في الصيف الماضي، في أواخر شهر يوليو، تلقيت مكالمة هاتفية من والدي يبلغني فيها بوفاة عمي تيدي، ويطلب مني الحضور إلى سان فرانسيسكو، لمساعدته في فرز ممتلكات أخيه قبل وصول شركة النقل.
لم يكن لدى عمي أطفال، لم يتزوّج قطّ، وقد سلكت صديقته منذ سنوات عديدة طريقها الخاص لأسباب -سأعرفها لاحقًا- تتعلّق بالقصة التي سأحكيها. لقد كان شخصية هادئة، والأخ الوحيد لأبي، وقد طغت عليه عشيرة والدتي الضخمة المكوّنة من ستة أشقاء. عندما سمعت لأول مرة عن وفاة تيدي، لم أتمكّن من تذكّر الوقت الذي رأيته فيه آخر مرة. في ذلك الوقت كانت رحلاتنا العائلية في عطلة نهاية الأسبوع إلى سان فرانسيسكو قد أصبحت شيئًا من الماضي. وحتى يومنا هذا لا أستطيع تذكّر لقب تلك الصديقة، وهي امرأة ذات لون مشمشي كانت دائمًا تدخّن سيجاره من العلامة التجارية (Camel)، وكانت على خلاف مع عمتي ديبورا، وعمتي جوديث، وعمي مايكل، وما إلى ذلك، نحن جميعًا عرفناها كـ""دونا"". كما أنني لم أتذكّر أيَّ مناقشة حول سبب عدم زواجهما أو عدم إنجابهما الأطفالَ. كانت لي مجرد واحدة من السمات الخاصة بتيدي، مثل حساء البُرش ذي اللون الفوشي الذي يشربه كلَّ صباح، أو حمّالات البنطال المرنة التي كان يرتديها فوق قمصانه ذات اللون الأبيض الفاتح، أو صوت المصارعة المحترفة في تلفاز غرفة نومه، الذي يبدو أنه لا يتوقّف أبدًا.
في البداية كان التلفاز هو الذي ساعدني على كسر مقاومتي لتلك الزيارات الطويلة. في المنزل وضعت والدتي تلفازنا في خزانة غرفة النوم، لكن في مرحلة ما في إحدى مفاوضات السرية التي أعرف أنها تحدث الآن كثيرًا بين الآباء، لا بدَّ أن والديَّ قرّرا أن من المسموح لنا مشاهدة التلفاز في منزل تيدي. لذلك ولمدّة من الوقت على أساس أسبوعيّ، كنت أنا وأختي نجلس على الأريكة المصنوعة من القماش المضلّع أصفر اللون الذي كان يبعد بوصات فقط عن الشاشة. كان ذلك في عهد هالك هوجان، وراندي ""الرجل مفتول العضلات"" سافاج، الذي يفضّله عمي، أندريه العملاق، الذي ذكّرني عمي في عدّة مناسبات، أنه على الرغم من أنّه فرنسيّ بالولادة، إلا أنه كان بولنديَّ الأصل، وقد اعتقدت -لبعض الوقت والحيرة- أنّه كان أندريه نفسه الذي ظهر في فيلم لويس مال بعنوان ""My Dinner With Andre""، وهو فيلم كثيرًا ما سمعت أصدقاء والدي يناقشونه. كان التلفاز، وهو من شركة Sony Trinitron، ويتكوّن جزء منه على شاشة، وجزؤه الآخر على مكبّر صوت -يحتوي على 12 قناة، يمكن الوصول إليها عن طريق صفِّ من الأزرار البلاستيكية التي تصدر صوتًا مُرضيًا عند الضغط عليهم. كان والدي قد أعطى تيدي جهاز فيديو (VCR)، لكني لا أتذكّر أنه كان يشاهد أيَّ شيء سوى المصارعة، لماذا؟ لم أتوقّف أبدًا عن التساؤل. يخطر ببالي في وقت لاحق فقط أن شيئًا ما يتعلّق بالعنف الكارتوني كان محاكاةً ساخرةً لجميع أنواع العنف، وربما تنفيسًا عن العنف الحقيقي الذي مرَّ به.
من أجل كسب المال كان عمي يدير متجرًا صغيرًا في شارع جيري، على بعد حوالي نصف ميل من شقته، حيث كان يبيع مزيجًا من الطعام غير الصحيّ الأمريكيّ والمعلبات المستوردة من أوروبا الشرقية لمجموعة متنوّعة من البولنديين والأرمن والروس، إلى جانب مجموعة صغيرة من المرضى وعائلاتهم يتجوّلون نزولًا من مستشفى جبل صهيون. ما أزال أستطيع رؤيتهم، ومن ارتفاع شخص لا يزيد طوله عن خصر عمي: زوج من الأعلام الأمريكية الملصقة على آلة تسجيل النقود، ومسحوق شراب الكول إيد وبيض كادبوري كريم بجانب الطفل ذي القلنسوة على شوكولاتة أليونكا المستوردة، وعبوات الحلوى الصلبة المغطّاة بمادة التغليف (السيلوفان ذي الصوت الحادّ)، وغرفة التخزين التي تحتوي على صناديق -صناديق!- من عبوات بطاقات توبس الجديدة. لو كنا محظوظَيْنِ أكثر فإن عمي سيسمح لي ولأختي باختيار لعبة أو قطعة حلوى، وهو الفعل الذي لم يبدُ في ذلك الوقت دليلًا على المودّة فحسب، بقدر ما كان دليلًا على ثروة لا تُعدّ ولا تحصى. كانت هذه الهدايا مبهرة لنا لدرجة أنه لم يخطر ببالي أبدًا أن والدي، وهو طبيب عام لديه عيادة خاصة متنامية، كان الأكثر استقرارًا ماديًا بين الاثنين. لقد نشأت في منزل من تصميم جوزيف إيتشلير في الضواحي على بعد 50 ميلًا من جنوب المدينة، مع فناء خلفي يمتدّ بأشجار حمراء كبيرة تناثرت أوراقها الريشية على الغطاء البلاستيكيّ العازل لحوض السباحة الصغير غير المدفّأ المدفأ. لم تكن ثروة كبيرة -كانت تلك أيام ما قبل فقاعة الإنترنت أو (docom)، عندما كان ما يزال بإمكان الطبيب شراء منزل في وادي السيليكون- ولكن من المؤكّد أننا كنا نملك أكثر بكثير من تيدي، فالخطط المالية له تتألف من رشوة مؤجّره الروسي الذي يشعر بالحنين إلى وطنه باستخدام عبوات من سمك الرنجة المخلّلة التي أعدّها بنفسه.
إن الاختلافات بين عمي وأبي -الاختلافات التي يمكن للمرء أن يقول إنها بين أولاد عائلة أندريس الاثنين- ربما كانت مجرد نتاج للاختلاف في العمر. كان تيدي يبلغ من العمر 19 عامًا عندما ولد والدي في غرفة الطوارئ في كوينز، وهي فجوة ترجع إلى سنوات من الحرب وانعدام الجنسية، ورفض والدتهما الثابت لولادة طفل آخر إلى عالم يمكن أن يسلب منه كلَّ شيء. وبحلول الوقت الذي ولد فيه والدي، كانت قصة العائلة -الهروب، ومعسكرات العمل، وفقدان الابن الأول في أثناء التجنيد في الجيش الأحمر- كلها جزءًا من الماضي الذي لا يُتَحدَّث عنه كثيرًا. كان والدي يعرف مخطط المسير: وارسو، وبياليستوك، ومعسكرات الاعتقال خارج أرخانجيلسك، ثم طشقند، وخيرسون، وكييف، ثم العودة إلى بولندا عندما انتهت الحرب. هناك لم يجدوا شيئًا أو أحدًا، لذا واصلوا طريقهم إلى باريس، حيث عاشوا إلى أن لحقوا بابن عمهم الوحيد الذي بقي على قيد الحياة في نيويورك. وبحلول ذلك الوقت كان تيدي يتحدّث بخمس لغات، لكنه لم يكن يتحدّث بأيٍّ منها جيدًا. لغته الروسية المبتذلة التي تعلمها في مؤسسات جولاج ومعسكرات العمل، والأوزبكية التي تعلمها من الأسواق، ولغته الأوكرانية، ولغته الفرنسية الغنية بالإيقاع مع شتائم مدينة بيلفي اللاذعة - كلّ هذه الأشياء خدمته في المقام الأول في اللعب مع الأطفال الآخرين. بدأت لغته البولندية تتلاشى بعد وقت قصير من وصولهم إلى كوينز، وأَمر جدّي فجأةً بأن تتحدّث العائلة باللغة ""الأمريكية"" فقط، إذ بقوا لسنوات طويلة يتحدّثون لغةً عاميةً من خلال التمثيل الإيمائي والكلمات المخمّنة. لذلك واجهوا صعوبات في: اللهجة (""huishy-huashy""، ""Daffy Dug"")، ومشكلات في أدوات التعريف (الغائبة في كلّ من البولندية، والروسية، والأوزبكية)، والاستخدام العشوائي على ما يبدو لضمائر الملكية (his للذكر أو her للأنثى، هذا التمييز غائب في الفرنسية). وحتى بعد مرور 30 عامًا، عندما تعرّفت إليه عليه، كان ما يزال يتحدّث بتردّد فقد أخبرني والدي ذات مرّة أنه كان خائفًا من أن يظنّ الآخرون أن لغته الإنجليزية غير المثالية قد تشير إلى إنكاره الجميلَ. فكان من الآمن ألّا يتحدّث.
كان والدي أطول، وأكثر بدانة، ووجهه أسمر من لعب التنس وكثرة الإجازات، بينما تيدي، الذي كان من المحتمل أن يكون طويل القامة لولا جوع الطفولة، فقد أعطى انطباعًا باهتًا وأكثر شحوبًا. وبعد مرور سنوات كنت أجد في كثير من الأحيان أن ذاكرتي عنه تستحضر في ذهني صورة غير متوقّعة للأخشاب الطافية والمجروفة، التي تصبح رمادية وغير واضحة المعالم عندما تتقاذفها المياه كثيرًا. حتى وهو في الأربعينيات من عمره كان يرتدي سروالًا أسودَ كالذي يرتديه كبار السنّ، وكان البوليستر فيها لامعًا حتى أصبح مكان الأرداف والركبتين برّاقًا. كان يمشي وهو يعرج، وعلى الرغم من أنه كان يعرج منذ الطفولة -كان يعاني خلل التنسّج الوركي الخلقي، ولم يُعالَج، كما أخبرني والدي- إلا أن هذا زاد إحساسي بكبر عمره. حتى الشقة التي وصلت إليها يوم الأحد بعد وفاة تيدي بدت كأنها مالكها شخص من جيل سابق. يؤدّي مدخل قصير إلى غرفة طعام لا تزيد مساحتها إلا قليلًا عن الطاولة الدائرية التي في وسطها. ثم في اتجاه عقارب الساعة: المطبخ، وغرفة المعيشة، ومدخل ثانٍ صغير يؤدّي إلى الخزانة، وغرفة النوم، والحمّام. كانت السجاجيد التي تغطي الأرضية من الجدار إلى الجدار من طيّات الذاكرة، وكذلك المزيج العشوائي من السجاد ""التركي"". كانت الجدران فارغة سوى مجموعة مثبّتة من الأطباق التذكارية من الذكرى المئوية الثانية لتأسيس الولايات المتحدة الأمريكية، وبعض اللوحات الزيتية المتفرّقة -لوحة قرن الوفرة، ولوحة غروب الشمس الجبليّ- التي اشتُريت على مرّ السنين من أسواق السلع المستعملة ومبيعات الأحياء.
بناءً على اقتراح والدي بدأنا في غرفة المعيشة. بالطبع سوف تُزال الأريكة الرمادية القديمة، وكذلك الطاولة الداكنة، المصبوغة بلون خشب الصنوبر، ليبدو لونها مثل لون الكستناء، المملوءة في الغالب بإصدارات لمجلة تايمز يعود تاريخها إلى الثمانينيات. كانت هناك بعض كتالوجات سيرز القديمة، وبعض صناديق الأحذية التي نُظِّفت وفقًا لقواعد غير واضحة: ثقالات ورق مع أجزاء ساعات، ومفاتيح لعدد أكبر بكثير من المنازل والسيارات وصناديق الأقفال مما كان يملكه عمي. وبينما بدت لي هذه المفاتيح غير معروفة تمامًا أمضى والدي كثيرًا من الوقت وهو ينظر إليها. ومع ذلك عندما تساءلت بصوت عالٍ عمّا إذا كانت هناك قصة لأيٍّ من هذه القطع الأثرية؟ هزَّ رأسه وأخبرني أنه كان من المثير للدهشة أن القليل مما حوله يذكره بأخيه؛ فالشقة قليلًا ما تعكس من حياة أخيه الخاصة شيئًا أبدًا، ما لم يدرك المرء أن إحدى سمات تلك الحياة الخاصة هي إبقاء نفسها مخفيّة. وقال إنه بدلًا من ذلك كان يفكّر فيما شغل باله لعدّة أيام: أيْ مدى ندمه؛ لأنه لم يضغط على تيدي لقبول مساعدته أكثر. ربما لم أكن أعرف -قال لي- لكنشقيقه كان يدعمه في أثناء دراسته في كلية الطب، وانتقل معه إلى منطقة خليج سان فرانسيسكو؛ فكان من العدل أن نردّ له المساعدة. لكن تيدي كان يرفض دائمًا. وبينما كان والدي يُرْجِعُ هذا العناد في البداية إلى الكرامة الشخصية، لكنْ بمرور الوقت، ومع افتراقهما أصبح يفهم الأمر فهمًا مختلفًا. لم يبدُ أن تيدي يحسد والدي على نجاحه أبدًا، لقد كان ثملًا وسعيدًا يشرع بالراحة ومتواصلاً في حفل زفاف والديّ، وكان يضحك حتى على النكات التي لم يفهمها. لقد قدّم هدية زفاف، وهي مجموعة من أكواب الكريستال من نيمان ماركوس، وهي تتعارض تمامًا مع أذواقه، وتظهر كرمه البالغ. وقبل أن أمشي بفترة طويلة أهداني دراجة هوائية، تمامًا كما اشترى حذاء باليه لأختي، كما لو كان يريد المشاركة في الأحداث والتطورات القادمة.
قال والدي إنه بمرور الوقت أصبح يتساءل عما إذا كان هذا التبذير هو اعتراف تيدي بالمسارات المتباينة التي ستتّخذها حياة كلٍّ منهما، وهو أمر استطاع فهمه قبل وقت طويل من والدي. وقد حدث ذلك؛ كان والدي كثيرًا ما يكون في العيادة، أو يشاهد سلسلة أفلام فنية مع أصدقائه، أو يأخذنا في رحلات تخييم صيفية. وأضاف أنه كان يدعو في كثير من الأحيان شقيقه ودونا إلى الرحلات، وهو يعلم جيدًا أنهما سيرفضان ذلك. كان مقام أفلام لويس مال مقارنة بفيلم ""The Giant""، كمقام حديقة الأقواس الوطنية مقارنة برينو، حيث كانت دونا تقامر، وأفترض أن عمي كان يقضي وقته في فعل شيء آخر غير تناول الطعام، ومع ذلك لم يعُدْ إلا بصور لنفسه، وهو يرتدي ذلك القميص ذا اللون الأبيض الفاتح دائمًا، وذراعه المتدلية على كتف دونا، أمام سخاء البوفيهات.
لقد كانا زوجين غريبين. أظنّ الآن أنه انجذب إليها بسبب طابعها الأمريكي إلى حدٍّ كبير؛ بسبب شعرها الأمريكيّ الكبير، وكعبها الأبيض المصنوع من الجلد اللامع، ودبابيس الزينة، والأساور، وأصوات أقراطها التي كانت تعلن عن قدومها قبل دخولها الغرفة. حتى جسدها، الذي كان مغطًّى ببلوزات من البوليستر باللونين الوردي والأصفر، بدا أمريكيًا إلى حدٍّ ما بالطريقة الجريئة التي لفتت الانتباه إلى حجمها. كانت من أصول مزارعي الفاكهة ذات النواة، عادت أصول العائلة إلى كاليفورنيا بقدر ما يمكن لأيّ شخص أن يبحث عنها، وعادةً ما تقول: ""دون أن تكون عائلتهم من شعب Miwok"". كان لديها تاريخ من الصرع، وعلى الرغم من مرور عقود منذ أن أصيبت بنوبة صرع، إلا أنها لم تتعلّم السواقة أبدًا، ولذلك كان عمي يأخذها إلى كلّ مكان. طوال فترة معرفتي به، كان يقود سيارة بونتياك بونفيل، وهي طراز من أوائل السبعينيات، ذكّرني أنا وأختي بالسيارات التي يقودها الخاطفون في مقاطع الفيديو التعليمية المدرسية المشؤومة التي علّمتنا ألّا نتحدّث إلى الغرباء. أما دونا وبعيدًا عن قيادة السيارة فقد كان من الصعب أن أفكّر فيما وجدته في عمي. لقد كان وسيمًا، أو بدا أنه كان وسيمًا ذات يوم، وأستطيع أن أتذكّر أنّ هناك في بعض الأحيان نادلة، أو أمينة صندوق، أو فيما بعد، ممرضة، كنّ مفتوناتٍ كثيرًا بأخلاقه الأوروبية المهذّبة ولهجته. غير أن دونا لم تظهر أيَّ اهتمام بالمكان الذي أتى منه، فقد كانت تكره سمك الرنجة وحساء البُرش، ولم أسمعها تسأله ولو مرة واحدة عن أوروبا. في الواقع يبدو أنه لم يكن لديها أيّ علم بقصة تيدي أبدًا. لم يعرف والدي ما إذا كان ذلك بسبب عدم رغبة شقيقه في إخبارها، أم أنها لم ترغب في أن تعرف؛ كان تخمينه هو كليهما، وهو ما قد يُفَسّر توافقهما كثيرًا. أو ربما كان الأمر هكذا. قال: عرفت دونا أنها متميّزة في علاقتها بتيدي، ونحن جميعًا نريد أن نكون متميّزين، وكانت اللحظة التي أدركت فيها خطأ هذا المفهوم هي اللحظة التي غادرت فيها.
على أية حال قال والدي إنه يندم الآن على الفجوة التي اتّسعت بينهما، خاصةً مع مرور الوقت، بينما كبرنا أنا وأختي، وأصبحت عطلات نهاية الأسبوع لدينا زاخرة بالرياضة والأصدقاء. ظلّ الأخوان يتواصلان، ولكن بعد ذلك حصل والدي على منصب في الجامعة، وبدأ بالتدريس والسفر أكثر، وأحيانًا كانت تمرّ أسابيع قبل أن يرى أخاه. ولهذا السبب قال إنه لم يكن متأكدًا حقًّا من الطريقة التي طوّر بها عمي اهتمامه بالحرب -الحرب الأهلية، كما أوضح- عدا أنه بدأ مع دونا. في ذلك الوقت لم يعتقد أن الأمر كان غريبًا. لقد رأى شقيقه يمرّ بفترة مماثلة من الاهتمام ببلده الجديد في وقت سابق، في وقت الذكرى المئوية الثانية، على الرغم من أن ذلك كان له طابع حزين، كما لو كانت الأطباق التذكارية، والعَلَم الموضوع على شرفته، طرقاً لتأكيد هوية لا يمتلكها. يتذكّر والدي كيف ذهب هو وأمي في الرابع من يوليو مع تيدي ودونا لمشاهدة الاحتفالات. لم تكن المواكب الاستعراضية شيئًا يذهب إليه والدي بانتظام؛ بل كانت، كما كان يشعر، مخصّصة للأطفال، أو للفاشيين فقط. لكن تيدي كان مختلفًا، لم يتحدّث أبدًا عن العلاقة بين احتفاله ببعض الأعياد -يوم الاستقلال، ويوم الذكرى، ويوم المحاربين القدامى- وحقيقة أنه بسبب وركه قد رُفِض عندما حاول أن ينضمّ إلى الجيش في كوريا. لم يكن والدي قد ولد في وقت ذلك الرفض، ولكن في السنوات اللاحقة شعر أن الشيء الوحيد الذي يحسده عليه شقيقه هو السنتان اللتان قضاهما طبيبًا في وزارة شؤون المحاربين القدامى. لقد كان يعتقد أن غالبية وطنية أخيه لم تنبع من الفخر، ولا من الامتنان، بل من نوع من الشوق. أخبرني أنه على أيّة حال على الرغم من أن والديه لم يعودا قطّ إلى بولندا، إلا أنه ما يزال لديهما منزل يحملانه في ذاكرتهما. في هذه الأثناء وجد تيدي نفسه في موقف مستحيل يتمثّل في اشتياقه لشيء لم يمتلكه من قبل.
ولكن نعم! الذكرى المئوية الثانية؛ رغم كلّ شكوك والدي في الوطنية، فقد بدأت بداية مبشِّرَةً بالخير. كان المزاج احتفاليًا، كانت منحدرات حديقة غولدن غيت مغطّاة بفيالق عازفي الطبول، وكان الطلاب الذين يرتدون المعاطف الحمراء يمثّلون أحداث الحرب بين نباتات الأوكالبتوس، وكانت الجميلات اللواتي يرتدين قفازات بيضاء طويلة يلوّحنَ من سيارات مكشوفة مزيّنة بأزهار ورقية. كانت دونا ترتدي سروالًا أحمر مخططًا ضيقًا ومشدَّا مُرصّعًا بالنجوم، لقد اشترت قبعات تريكورن ورقية من أحد البائعين، لوالديّ ولتيدي، الذي وضعها في زاوية مائلة على شعره الخفيف. قال والدي، إنه بدا مبتهجًا تمامًا بالمهرجانات، وبالمواكب الاستعراضية، وفرق المدرسة الثانوية والعربات. غير أنه في وقت لاحق من اليوم، عندما كان والدي عائدًا من كشك الوجبات الخفيفة رأى شقيقه -في لحظة اعتقد تيدي أن لا أحد يراقبها- واقفًا وسط الحشد المشجّع والمبتهج تعلوه نظرة من الحزن الشديد، والضياع التام لدرجة أن والدي شعر أنه ربما يرى أخاه للمرة الأولى على حقيقته.
ومن ثم عندما أعلنت دونا بعد عشر سنوات أنها وتيدي يخططان لزيارة المواقع التاريخية في جيتيسبيرغ وفيلادلفيا، فكّر والدي في أخيه في الذكرى المئوية الثانية، ولم يستطع إلا أن يتساءل عما إذا كان ينبغي عليهما السفر إلى مكان آخر، لكنه لم يستطع أن يشرح السبب. وعلى أيّة حال قالت أخت دونا إن الأمر رائع حقًا، وقد اشتروا التذاكر. وكما اتّضح فيما بعد، عند عودته، لم يقل تيدي شيئًا عن الزيارة. لم يغمره الحزن، ولا السعادة أيضًا، ولولا النسخ المماثلة لجرس الحرية الصغير التي اشتراها لي ولأختي، لكان الأمر كما لو أنه لم يذهب. كلّ ذلك يفسّر المفاجأة التي شعر بها والدي عندما اتّصل بالمتجر، في وقت لاحق من ذلك الخريف، وأخبرته دونا أن عمي قد سافر شرقاً مرّةً أخرى، هذه المرة في جولة بالحافلة بصحبة مرشد في ساحات القتال الشهيرة في سبع ولايات.
قالت: ""يبدو أن هذه هوايته الجديدة""!
بقي والدي بجانب الهاتف لبعض الوقت بعد أن أنهت المكالمة. قال لي إنه لا يعرف ماذا يفكّر. بدا الأمر غريبًا له؛ كان هناك شيء من الفكاهة عندما تخيّل شقيقه، وهو يرتدي قميصه وحمالاته، يتبع مجموعة من السائحين الذين يرتدون قبعاتهم وكاميراتهم المعلّقة في أعناقهم في قلب البلاد. ولكن بعد مرور ثلاثة أشهر على عودة تيدي لم يلبث حتى سافر على متن رحلة أخرى؛ هذه المرّة إلى جورجيا. وسرعان ما وجد والدي طاولة الطعام مملوءة بمجلدات من مكتبة ""انير سن سيت"": كُتب عن المعارك المشهورة، والسّيَر الذاتية لجرانت وشيرمان، وأدلة عن الزيّ الرسمي والبنادق. أخبرني أن هناك أدلة خاصة بالزي الرسمي، وهو ما كان ينبغي أن يكون دليله، لأنه في هذا الوقت تقريبًا بدأت عمليات إعادة التمثيل.
سألني ما إذا كنت أتذكّر هذه الأشياء، وأجبته بأنني أتذكّرها. كما هي الحال مع عمي، لم أفكّر فيهم منذ سنوات، ولكن الآن بعد أن ذُكِروا، ما أزال أتذكّر اليوم الذي اكتشفت فيه أختي المسدس العتيق في خزانة غرفة نوم تيدي، والتفسير اللاحق الذي قدّمه عمي لوالدتي الغاضبة. في ذلك الوقت كان من الواضح أن وجود المسدس قد طغى على جميع الجوانب الأخرى من القصة، على الرغم من أنه عند النظر إلى الماضي يبدو الأمر مدهشًا أنني لم أجده غريبًا جدًّا على الأقلّ، أن عمي -الذي ما يزال يستبدل كلمة ""mais"" الفرنسية بكلمة ""لكن"" الإنجليزية، وما زال يُشير إلى رقائق الذرة ومقرمشات الأرز باسم ""كاشا""، ومعظم الفواكه بأسمائها الأوزبكية؛ لأنه في طشقند، عندما كان في العاشرة من عمره، تناول أول ثمرة برقوق، وأول خوخة، وأول برتقالة- وجد هذا الهدف المتمثّل في ارتداء الملابس مع مجموعة من الغرباء، لتمثيل المعارك التي اشتعلت في الحقول والمراعي البعيدة من حياته. لكنني كنت في العاشرة من عمري عندما بدأت عمليات إعادة التمثيل، فقد كنت ما زلت في السنّ التي الذي كان فيها معظم البالغين مثيرين للاهتمام ومملّين بالقدر نفسه. كان امتلاك تيدي زيَّ الاتحاد المتّسخ، أو صورته وهو يركض عبر الحقل مع ممثّلين آخرين، أمرًا رائعًا مثل مفاصل عمي ستيفن المزدوجة، أو الجوائز البلاستيكية الضخمة التي جمعتها عمتي ديبورا في أيام لعبها في دوري البيسبول، بما يكفي لتغطية جدار كامل.
قلت لأبي هذا. أومأ برأسه. ومع ذلك قال إن الشيء المضحك هو أنه في ذلك الوقت بخصوص الهوايات، لم يجد الأمر غريبًا جدًّا. لقد كان بالتأكيد أكثر إثارة للاهتمام من عرض راسلمينيا للمصارعة المحترفة، أو أيًا ما كان أطلقت على نفسها تلك الألعاب السخيفة. كان هذا وقت فيلم ""Glory"" وأفلام كين بيرنز. وجد مرضاه يقرأون نسخًا معلّمة من ""Battle Cry of Freedom"" في غرفة الانتظار؛ كان هو نفسه قد بدأ ببطء يقرأ كتب شيلبي فوت. وبعد سنوات قليلة ستجذب إعادة تمثيل معركة جيتيسبيرغ عشرات الآلاف من المتفرجين. أحبّت الصحف وقنوات التلفاز تغطية الأحداث، وكانت النبرة المستخدمة في التقارير غريبةً ومرحةً أحيانًا، وفي أحيانٍ أخرى متعالية بعض الشيء، ولكنها عادةً ما تنتهي على الأقل بأمل حزين بأن المعارك يمكن أن تكون نوعًا من الطقوس التي من خلالها يمكن شفاء الندوب القديمة والجديدة. ولم يكن هو الوحيد الذي رأى كيف يمكن أن تقدّم إعادة التمثيل معمودية لأولئك الذين أتت عائلاتهم من مكان آخر، فقد كان بإمكانه تذكّر برنامجٍ تلفازيٍّ تضمّن مقابلات مكثّفة مع أحد المغتربين الذي يسافر كلّ عام من ستوكهولم، ليرتدي الزيّ الرمادي لجندي اتّحاديّ، ومع أحد سكان رود آيلاند يابانيي الأصل والذي كان ""يخدم"" في فوج الاتحاد. قال والدي إن كلا الرجلين شَهِدا بأن المشاركة في إعادة التمثيل جعلتهما لأول مرّة في حياتهما يشعران بأنهما أمريكيان حقًا، على الرغم من أن والدي لم يكن يعرف ما إذا كان الأمر كذلك لتيدي. على أية حال قال إنه لم يفهم تمامًا ما الذي فعله تيدي في إعادة التمثيل، حتى أجرى محادثة مع دونا، في بداية نهاية حياة تيدي.
كان ذلك في شهر أغسطس، عند حلول ذلك الوقت، كان تيدي قد أمضى أكثر من عقد من الزمن في القيام بزيارات سنوية تقريبًا إلى ساحات القتال، بدءًا من معركة ""بول رن"" في عام 1993م، وانتهاءً بشهر يوليو من ذلك العام، في معركة كريتر، أصيب بجلطة دموية في ساقه عندما كان ينتظر في اليوم التالي لإعادة التمثيل في صالة مطار ريتشموند الدولي، والتي من المحتمل أن تكون قد تشكّلت في أثناء استلقائه على أرض المعركة. وبعد ذلك كُشِف في الأشعة المقطعية في مستشفى بون سيكورس سانت ماري: أنه لم يكن هناك انسداد رئويّ فحسب، بل ورم في رئتيه.
وخلافًا لنصيحة الطبيب سافر تيدي إلى منزله في سان فرانسيسكو لإجراء الجراحة، وأخبرت دونا، التي ظلّت صديقته رغم انفصالهما قبل عامين وزواجها اللاحق، والدي عن الطبيعة الفريدة لإخلاص أخيه. كانوا في غرفة الانتظار حيث السماور (وعاء إعداد الشاي وبه قهوة فاترة)، وأطفال يقفزون في أحضان آبائهم القلقين، وشاشة مراقبة تومض بالأحرف الثلاثة الأولى من أسماء المرضى وحالة عملياتهم الجراحية. وقال إنها كانت أطول محادثة أجراها معها طوال حياته. ومن المثير للاهتمام أنها افترضت أن شقيقه أخبره بالكثير عن غزواته. عندما صحّح لها أخبرته أن تيدي ربما كان ينتظر أن يسأله هو عنها.
توقّفت لبرهة، وبعد بعض التفكير قالت: ""أنت تعلم أنه ذهب ليموت فقط، أليس كذلك""؟!
والدي، الذي ألقى نظرة على الشاشة، ظنَّ للحظة أنه في قلقه، قد فاته شيء ما: ""المعذرة""؟!
قالت: ""للموت. في المعركة""!
لكنه ما زال لا يفهم تمامًا. وتساءل: ألم ""يمت معظمهم؟""
قالت: ""في النهاية. لكن تيدي لم يقاتل قطّ"".
وأوضحت: بعد لحظات من عزف البوق لبداية التمثيل، كان عمي يسير نحو القتال ويستلقي على الأرض.
""فقط""؟
""فقط""!
""حقًا""؟!
أخبرني والدي أنه لو لم يكن شقيقه على طاولة العمليات، لربما ضحك من غير تصديقه للأمر.
قالت دونا: ""حقًا""!
لم يصل تيدي أبدًا إلى الاستسلام، ولم يبقَ أبدًا في المعارض والرقصات وليالي المسابقات التي غالبًا ما كانت تتبع ذلك. لم يشرب قطّ مع الجنود الآخرين، لا من قوارير الويسكي ""الأصيلة"" المشتركة بينهم، ولا من البيرة التاريخية التي ظهرت أحيانًا في مبرّدات تاريخية، كما لو كانت قادمة من الفضاء الخارجي. ليس هذا فحسب، بل كان على والدي أيضًا أن يفهم السياق، كما أخبرته دونا. إذا كان هناك شيء يوحّد القائمين على إعادة التمثيل، وهو الرغبة في البقاء على قيد الحياة لأطول فترة ممكنة، والمشاركة في التاريخ الذي استعدّوا له بدقّة شديدة. لقد كانت في الواقع شكوى شائعة بين المنظّمين (ناهيك عن موضوع سخرية واضح بين المتفرّجين) من أن أيًا من الرجال البالغين الذين يؤدّون دور الجنود لا يريد أن يموت، ولا سيّما في وقتٍ مبكّر. من سيرغب بذلك؟ وتفويت الحدث، مستلقيًا بين فضلات البقر، بينما من حولك، رفاقك يركضون للتاريخ بالبنادق اللامعة؟ وقالت دونا إنه عندما لا يمكن إنكار الإصابة بالرصاصة فإن معظم الرجال يتظاهرون بالإصابة فقط، ويطلبون من رفاقهم نقلهم إلى الخيمة الطبية، كما يطلبون الاهتمام من الممرضات المتطوّعات. لكن ليس أخاه، ليس تيدي، الذي أنفق مبالغ لا حدَّ لها من مدّخراته المتضائلة على أزياء رسمية أكثر أصالة، ناهيك عن رحلات الطيران واستئجار السيارات، و""أسعار الأحداث"" التي تفرضها الفنادق القديمة. ليس تيدي، الذي وقف في الصباح البارد في فيكسبيرغ وسبوتسيلفانيا، وفي شيلوه وتشيكاموجا، حيث كان حوله آلاف من زملائه الجنود، وبنادقهم المملوءة بخراطيش الورق، وهم يحملون حقائبهم الثقيلة. ليس تيدي، الذي -عندما انطلق صوت البوق عبر المراعي في سيفن باينز وأوبيكون، وبدأت قنابل الدخان تتطاير في فرانكلين وفورت ستيدمان- استلقى على طريق الغابة المزروعة بالطحالب، أو بجانب الأزهار المتفتحة، أو في الحقل. قالت دونا، إنه عندما كانت تراقبه في أنتيتام بعد ظهر أحد الأيام، وهو مستلقٍ على ظهره دائمًا وينظر إلى الأعلى، أدركت أنه بقدر ما تحبّ هذا الرجل فإن جزءًا منه سيظل دائمًا بعيدًا عن متناولها. تمامًا كما فهمت أنها ستتركه، ليس بسبب العداء أو المرارة -فالحياة في سن الخامسة والسبعين كانت قصيرة جدًا لأيّ منهما- ولكن لأن ما كان يبحث عنه هو شيء لا تستطيع توفيره.
كان يستلقي هناك لساعات، وكأنه يحرس المكان، بينما كان القتال يحتدم من حوله، وببطء وبتردد بدأ الآخرون يسقطون واحدًا تلو الآخر، يسقطون على الأرض بالصرخات أو الغرغرة الدرامية، ممزّقين الأكياس المخفية المملوءة باللون الأحمر، ويقعون من فوق أحصنتهم بطريقة مسرحية. بعيدًا عنه أحيانًا، أو قريبًا منه في بعض الأحيان؛ وفي أخرى يلمسونه ويضعون أيديهم أو رؤوسهم على صدره. وبينما امتلأت المروج، بقي ساكنًا، في حين تسطع الشمس الدافئة على وجهه، أو برد تربة فريدريكسبيرغ الشتوية يتغلغل من خلال معطفه وظهره، ووركه الذي يؤلمه. حتى انطلق صوت البوق أخيرًا، ونهض الموتى معًا من الأرض المقدّسة.
كان الوقت بعد الظهر في الشقة، وكانت شمس غير متوقّعة قد اخترقت ضباب الصيف الذي تدحرج دون عوائق أعلى الجانب الغربيّ الطويل وأسفله؛ لسان فرانسيسكو. من غرفة المعيشة انتقلنا إلى غرفة عمل صغيرة أنشأها عمي في خزانة الردهة، بها أوعية من البراغي والمسامير، وقطع متنوّعة من الخشب مجمّعة في علب بسكويت الزبدة الدنماركية الزرقاء، حيث يمكن يومًا ما العثور عليهم إذا لزم الأمر. ثم المطبخ والثلاجة الفارغة إلّا من علبة من الكريمة الحامضة وزجاجة من شراب الكفاس بسعة 2 لتر. لن نأخذ هذه الأشياء، كما لن نأخذ دواء السيمفاستاتين والديجيتال في الحمّام، والأحذية الرسمية مع أربطة الأحذية البديلة، والمخزن المملوء بأوعية طعام القطط التي كان يخلطها مع السكر، ويتركها للقطط المشرّدة.
في غرفة النوم لا تزال وسادة التدفئة تدفئ الأريكة بقوّة؛ لا بدَّ أن المسعفين تركوها قيد التشغيل. سيزال الكرسي، وكذلك حامل الأكسجين وجهاز التبخير، وجهاز تلفاز Trinitron مع أزرار تغيير القنوات، الجهاز الذي شغّل تيدي فيه، في شهر مارس، نسخةً من راسلمينيا التي اشتراها خصيصًا عن طريق البريد. كنّا لوحدنا في تلك الليلة (أختي في حفل نوم، ووالداي في مسرحية)، فشاهدنا ثلاث ساعات كاملة، قتالًا تلو الآخر، وضوء التلفزيون الأزرق يومض فوقنا، حتى اللحظة التي -بحسب كلمات المذيع المبتهجة- ""اصطدمت فيها القوة التي لا تقاوم بالجسم الثابت""، ورفع هالك هوجان أندريه، وهو يرتجف وبلا قوّة، مثل أنتايوس، وأسقطه مدوّيًا على الأرض.
كانت الصور في الخزانة، وبابها ذو المرآة به الآن صدعٌ مائلٌ طويلٌ. لقد احتفظ بها في سلسلة من صناديق السيجار الخشبية القديمة بجوار الملابس الاتّحادية. أظنّ أن والدي كان يعلم أننا سنجدهم هناك، وأنه انتظر لأنه كان يعلم أنه بعد أن يجدهم لن يستمر. كانت الغرفة مظلمة، وكانت النافذة الوحيدة تطلُّ على موقف سيارات الشقة، حيث كان هناك زوجان يصرخان أحدهما على الآخر باللغة الروسية، لذلك أحضرنا الصور إلى غرفة المعيشة، ووضعنا الصناديق على الطاولة أمام الأريكة. كنّا جميعًا هناك -دونا في بلوزاتها المصنوعة من البوليستر، وأختي بتقويم أسنانها، وعمي الذي كان يجلس معي في محلّ لبيع ""الآيس كريم"" في يوم عاد إليّ فجأة بحيوية لدرجة أنني استطعت تذوّق (وأنا أكتب الآن، لا يزال بإمكاني تذوّق) شرائط الكراميل الباردة في الكريمة الذائبة. كان هناك زوج من الصور القديمة لأجدادي، التقطت إحداها في استوديو في وارسو، والأخرى في حفل زفاف والديّ، وعيد الشكر، وحفلات البار متسفا، وحفل التخرّج من المدرسة الثانوية الذي لم أذكر أنه حضره. وبعد ذلك، أخيرًا، صور الحرب- ليست تلك التي نجا منها، بل تلك التي لم ينجُ منها مرارًا. على النقيض من الصور السابقة كانت هذه مختلفة: صور فوتوغرافية تذكارية كبيرة الحجم لإعادة التمثيل، باللون البني الداكن أو بالأبيض والأسود، استطعنا معرفة المشاهد بلمح البصر، فقد كانت مألوفة تمامًا، فهي تعود إلى المطبوعات الزلالية لماثيو برادي. توضّح الصور خيامهم الميدانية ونوافذها المكسورة، ومدافعهم وأجسادهم المتناثرة في جميع أنحاء الميدان. وفي كلّ صورة سهم صغير منقوش بقلم حبر جافٍّ أزرق، يُظهر من بين عدد لا يحصى من الجنود الذين سقطوا؛ أين كان هو؟!
هذه القصة مقتبسة من مجموعة قصص دانييل ماسون القادمة بعنوان: ""A Registry of My Passage Upon the Earth"".
دانييل ماسون مؤلف كتاب ""The Piano Tuner""، و""The Winter Soldier""، ومجموعة القصص القادمة بعنوان: ""A Registry of My Passage Upon the Earth"".
