القائمة الرئيسية

كتاب اللغة العربية إلى أين؟ : تَفوُّق اللغة العربية ٢/٧

كتاب اللغة العربية إلى أين؟ : تَفوُّق اللغة العربية ٢/٧
ملخص المقال

يناقش هذا الجزء من الكتاب شعور متحدثي اللغة العربية بتفوق لغتهم مقارنة باللغات الأخرى، حيث يرون أن العربية تتمتع بصفات فريدة تجعلها متفوقة، مثل جمالها و""منطقيتها"" في البناء النحوي والصرفي. هذا الشعور بالتميز يعزز من أهمية اللغة العربية في مجالات الشعر والخطابة، حيث يُعتبر من الصعب إيجاد لغة أكثر ملاءمة لتلك الفنون. بالإضافة إلى ذلك، يشعر العرب بفخرٍ خاص بنظام الأوزان الصرفية التي تتيح لها مرونة في التعبير وتوفير الكلمات المناسبة لأية فكرة، سواء كانت مجردة أو ملموسة.

رغم وجود بعض الانتقادات حول بعض التفاصيل النحوية في اللغة العربية الفصحى، إلا أن هذا لا يقلل من إعجاب العرب ببنيتها القوية والمنظمة. الفكرة الأخرى التي يدعم بها العرب تفوق لغتهم هي سعة المعجم العربي، الذي يُعتبر من أغنى المعاجم، بما يعكس عمق تاريخ اللغة العربية وتنوع استعمالاتها.

يرتبط أيضًا تفوق اللغة العربية بدورها الديني العميق، حيث يُنظر إليها باعتبارها لغة القرآن الكريم، وبالتالي فهي تُعتبر لغة مقدسة في العالم الإسلامي. هذه المكانة الدينية تعزز من مكانتها كمثال لغوي يُحتذى به في الأجيال المختلفة. يشار إلى أن حتى المسيحيين العرب في بعض الحالات يبدون إعجابًا بترجمات الإنجيل إلى العربية، وهو ما يعكس نوعًا من التماهي الديني مع اللغة العربية. في النهاية، يُعتبر تفوق اللغة العربية مرتبطًا بجمالها، منطقيتها، وغناها المعجمي، فضلاً عن مكانتها الدينية في العالم الإسلامي.

الفكرة العامة التي مفادها أنَّ لغةَ المرء تتفوق على اللغات الأخرى واسعةُ الانتشار [في العالم]، بل يمكن عدّها مكوِّنًا ""مألوفًا"" من مكوِّنات الأساطير عن اللغة في أي جماعة لغوية[1] على رغم وجود قدر من التنوُّع العالي في إضفاء التفوق الذي يَشيع في أقطار مختلفة. فيمكن أن يَنظر متكلمو لغةٍ مّا إلى لغتهم على أنها أكثر منطقية أو أفضل في الغناء أو أنها الأقدم أو الأكثر تطورًا، إلى غير ذلك، فيما يمكن أن يَنظر متكلمو لغة أخرى إلى لغتهم على أنها الأجمل، أو أنها لغة الآلهة، أو أنها الأكثر تعقيدًا، أو أنها الأسهل نُطقًا. ومن هنا، فالمعايير التي يَقوم عليها شعورُ العرب بتفوق لغتهم تستحق التحديد تحديدًا دقيقًا.

والأمر الأول أن العرب يشعرون بأن لغتهم جميلة، وهو ما يجعلها الأوفق بصورة طبيعية لإلقاء الشعر العربي الفصيح والخطابة الرسمية أو القريبة من الرسمية. ولا تخطئ العين التأثرَ العاطفي الذي يتغشَّى مَن يُلقي الشعر أو المتحدث أو السامع في هذه المناسبات. وقد أشار [فيليب] حِتِّي[2] إلى أنه يبدو أن العرب يتفاعلون مع الموسيقى والرمزية الصوتية في اللغة العربية الفصحى في هذه المناسبات أكثر مما يتفاعلون مع المضمونِ الدلالي للشعر أو الكلام. ومن السهل المبالغة في الكلام عن هذه الظاهرة في اللغة العربية، أو التقليل من أهميتها في اللغات الأخرى، لكن ثَمَّ ما يَشهد بأنه لا يمكن المجادلة في صحتها. ذلك أن الفلاح الأميَّ نفسَه الذي لا يَفهم العربيةَ الأدبية العالية القريبةَ من الفصحى فهمًا كاملاً سوف يفضِّلها لِأسباب كثيرة على لغة الحديث اليومي التي يَفهمها فهمًا تامًّا. فجمال اللغة مهمُّ لاعتقاد العربي بتفوق اللغة العربية، بغض النظر عن أي شيء آخر[3].

والسِّمَة الأخرى لتفوق العربية التي يَشعر بها متكلموها، ويشعر بها آخرون من غير متكلميها (كمتكلمي اللغة الفارسية، مثلاً) هي اطّرادها النحوي و""منطقية"" بِنيَتها. ومن سماتها الأخرى التي تُشعِر متكلميها بفخر حقيقي نظامُ الأوزان الصرفية، لا سيما صيغ الفعل المشتقة مع ما يترتب على ذلك من نتائج دلالية لتنوعاتِ أشكالها، وقدرةُ العربية على توفير الكلمة الملائمة لأي مفهوم، مجردًا كان أم ملْموسًا. ويَشعر بعض العرب الآن بقدرٍ من عدم الرضا عن بعض الآليات النحوية التفصيلية في اللغة العربية الفصحى، وقدرٍ من تراجع شعورهم بكفاءتها وإن كان الإعجاب ببنيتها [النحوية] المطردة اطرادًا كبيرًا واطراد نظامها التصريفي ما يزالان قويّين. ولا يعبِّر الأُمِّيون [من العرب] عن هذا [الاطراد] بوضوح، أما المتعلمون أو أشباه المتعلمين فأكثر دقةً في التعبير عنها. والكلمة الرئيسية التي تَبرز في مناقشة هؤلاء [للعربية الفصحى] هي ""الاشتقاق""، بمعناه المحدَّد في اللغات السامية.

وثَمَّ جانب آخر لهذه الصورة قلَّما يلاحَظ. وهو أن العرب يَعون بنظام الفعل [في اللغة العربية الفصحى] والمصادر والمشتقات الاسمية المرتبطة به ويتفاخرون بذلك، لكنهم يبدون غير واعين بما يقرُب من الفوضى في نظام الاسم فيها. إذ ربما لا يلاحظون أنه لا يمكن للمرء أن يَعرف، بالنظر إلى شكل [الاسم] وحدَه، إن كان اسمٌ مّا مفردًا أو اسمَ جمع أو صيغةَ جمعٍ، ولا يعرفون أنه لا يمكن للمرء أن يَعرف إن كان لاسمٍ مفردٍ مّا صيغةُ جمعٍ واحدة أم صيغ عدة، أو ألا يَكون له صيغةٌ إطلاقًا، أو أكثر من صيغةِ جمعٍ واحدة، أو إن كان سيترتب على ذلك اختلافاتٌ في المعنى بين هذه الصيغ ــــ ولا يُلاحِظ العربيُّ هذه الحقائق حتى يُدرِّس لغتَه لمتكلمِ لغةٍ أخرى. وكثيرًا ما أُجيبُ، بعد أن أَستمع إلى ثناء عاطفي قوي على منطق العربية النحوي واطرادها، بإيراد بعضِ الملحوظات القليلة عن الطبيعة الاعتباطية ""غير المنطقية"" لفصائل الجنس والعدد في الاسم، ثم أرى أثرَ تعليقاتي على وجه العربي حين يكتشف تلك الحقائق، وهو ما يعبِّر عن تَنبُّهه إلى مظهر كاملٍ من مظاهر لغته لم يفكِّر فيه بوعي صريح من قبل[4].

و الفكرة العامة الأخرى التي تتصل شيئًا مّا بالفكرة السابقة فكرةُ سعة المعجم العربي وغناه. وتَقفز كلمةُ ""واسع"" في بداية أيِّ نقاشٍ تقريبًا عن مناقب اللغة العربية. فيشعر العربي بأن للغته رصيدًا معجميًّا غنيًّا، ولا يمكن الإحاطة به أساسًا ـــ إذ يمكن أن يقضي المرء سنوات طويلة في الدراسة ولا يصل إلى حدوده. أما أنَّ هذه [الضخامة] ربما تَكون نتيجة طبيعية لاستعمال اللغة العربية الفصحى على مدى قرون، وأنَّ غناها المستمر يأتي من الاستعارة من اللهجات ومن المفردات الحديثة أو، وهو الأسوأ، أن ضخامة المفردات هذه، إن كانت صحيحة، ربما تكون ضارةً باللغة احتمالاً، فقلَّما يُلقى إلى ذلك بالاً[5].

وختامًا، يجب أن نلحظ، تحت عنوان ""تفوق اللغة""، بعضَ المظاهر الدينية للمواقف من اللغة العربية. إذ يَشعر المتكلمون في بعض الجماعات اللغوية أن للغتهم الرئيسية، أو لنوعية مفروضة[6] منها بأنها لغة نموذجية أدبية، أو أنَّ لنوع لهجي أو لغوي شعائري منها طبيعةً مقدسة تميزها عن اللغات الأخرى كلها. ويصح هذا أكثر ما يصح حيث تُستخدم اللهجة أو اللهجة المعينة وسيطًا لنصوص مقدسة، أو تَكون لغة للشعائر والصلوات الرئيسية. وتبرز المظاهر اللغوية للقرآن في العالم الإسلامي دائمًا بشكل عال جدًّا ـــ ذلك أن لغة القرآن بجمالها وبيانها المعجِزين هي المعجزة الوحيدة التي ذكَرها النبي [صلى الله عليه وسلم] برهانًا على صدق رسالة الإسلام وصِدق الوحي. وظلت لغة القرآن، تبعًا لذلك، لألف ومائتي عام نموذجًا للغة الفصحى[7]. ويمثِّل هذا الربط بين اللغة العربية والإسلام عائقًا أحيانًا للجهود التي تسعى إلى إحداث بعض التغييرات في استعمال اللغة الفصحى في العصر الحاضر.

ومن السهل أن نتخيل حججًا لا يمكن الإجابة عنها فيما يتصل بتفوق أي لغة مقدسة على اللغات الأخرى كلها. فيمكن، مثلاً، أن تصاغ حجةُ تفوُّقِ العربية بالطرق التالية: فالله الأعلمُ بكل شيء، وهو المهيمن على كل شيء؛ وهو الأعلم باللغات كلها، ويمكن له أن [يُنزِّل القرآن] بأيٍّ واحدة منها؛ لكنه اختار اللغة العربية حاملاً لرسالته الخاتمة إلى العالمين؛ وهذا ما يوجب أن تَكون اللغة العربية، بمعايير مهمة، أفضلَ من اللغات الأخرى. وقلما يكون المحتجُّ بهذه الحجة واضحًا في التعبير عنها، ومع هذا فهذا الشعور موجود، ولم أسمع قط، في الأقل، أيَّ مسلم تقي ـــ مهما كانت لغته الأولى ـــ يشكك في أن العربية لغةُ الجنة، وهي كلام الله والملائكة[8].

وربما يُتوقع ألاّ يشارك المسيحيون واليهود العربُ العربَ [المسلمين] في هذا الشعور بتفوق العربية انطلاقًا من أسباب دينية، ويشهد بهذا أن بعض النصوص الأدبية المسيحية واليهودية في العصور الوسطى تنحرف عن اللغة العربية الفصحى انحرافًا بيِّنًا، وهو دليل على تراخي محاولة الالتزام بالنمط النموذجي [للغة القرآن]. أما الأعجب فهو أن المسيحيين المعاصرين يشعرون غالبًا، في الأقل، بشيء من التماهي الديني مع تفوق اللغة العربية. فقد لاحظتُ أن العربَ في بعض الحالات القليلة يشيرون إلى التميُّز اللغوي لترجمات المسيحيين الإنجيلَ [إلى اللغة العربية] على أنه دليل على التفوق النوعي لهذه اللغة ـــ هذا مع أن ترجمات الإنجيل إلى العربية ليست معروفةً بجودة الأسلوب الأدبي.

 

[1]ـــ وثَمَّ جماعات لغوية، بالطبع، تَنظر إلى لغتها الرئيسية على أنها أدنى من حيث الأهمية من لغة أخرى أو من لغات أخرى. ومن ذلك أن كثيرًا من متكلمي لغة البربر [الأمازيغية] يرون لغتهم المحلية أدنى من اللغة العربية بمعايير كثيرة.

[2]- P. K. Hitti, History of The Arabs (London: Macmillan, 1940).

[فيليب خليل حِتِّي (22 يونيو ـــ 24 ديسمبر 1978م) مؤرخ وأستاذ جامعي أمريكي من أصل لبناني. ونَصُّ فيليب حِتِّي الذي يشير إليه فرجسون هنا هو:

""والعرب يفوقون شعوب الأرض بأجمعهم باستحسانهم التعبيرَ اللفظي والكتابي وإعجابهم به وبإثارة الكَلِم لنفوسهم. وقد لا تكون هناك لغةٌ تضاهي العربية في تأثيرها في نفوس متكلميها. ففي مجالس بغداد ودمشق والقاهرة اليوم يُحِسُّ السامعون بانفعالات داخلية شديدة عندما يُصغون إلى قصيدة أو خطبة بالعربية الفصحى وإن لم يعقلوا الكثير منها. فالوزن والقافية والموسيقى تولِّد في النفس شعورًا وتسحرها بما يسمونه ""السحر الحلال"". فيليب حتي، العرب: تاريخ موجز، (ط4) بيروت: دار العلم للملايين، 1968، ص ص 31 ــ 32 [المترجم]].

[3]ــــــ ومما يستحق الاستقصاء، مرة أخرى، النظرُ في الطبيعة الدقيقة لخاصية إثارة اللغة للإعجاب. فما تلك السمات الصوتية المحدَّدة التي ترتبط بصفة الجمال هذه؟

[4]ـــــ والسمة الأخرى للتعقيد الاعتباطي الذي يوصف بأنه ""غير منطقي"" نحوُ ""الأعداد الأصلية""Cardinal Number  [أي تذكير التمييز مع المعدود المؤنث وتأنيثه مع المعدود المذكر]. وتتصف ردود الأفعال حين يشار إلى هذه النقاط بمزيج قوي من الاستياء والعداء، مقارنةً بردود الأفعال على مهاجمة نقاطٍ محدَّدة في البنية ""المنطقية"" الشائعة في الأساطير الموجودة في بعض الجماعات اللغوية (كالأفعال غير المطردة في الفرنسية، أو أشكال الأعداد الأصلية في السنسكريتية).

[5] ـــ وربما يكون مهمًّا تحديدُ الجماعات اللغوية التي تَجد هذه السمة واضحة في لغتها وأن ترى ما الذي يرتبط بها في البنية المعجمية الواقعية للغة، إن كان ثَمَّ شيء من هذا.

[6] ـــ يعني مصطلح ""مفروضة"" هنا أنه يُنظر إليها على أنها النوع الذي يجب على كل أحد أن يستعمله [المترجم].

[7] ـــ لم يبين فرجسون سبب تحديده هذه الفترة بألف ومائتي عام. لكن يبدو لي أنه يعني منذ ظهور كتاب سيبويه الذي توفي عام  180 للهجرة ودوَّن فيه قواعد اللغة العربية الفصحى. ذلك أن فرجسون كتب هذا المقال في عام 1380 للهجرة تقريبًا. فإذا طرحنا تاريخ وفاة سيبويه فستكون هذه الفترة ألفًا ومائتي عام تقريبًا [المترجم].

[8] ــ ليس العرب استثناء في هذه الحال. فقد كان مثل هذا الموقف معهودًا حتى في أوروبا حتى وقت قريب. ومن ذلك القول بأن العبرية لغة الجنة، والقول بتفوق اللاتينية، فيما بعد، والأقوال المتعددة عن تفوق الألمانية، أو الفرنسية أو الإنجليزية. انظر عن ذلك كتاب:

Les langues du paradise: Aryens et Sémites, un couple providentiel. Paris: Seuil, 1989.

وتَرجمه إلى الإنجليزيةArthur Goldammer  بعنوان:

 The Languages of Paradise: Race, Religion, and Philology in the Nineteenth Century. Cambridge, MA, London: Harvard University Press, 1992.

وترجمه إلى اللغة العربية جورج سليمان بعنوان: لغات الفردوس: آريون وساميون: ثنائية العناية الإلهية. بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2007م.

وانظر كذلك كتاب الفيلسوف الإيطالي إمبرتو إيكو:

 Umberto Ecom. The Search for the Perfect Language. (The making of Europe series). Oxford: Blackwell, 1997.

""البحث عن اللغة الكاملة"". وهو يتتبع محاولات الأوروبيين طوال العصور في العثور على اللغة الأكمل التي يرون أحيانًا أنها العبرية، وأحيانًا إحدى اللغات الأوروبية.

وانظر مقال ""البربرة"" في هذا الكتاب [المترجم].

مقالات ذات صلة