القائمة الرئيسية

آيْرِيس مُرْدوك

آيْرِيس مُرْدوك
ملخص المقال

آيريس مردوك، مفكرة وروائية بارزة، وُلدت عام 1919 في دابلن. قدَّمت فلسفة جديدة تجمع بين التجربة الحياتية والتحليل الأخلاقي، وأبرزت أهمية العلاقات الإنسانية. من أبرز أعمالها رواية ""البحر، البحر"" وكتاب ""سيادة الخير"". توفيت عام 1999، وتعتبر من المفكرين الذين تجاوزوا التصنيفات التقليدية.

ترجمة: فادي حنا

تهمُّنا آيْرِيس مردوك لِعدّةِ أسبابٍ؛ فقد كانت أحد أبرز المفكرين في القرن العشرين، حاولت أعمالها فَهْمَ الحداثةِ وتطوُّرات زمانها. وقد عرضت فلسفة أصيلة قدمت من خلالها مَنظورًا خلقيًّا وميتافيزيقيًّا جديدًا. كما أنها وضعت روايات مبتكرة، وطريفة، وممتعة. وإذا كان عملها يسترعَى الانتباه فذلك أن أعمالها الأدبيّة والفلسفيّة ليسا إنجازَين مُنفصلَين؛ إذ تتناول رواياتها موضوعات وإشكالات تُميّز فلسفتها بطريقة مُبتكرة. أمّا فلسفتها فهي تفسِّر كيف ينبغي أن نفهمَ الفنَّ.

إن أعمالها الروائيّة والفلسفيّة تقومُ على خبرات عَيْشِها، وتعود لتتأمل فيها. كانت مردوك امرأةً ذات اهتمامات ومهارات متنوعة، إلا أنها وظّفتها كلّها معًا من أجل التعامل مع التساؤلات والإشكالات الكبرى في زمانها. كانت مردوك تعي للغاية سيرورات العَلْمَنة التي حدثتْ في النصف الثاني من القرن العشرين. إذ تراجعت الدوغمائيات القديمة، المُتمثِّلة في الدين، والتفكير القَبْلِيّ الميتافيزيقيّ، والمبادئ الخلقيّة المُطلقة، والأيديولوجيات السياسية. وكانت الإنسانية تتحوّل إلى الاعتماد على العلم الطبيعيّ، وتطبيقاته التقنية، والتوكيد على حرية الأفراد. أدركت مردوك أنه لا يمكن التخلّي عن الحرية والدلالة العلمية اللتين يُميّزان العصر الحديث. بيد أنها رامت إلى إحياء روح الميتافيزيقا الأفلاطونية، ودعوة أفلاطون للاهتداء بمثال الخيرِ المُتعالي، والعمل وفقًا له.

السنوات الأولى:

ولدت آيْرِيس مردوك في شمال دابلن، عام ١٩١٩. وقد انتقلت عائلتها إلى لندن عقب ميلادها بفترة وجيزة، مع ذلك ظلت تعي جذور عائلتها الأيرلندية. كانت ابنة وحيدة محبوبة للغاية، التحقت بمدرسة بروبل في لندن قبل الالتحاق بمدرسة بادمنتون الخاصة ببريستول، التي تتبنى سياسات تقدميّة. برزت مردوك في مدرستها قبل أن تتقدم للالتحاق بكلية سومرفيل في أكسفورد سنة ١٩٣٨، حيث درست الكلاسيكيّات، التي تضم الأدب الكلاسيكيّ، والتاريخ القديم، والفلسفة.

في سنوات دراستها الجامعية، كوّنت مردوك عدة صداقات عميقة استمرت طويلًا، بما في ذلك مع زملائها من طلاب الفلسفة كماري ميدجلي (Mary Midgley)، وفليبا فوت (Philippa Foot)، وإليزابيث أنسكومب (Elizabeth Anscombe). كان ثَمَّ عددٌ من الارتباطات العاطفيّة كذلك؛ أبرزها العلاقة التي جمعتها بشقيق المؤرخ إ. ب. طومسون (E. P. Thompson)، الشاعر وبطل الحرب فرانك طومسون (Frank Thompson)، الذي لَقى مصرعه في حادث مأساوي أثناء تنفيذ مهمة مضللة للعمليات الخاصّة في بلغاريا أثناء الحرب العالمية الثانية. كما ترك أساتذتها بصمتهم، لا سيّما النزاهة الكاريزمية والجدّة الأخلاقية اللذان يتميز بهما الفيلسوف دونالد ماكنون (Donald Mackinnon)، وعُمق الكلاسيكيّ إدوارد فرانكل (Eduard Frankel). وتشكّل العلاقات المُتعددة، الفوضويّة، والمثيرة مع الأصدقاء والأحباب أحد السّمات التي تطبع أعمالها الروائيّة، وهو ما أفادت منه في تفكيرها الخُلْقيّ؛ إذ تروم فلسفتها الخلقية إلى صقل علاقات الحب مع الآخرين، ذلك على عكس تيار الاتجاهات الفلسفية المعروفة التي تقصد التحليل الجاف للمفاهيم.

 وفي أثناء وجودها في أكسفورد انضمت كذلك إلى الحزب الشيوعي؛ وانخرطت في النشاط السياسيّ الطلابيّ، إذ تخيّلتْ عالَمَ ما بعد الحرب، عالَمًا اشتراكيًّا أكثر عدلًا. بعدما تخرجت في ١٩٤٢، عملت في وزارة المالية، وانضمت في ١٩٤٤ إلى إدارة الأمم المتحدة للإغاثة وإعادة التأهيل (UNRRA) التي عملت بها في بلجيكا والنمسا، حيث شهدت بأعينها الدّمار الذي خلفته الحرب العالمية الثانية، ومأساة اللاجئين، والهاربين من الأوضاع المزرية والقمع السياسيّ. ظلت مردوك، طوال أعمالها الفلسفيّة والأدبيّة، حسّاسة إزاء ما يقاسيه الإنسان نتيجة القمع السياسيّ. غالبًا ما تُسلط رواياتها الضوءَ على حياة اللاجئين؛ حيث يظهر الناجون كأنهم يعيشون في ظل الهولوكوست، كما تضفي البورتريهات القوية المهاجرين ألوانا وتنوعًا على شخصيات رواياتها.

بدءًا من حياتها الجامعية، اصطحبت آيْرِيس دفتر يوميّات، وكتبت سلسلةً من الرسائل؛ تُزوِّدُنا هذه بسجلٍ مُتصّلٍ لعلاقاتها المُتنوعة، وأفكارها السياسية؛ تُظهر يومياتها أيضًا أنها كانت تُعنى بضروبٍ شتى من التفلسف، كالفينومنولوجيا، وهيجل، والفلسفة التحليليّة، والفلسفة الوجوديّة المُعاصرة.

درست الفلسفة في كيمبردج في الفترة بين ١٩٤٧-١٩٨٤، أولًا تحت إشراف المذيع س. إ. م. جود (C.E.M. Joad)، وتتلمذت بعد ذلك على جون ويزدم (John Wisdom). وعلى الرغم من أن لودفيج فيتجنشتاين لم يكن يدرس أو يحاضر في كيمبردج وقتذاك، فإن أثره قد ظلّ باديًا على أصدقاء مردوك المقربين. نالت درجة الزمالة في الفلسفة في كلية سانت آن بأكسفورد، سنة ١٩٤٨، وأخذت تطور فكرها الفلسفي هناك خلال الخمسة عشر سنة التي تلت ذلك. وقد ذهبت أبعد من أكسفورد، والفكر التحليليّ الأنجلو-أمريكيّ، بالنّشر في الفلسفة القاريّة، حيث أفردت نوعًا من الفلسفة الخُلْقيّة التي جذبت انتباهَ جُمهورٍ واسعٍ أكثر من فلاسفة ذلك الوقت.

وتشهدُ رسائلها ويومياتها على وعيها بضعفها الأخلاقيّ. وكان لديها، قبل الزواج من جون بيلي (John Bayley) أستاذ الأدب بأكسفورد في عام ١٩٥٦، بعض العلاقات المضطرمة، كان أبرزها العلاقة التي جمعتها مع مايكل أوكشوف (Michael Oakeshott)، الفيلسوف السياسيّ وصاحب النزعة المحافظة. والأنثروبولوجي والشاعر فرانز شتاينر (Franz Steiner)، والرّوائيّ الهجوميّ والمُنظِّر الاجتماعيّ إلياس كانيتي (Elias Canetti). لكن الزواج قد زوّدها بالأمن والاستقرار.

سارتر، والوجوديّة، والرواية:

كان كتاب مردوك الذي خصصته لسارتر، سارتر: عقلانيٌّ رومانتيكيٌّ (Sartre: Romantic Rationalist) (١٩٥٣)، أوّل دراسة لفلسفة سارتر باللغة الإنجليزية، ونقطة تحول، وما يزال مَرجعًا مهمًا. إنها تتعاطف مع سارتر وتنتقده في الآن نفسه. فقد اطلعت على أعماله بحرص على مدار سنوات، وأخذت تُناقش أعماله في يومياتها وخطاباتها، لا سيّما في مراسلاتها مع الرّوائيّ الفرنسيّ التجريبيّ ريمون كينو. فمن ناحية، كانت منجذبة إلى سارتر. وعلى عكس أولئك الذين يقطنون أبراج أكسفورد العاجية، فإن سارتر يتفلسف بجرأة. وهي تلاحظ كيف يقترب سارتر إلى الخبرة المعيشة، وهو في ذلك إنما يعكس حساسيةَ الرّوائي.

وقد أعجبها كشفه لأحوال الشعور، في الوجود والعدم (١٩٤٣). لكنها تنتقد تركيزه الضّيق على الذات، وميله نحو تجاهل أثر الفلسفة على العالَم الاجتماعيّ والسياسيّ. تنتقد مردوك كذلك، في مقالات الخمسينيات، الروايات الوجودية غير المُنفتحة على التفاعل بين الشخصيات، وتتبع مسارًا عقليًّا وحيدًا. وقد نشرت أولى رواياتها تحت الشبكة (Under the Net) في عام ١٩٥٤، تلاها بعد ذلك خمس وعشرين رواية أخرى على فترات منتظمة في خلال الخمس وأربعين عامًا التالية. ويتشابه بطل رواية تحت الشبكة، جيك دونهيو (Jake Donoghue)، مع البطل الوجوديّ، إلا أن عيوب شخصه الأنانيّ تُبرز مثالب المنظور الوجوديّ.

في مقالات الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي، تأملت مردوك في دور كلٍّ من الفنِّ، والأخلاق، والسياسة، في عالم الخبرة الفسيح. وفي «منزل النظرية» (A House of Theory) (١٩٥٨) لاحظت نكوصًا أيديولوجيًّا في فترة ما بعد الحرب، وبالنظر إلى أن الالتزامات الفكرية، والاجتماعية، والدينية، قد عفا الزمن عليها كلها، فقد رأت ضرورة تعزيز الاشتراكيّة من خلال رؤى مستقبلية يوتوبية ممكنة وتحت عنوان «إعادة النظر في الجليل والجميل» (The Sublime and the Beautiful Revisited) (١٩٥٩) أعادت صوغ فكرة كانط عن الجليل بغية التقاط كيف لتفاعلات الشخصيات مع بعضهم البعض أن يحوي تعبيرًا جليلًا عن خبرة المعيشة. أمّا أشهر ما كتبت حول الأدب هو مقال «ضد الجفاء» (Against Dryness) (١٩٦١)، الذي انتقدت فيه الروايات التي إمّا تعرِض نظرات يوميّة لقناعات كتّابِها، أو مُجرد تمثُّلات خيالية لوجهات نظرهم. وقد أعادت تصوُّر الرواية بما هي تسمح بتطوير الشخصيات الحرّة. (تتوفر تلك المقالات كلّها في كتاب «الوجوديون والمتصوفون»، تحرير مردوك، عام ١٩٩٧).

سيادة الخير:

تابعت مردوك، في الخمسينيات والستينيات، العمل في مجال الفلسفة الخُلْقيّة، إلى جانب نشر مقالات في قضايا الفكر، واللغة، والذّات. وقد وُسّعت آفاقها بإلقاء مُحاضرات في الكلية الملكية للفنون في لندن من ١٩٦٣-١٩٦٧.

جمع كتاب سيادة الخير (The Sovereignty of Good)، المنشور عام ١٩٧٠، ثلاث مقالات في الفلسفة الخلقية: «فكرة الكمال»، و«حول الله والخير»، و«سيادة الخير على سائر المفاهيم». ويميز ذلك الكتاب عملها عن أعمال سائر المفكرين القاريين والأنجلو-أمريكيين من المعاصرين؛ تُعارِضُ فيه ما تعتبره نظرات سلوكيّة سطحية للذات، بينما تعارض أيضًا النظريات الأخلاقية من كانط حتى سارتر، التي تُعلي من شأن الاختيار الذي يُمارسه الفرد الحر، لكن لا تعني باستدخال أو حتى فحص المواقف الاجتماعية ومنظورات الآخرين.

بدلًا من أن تفترض حالةً مُحايدةً تُضاف الأخلاقيةُ إليها، فإن مردوك تذكِّرنا بالطرائق التي لا حصر لها التي نُدرك من خلالها خبراتنا ونقدِّرها، وبالتالي نستنبطُ منها حسَّنا الأخلاقيّ؛ ذلك أن الأخلاقية تقوم على القيم التي ربّما تكمن، مُتواريةً عن الأنظار، في دقائق فهمنا للأشياء، عوضًا عن النظريات والقيم التي نطوّرها ببساطة برؤوسنا ثم نُدخلها في مجريات الحياة.

بحسب مردوك، يقومُ الجزء الأكبر من تفكيرنا الأخلاقيّ في طريقة تخيُّلنا ووصفنا للحيوات التي نتفاعل معها؛ وهي تدلل على ذلك بمثال شهير في مقالها «فكرة الكمال» بموقف أُمٍ لا يُعْجِبُها زوجةَ ابنها، إذ تبدو الفتاةُ فظّة، وتفتقر إلى دماثة الخلق. ولكن بدلاً من أن تثبت الأم ذلك الحكم، تتخيل مردوك أنها تعيد النظر بمحبةٍ في تصورها عن زوجة ابنها، فهي تسعى إلى تقييمها بصورةٍ عادلة؛ وبدلاً من أن تسلّم بأن زوجة ابنها سوقية فإنها تراها بسيطةً بصورةٍ غير معتادة. ليست حمقاء وإنما عفوية؛ تتخيل مردوك إذن الأم بوصفها قادرةٌ على فهم زوجة ابنها بصورةٍ مختلفة عن مجرد الانطباع المباشر؛ إن تلك القدرة على إعادة النظر والخروج من شرك التحيزات المسبقة هي قدرة مركزية في نظر مردوك بالنسبة إلى المغزى الأخلاقي للانتباه الذي نوليه إلى الشخصيات والمواقف الأخرى.

تقرر مردوك لا سيما في مقالها «حول الله والخير» أنه يمكن النظر إلى الأخلاق بمقتضى تحقيق مثال الخير – وهو مثال مُتعالٍ للكمال على طريقة أفلاطون. تعتقد مردوك أن الأفكار القديمة المتعلقة بالإيمان بإله شخصي، وفوق الطبيعة، لم يعد من الممكن الإبقاء عليها في العالم الحديث. بيد أنها تصورت أن مفهوم الخير قادرًا على أن يقدم نموذجًا أخلاقيًا بوسعه تشجيع الناس على أن يعرضوا عن مجرد الذاتية الأخلاقية والنظر في إمكانية الخير الموضوعي.

الأعمال المتأخرة:

عملت مردوك على تطوير فكرها الفلسفي بعد «سيادة الخير» بالتزامن مع نشر سلسلة من الروايات التي تبين الصعوبات التي تكتنف التعامل مع الآخرين والتصرف أخلاقيًا. لعل رواية البحر، البحر (The Sea, The Sea) (١٩٧٨) كانت أشهر رواياتها، وهي تعرض يوميات مخرج مسرحي شهير، لكنه متغطرس، شارلز أروبي (Charles Arrowby)، حيث يفشل بجلاءٍ في تحقيق مسعاه في أن يكون خيّرًا. ذلك أن التركيز على فضيلته المفترضة يحول دون حاجة الآخرين الملحة. إنه درسٌ موضوعي في نقيصة عدم الاكتراث.

توسعت مردوك في عرض قراءتها لأفلاطون في النار والشمس: لم نبذ أفلاطون الفنانين (١٩٧٧)؛ إذ تقارن فيما بين إحساسها الخاصّ بصدق الفن وبين عداء أفلاطون للفنون [انظر العدد ١٣٨، المحرر]. مع ذلك، إنها تقرأ أفلاطون نفسه بوصفه فنانًا، عبر تسليط الضوء على استعماله للمجاز.

في عام ١٩٨٢، ألقت مردوك مجموعة محاضرات جيفورد، التي طورتها بعد ذلك في عملها الفلسفي الكبير الأخير الميتافيزيقا دليلًا أخلاقيًّا (Metaphysics as a Guide to Morals) (١٩٩٣). في هذا العمل، تتوسع مردوك في مناقشة سيرورات نزع الأسطورة، أو نزع السّحر عن العالَم، تلك السيرورات هي ما يميز العالم الحديث، بينما تؤيد نوعًا من الميتافيزيقا يتناسب مع العلم والملاحظة الإمبريقية. وهي تلحظ الفوضى التي تعج بها الخبرة، مع ذلك تنظر إلى أوجه الخبرة التي تشير إلى صور النظام والوحدة الأساسية، والتي من الممكن أن تؤسس الأخلاق. وهي في ذلك إنما تستند إلى العديد من المفكرين من مختلف الاتجاهات الخلقية، مثل فتغنشتاين، وشوبنهاور، وأفلاطون وبوبر وويل. وفي سنيّها الأخيرة، أعدت أيضًا «مخطوط حول هايدجر» حيث تقرأ مارتن هايدجر في ضوء فلسفة فتغنشتاين، باعتباره يقدم نموذجًا ميتافيزيقيًا في عصر ما بعد الميتافيزيقا. وقد قررت عدم نشر ذلك المخطوط، ولكنه عمل أكاديمي عميق. ومن المقرر نشره في السنوات القليلة القادمة.

في عام ١٩٦٣، تخلّت مردوك عن درجة الزمالة في كلية سانت آن، وفي عام ١٩٦٧ تقاعدت عن التدريس في كلية الفنون الملكية. إلا أن نشاطها لم ينقطع، فقد ظلت حتى منتصف التسعينات مؤلفة روايات، ومسرحيات، وأشعار، وأعمالا فلسفية مهمة. في روايتها الأخيرة معضلة جاكسون (Jackson’s Dilemma) (١٩٩٥) يصارع بطل الرواية الأساسي، بينيت، من أجل قراءة هايدجر، مثلما عانت مردوك ذاتها في قراءة هايدجر قبل أن تعرض عن نشر دراستها لأعماله.

شخّصت مردوك بمرض الزهايمر في عام ١٩٩٧، وسجل جون بيلي في تذكاره آيْرِيس كيف تعاملت مع مرضها قبل وفاتها في ١٩٩٩. ويعرض فيلم آيريس، الذي أخرجه ريشارد آير (Richard Eyre) في ١٩٩٧ صورةً مؤثرةً لسنيّها الأخيرة بينما لا يتعرّض في معظمه إلى عملها الأدبي والفلسفي.

إن مردوك مُفكِّرةٌ تستعصي على التصنيف، وهي تعملُ ضمن التراث التحليليّ وتتجاوزه؛ إن إصرارها على اجتياز الحدود الفكرية، والإفادة من اهتمامات شتى وأشكال الخبرة المتعددة إنما يوضّح أصالتها. وتتصل فلسفتها بمهارتها، بصفتها أديبة، في كونها تطوُّر منظورها الفلسفيّ وتربطه بالخبرة المعيشة، على طريقة الأديب؛ يقوم تصويرها البارع لحال الأم التي تتطوّر خُلقيًّا من خلال التفكُّرِ في تحيزاتها المُسبقة، باعتراف مردوك، على حسّها الأدبيّ. علاوةً على ذلك، تظهر أعمالها الأدبية (ولكن من منظورٍ قاتم)، ما ينطوي عليه عدمُ الاكتراثِ والانغماسُ الذّاتيّ الأنانيّ من نقصٍ أخلاقيّ.

درست آيْرِيس مردوك تقاليد فلسفية عدّة، وانتقدت الفلسفات التحليلية والقارية المعاصرة، بينما أفادت من الفلاسفة التاريخيين الذين تجاهلهم المعاصرون أو أخفقوا في فهمهم. كما أنها تضربُ وترًا حساسًا بسعيها إلى جعل فلسفتها مُرتبطة بالكيفية التي قد يحيا بها المرء حياته.

© جاري براوننج ٢٠٢٠

جاري براوننج أستاذ الفكر السياسيّ بجامعة أكسفورد بروكس. كتب عن مردوك، وكولنجوود، وهيجل، وليوتار، وتاريخ الفكر السياسيّ، والاقتصاد السياسيّ النقدي، والنظرية العالمية، وبوب ديلان.

مقالات ذات صلة