القائمة الرئيسية

كتاب اللغة العربية إلى أين؟ : تصنيف اللهجة من حيث القيمة ٣/٧

كتاب اللغة العربية إلى أين؟ : تصنيف اللهجة من حيث القيمة ٣/٧
ملخص المقال

يناقش هذا الجزء من الكتاب تفضيل متحدثي العربية للهجتهم الخاصة على أي لهجة عربية أخرى، حيث يرون أن لهجتهم هي الأقرب إلى الفصحى والأسهل للتعلم. على مر العصور، كان يُعتقد أن لهجة البدو هي الأقرب إلى الفصحى، لكن مع زيادة عدد متكلمي العربية، أصبح المتحدثون يشعرون بأن لهجاتهم الحضرية هي الأفضل، رغم استمرار بعض الأوساط في تفضيل لهجات البدو. من خلال تجربة عملية، يلاحظ الكاتب أن معظم المتحدثين يعتقدون أن لهجتهم هي الأفضل، سواء في السياقات العامة أو الأكاديمية. ورغم صعوبة تصنيف اللهجات بشكل علمي دقيق، يظل كل متحدث مقتنعًا بأن لهجته هي الأقرب إلى الفصحى.

رأينا فيما سبق أن متكلم العربية يَنظر إلى اللغة العربية الفصحى على أنها الأفضل، أو، بمعنًى مّا، أنها اللغةُ الحقيقية وكفى. [والسؤال الآن]: ما موقف متكلم العربية هذا من أي لهجة عربية أخرى في مقابل لهجته هو؟ والإجابة واضحة لا لَبْس فيها ــــ إنه يفضِّل لهجتَه هو ويرى أنها الأقرب إلى اللغة العربية الفصحى والأسهل للتعلُّم وأكثر لهجة عربية يمكن أن يَفهمها متكلمو اللهجات العربية الأخرى. وانشغل العرب ـــ والعلماء الأوروبيون الذين يهتمون بالعربية ـــ طويلاً بالسؤال عن أي شكل من اللهجات العربية المتكلمة هو الأقرب إلى مستوى الفصحى المثالي. وثَمَّ إجابتان شائعتان عن هذا السؤال عمومًا، فإما أن يُنظر إلى لهجة البدو أو لهجة قبيلة معينة على أنها الأفضل، أو أن يُنظر إلى لهجة [المتكلم العربي نفسه الذي ينشغل بهذا السؤال] على أنها كذلك. ويبدو أنه كان يُنظر إلى لهجة البدو في العصور الإسلامية المبكرة على أنها الفضلى، إلا أن الإجابة الثانية صارت المفضَّلةَ مع تزايد عدد متكلمي العربية لغةً أولى. أما في العصر الحاضر فلم يبق إلا أثرٌ ضئيل غامض لتفضيل لهجة البدو. فقد صار العرب من سكان الحواضر يَشعرون عمومًا بأن لهجاتهم المحلية الأفضلُ، لكنهم سوف يستمرون في بعض السياقات المحدَّدة بالقول بأن لهجات البدو الأفضلُ. ومع هذا لا يعدو هذا التفضيل العالي للهجات البدو أن يكون كلامًا متزيِّدًا، إذ يبدو واضحًا في أي مقامِ اختبارٍ أنَّ المتكلم يَشعر حقيقة ًأن لهجته هو الأفضلُ.

وهذا الموقف قوي جدًّا حتى إني حين اختبرتُه بسؤال بعض متكلمي العربية من مختلف الأقطار واللهجات طوال خمسة عشر عامًا لم أجد إلا عربيين اثنين (إضافة إلى عدد من العرب الذين يدرسون اللسانيات) يتنصَّلان من هذه الفكرة تنصلاً حاسمًا. وحاولت مرارًا، على شكل تجربة عملية، أن أَعرِف القطرَ الذي جاء منه أيُّ عربي بسؤاله عن المنطقة التي يُتكلم فيها أفضل نوع من العربية قبل أن أسأله عن المنطقة التي جاء منها. وتنجح هذه التجربة في كل مرة أُجريها حتى الآن. إذ يُجيب عربيُّ مّا، مثلاً، بأن أفضل نوع من العربية ما يُتكلم في دمشق؛ وحين يُسأل بعد دقائق من أين جاء هو يتبين أنه جاء من ""دمشق"".

والسؤال عن أي اللهجات الأقربُ للعربية الفصحى، بعد ذلك كله، من الأسئلة التي يقررها البحث العلمي المُتَقصِّي. إذ يمكن أن تُدرس بنيةُ اللهجات المختلفة ثم تقارَن باللغة العربية الفصحى. ومن الصعب أن نضع معاييرَ لاكتشاف قيَمِ المظاهر المختلفة للغة ــــ أي، الصوت والصيغ والمعجم، والأنظمة الفرعية فيها كذلك ـــ بل سيكون من الصعب جدًّا، حتى باستخدام نظامٍ قياسيٍّ مَرْضيٍّ، أن نَصنف اللهجات العربية من حيث القيمة بميزان خَطِّيّ[1] للقُرب من اللغة الفصحى. ذلك أن اللهجة الأقرب نِسْبيًّا إلى الفصحى في مظهرٍ معينٍ ربما تَكون بعيدة عنها في مظاهر أخرى.

ومن مؤشرات قوة شعور المتكلم بقرب لهجته من الفصحى من حيث النوع، يمكن أن أورد تجربتي حين شاركتُ في إحدى الندوات عن مشكلات اللغة. إذ قضيت ساعتين تقريبًا أناقش هذا السؤال المحدَّد بقدر من التفصيل مع طلاب دراسات عليا من العرب في جامعة أمريكية، وبدا لي أني أوضحت المشكلة الأساسية المتعلقة بصعوبة تصنيف اللهجات من حيث القيمة وأنَّ هذا التصنيف ليس عملاً مهمًّا من وجهة نظر اللسانيِّ. لكن أحد أولئك الطلاب لاحَظ في نهاية النقاش أنه: ""صحيح أن أكثر ما قلتَه صحيح إلى حد بعيد، لكن اللغة العربية المتكلمة في الأردن هي الأقرب للفصحى من اللهجات الأخرى حقًّا""[2]. واكتفى الطلاب الآخرون الذين جاءوا من أقطار عربية أخرى بالتبسُّم. وأميل إلى الاعتقاد بأنهم إنما تبسموا لأنهم رأوا عدم جدوى إصدار مثل هذا الحكم بطريقة منهجية دقيقة، لكني أظن أن ابتساماتهم تعود إلى اطمئنانهم المُريح إلى أن كل واحد منهم يَشعر في داخله بأن لهجته هو هي الأقرب للفصحى حقًّا.

[1] Linearأي على مستوى واحد متتابع [المترجم].

[2] من الموافقات العجيبة فيما يخص كلام هذا الطالب الأردني ما حدث معي حين كنت أعمل ملحقًا ثقافيًّا في السفارة السعودية في تايوان عام 1986م. فقد أقامت وزارة التعليم التايوانية حفل عشاء تكريمًا لوكيل وزارة التعليم الأردنية الذي كان يزور تايوان آنذاك ودعتني إليه. وكانت اللغة العربية من الموضوعات التي تناولها النقاش أثناء العشاء. وتحدث وكيل وزارة التعليم الأردني باستفاضة عن اللغة العربية وتاريخها. ومما قاله جادًّا إن اللهجة الأردنية أقربُ اللهجات العربية المعاصرة إلى اللغة العربية الفصحى. وتذكرت عند ذلك مقولة فرجسون هنا. وحاولت أن أبيِّن أمام الصينيين أنَّ كلام الضيف يقوله كل عربيٍّ عن لهجته، لكن الضيف المحترمَ كان مندفعًا في حديثه ومصرًّا على رأيه فأقصرتُ حتى لا تنشأ عن ذلك أزمة دبلوماسية بين قطرين عربيين شقيقين في بلد أجنبي بسبب اللغة! فهل هذا الأمر مصادفة؟!

ومن أمثلتها الأخيرة ما غرد به مؤخرًا على منصةX  أحد المثقفين السعوديين البارزين الذين ينتمون إلى منطقة نجد، إذ غرد يقول:

""اللهجة النجدية أجمل لهجة عربية وأقربها لبلاغة الفصحى.. والشعر النجدي أعظم وأروع ما عرفته اللغة العربية منذ فجر بزوغها، وعصر معلقاتها إلى يومنا هذا .. لهجة نجد مهد الغزل والعشق والعذوبة والجمال"".

وقد توالت الردود عليه، كما هو متوقع، بادعاءات مماثلة عن لهجات مناطق أخرى في المملكة وفي خارجها! [المترجم].

مقالات ذات صلة