدافعة للرّغبة بؤرة كتابهما الصادر عام 1972 تحت عنوان أوديب-مضادًّا. ويبدو أنّ الفيلسوفَيْنِ لا يتّفقان مع النزعة الفرويديّة على الأقل بمعنى أن الرّغبة بالنسبة إليهما هي شيءٌ إيجابيٌّ، طاقة موجودةٌ في داخلنا يجب أن تكون طليقة، حرّة التدفّق. لذا، فهي ليست نتيجة الافتقار إلى شيء ما، كما هو تفسيرها بحسب فرويد. على سبيل المثال، إنّ الرغبة في شيء لا يمكننا الحصول عليه، لا يمكن أن تعدّ رغبة حقيقيّةً؛ لأنّ استحالة التحقّق تمنع في الواقع التدفق الحرّ لرغبتنا.
تحثّنا القوى الموجودة في المجتمع على أن نقمع رغباتنا أو أن نسمح للآخرين باحتوائها. بالنسبة إلى الفلاسفة الفرنسيّين في القرن العشرين، هناك نوعان من الآليات المعياريّة التي تتلاعب بالرّغبة و/أو تقمعها: الرأسماليّة والتحليل النّفسيّ. فالرأسماليّة تجعل الرّغبة تتدفّق في قنوات، من خلال الإعلان والتحكّم بالعرض، بدلًا من تركها تتدفّق بحريّة أمّا التحليل النفسيّ، فيُرغم العقل الواعي على التحكّم في مركز الرغبة، أي اللّاوعي. ونتيجة لهذا التحكّم ستعبّر الرّغبات عن مكنوناتها من خلال الأساطير بدلًا من الأشياء الحقيقيّة-في هذا السياق، تعتبر أسطورة أوديب المثال الأبرز الذي يظهر هذه الحالة. لذا أن تكون حيًّا حقًّا يعني أن تترك الرغبة تتّخذ مسارها من دون انقطاع وألّا تسمح للعقل الواعي أن يسيطر عليها؛ لأنّه فقط من خلال تحرير اللّا وعي يمكن للرّغبة أن تستعيد قدرتها الإنتاجيّة، وأن ينتقل المرء من مجرّد كونه كائنًا ثابتًا إلى حالة من الصيرورة الدائمة حتّى يصبح في النهاية ""ماكينة رغبة حقيقيّة""- أو بحسب تعبير دولوز وجوتاري، تنسيقًا جماعيًّا يتحوّل بتفاعله بحريّة مع التنسيقات الأخرى، إلى تنسيق جماعيّ أكثر تطوّرًا.
في أوديب-مضادًّا، أُعجِب دولوز وجوتاري بحركة الفصام الفكريّة: فهي تسمح للرّغبة بالتجوّل بحريّة وبتجاوز الحدود. تتّخذ أنماط التفكير والكلام لدى المصابين بالفصام طبيعةً جذموريّة. يأتي دولوز وجوتاري في كتابهما على ذكر دانيال بول شريبر، وهو قاضٍ ألمانيّ عانى من الفصام والذعر، ويشيران إلى اعتقاده بأنّه ""تحوّل إلى امرأة"" وبأنّه ""عاش لفترة طويلة بلا معدة، ودون أمعاء، ولا حتّى رئتَيْنِ تقريبًا"" (ص. 8). يبدو لنا أنّ رغبة دانيال تتدفّق بحريّة في داخل عالم الجنس، وتتنقّل من عالم العقل إلى المجال المادي وما بعده. وفقًا لنمط التفكير عينه، يشجّعنا دولوز وجوتاري على الهروب من الاضطهاد النّفسيّ والاجتماعيّ الذي يخبرنا مَن نحن وكيف يجب أن نتصرّف. لذلك يدعواننا إلى أن نكون مبدعين تاركين رغباتنا تنطلق بجموح كما يفعل المصابون بالفصام، وأن نصنع روابط غير عاديّة في تفكيرنا؛ لأنّه بمجرّد أن نتوقّف عن القيام بذلك ستُكتم رغباتنا وسنفقد كمال الإبداع.
للأسف يحدث هذا في كثير من الأحيان، حيث تُكتم الرّغبة وتشفّر ثم يجري استلابها. ""الأقلَمةُ"" ]المترجم: التّوطينالتّدجين[ هي مصطلح يتوسّله دولوز وجوتاري ليعبّرا عن العمليّة القمع التي يمارسها المجتمع من خلال استلاب الرّغبة، وربّما إعادة توجيهها، بهدف توظيفها لمصلحة خاصّة. أكثر حالات التّوطين وضوحًا هي عندما يقوم الإنسان أو الحيوانات بتدجين البيئة. والأقلمة ليست عمليّةً سيّئة بالضرورة إلّا عندما تخنق الرّغبة؛ فالموسيقيّ عندما يستخدم النوتات الموسيقيّة لتأليف النّغمة يمارس نوعًا من الأقلمة.
في الكتاب عينه، يجادل دولوز وجواتاري بأنّه على الرّغم من اشتغال الرأسمالية بطريقة معاكسة للأَقلَمة (أي أنّها تعمل على تحرير الرّغبات) وذلك عبر استكشافها للجوانب المختلفة التي يمكن استثمارها، إلّا أنّ دافع الرّبح هو الذي يحرّكها. لذا لا يمكن أبدًا أن تتحرّر الرغبة حقًّا في مثل هذا النظام. بدلاً من ذلك، فإنّ الإعلان، على سبيل المثال، يحبس الرغبة بحيث يمكن إعادة توطينها بغرض الرّبح. بشكل عامّ، تجعل الرأسماليّة المشاريع الإبداعيّة تجاريّة من خلال إنتاجها وتوزيعها على نطاق واسع وتشجيع المستهلكين على الاعتقاد بأن هذا ما يرغبون به.
كما أنّ التحليل النفسي يقلّص الرّغبة عن طريق ردّها إلى حافز نفسيّ أو جنسيّ أو أوديبيّ. في حين يوصي دولوز وجواتاري بمقاربة الرّغبة وفقًا للتحليل الفصاميّ، حيث لا تُفهم الرّغبة على أنّها شيء يجب قمعه، بل تحريره.
المواجهة والهروب
عندما يتحرّر النسق أو الرّغبة من التّوطين - أي من آليّات القمع أو السيطرة - فإنّه يهرب من ذلك الإقليم من خلال اتّباع خطوط ترحيل مختلفة. خطوط التّرحيل ]المترجم: الهروبالفرار[ تشبه الطفرات. إنّها انفتاح يتجلّى عبر حثّ رغبات جديدة أو إضفاء شكل مختلف على النّسق.
تتميّز خطوط التّرحيل بأنّها متشابكة تمامًا ولا تتّبع مسارًا محددًا مسبقًا. كما هو موضّح في ألف هضبة، ""خطّ الهروب هو جزء من جذمور"" (ص 9). يتبع المصاب بالفصام خطوط التّرحيل، كما أنّ التحليل الفصامي يحثّنا على إحداث مثل هذه الاختراقات في حياتنا. دولوز وجواتاري، نفسهما، يتّبعان خطوط ترحيل متنوّعة.
حين تعبر الرّغبة خطوط التّرحيل فمن غير المرّجح أن يعاد توطينها. بمعنى آخر، تتطوّر الرغبة إلى شيء يتحدّى التوصيف أو التفسير. على الرّغم من أنّ هذه العملية الإبداعيّة قيّمة، بيد أنّ دولوز وجوتاري يدركان أنّ الرّغبة يمكن أن تصبح غير فعّالة؛ لذا من الأفضل للرغبة أن تتكافل مع ""تنسيق جماعيّ ناطق"" حيث يمكن للأجزاء المختلفة منه أن تشكّل نظامًا ديناميكيًّا باستطاعته أن يخاطب النّاس.
تصبح خطوط الهروب ذات قيمة مهمّة عندما تنمو في بيئة معيّنة، أو في ما يسمّيه دولوز وجوتاري مسطّح المحايثة أو مسطّح الاتّساق. قد نفكر في هذا المسطّح على أنّه جانب فكريّ، أو حيّز من المفاهيم. إن مسطّح المحايثة لا نهائيّ -ربّما لأنه يشمل كلا الجانبَيْنِ الواقعيّ والافتراضيّ- ويعمل بسرعة فائقة، ولا يمكن تصوره دون المفاهيم التي يتردّد صداها في داخل هذا المسطّح (انظر: ما الفلسفة؟، ص 36). فمفهوم ""الجذمور""، على سبيل المثال، لا يمكن فهمه دون الرجوع إلى المفاهيم الأخرى التي تشكّل مسطّح المحايثة في عمل دولوز وجوتاري، كالتعدّديّة والتآلفات والتأثيرات وخطوط الهروب. قد تظنّ أن مسطّح المحايثة هو مفهوم قائم في ذاته، إلّا أنّ النتيجة ستفضي إلى اعتبار الأوّل مفهومًا كليًّا والكلّيّات ثابتة وغير واقعيّة ولا تتوافق مع ما تستلزمه المفاهيم الفلسفيّة. بمجرد أن تحدّ مفهومًا جاعلًا إيّاه مفهومًا كلّيًّا، فإنك تنزع منه الجانب الواقعيّ، وتقضي بذلك على الاختلاف والتغيير والافتراضيّ أيضًا.
عند شرح المسار الحرّ الذي من المفضّل أن تسلكه الرغبة في أوديب-مضادًّا، يستخدم دولوز وجواتاري أيضًا عبارة ""جسم بلا أعضاء"" (corps sans organes) للتعبير عن مسطّح المحايثة. تشير هذه العبارة إلى هيكل أو منطقة غير خاضعة لتنظيم مفروض، ويمكن أن يكون الجسم جسمًا بوعي أو بلا حياة. وردت هذه العبارة للمرّة الأولى في إحدى مقالات الممثّل والكاتب الفرنسي الطّليعيّ أنتونين أرتود، ثمّ أعاد دولوز وجوتاري استخدامها لشرح طبيعة مسطّح المحايثة. المسطّح عينه غير منتج؛ لأنّه يفتقر إلى المحتوى والرّغبة. إنه جسم دون أعضاء يعوزه التنظيم الذي يجعله جسمًا بنيويًّا. الأرض هي جسد بلا أعضاء (ألف هضبة، ص. 65) كما هو أيضًا توصيف الواقع؛ إذ لا يوجد أي تنظيم يحكمه، على الرغم من اعتقادنا أنّه كذلك. في هذا السياق أيضًا، تشجّعنا فلسفة دولوز وجوتاري على أن نصبح جسدًا بلا أعضاء، بالمنحى عينه الذي تدعونا فيه إلى التفكير مثل الأشخاص المصابين بالفصام.
إن الجسد الذي يحتوي على أعضاء أو بعبارة أخرى ""مسطّح التنظيم""، يستوطن تلك الأعضاء (أي تلك الرّغبات أو المفاهيم) باعتبارها أعضاءه، على الرّغم من أنّه في الواقع من الأفضل أن يتمّ تحريرها. الرغبة، بوصفها مفهومًا فلسفيًّا، تكون أكثر إنتاجيّة عندما يُسمح لها باتّباع خطوط التّرحيل في عمليّة صيروراتيّة دائمة؛ أي عندما تعبر إلى ""جسم بلا أعضاء"". ""الجسم بلا أعضاء"" بهذا المعنى ""يعمل مثل مسطّح يسجّل عمليّة إنتاج الرغبة بأكملها"" (أوديب-مضادًّا، ص. ١١)
يبدو أن المفاهيم التي يتعامل معها دولوز وجوتاري بتآلف وودّ هي تلك التي تعبّر عن الانفتاح، انفتاح على صيرورات التعدّد والأنساق. مفاهيم مثل خطوط التّرحيل، والجذموريّة، والانعتاق، والتحليل الفصامي، بالإضافة إلى المنّصات التي تتيح حدوث مثل هذه العمليات: مسطّح المحايثة أو الجسم الذي يفتقر إلى أعضاء. وهكذا، فإنّ كل ما سبق يتوافق مع وجهة نظرهما التي تقرّ بالرّغبة جزءًا من الواقع الذي يشتمل أيضًا على ما هو افتراضيّ.
© الدكتورة كارين بارهام 2021
كارين بارهام معلّمة ومهتمّة بالفلسفة وكاتبة حرّة.
