في الصيف الماضي، تلقّيتُ معلومة حول اكتشافٍ علمي غريب، وقال الشخص الذي أخبرني المعلومة ""تُضحكني المعلومة في كل مرة أفكر فيها"".
عام 2018م، كان طالب دكتوراه في جامعة هارفارد يُدعَى ""أندريس أرديسون كورات"" يُقدّم بحثه حول العلاقة بين منتجات الألبان والأمراض المزمنة إلى لجنة أطروحته، وقد قادتْه إحدى دراساته إلى نتيجة غير عادية؛ حيث إنّ بين مرضى السكري، كان تناول نصف كوب من الآيس كريم يوميًّا مُرتبطًا بانخفاض خطر الإصابة بأمراض القلب. ومن البدهيّ، قد أثارت فكرة أنّ الحلوى المُحمَّلة بالدهون المشبعة والسكر مفيدة بعض الدهشة في قسم التغذية الأكثر تأثيرًا في البلاد.
في وقت سابق، أصدر رئيس القسم ""فرانك هو"" تعليماته إلى أرديسون كورات للقيام بالمزيد من البحث: هل كان من المُمكن أن تكون بُحوثه مُضلّلة بسبب الصدفة، أو مصدر خفي للتحيز، أو خطأ حسابي؟ وكما أوضح أرديسون كورات في يوم مُناقشته للأطروحة، فإنّ جهوده في إثبات حجته كانت عقيمة إلى حد كبير؛ فقد كان الاكتشاف المُتعلِّق بالآيس كريم راسخًا بشدة.
لقد كان هذا الاكتشاف راسخًا ومُضحِكًا في الوقت نفسه؛ إذ قال الشخص الذي أعطاني المعلومة والذي حضر العرض التقديمي أيضًا ""أتذكر نوعًا ما أنّ الرد كان هههه، هذا الأمر المتعلق بالآيس كريم لن يختفي، هذا مُضحِك جدًّا"". من الواضح أنّ هذا ما لم يأمل خبير التغذية الناشئ أو أعضاء لجنته المعتمدين في اكتشافه، لقد أجرى هو ولجنته أنواع التحليلات كلّها، وأجروا كل اختبار مُمكن على هذه النتيجة في محاولة للتخلُّص منها، إلّا أنّه لم يكن بوسعهم فعل أي شيء لدحض هذا الاكتشاف"".
تبرز التأثيرات الزائفة طوال الوقت في العلوم، وخاصة في مجالات مثل علم الأوبئة الغذائية؛ حيث يتم مراقبة المخاوف الصحية والعادات الغذائية لمئات الآلاف من الناس على مدى سنوات طوال. ومع ذلك، فإنّ موضوع ""الآيس كريم الصحي"" التافه هذا أثار اهتمامي، بِصفتي مُؤرّخًا للصحة العامة، درستُ كيفيّة معالجة فرق الباحثين للبيانات، ودمجها مع النظرية، ثم تجميع النتائج تحت مُسمًّى ""ما يقوله العلم"". أردتُ أن أعرف ماذا يحدث عندما يُواجه مُتّخِذو القرارات بالإجماع نتيجة تبدو متناقضة مع كل ما قالوه من قبل. (يصف موقع Nutrition Source التابع لجامعة هارفارد الآيس كريم أنّه منتج ألبان ""غني الطعم"" ويبعث الفرحة في كثير من الأحيان).
""هناك عدد قليل من التفسيرات البيولوجية المنطقية لهذه النتائج""، كتب أرديسون كورات في المناقشة الموجزة حول اكتشافه ""غير المتوقع"" في أطروحته. ومع ذلك، لفت انتباهي شيء آخر: أوضحت الأطروحة أنّه لم يكن أول من لحظَ الجانب الصحي من الآيس كريم؛ إذ أشار إلى أنّ العديد من الدراسات السابقة قد توصّلت إلى تأثير مماثل، وحرصًا على معرفة المزيد تواصلتُ مع أرديسون كورات لإجراء مقابلة -لقد راسلتُه عبر البريد الإلكتروني أربع مرات- لكن، لم أتلقَّ أي رد، وعندما اتّصلتُ بجامعة تافتس، حيث يعمل الآن بِصفته عالمًا، أخبرني أحد المساعدين الصحفيين أنّه ""غير متاح لهذا الأمر"". وحتمًا، اتّخذَ فضولي منحًى آخر: لماذا لا يرغب عالم شاب في التحدُّث معي عن بحثه؟ إلى أي مدًى يمكن أن يصل عمق هذا الاكتشاف الغريب المتعلق بالآيس كريم؟
""ما زلتُ لا أملك إجابة لهذا السؤال حتى يومنا هذا"". أخبرني بهذا ""مارك أ. بيريرا""، عالم الأوبئة في جامعة مينيسوتا، مُتحدِّثًا عن الرابط الذي اكتشفه قبل أكثر من 20 عامًا: ""لقد حلّلنا هذه البيانات كلّها"".
كنتُ أقرأ في ذلك الصباح إحدى الأوراق البحثية الأولية لبيريرا حول الآثار الصحية لتناوُل منتجات الألبان؛ إذ يبدو أنّ هذا البحث ألهم بُحوثًا أخرى تم الاقتباس منها في أطروحة أرديسون كورات. لكن، عندما انتقلتُ إلى آخر مقال بيريرا، مُتجاوِزًا الاستنتاجات التي تصدرت العناوين الرّئيسة، رأيتُ في الجدول 5 مجموعة من الأرقام جعلتني أنبهر.
في ذلك الوقت، كان بيريرا أستاذًا مُساعِدًا شابًّا في كلية الطب بجامعة هارفارد، على أمل معالجة أوبئة السمنة والسكري التي تم تصنيفها حديثًا، ركّز بحثه في البداية على النشاط البدني، لكنّه سرعان ما تحوّل إلى علم الأكل الصحي غير المستقر، وقد تعثّرتِ البُحُوث المتعلقة بمنتجات الألبان -على وجه الخصوص- بكونها افتراضات مُبسَّطة ومتنافسة. ""كنّا نعتقد أنّ الكالسيوم والعظام مفيدة للأطفال، لكنّها مليئة بالدهون المشبعة! لذلك؛ لا يجب استهلاك الكثير من منتجات الألبان!"".
اختبر بيريرا وزملاؤه هذه الأفكار القديمة باستخدام بيانات من دراسة بدأت عام 1985م، والتي تتبّعتْ ظهور عوامل خطر الإصابة بأمراض القلب لدى أكثر من 5000 شاب بالغ، ذكر بيريرا أنّه بعد رؤية النتائج ""علمنا أنّ الأمر سيجذب الكثير من الاهتمام وسيكون مُثيرًا للجدل"". يبدو أنّ منتجات الألبان بجميع أشكالها –المنتجات قليلة الدسم وعالية الدهون والحليب والجبن- تُساعد في منع الأشخاص الذين يُعانون من زيادة الوزن من الإصابة بمقاومة الإنسولين، وهي مُقدِّمة لمرض السكري. قال ""أحد مراسلي شبكة سي إن"" إنّ تزامنًا مع انتشار دراسة بيريرا عبر الصحافة: ""سأكون صريحًا معك، هذه الدراسة فاجأتني بشدة"".
لم تُعجب مجموعة هارفارد بالاكتشاف الذي تم التوصُّل إليه حول الآيس كريم؛ فقد بدا خاطئًا.
لكنّ التغطية الإعلامية الدولية لم تذكر ما رأيتُه في الجدول رقم 5. ووفقًا للأرقام؛ فإنّ تناوُل ""الحلوى التي تحتوي على منتجات الألبان"" -وهي فئة تشمل أطعمة مثل البودنج، لكنّها تتكون أساسًا، وفقًا لبيريرا، من الآيس كريم- كان مُرتبطًا بالأشخاص الذين يُعانون من زيادة الوزن مع انخفاض كبير في احتمالات الإصابة بمقاومة الإنسولين، لقد كان هذا هو التأثير الأكبر الذي شُوهد في الدراسة؛ حيث كان 2.5 ضعف التأثير لما وجدوه بالنسبة للحليب. قال لي بيريرا: ""لقد كان الأمر مُذهلًا، واستغرقنا كثيرًا نفكر فيه؛ لأنّنا اعتقدنا، هل من المُمكن أن يكون ذلك صحيحًا؟""
كانت هناك أسباب تدعو إلى الحذر؛ حيث لم تكن مجموعة البيانات ضخمة من الناحية الوبائية، ولم يذكر المُشاركون تناول الكثير من الحلويات التي تحتوي على منتجات الألبان، لذلك كان هامش الخطأ واسعًا، ونظرًا لأنّ الرسالة العامة للدراسة كانت ستجذب الانتقادات بالتأكيد -يذكر بيريرا أنّه تعرّضَ ""للهجوم"" من قبل الناشطين المُناهِضين للألبان- ولم تكن لديه رغبة كبيرة في إثارة ضجة حول الآيس كريم.
سرعان ما وجد زملاء بيريرا أنفسهم في المأزق نفسه، واستنادًا إلى دراسة في عام 2002م والاهتمام المُتزايد بمنتجات الألبان، قرّر الباحثون في كلية هارفارد للصحة العامة الكشف عن بعض طرائقهم الفعالة؛ فمنذ ثمانينيات القرن العشرين، كان علماء جامعة هارفارد يجمعون ""استبيانات حول مدى تواتر الغذاء"" والبيانات الطبية من عدة آلاف من الممرضات وأطباء الأسنان وغيرهم من العاملين في مجال الرعاية الصحية، وقد عزّزت هذه الدراسات المشهورة عالميًّا مجموعة من النتائج المُؤثِّرة، بما في ذلك بعض البيانات التي أدّت إلى إزالة الدهون المُتحوِّلة من المواد الغذائية.
ظهرت نتائج أول دراسة ملاحظة أجرَتْها جامعة هارفارد عن منتجات الألبان ومرض السكري من النوع الثاني عام 2005م، واستنادًا إلى البيانات التي تم جمعها من مجموعة واحدة فقط من المجموعات الثلاث، بعد متابعة مجموعة رجال بين عامي 1986 و1998م، أفاد المُؤلّفون أنّ تناوُل كميات أكبر من منتجات الألبان، وتناول كميات أكبر من منتجات الألبان قليلة الدسم على وجه الخصوص، ارتبط بانخفاض خطر الإصابة بمرض السكري، وأوضحت نشرة إعلانية في جامعة هارفارد أنّ ""تقليل المخاطر كان مُرتبطًا بشكل حصري تقريبًا بمنتجات الألبان قليلة الدسم أو الخالية من الدسم""، وأكدّت مقالة على موقع شبكة فوكس نيوز على الإنترنت ما ذُكِر عن المنتجات قليلة الدسم، حيث قيل: ""لم يكن هناك انخفاض في السكر للرجال الذين كانوا يشربون الحليب كامل الدسم"".
ربما ليس الحليب كامل الدسم، لكن، ماذا عن نكهة البقَّان المحمصة بالزبدة؟ في نهاية بحث هارفارد، حيث جمع المؤلفون مخاطر مرض السكري المرتبطة بمختلف منتجات الألبان، كانت هناك نتيجة ذُكرت بالكاد في التقرير المُتعلِّق بالمنتجات قليلة الدسم ""على وجه الحصر"" المُقدَّمة للصحفيين. وفقًا لهذا الجدول؛ كان الرجال الذين شربوا حصتين أو أكثر من الحليب خالي الدسم أو قليل الدسم يوميًّا أقل عرضة للإصابة بمرض السكري بنسبة 22 بالمئة، لكن، انطبق الأمر نفسه على الرجال الذين تناولوا حصتين أو أكثر من الآيس كريم كل أسبوع. ومرة أخرى، تُشير البيانات إلى أنّ الآيس كريم قد يكون أقوى علاج وقائي من مرض السكري في قسم منتجات الألبان، ومع ذلك، يبدو أنّ لا أحد يُريد التحدُّث عن ذلك.
في السنوات التي تلت ذلك، اتّفقتْ ملخصات البُحُوث -بشكل عام- على أنّ تناوُل كميات كبيرة من منتجات الألبان ككل؛ كان مُرتبطًا بانخفاض طفيف في خطر الإصابة بمرض السكري، لكنّها دعت إلى مزيد من البحث حول النوع المحدد من منتجات الألبان الذي قد يكون له الفوائد الكُبرى، وفي عام 2014م، أنشأ فريق التغذية بجامعة هارفارد بيانات من عشرات سنوات أخرى من تتبُّع النظام الغذائي للإجابة عن هذا السؤال. في هذه الدراسة الجديدة، يبدو الآن أنّ إجمالي استهلاك الألبان ليس له أي تأثير، لكن، كان من المستحيل تفويت ما ذُكر عن الآيس كريم؛ فقد كان واضحًا عبر آلاف الموضوعات، وكان يتطلب اهتمامًا أكبر.
باتباع نمط من الشك كان عمره في ذلك الوقت أكثر من عقد من الزمن، طلب ""فرانك هو"" أحد مُؤلِّفي الدراسة والرئيس المستقبلي لقسم التغذية في جامعة هارفارد، من طالب الدراسات العليا الذي قاد المشروع ""مو تشين""، التحقُّق مرة أخرى من صحة البيانات، قال لي فرانك هو: ""كُنّا مُتشكِّكين جدًّا"". لم يستجب تشين الذي ترك العمل الأكاديمي لطلبات إجراء المقابلة، لكن ذكر ""هو"" أنّه لم يتم العثور على أي أخطاء في البيانات.
لم تُعجب مجموعة هارفارد بالاكتشاف الذي تم التوصُّل إليه حول الآيس كريم؛ فقد بدا خاطئًا، لكن، أعطى البحث نفسه نتيجة أخرى أعجبتهم أكثر بكثير، كان الفريق يتّجه للبحث في موضوع الزبادي، مع تزايد سمعته بِوصفه مُفيدًا للميكروبات، كان الزبادي بمثابة مضاد للآيس كريم، حلوى منتجات الألبان الصحية للشخص السليم.
ذكرت ورقة بحثية عام 2014م: ""إنّ تناوُل كميات كبيرة من الزبادي يرتبط بانخفاض خطر"" الإصابة بالنوع الثاني من مرض السكري، ""في حين أنّ منتجات الألبان الأخرى واستهلاك إجمالي منتجات الألبان لا ترتبط بذلك"". ""لم تكن الاستنتاجات مكتوبة بدقة تامة""، كما قال ""داريوش مظفاريان""، عميد السياسة في كلية التغذية في جامعة تافتس والمؤلف المشارك في البحث، عندما أعاد النظر في البيانات معي في مقابلة، وأردفَ ""يذكرون عدم وجود أي ارتباط بين الأطعمة وانخفاض خطر الإصابة، لكن كان الآيس كريم مُرتبطا بذلك.""
قال أحد العلماء إنّ تأثير الآيس كريم كان ""مُشابِهًا"" لتأثير الزبادي أو ""أقوى قليلًا"".
لكنّ تأثير الزبادي كان أكثر منطقية. وبطريقة ما، كان ذلك تأكيدًا لشيء يعرفه الجميع بالفعل؛ فمنذ بداية دخول الزبادي إلى النظام الغذائي الأمريكي، كان يُنظر إليه على أنّه طعام غريب من أرض بعيدة، يتمتع بخصائص غامضة مُفيدة للصحة، ورغم إضافة السكر إليه في السبعينيات والثمانينيات لِيُناسب السوق الأمريكية بشكل أفضل، احتفظ الزبادي بصورته بِوصفه إكسيرًا.
تُشير مجموعة كبيرة من الدراسات إلى أنّ الفوائد الصحية للزبادي قد تكون حقيقية، وكانت جامعة هارفارد قد وجدت قبل بضع سنوات أنّ تناوُل الزبادي يرتبط بانخفاض زيادة الوزن، وكان الباحثون في الجامعة مُهتمِّين بآثاره المُحتَملة على بكتيريا الأمعاء أيضًا، وقد وضعت دراسات أخرى -بما في ذلك تلك قدّمتْ اكتشاف الآيس كريم- الخطوط العريضة غير الكافية لتأثير الزبادي. فعندما جمع تشين وهو نتائج هذا البحث، وأضَافَا أحدث بياناتهم، وأجْريَا التحليل الوصفي، فتوصّلا إلى أنّ الزبادي كان مُرتبطًا بالفعل بانخفاض خطر الإصابة بمرض السكري، وهي فائدة مُحتَملة -كما كتبوا- تستحق المزيد من الدراسة.
فيما يتعلق بالفوائد المحتملة للآيس كريم، لم يكن لديهم الكثير ليذكروه، لقد طلبتُ من خبراء آخرين مقارنة نتائج الزبادي والآيس كريم لعام 2014م، وقال ""كيفن كلات""، عالم التغذية في جامعة كاليفورنيا في بيركلي؛ إنّ تأثير الآيس كريم كان ""أكثر اتّساقًا"" من تأثير الزبادي في المجموعات التي شملتها الدراسة، ووافقت ""ديردري توبياس"" على هذا التقييم، وتشغل منصب عالمة الأوبئة في جامعة هارفارد، والمحرر الأكاديمي للمجلة الأمريكية للتغذية الطبية (The American Journal of Clinical Nutrition)، وعضو اللجنة الاستشارية لتحديث المبادئ التوجيهية الغذائية الأمريكية لعام 2025م. حتى ""داغفين أوني""، عالم الأوبئة في إمبريال كوليدج لندن ومُراجِع بحث تشين وهو، ذكر أنّ تأثير الآيس كريم كان ""مُشابِهًا"" لتأثير الزبادي، أو ""أقوى قليلًا"".
إذن، كيف فسّر فريق هارفارد اكتشاف الآيس كريم؟ سارت النظرية على النحو التالي: ربّما أُصِيبَ بعض الأشخاص في الدراسة بمُشكلات صحية، مثل: ارتفاع ضغط الدم أو ارتفاع نسبة الكوليسترول، وبدأوا في تجنُّب الآيس كريم بناءً على أوامر الأطباء (أو بمحض إرادتهم). وفي الوقت نفسه، فإنّ الأشخاص الذين لا يُعانون من تلك المُشكلات الصحية سيكون لديهم أسباب أقل لترك تناوُل البسكويت والكريمة. في هذه الحالة، لن يكون الأمر أنّ الآيس كريم هو من يقي من مرض السكري، لكنّ التعرُّض لخطر الإصابة بمرض السكري يُبعد الناس عن تناول الآيس كريم، ويُطلِقُ علماء الأوبئة على ذلك مصطلح ""السببية العكسية"".
ولاختبار هذه الفكرة؛ وضع هو وزملاؤه جانبًا البيانات الغذائية التي تم جمعها بعد أن تلقّى الأشخاص هذا النوع من التشخيص، ثم أعادوا حساباتهم، وقد تقلص تأثير الآيس كريم بمقدار النصف، رغم أنّه كان ما يزال ذا أهمية إحصائية، وما يزال أكبر من تأثير الألبان قليلة الدسم الذي نشرته جامعة هارفارد عام 2005م. وفي كل الأحوال، إذا قلّل الأشخاص الذين تلقوا تشخيصات سلبية من تناول الآيس كريم، قد تتوقع أنّهم سيُقلِّلون أيضًا من تناول الكعك والدونات على سبيل المثال. لذا، ألا ينبغي أن تكون هناك ""تأثيرات"" وقائية غامضة للكيك والدونات أيضًا؟ قال مظفاريان: ""يجب أن يكون هناك تأثيرات وقائية؛ ولهذا السبب فإنّ اكتشاف الآيس كريم مُثيرٌ للاهتمام"".
لم يكن التحليل الجديد مُؤكِّدًا النجاح؛ ففي الأوراق البحثية، ما تزال تأثيرات الزبادي والآيس كريم مُتشابِهة إلى حدٍّ كبير. قال لي مظفاريان: ""في عالم الشك الإحصائي، فإنّهما متطابقان"". لكن، في بحث عام 2014م، قال هو ومؤلفون آخرون إنّ ""السببية العكسية قد تُفسّر النتائج"" بالنسبة للآيس كريم. ومع ظهور آلية العلاقات العامة في الأوساط الأكاديمية، لم يَعُدْ هناك وجود للفروق الدقيقة.
""هل يَقي تناوُل الزبادي يوميًّا من مرض السكري؟"" كان هذا السؤال في البيان الصحفي الذي صدر في يوم نشر البحث. وقال هو؛ أحد الباحثين في تقييم لا يشمل الآيس كريم ومُدرَج في البيان الصحي، وانعكس كذلك في النشرة الصحفية لجامعة هارفارد: ""إنّ منتجات الألبان الأخرى واستهلاك إجمالي منتجات الألبان لم تُظهر هذا الارتباط بمرض السكري"". وأشار مقال نشرته مجلة فوربس في الصحيفة إلى أنّ ""الزبادي بات يُعدُّ من ضمن الغذاء السحري في السنوات الأخيرة"". ""في الدراسة الجديدة، لم تُقدّمْ أشكال الألبان الأخرى، مثل الحليب والجبن، النوع نفسه من الفائدة التي يُقدّمها الزبادي.""
يذكر هو اليوم أنّ باحثي جامعة هارفارد شعروا بالثقة في استنتاجاتهم حول الزبادي إلى حدٍّ كبير بسبب تحليلهم الوصفي، وحقيقة إنّ الدراسات الطبية السابقة والبُحُوث العلمية الأساسية دعمت فكرة أنّ البروبيوتيك يُحسِّن نتائج عملية الأيض، وذكر أيضًا: ""بالنسبة لتأثير الآيس كريم، بالتّأكيد، ليست هناك دراسات سابقة"". وبالنظر إلى أنّ تأثير الآيس كريم قد تضاءل عندما اختبروا نظرية السببية العكسية، فقد وصفها بأنّه ""من المنطقي"" أن يُساعد الزبادي في الوقاية من مرض السكري بدلًا من الآيس كريم.
كينجي توما/ Trunk Archive
بعد نشر ورقته البحثية، لم يستغرق الأمر وقتًا طويلًا حتى أصبحت الأخبار الجيدة لمجموعة هارفارد حول الزبادي بمثابة اكتشاف علمي سائد، وقد ظهر تأثير الزبادي بعد ذلك بعامين؛ عندما حلّلَ فريق من الباحثين في هولندا وجامعة هارفارد الأدلة جميعها التي يُمكِن أن يجدوها بشأن الألبان ومرض السكري، يُلخِّص رسم بياني مميز من بحث الفريق لعام 2016م في المجلة الأمريكية للتغذية الطبية بيانات من حوالي اثنتي عشرة دراسة: عندما يتزايد تناوُل الزبادي لشخص ما، إلى ما يقرب من ثلث كوب يوميًّا؛ فإنّ خطر الإصابة بمرض السكري يتقلّص بنسبة 14 بالمئة.
وجد الباحثون أيضًا تأثير الآيس كريم؛ إذ ارتبط استهلاك ما يصل إلى نصف كوب أسبوعيًّا بانخفاض خطر الإصابة بالسكري بنسبة 19 بالمئة. لكن، قدر هذا الاكتشاف كان محتومًا؛ فقد استنتج الباحثون أنّ استهلاك منتجات الألبان -وخاصة الزبادي-، قد يُساعد في الحد من مرض السكري، وأشاروا إلى أنّ فوائد الآيس كريم قد أُلغيتْ في أماكن أخرى كونها نتائج سببية عكسية، قالت لي ""سابيتا سويداما موثو""، عالمة الأوبئة في جامعة تيلبورج وأحد مُؤلِّفي الدراسة؛ إنّ الأدلّة لصالح الزبادي كانت أفضل بكثير؛ حيث كان لتأثير الآيس كريم عدد أقل من الدراسات. وقالت: ""لم نُؤمنْ بهذا الاكتشاف"".
هناك شيء يحدث عندما تبدأ في كتابة قصة تتعلق بإمكانية كون الآيس كريم مُفيدًا، وكيف جمع أفضل خبراء التغذية في العالم الأدلة التي تدعم هذه الفرضية، لكنّهم وجدوا أسبابًا للتغاضي عنها. تبدأ بسؤال نفسك: هل أنا مُدمِن على الآيس كريم؟ سألتُ الخبراء لتأكيد حدسي. أخبرني بيريرا، وهو أول من تحدّثَ عن تأثير الآيس كريم؛ أنّ هذا النوع من النتائج لا يلقى استحسانًا في عالم ""العقلية المنغلقة"" للتغذية الراقية. ""إنّهم لا يُريدون رؤيته، قد يُفكّرون في الأمر للحظة ويضحكون ولا يُصدِّقون ذلك، أعتقد أنّ هذا مُرتبِط بمدى انغماس مجال علم الأوبئة الغذائية في العصر الحديث في هذا الاعتقاد"". ووصفت توبياس، مُحرِّرة المجلة وعضو اللجنة الاستشارية للمبادئ التوجيهية الغذائية الأمريكية لعام 2025م؛ بأنّه ""انتقاد منصف تمامًا""أن نتساءل عن سبب تعظيم فائدة الزبادي بينما يتم التقليل من فائدة الآيس كريم. وأعربت عن دعمها لتعامُل فريق هارفارد مع البيانات، بينما اعترفت بالتّوتُّرات التي تتضمّنها: ""لا ينبغي المبالغة في الأمور التي من المُحتَمل أن تكون عالية التحيز، لكن، أيضًا لا ينبغي القيام بالعكس والتقليل من شأنها"".
قال هو، خبير التغذية في جامعة هارفارد؛ إنّ تحديد معنى الدراسة يتطلّب النظر إلى ما هو أبعد من الأرقام إلى ما هو معروف بالفعل عن علوم التغذية: ""أنت بحاجة إلى تفسير البيانات بمنظور بقية الدراسات"". وقد اتّفق مع هذا الرأي مظفاريان -المؤلف المشارك لهو- ومع ذلك، ذكر: ""هناك نقطة مهمة، وهي: عندما نجد بصفتنا علماء أشياء لا تتناسب مع فرضياتنا، لا ينبغي لنا أن نرفضها فحسب، يجب أن نتراجع عن ذلك ونقول: ""هل يمكن أن يكون هذا صحيحًا؟"".
بمجرد أن تبدأ في التفكير في الطّرائق جميعها التي يُمكن أن تنتشر بها التحيُّزات الثقافية إلى العلوم، فلن يتوقّفَ الأمر عند حلويات منتجات الألبان.
هل يُمكن أن تكون فكرة أنّ الآيس كريم مُفيد لعملية الأيض صحيحة؟ قد تكون هذه الفكرة مجنونة، ومع ذلك هناك على الأقل بعض النقاط لصالحها. على سبيل المثال؛ إنّ مُؤشِّر نسبة السكر في الدم الخاص بالآيس كريم -وهو مقياس لمدى سرعة رفع الطعام لنسبة السكر في الدم- أقل من مؤشر الأرز البني. وقال مظفريان ""هناك تصوُّر بأنّ الآيس كريم غير صحي، لكنّه يحتوي على الدهون، ويحتوي على البروتين، ويحتوي على الفيتامينات. هذا أفضل من الخبز، بالنظر إلى مدى فظاعة النظام الغذائي الأمريكي، فمن المحتمل جدًّا أنّه إذا تناول شخص ما الآيس كريم وتناول كميات أقل من النشويات، فقد يحميه ذلك بالفعل من مرض السكري"". ويُحبّ جمهور ""هل لديك حليب؟"" أيضًا الحديث عن ""الغشاء الكروي الدهني للحليب""، وهو غلاف حيوي ثلاثيّ الطبقات يُغلّف الدهون الموجودة في حليب الثدييات. تُشير بعض الأدلة إلى أنّ منتجات الألبان التي يكون غشاؤها سليمًا مثل: الآيس كريم، تكون أكثر حيادية من الناحية الأيضيّة من أطعمة أخرى مثل الزبدة؛ حيث يُفقد فيها هذا الغشاء أثناء عملية الخض. (ومع ذلك، تحتوي الكريمة العادية على غشاء سليم، ولم يتم ربط ذلك بانخفاض خطر الإصابة بالسكري).
هناك ما يمكن أن نُطلق عليه مُسمّى ""الأدلة الواقعية""؛ ففي عام 2017م، أطلق اليوتيوبر ""أنتوني هوارد كرو"" ما أَسمتْهُ مجلة صحة الرجل ""نظامًا غذائيًّا قد يُثير قلق جمعية الحمية الأمريكية (American Dietetic Association)"": 2000 سعرة حرارية يوميًّا من الآيس كريم، إضافة إلى 500 سعرة حرارية من مكملات البروتين، وإلى المشروبات الكحولية، وبعد 100 يوم من اتباع نظام الآيس كريم الغذائي، فقد 32 رطلًا من وزنه، وكانت فحوصات الدم لديه أفضل ممّا كانت عليه قبل أن يبدأ في تناول الميلك شيك المصنوع من المشروب الكحولي الأيرلندي. ومع ذلك، من غير المُرجَّح أن تغزوَ هذه الطريقة عالم التخسيس؛ فقد وصف هوارد كرو فترة تناول الآيس كريم بأنّها: ""مغامرة الحمية الأكثر بُؤسًا على الإطلاق"".
لكن بشكل عام، وجدتُ تقبُّلًا لتأثير الآيس كريم أكثر ممّا كنت أتوقع، وأشار بيريرا إلى أنّه ""لقد تم تكرار ذلك بشكل أو بآخر"". ""ويظل كونه سببيًّا أم لا سؤالًا مفتوحًا."" ويُوافق مظفريان هذا الرأي قائلًا: ""أعتقد أنّ نتائج تأثير الآيس كريم ما تزال نتائج سببية عكسية، لكنّني لستُ مُتأكّدًا، وذلك يُزعجني نوعًا ما"". وتابع قائلًا: لو كان هذا دواءً مُسجَّلًا ببراءة اختراع، ""يُمكنك المُراهنة على أنّ الشركة كانت ستجري تجربة عشوائية محكومة بقيمة 30 مليون دولار لمعرفة ما إذا كان الآيس كريم يمنع مرض السكري"".
ولكي نكون واضحين؛ فالخبراء كلّهم الذين أُجريتْ معهم مقابلات لإعداد هذا المقال لا يعتقدون بأنّ تأثير الآيس كريم حقيقي، وإن كان ذلك لأسباب تختلف في بعض الأحيان عن أسباب هو. على سبيل المثال؛ أشار بيريرا إلى أنّ الناس ليسوا صادقين دائمًا عندما يتم سؤالهم عمّا يأكلونه؛ حيث وجدت دراسته التي أُجريتْ عام 2002م أنّ الأشخاص الذين يُعانون من زيادة الوزن والسمنة ذكروا تناوُل كميات أقل من الحلويات التي تحتوي على منتجات الألبان مقارنة بالأشخاص الآخرين، وقال: ""لا أعتقد أنّ الأشخاص الأثقل وزنًا يتناولون كميات أقل من الحلويات، أعتقد أنّهم لا يذكرون ذلك بشكل صحيح"". وإذا كان هذا صحيحًا؛ فإنّ الاعتراف بتناوُل الآيس كريم قد يرتبط بالصحة الأيضية، وسيكون تأثير الآيس كريم في حد ذاته علامة على وصمة عار السُّمنة في أمريكا.
المشكلة في هذا التفكير هي أنّه بمجرد أن تبدأ التفكر في الطّرائق جميعها التي يُمكن أن تنتشر بها التحيزات الثقافية إلى العلم، فإنّ الأمر لا يتوقّف عند حلويات الألبان، إذا كان من المُمكن وضع تأثير الآيس كريم جانبًا، فكيف ينبغي لنا أن نُفكّر في التأثيرات الأخرى التي تُنتجها أدوات البحث نفسها؟ قال لي توبياس: ""لا أعرف ما الذي أعتقده بشأن الزبادي"". من المعروف أنّ الذين يتناولون الزبادي في المتوسط هم أكثر صحة وأكثر رشاقة وأكثر ثراء، وأفضل تعليمًا، وأكثر نشاطًا بدنيًّا، وأكثر احتمالًا لقراءة الملصقات، وأكثر احتمالًا أن يكونوا من الإناث، وأقل احتمالًا للتدخين أو الشرب أو تناوُل وجبة بيج ماك مقارنة بمن لا يتناولون الزبادي أبدًا. قال ""كلات""، اختصاصي التغذية في جامعة كاليفورنيا في بيركلي: ""لا يُمكنك ضبط هذا كلّه بثقة"".
عام 2004م، كتب عالم الأوبئة الإنجليزي ""مايكل مارموت"": ""لا تقع النتائج العلمية على عاتق العقول الفارغة التي تختلق الأمور؛ فالعلم يرتبط بالعقول المشغولة التي لديها وجهات نظر قوية حول الكيفية التي تسير بها الأمور وما ينبغي أن تكون عليه."" كان مارموت يكتب عن كيفية تعامل السياسيين مع الأدلة العلمية -حيث يستنتجون دائمًا أنّ أحدث البيانات تدعم وجهات نظرهم الحالية- لكنّه اعترف بأنّ العلماء لم يكونوا مُختلِفين عن هؤلاء.
وتُظهر قصة الآيس كريم كيف يتم تنفيذ ذلك في الممارسة العملية؛ حيث يُمكن سرد العديد من القصص حول أي بحث علمي معين، واختيار واحد منها عملية فوضوية وذات قيمة في الوقت نفسه، قد يشعر العلماء بالقلق بشأن مدى توافُق قصتهم مع المنطق السليم، وما إذا كان لديهم أدلة كافية لدعمها، وقد يشعرون بالقلق أيضًا من أنّ ذلك يُشكّل تهديدًا للصحة العامة، أو لمصداقيتهم، إذا كان هناك درس يُمكن استخلاصه من أكثر الحقائق إزعاجًا في عالم النظام الغذائي؛ فهو أنّ المعرفة العلمية هي في حد ذاتها سلعة معبأة، وأنّ البيانات أيًّا كان ما تُظهره، تُعدُّ مجرد مكونات.
ديفيد ميريت جونز، صحفي ومؤرخ للصحة العامة في بروكلين.
