القائمة الرئيسية

مسار

مسار
ملخص المقال

تدور قصة ""صموئيل"" حول شاب يملك موهبة فريدة تمكنه من الطيران، لكنه يشعر بالانفصال عن الآخرين ويعيش حياة عادية مليئة بالعمل والندم. يتقابل مع إله الدمار الذي يمنحه فرصة لاستكشاف قواه، لكنه يدرك أن موهبته لا تعفيه من المسؤوليات. مع تذكره لتجارب النشوة مع امرأة، يبدأ في مواجهة صراعه مع الإدمان واختياراته، حتى يصل إلى لحظة حاسمة على شاطئ البحر حيث يتعين عليه مواجهة نفسه.قصة قصيرةالمصدر: ذا أتلانتيك

بقلم: كاليب كرين 

ربّما لو كان هناك من يستطيع أن يحتضنه تمامًا، فتتركه موهبته، لكان قد قَبِل الخسارة من أجل الارتباط، وأجرى التعديلات اللازمة للعيش بالطريقة التي يعيشها معظم الناس، ولكن في الأيام الأولى، حتى في أضعف حالاته، كان قادرًا دائمًا على القفز قفزةً متردّدةً صغيرةً يمكنه من خلالها الشعور بإحساس الطيران، حتى لو لم يستطع الارتفاع عن الأرض لأكثر من لحظات قليلة. وعندما لم يكن أحد ينظر، كان في بعض الأحيان قادرًا على الارتفاع أبعد وأعلى. لقد تعلّم وهو لا يزال صغيرًا جدًّا أنه لا يستطيع الاعتماد على الموهبة، ولكن حتى عندما يفقد موهبته كانت تعود إليه دائمًا، مثل شعر شمشون الطويل. لذلك لم يكن قادرًا أبدًا على أن يرى نفسه كالآخرين، أو يشاركهم أوقاتهم العصيبة؛ لم يكن قادرًا على أن يكون واحدًا منهم، ولم يستطع إلا أن ينظر إليهم، وإلى أفكارهم عن الأمان، بشيء من الازدراء.

""سأعود إلى المنزل"". كان الشعور الذي يؤدّي به إلى الطيران يحمل شيئًا من هذا الطابع، أو كأنه يقول: ""سأكون كما كنت دائمًا""، أو سأعتبر نفسي ابنًا للإله"". لم يخبر أحدًا عن الموهبة التي لديه؛ لأنه كان يعتقد أن معظم الأشخاص الذين سيكتشفون الأمر سيكرهونه. فإذا رأوه يرفرف على طول الجدار، مثل فراشة محبوسة في الداخل، سيسحقونه بدلًا من فتح النافذة له. لقد شعر بالازدراء تجاههم؛ بسبب طريقة تفكيره في قسوتهم المحتملة هذه. ولم يكن يؤمن بعدالة العقوبات التي يسهل عليه الإفلات منها.

لم تكن هناك خدعة في الأمر، كان هذا مجرّد شيء يمكنه القيام به إذا ركّز. كانت تلك هي الآلية برمّتها: التركيز وإطلاق العنان لنفسه في الوقت نفسه. لقد كان يستطيع الطيران بسهولة في بعض الأماكن أكثر من غيرها، كأن يستطيع الطيران على أنقاض حظيرة، أو تحت أشجار معيّنة. ربّما ساعدته نشأته في الريف على اكتشاف قدرته على ذلك، فعندما كان صغيرًا، كان يُترك في كثير من الأحيان بمفرده في الهواء الطلق.

لم يكن للموهبة أيّ فائدة عملية تقريبًا، على الرغم مما قد يتوقّعه شخص ليس على دراية بها. سهّلت عليه الموهبة القيام ببعض الأمور الفاسدة، مثل: التجسّّس، والسرقة، ولكن كان لا بدَّ من أن يخفي الأمر، مثل إخفائه للموهبة نفسها، ومن ثمَّ فلم يستطع الاستمتاع به فعلًا. ومع ذلك وعلى الرغم من أن ذلك لم يجلب له سوى فائدة ضئيلة أو معدومة، إلا أنه جعله كسولًا من خلال الحفاظ على ثقة غير مكتسبة بداخله، كان على الجميع تقريبًا التنازل عنها في طريقهم إلى مرحلة البلوغ. كان الهروب له دائمًا سهلًا، وهذا ما أضعفه.

لقد تعلّم بداية الأمر أن الناس لا ينظرون أبدًا إلى الأعلى عندما يغادر، فلا يخطر الأمر ببالهم قطّ. فتراه في لحظة يتعرّض للتوبيخ، وفي اللحظة التالية ينظر إلى مشهد التوبيخ، أسفله، ويستمرّ حتى بعد غيابه. كان من المدمّر لأخلاق المرء ألّا يضطرَّ أبدًا إلى الاستسلام لمثل هذا الموقف، أو أن يجمع قوّته لمواجهة الأمر. في بعض الأحيان كان مدركًا لمدى انحرافه عن الشخص الذي كان من المفترَض أن يصبح عليه، حاول بجهد وإرادة أن يجعل نفسه تستسلم، لكن الحياة التي ولد فيها، تلك التي واجه صعوبة كبيرة في الحفاظ عليها لم تكن سهلة، وأحد تعريفات المعاناة هو أنها أكثر ممّا يمكن للمرء أن يتحمّله. فعلى الرغم من حسن نواياه، عندما وصل إلى تلك النقطة، غادر بهدوء.

شاهد الأرض التي كانت قدماه ترتكز عليها وهي تبتعد.

صرخت والدته: ""صموئيل، صموئيل""!

كان الاختفاء دائمًا أكثر هدوءًا. هل كان الأمر أشبه بالموت قليلًا؟ فكّر في نفسه: هذا هو العالم إذن، هذه هي الطريقة التي تتناسب بها غرف المنزل معًا. لم يُشِرْ مسبقًا أبدًا إلى أنه سيغادر، ويرجع ذلك جزئيًا إلى أنه لم يكن متأكّدًا في السابق من أنه سيتمكّن من ذلك. ومن خلال تأقلم شخصيته مع الموهبة وطبيعتها المتقطعة أصبح لديه احترامٌ عظيمٌ للحظّ بدلًا من احترامه للشخصية المسؤولة أخلاقيًّا. لكي يتحدّى نفسه، مثلما يواجه الأشخاص العاديون تحدّيَ أن يصبحوا أشخاصًا صالحين توصّل إلى قاعدة: قرر أنه سيكون من المبتذل أن يبني كثيرًا من الآمال على حظّه، الذي كان غالبًا مثل حظّ الآلهة.

وعلى الرغم من أنه كان يحبّ معلميه وهم يحبّونه، إلا أنه لم يكمل دراسته، وقد يكون ذلك بسبب موهبته، فلم يستطع أن يقتنع أنه بحاجة إلى معرفة ما كانوا يدرّسونه. وبعد أن توقّف عن العمل وصل استياء والدته الذي كان مبرّرًا إلى درجة دفعته للرحيل. حصل على وظيفة غسل الأطباق في مطعم في المدينة، واستأجر غرفة في شقة جماعية في الطرف السيئ من الشارع الرئيس. عندما عاد إلى الشقة، في نهاية نوبة ليلية، كانت أصابعه منتفخة، وانتظر حتى صار في العتمة لكي يرتفع عن الأرض. الآن بعد أن أصبح شخصًا بالغًا، صار كلما استطاع الطيران يشعر في الغالب بالأسف تجاه الآخرين؛ لأن ليس لديهم هذه القدرة، ولكن ليس بالأسف الكافي للتوقّف عن القيام بذلك، فقد لا يضرّهم ذلك، لطالما لم يعرفوا أنهم يفتقرون إلى هذه القدرة. وفوق مصابيح الشوارع تطاير رذاذ النجوم في السماء.

في أحد الأيام بينما كان يتناول طعام الغداء على آخر المنضدة، جلس إله على الكرسي المجاور له. كان جلده شاحبًا، وبدا أكبر من صموئيل ببضع سنوات فقط. وقال لصموئيل إنه إله الدمار، وأضاف: ""لكنني لا أستطيع تدمير شخص مثلك، لا يمكن أن تُقتَل إلا عندما تفقد موهبتك"".

""لكنني لا أعرف أبدًا ما إذا كنت ما أزال أمتلك الموهبة حتى تحدث مرّةً أخرى"".

""هل أحاول قتلك ونرى""؟

ضحك صموئيل: ""ليس اليوم"". وأخذته موهبته بعيدًا، فوق المنضدة وشواية القلي، كان يحاول التحرّك في الهواء، لكنه كان يدور ببطء رغمًا عنه. كان يخذله المجهود الذي كان يبذله ليمنع نفسه من المرور على طول السقف والانزلاق مثل الدخان من النافذة فوق باب المطعم الأماميّ.

ارتشف الإله رشفةً من قهوته، ونظر إلى صموئيل.

رأى صموئيل أنه لن يكون قادرًا على الصمود ما لم يتحدَّ نفسه بقاعدة جديدة للحفاظ على اعتباره: لا تضع آمالًا أو تحاول الاستفادة من التعرف على إله، وهو ما كان أيضًا، في النهاية، مسألة حظٍّ. ولا تتظاهر أبدًا بأنك لا تعرف أن الموهبة تمنح الإنسان الحقَّ في محادثة متساوية مع إله.

رتّب الاثنان للقاء في تلك الليلة على درجات الكنيسة البيضاء في المدينة.

وبعد انتهاء عمله ذهب صموئيل إلى منزله ليُزيل آثار غسل الأطباق. وعندما وصل إلى المنطقة الخضراء رآه الإله فنزل على درجات الكنيسة.

وأمره الإله: ""خذني معك"".

قال صموئيل: ""لا أعتقد أنني أستطيع ذلك""، ولكن عندما وضع ذراعه حول الإله الذي ركب على إحدى قدميه، ارتفعا عن الأرض. أدّى حمل شخص آخر إلى شعور صموئيل بالدوار، وقد يرجع السبب إلى أن مرافقته لشخص ما جعله يكبت في نفسه أن البشر فقط هم من يخافون الارتفاع فوق الأرض دون شيء يدعمهم. أو ربّما كان متوتّرًا؛ بسبب اضطراره إلى الحرص على سير الأمور بالشكل الصحيح، فلمرّة واحدة كان هروبه يحمل مسؤولية.

كان هناك ثلاث أشجار صنوبر بيضاء عند سفح المنطقة الخضراء. هبط صموئيل والإله على غصن بالقرب من قمّة الغصن الأوسط. أنزل الإله حيث يلتقي الغصن بالشجرة، ونزل هو نفسه في مكان أبعد، بحيث عندما وصل نحو الجذع لتحقيق التوازن اتّكأ بدن الإله الدافئ على ذراعه. ومن هذا الارتفاع استطاع أن يدرك أن للدوائر التي ألقتها الأضواء بالأسفل لها ألوانًا مختلفةً، كلون الحليب منزوع الدسم، والبيرة، وعصير التفاح. أمّا على الأرض فلا يستطيع المرء التمييز بين هذه الأضواء بسهولة.

سأله الإله وقفز: ""هل أقتلك الآن""؟

قفز صموئيل خلفه شاعرًا بالمسؤولية. ووخزت أشواك الشجرة وجهه عندما كان يقفز، لكنه أبقى عينيه على عيني الإله، وكان الإله منتصبًا ورأسه لأسفل. وقبل أن تلمس أرجلهما الأرض مدَّ الإله يده، ومحا الشجرة ومحا المدينة، وأخذ يدي صموئيل.

وعندما أعاد الإله المدينة، كان هو وصموئيل يقفان على المنطقة الخضراء مرّةً أخرى، وفكّ الإله أصابعه عن أصابع صموئيل بإيماءة كادت أن ترميَ أصابع صموئيل بعيدًا.

كان صموئيل كلّ ليلة بعد العمل يعود إلى درجات الكنيسة. في بعض الأحيان كان ينتظر على برج الكنيسة، يقف على الحافة، حيث يستقرّ هرم برج الكنيسة الأبيض على قاعدته البيضاء. كان يعلم أن اختيار المكان دراماتيكيًا بعض الشيء، ومثيرًا للشفقة، فلا أحد سينتظر في مكان كهذا سوى شخص يحمل لعنة كلعنته. كانت القاعدة من الخشب، لكن الهرم لم يكن كذلك، فقد كان فاتح اللون، يهتزّ إذا طرقته. كان هناك ما يكفي من التلوّث الضوئيّ الضوئي، لدرجة أنه حتى من هذا الارتفاع كان صموئيل يستطيع النظر إلى المدينة بأكملها تقريبًا في صورة ظلّية بالكاد تكون ملوّنةً.

ولأول مرّة شعر بموجة عارمة من الطموح؛ إذ أراد أن يكون قادرًا على فعل شيء ما لإجبار الإله على ملاحظته. أراد أن يتمكّن من التواصل مع الإله مرّة أخرى، وإلا فإن شبابه قد يفنى قبل أن يخطر على بال الإله أن يزوره مرّة أخرى. ومع ذلك كان ينبغي عليه أن يفكّر في الطموح في وقت سابق، إلا أنه كان يسير في اتجاه مختلف. في بعض الليالي، وفي مكان غير واضح للعيان، كان يرتفع إلى أعلى ما يستطيع، حتى يبدأ خطّ الأفق في التلاشي، ويتضاءل حجم برج الكنيسة تحته ليصبح وكأنه حَسَكٌ أبيض. شعر أن العاطفة في مثل هذا المسار كانت أمرًا سيّئًا، ولكن بما أن هذا الإنجاز كان شيئًا لا يستطيع القيام به إلا هو، فربّما لم يكن هناك معيار يمكن الحكم عليه من خلاله.

بدأت امرأة بعمر صموئيل العمل نادلةً في المطعم. كان لديها نَمَشٌ وندبة على خدّها الأيسر. عندما لم يكن هناك كثيرٌ من العمل، كانت تفتح مخرج الطوارئ، على الرغم من التحذير الموجود عليه من أن الإنذار سيتفعّل، وتدخّن سيجارة، كانت تقف بالداخل، وتطرد دخان السجائر إلى الخارج.

سألته ذات ليلة عندما كانوا يغلقون المطعم: ""هل تريد الانتشاء""؟ 

""هنا""؟

""ولم لا""؟

سدّت الباب الأمامي، وجلسا في أحد الأكشاك. أخرجت من حقيبتها شيئًا يشبه الكازو [الكاجو]، لكنها قالت إنه غليون، وفكّت الجزء العلوي من كيس البلاستيك الشفّاف، ورشّت في الكازو ما يشبه السكّر الصخري المكسور.

قالت، بعد أن استنشقت القليل، ولكن قبل أن تتقاسم الكازو مع صموئيل: ""قبلني""!

حذّرها قائلًا: ""أعتقد أن لديَّ شيئًا آخرَ أفضلَ"".

أجابت: ""وأنا أيضًا. أريد فقط أن أتذكّر"". وأردفت قائلة: إن صديقها الأول قد كسر زجاجة في وجهها منذ خمس سنوات، وهذا سبب الندبة التي في وجهها، وأنها لم تعد تشعر بالجانب الأيسر من شفتها السفلية. وأضافت: ""لكنني عادة لا ألاحظ ذلك. يُسمّى هذا ""الملء""، إذ تعتقد أنك تشعر بشيء لا يمكنك الشعور به"".

تشاركا تدخين السجائر، وكانت النشوة أفضل بكثير من أيّ شيء كان قادرًا على فعله لنفسه، أو أفضل من أيّ شيء فعله شخص آخر من أجله، لدرجة أنه نسي في السنوات الـ 17 التالية ما كان قادرًا على فعله.

كان يعيش على ساحل مختلف عندما تذكّر. كان شعره رماديًا، ربّما لم يكن ذلك بسبب التعاطي، لكن في بعض الأحيان عندما ينتشي، يصبح جسده مرهقًا كإشارة الهاتف المتقطّعة، وعلى الأرجح أن ذلك كان بسبب التعاطي. كان في أحد المنازل، حان الوقت له ليتخلّى عن النشوة أو يتخلّى عن محاولة عدم التخلّي عنها، وبينما كان يناضل من أجل الاختيار، تذكّر أنه في يوم من الأيام، كان هناك خيار مماثل؛ كان قادرًا دائمًا على الهرب منه. وهكذا عادت به الذاكرة. في البداية كان الأمر أشبه بتذكّر وجود صديق وهميّ دون القدرة على تذكُّر الصديق. ولكن بعد فترة، عندما تذكّر أكثر، بدأ يتساءل إلى أيّ حدٍّ يمكن أن يلقيَ اللوم على الموهبة. ربّما كان إحساسه بعدم المسؤولية التي عزّزتها الموهبة هي نقطة الضعف لديه، النقطة التي اخْتُرِعَ فيها درعه.

أم أن الموهبة كانت قوة أبعدها عنه التعاطي؟ فتعاطي المخدّرات يساعد المرء على التأقلم مع العالم. إن التعاطي لم يكن نعمة، إذ يمكن لأيّ شخص أن يتعاطى، حتى لو لم يفعل الجميع ذلك. وبمجرد تعاطي المخدرات، ومن ثم انتهاء مفعولها، يتحوّل هذا الاعتياد إلى أفضل المتع في العالم.

لقد رأى أنه على مرّ السنين صار يشعر بالفخر السرّيّ نفسه الذي كان يشعر به تجاه موهبته، حتى أنه علّم نفسه أن ينظر باستخفاف إلى طريقة تفكيره المبهمة السابقة، إلى رغبته المفقودة في الاعتماد على متعة لم تكن غريبة فحسب، بل لا يمكن الاعتماد عليها. لقد كبر، وكان من الصعب أن يتمكّن من عكس هذه العملية. لكن حتى لو استطاع، أو لو كان قادرًا على استعادة إيمانه البريء، فقد يكون من الغباء في مثل هذا الوقت المتأخّر؛ إذ قد يؤدّي ذلك إلى تخريب ايّ تعافٍ مأمول، إذا ذكّر نفسه، بطريقة شعورية، أن الهرب من العالم كان له دائمًا أرقى أنواع المتعة.

وفي صباح أحد الأيام خرج من المنزل، واستقلّ حافلة جنوب المدينة إلى الشاطئ، كان سعيدًا؛ لأن السلطات قد أغلقته، أو حاولت إغلاقه، على أيَّ حال. يمتدّ أحد طرفيه إلى جرف مرتفع فوق الماء، وقد تعرّض لعوامل التعرية في السنوات القليلة الماضية، ولهذا السبب كان من المفترض أن يكون الشاطئ مغلقًا بما في ذلك جزء كبير من الرومانسية التي تتضمّنه.

كان جائعًا عندما وصل إلى هناك، فقد نسي التخطيط لتناول الغداء. وقد كان هذا الوقت الممطر من العام، زرّ سترته وغطّى رأسه بالقبّعة. كانت أصابعه متصلّبة من شدّة النعاس الذي انتابه في الحافلة، وكان متعبًا، فبعد كلّ هذه السنوات كان ما يزال يعمل في نوبات ليلية. وكجزء من الامتناع عن تعاطي المخدرات، كان بدلًا من العمل في الحانات والمطاعم، يدخل البيانات، ويدخل المستندات التجارية لشركة محاماة، ويرفق العلامات والبيانات الوصفية الأخرى، حتى يتمكّن المحامون المكلفون بقضية ما من البحث فيها أفضل. لم يلفت أيّ شيء في الوظيفة انتباهه، لكنه درّب نفسه على العثور على شيء يشغل به نفسه.

استوت الأمواج المتلاطمة عند قدميه وهدأت، وبلّلت الموجات المزبدة الرمل تاركةً أرضًا غامقة اللون وناعمة، يشبه حدّها العلويّ ما تتركه المساحات في الجزء العلويّ من الزجاج الأمامي للسيارة. كان ينتشي مع الآخرين، وينتشي بمفرده، ولكنه كان دائمًا يفضّل أن يكون بمفرده. تذكّر الإله الذي جعله يشعر بأنه تُرك وحيدًا. يا لها من قصة سخيفة! فعلاقتهما لم تتوطّد كثيرًا. هل حدث شيء حقًا؟ أمامه، حيث ارتفع الجرف، رأى أن طرف الرعن؟؟؟ قد انكسر وثبّتته جذور شجرة المسكيت، التي نمت عبر الطرف بينما كان الطرف والرعن لا يزالان متصلين، والتي لا تزال في أطرافها البعيدة متمسكة بالطين الأصفر للرعن. لم يكن جذع الشجرة يشير إلى الأسفل باستقامة، بل يشير نحو الساعة السابعة.

حاول أن يتخيّل نفسه وهو يصعد على منحدر الشجرة. حتى إنه أغلق عينيه، لكنه لم يرتفع، فقد أمضى الأعوام السبعة عشر الماضية في تدريب نفسه بالمكافأة والحرمان، لذا فلا عجب أنه نجح في ترسيخ عادة الامتثال على الأقلّ.

واصل المشي. كان ما يزال يومًا جميلًا ليمضيه على الشاطئ، بطريقة للتعبير عن وحدته وحزنه. ربّما كانت مجموعة الذكريات الدفينة تجربةً مرَّ بها عندما كان طفلًا، وأساء فهمها في ذلك الوقت، مثل أن يكون قد اكتسبها من أحد الوالدين أو الأجداد. أو قد تكون ذكريات لأمرٍ، كالتأرجح بين الأشجار عندما كان البشر قردةً. أو يمكن أن يكون مجرد ذكرى لشعور السباحة، فلطالما أحبَّ السباحة. ذات مرة، عندما كان أصغر سنًا، وكان منتشيًا ومفعمًا بالنشاط، خلع ملابسه، وخاض في بحر بارد بكلّ قوّته لمجرد رمزيةِ ذلك، ولم تنجح برودة الماء في مواجهة الحرارة التي بداخله. لقد أثبت شيئًا ما، على الأقلّ في تلك اللحظة، ولأجلها، وهو متأكّد أنه لن يستطيع فعل ذلك الآن.

ومع ذلك كان ما يزال بإمكانه الذهاب للسباحة، من أجل الرمزية المتبقية في ذلك، أو من أجل التجربة فقط. كان هذا شهرًا أكثر برودةً، لكن المحيط كان أكثر دفئًا. كان هناك نسيم، وكانت المياه الخضراء تتقلّب وسط المويجات المزبدة، لكن ارتفاع البحر قليلًا كان يدلّ على خطر واضح، ولأنه لم يستطع أن يتذكّر الأوقات التي لم يكن واعيًا فيها، كان يحبّ أن يقول إنه لم يحدث أيّ شيء سيئ حقًا له. وطوى ملابسه وهو يخلعها.

كانت الحيلة هي أن يبتعد بسرعة كافية، ليغوص قبل أن تبرد قدماه وكاحلاه. حرّك ساقيه في الماء حتى وصل إلى خصره، ثم رمى بجسده كاملًا في الماء. رأى نتوءاتٍ صغيرةً من اللون الأبيض تحت جفنيه المغلقين، بينما كان جسده يعيد مواءمة درجة الحرارة، ثم شعر ببهجة محاولته العيش، رغم الألم والانطلاق خلاله، والسيطرة عليه في الوقت الحاليّ.

استدار ليطفو على ظهره، مبعدًا نفسه عن الشاطئ. كانت الأمواج تتلاطم بعنف على الصخور عند سفح الجرف، وكان عليه أن يبتعد عنها. وكان عليه أن يتأكّد أيضًا من أن عضلاته ودمه يستمران في الحركة حتى لا يصاب بتشنّج، وهو الأمر الذي قد يكون خطيرًا عليه، ولا سيّما أنه بمفرده في الماء المتقلب. لم يكن هذا ما يتذكّره، ولكن ربّما دخل هذا في الأمر. إذ كان يتحرّك في وسط كان نفسه يتحرّك. قد تكون الذكرى الدفينة مجرد المشي، وهو الأمر الذي يبدو وكأنه معجزة غير مؤكّدة عندما يتمكّن الطفل من ذلك للمرة الأولى.

لقد انقلب وانحنى للأسفل، وسحب نفسه إلى الأسفل والأمام. انزلق جسده عبر الماء البارد وهو يغرق في طبقة أعمق وأكثر برودةً.

وصل إلى السطح، لتصفعه موجة على وجهه، فبصق قليلًا. حدّث نفسه بأن يتعامل مع عنف البحر بطريقة ممتعة، فقد كان عاريًا على أيّ حال. كان عنف البحر أشبه بالنشاط الرياضي لمخلوق عظيم، مثل الدبّ أو الأسد، قادرًا على قتله دون قصد. لقد كان كبيرًا على هذا، لكن الأمر كان ممتعًا. وفكّر ماذا لو جاء شخص ما إلى الشاطئ وسرق ملابسه؟ استدار ليبحث عنهم، وهو يخطو في الماء في أثناء قيامه بذلك. وبعد لحظة وجدهم على مسافة أبعد إلى اليمين مما يتذكّر، وهو ما يعني أن موجة أخذته إلى اليسار.

وفجأةً أدارت قوة الموجة ساقيه، كما لو كانتا داخل عجينة تُعرَك. وقال عندما سحبته الموجة إلى الأسفل: لم أشعر بهذا من قبل. كان شعورًا بالقهر وعدم الرغبة في ذلك، إذ نُقِل في وسط لا يستطيع أن يتحرّك فيه، كالنملة المحبوسة في الكهرمان. وخطر على باله أن الجميع يمشون دائمًا في طريق يؤدّي إلى الموت، ثم قال في نفسه: لكنني لا أريد أن أموت الآن.

كلّ ما كان يشغل باله هو أنه يريد أن يعود إلى الشاطئ. ولكنه كان يفكّر أيضًا باتّجاه آخرَ: إذن، هذه هي الطريقة التي تتناسب بها غرف المنزل معًا.

وبحلول الوقت الذي خفت فيه سرعة دوران الموجة، أصبحت ساقاه مطاطيتين لدرجة أنهما تمايلتا تحته دون أن تستقرّا في الماء. كان يجدّف، ولكنه كان يفتقر إلى القوة الذهنية اللازمة لتنظيم تحرّكاته. كان التيار ما يزال يحاول سحبه بعيدًا عن الشاطئ، لكن القوة التي بين ذراعيه كانت على الأرجح كافية لمواجهته. إذا نجح في ذلك فسيتعيّن عليه أن يمشي قليلًا ليعود إلى ملابسه.

السماء تمطر بشدّة الآن؛ وهو ما أدّى إلى زيادة اهتياج سطح الماء من حوله. كانت ملابسه ستصبح مبلّلةً، أو على أيّ حال القميص الموضوع في الأعلى سيكون كذلك. لقد كان قادرًا على رؤية مكانهم، في انتظاره، والآن أبعد إلى اليمين مما كانوا عليه من قبل. إذا أراد أن يصل إلى الشاطئ عبر الصخور كان عليه أن يكون حريصًا على ألّا تنجرح قدماه وساقاه أو يسقط أو يضرَب رأسه. لقد أراد أن يتمكّن من محاولة الطيران مرّةً أخرى، حتى لو فات الأوان.

 

كاليب كرين: مؤلف كتاب ""Necessary Errors""، وكتاب ""Overthrow"". يعيش في بروكلين، نيويورك.



مقالات ذات صلة