قبل ثلاثين عامًا، بدا أنّ أبحاث مضادات الاكتئاب على وشك إحراز تقدّم كبير. حيث أظهرت سنوات من التجارب على الجرذان والفئران المختبرية –وهي حيوانات اعتبرت لفترةٍ طويلة نماذج ""كلاسيكية"" لهذه الحالة– أنّ عقارًا جديدًا يسمَّى ""روليبرام"" (rolipram)، يمكن أنّ يعزِّز جزيئًا في دماغ القوارض يبدو أن المصابين بالاكتئاب لديهم مستويات أقلّ منه. حتى خنازير غينيا والسناجب بَدَت عرضة لتأثيرات المادة الكيميائية. حيث أشاد الخبراء بالروليبرام باعتباره علاجًا قد يحدث تغييرًا كبيرًا، وقد يعمل بجرعاتٍ أقلّ بـ 10 إلى 100 مرّة من مضادات الاكتئاب التقليدية، وبشكلٍ أسرع (في البداية).
لكن بعد وقت قصير من دخول الروليبرام في التجارب السريريَّة على البشر، تلقى الباحثون مفاجأة غير سارَّة، حيث استمر المتطوعون الذين تناولوا الروليبرام في التقيؤ. كانت نوبات الغثيان الرهيبة تدفع بعض المشاركين إلى التوقف عن تناول الأدوية. لا يمكن لأحدٍ أن يتناول الروليبرام بجرعاتٍ عالية بما يكفي ليكون فعَّالاً دون أن يعاني من ضائقةٍ معويَّة خطيرة. لذا انتهى المطاف بسنواتٍ من العمل الشاق في الأنابيب، حرفيًا. ولم يكن الروليبرام هو الوحيد: فوفقًا للعميد المساعد للعلوم الأساسية والأبحاث في جامعة ويسترن للعلوم الصحية، نصّار دارماني، فقد خُسِرت -على مرِّ السنين- ملايين الدولارات على العلاجات التي فشلت بعد ظهور القيء كأثر جانبي.
والمشكلة في العديد من هذه الحالات هي القوارض، أو ربما بشكلٍ أكثر دِقة، أن الباحثين علَّقوا آمالهم عليها. لكن الفئران والجرذان -حيوانات المختبرات الأكثر استخدامًا في العالم، باعتبارها المخلوقات التي أتاحت أوجه التشابه البيولوجية العديدة بينها وبيننا تحقيق قفزات هائلة في علاج فيروس نقص المناعة البشرية، وأمراض القلب والأوعية الدموية، والسرطان، وغير ذلك- بَدَت عديمة الفائدة إلى حدٍ ما مِن حيث سياق محدد للغاية: إنها ببساطةٍ لا تستطيع أن تتقيأ.
القيء، على الرغم من فظاعته، هو ميزة تطورية: فهو إحدى الطريقتين الأساسيتين لتطهير الجهاز الهضمي من السموم الكامنة في المواد الغذائية المختلفة، وفقًا لعالمة البيولوجيا النفسية في جامعة جنوب كاليفورنيا ليندسي شير. وأجسام القوارض ليست مصمَّمة للقيام بعملية التقيؤ، فحجابهم الحاجز ضعيف بعض الشيء، ومعدتهم منتفخة جدًا، والمريء طويل جدًا ونحيل. لذا يبدو أنّ الحيوانات تفتقر إلى الدوائر العصبية التي تحتاجها لتشغيل منعكس التقيؤ.
ومع ذلك، تشكّل القوارض ما يقرب من 40% من أنواع الثدييات، وقد استعمرت جميع قارات الأرض باستثناء القارة القطبية الجنوبية، بما في ذلك المنازل المليئة بمبيدات القوارض المحمّلة بالطُعم. قد يكون جزء من سرّهم هو الوقاية الخالصة. تقول عالمة الأعصاب السلوكية في جامعة غويلف، ليندا باركر، أنّ القوارض تتمتع بحاسة شَم وتذوّق رائعة تعمل بمثابة ""حارس لبوابة الجهاز الهضمي"". كما أنهم حذرون للغاية من الأطعمة الجديدة، وذاكرتهم تجاه المواد المسبِّبة للأمراض قويَّة. وذكرت باركر لي أيضًا أنهم ""سيتجنبونها لأشهر أو لسنوات، وربما طوال حياتهم.. وهذا ربما يكون أقوى أشكال التعلّم الحيوانيّ التي نعرفها"".
ويمكن أيضًا إبعاد أيّ مادة سامّة تدخل بطون القوارض. قد تصاب الحيوانات بالإسهال، أو يتأخر امتصاصها للمواد الضارة عن طريق إبطاء عملية الهضم أو ابتلاع مواد مثل الطين. وفقًا للباحث في علوم التغذية في جامعة بنسلفانيا، بارت دي جونغهي، فإنّ هذه التكتيكات ليست مثالية – ولكن لكي نكون مُنصفين، فإن القيء الذي هو ""مؤلم جدًا"" ليس مثالي أيضًا. إذ يتطلب هذا الفعل قبض الحجاب الحاجز وعضلات البطن حول القناة الهضمية، ويمكن أن يسبّب الاستنزاف الجسدي والجفاف للحيوانات. وربما تدفع القوارض ثمنًا أقل منَّا، كما يقول غاريث سانغر، عالِم الصيدلة في جامعة كوين ماري في لندن.
ولا يزال مدى اختلاف القوارض غير واضح إلى حدٍ ما؛ إذ لم يتقيأ أمام أعين الإنسان سوى عدد قليل جدًا من الثدييات، من بينها القطط والكلاب والنُموس والرئيسيات والخنازير. لا يستطيع الباحثون دائمًا معرفة ما إذا كانت المخلوقات التي لم تفعل ذلك غير قادرة، أو خجولة، أو حكيمة فيما يتعلّق بما تستهلكه؛ مما يصعب عملية تتبع الجذور التطورية للقيء على علماء الأحياء.
ويُعد ييتس أحد العديد من الخبراء الذين يشتبهون في أنّ التقيؤ هو تطور حديث نسبيًا، يظهر بشكلٍ رئيسي بين الحيوانات آكلة اللحوم والرئيسيات، وهي مخلوقات ربما لا تستطيع تناول الوجبات ببطءٍ وحذر كما تفعل القوارض. لكن آخرين لا يتفقون مع هذا الرأي، ويفترضون بدلاً من ذلك أن أسلاف الثدييات لديها مكابح طوارئ في أمعائها. أخبرني سانغر أنه ربما فقدت القوارض (والأرانب على ما يبدو) هذه القدرة، بينما لا تزال الثدييات الأخرى تمتلكها. من الممكن أن تكون أصول هذا الفعل أقدَم: إذ تشير بعض الأدلة إلى أنّ المخلوقات من العصر الجوراسي قد تقيأت في بعض الأحيان.
قال لي دارماني إنّ المختبرات المهتمة بدراسة القيء بشكلٍ مباشر اعتمدت منذ فترة طويلة على كائناتٍ خارج عائلة القوارض، من بينها الكلاب والقطط والنموس – على الرغم من أن ارتفاع تكاليف العناية بها وعدم تقبّل العامة لإجراء التجارب على الحيوانات المرافِقة جعل هذا العمل صعبًا. في الوقت الحاضر، يتم إجراء بعض الأبحاث الواعدة على الزبابات: وهي ثدييات صغيرة تشبه القوارض في الحجم وبسهولة العناية بها، ولكنها قادرة على التقيؤ. ساعدت الحيوانات باحثين مثل دارماني وباركر على تحقيق تقدّم كبير في اكتشاف كيف يمكن أن تساعد مركبات الكانابينويد في كبح حاجة التقيؤ على سبيل المثال – وهو اكتشاف يمكن أن يوفر راحة كبيرة للأشخاص الذين يخضعون للعلاج الكيميائي والعلاج الإشعاعي وما إلى ذلك.
ومع ذلك، لم يتم استبعاد القوارض من أبحاث الجهاز الهضمي حتى الآن. وقد وجدت باركر وآخرون أنّ الفئران وأقاربها تمثّل نماذج رائعة للغثيان، والذي كان من الصعب تاريخيًا تحديده وعلاجه. امنح الزبابة عقارًا لتحفيز القيء – وسوف ينجح الأمر، مما يصعّب دراسة اللحظات القصيرة التي قد تظهر فيها أعراض ما يعادل الغثيان فيها. لا بد من أن تعاني القوارض من ضائقةٍ هضمية، تمنح الباحثين نظرة ثاقبة بالغة الأهمية مع كل فتحة فم أو تجعد في الأنف.
العمل لا يخلو من التحديات. الغثيان موضوعي من حيث التعريف. وقال لي دي جونغهي: ""يمكنك أن تسأل غرفة مليئة بثلاثين شخصًا عن الغثيان، وأنا أضمن لك أنك ستحصل على 30 إجابة مختلفة"". أمَّا فيما يخصّ المخلوقات غير البشرية، فالمشكلة أكبر: ""لا يمكنك أن تسأل حيوانًا عمَّا إذا كان يشعر بهذا أو ذاك""، وكما قال شير، يصرّ العديد من الباحثين على عدم وجود نماذج حيوانية للغثيان على الإطلاق.
ولكن السلوكيات الشبيهة بالغثيان، حتى لو لم تكن مكافئة تمامًا لسلوكياتنا، يمكن أن تقدّم أدلة مهمة. فالقوارض مثلنا تنفر بشكلٍ كبير من الأطعمة المقزِّزة، وتصبح مثلنا مشوشة ومرتعشة وخاملة بعد أن يتم تدوير جسدها. عندما يلاحظ الباحثون مثل هذه التفاعلات في حيواناتهم المختبرية، يمكنهم التحقق من ارتفاع الهرمونات في دمها، وتحديد المفاتيح المجهرية التي يتم تحفيزها في دوائر الدماغ – وهي ملاحظات يمكن أن تساعدنا في رسم مسارات الغثيان الدقيقة، وربما منعها بالأدوية.
ويُعد فهم هذه الطبوغرافيا أمرًا ملحًا. حيث قال سانغر: ""قبل عشرين عامًا، كان القيء هو أكثر الآثار الجانبية إخافة"" لدى العديد من المرضى الذين عاينهم. ولكن مع ظهور عدة أجيال من أدوية الحد من القيء ""حلّ الغثيان مكان التقيؤ"". إن أساليبنا الحالية لمعالجة داء الحركة لا ترقى إلى المستوى المطلوب أيضًا: فالكثير منها يحتمل النجاح أو الفشل في آنٍ واحد، البعض الآخر واسع المفعول لدرجة أنه يخدر الناس بحيث يغلب عليهم النعاس، ما لا يؤدي فقط إلى كتم الانزعاج الهضمي ولكن أيضًا مجموعة من الوظائف الأساسية الأخرى. قال لي ييتس إنّ الأدوية عبارة عن ""مطارق ثقيلة"" في الحين الذي من المرجّح أن تفي ""المطرقة الصغيرة جدًا"" فيه بالغرض.
كل هذا يعني أنّ النقص الكبير في نشاط الجهاز الهضمي لدى القوارض قد يصبح في نهاية المطاف أكثر قيمة بكثيرٍ مما كان يُعتقد من قبل. قد تكون غرابة أحشائهم وأجهزتهم التنفسية في نهاية المطاف عاملاً أساسيًا في جعل رحلات القطارات ورحلات القوارب في المستقبل أقلّ تسببًا في المرض، وجعل الصداع النصفي والغثيان الصباحي أكثر قابلية للتحمّل – وحتى جعل علاجات السرطان أقلّ شدة. ومع الفهم الكافي، ربما سنكون قادرين على محاكاة أفضل استجابات القوارض للأطعمة السيئة وليس أسوأها.
الهوامش
كاثرين ج. وو، كاتبة في مجلة ذا أتلانتيك.
