ترجمة: رضا زيدان
أعترف أن فكرة السفر عبر الزمن دائمًا ما تجعلني أبتسم ابتسامة متكلّفة. وأفترض أن هذا بسبب أنه بدا لي دائمًا أن هذا السفر مجرّد خيال لا يمكن تحقيقه أبدًا. ومن ثَمّ فإن التسلّي بفكرة إمكانيّة حدوثه بدا وكأنه مضيعة للوقت. ومع ذلك، نظرًا لأنني أواجه هذا المفهوم كثيرًا هذه الأيّام، ولا سيّما كجزء من المحادثات الفكريّة والتكهنات الفلسفيّة، يجب أن أعترف أن السفر عبر الزمن بطريقة ما يجعلني أتساءل. ومع ذلك، فإن تأمّلاتي اللحظيّة لا تركّز بالضرورة على ما إذا كان من الممكن عمليًّا السفر إلى نقطة معيّنة في الماضي أو في المستقبل. وإنما تساعدني في الغوص بعمق في طبيعة الزمن نفسه.
إن تحديد الوقت قد يبدو، في البداية، بسيطًا جدًّا. ففي النهاية، نحن جميعًا نألف فكرة الوقت بمعنى المدة وقياسها. ومع ذلك، ما الزمن في جوهره؟ هو سؤال أصعب، وله تاريخ طويل من المجادلات الفلسفيّة وما زال بلا تعريف متّفق عليه.
يخبرنا حدسنا الأكثر شيوعًا أن الوقت ظاهرة عابرة. وما يستلزمه هذا هو أن الفضاء (أو الكون المادّي) يكون في موضع وزمان ثابتَيْنِ أو ساكنَيْنِ، مثل فيلم يمرّ عبر جهاز عرض قديم إذا صح التعبير، يحلّ ويمرّ عبر الكون. ومع حلول الزمن، يجلب معه كل التغييرات. بعبارة أخرى، يتغيّر الكون من خلال الزمن.
بدلًا من ذلك، يمكن للمرء أيضًا أن يرى هذه العلاقة بين الزمان والمكان بالطريقة العكسيّة. كما قال صديقي ذات مرة: «الزمن لا يمرّ. نحن من نمرّ عبر الزمن». وبهذا المعنى، يمكن تصور الزمن كخط ساكن يتكوّن من نقاط الماضي والحاضر والمستقبل. ومع ذلك، على عكس الرأي السابق، في هذه الحالة يُعتقد أن ما يتحرك هو الفضاء (أو الواقع المادي). بمعنى آخر، يتحرك الفضاء وكل ما بداخله على طول خط الزمن. وبتحركه للأمام تُعتبر النقاط التي يتركها وراءه على أنها الماضي، والنقطة التي يكون عليها هي الحاضر، والنقاط التي لم يصل إليها بعد هي المستقبل.
وفقًا لكلا الرأيَيْنِ، يُنظر إلى الزمان والمكان على أنهما كيانان منفصلان مع إمكانيّة تقاطعهما عند نقطة معيّنة. وهذه النقطة التقاطعيّة فقط هي التي لها وجود حقيقيّ. أمّا خارجها، فإن الزمن الذي يكون بمفرده دون مكان يتحدّ به لا حقيقة له على الإطلاق. لاحظ أن نقطة التقاطع هي دائمًا الحاضر. والنقاط (أو الأوقات) التي نشير إليها بالماضي والمستقبل، كونها خارج هذا التقاطع، ليست موجودة. ومن ثَمّ فهي ليست حقيقيّة. بعبارة أخرى، يصبح الزمن حقيقيًّا فقط عندما يلتقي بالمكان. وأي نقطة خارج هذا الالتقاء غير موجودة.
ثانيًا: وفقًا لهذا الفهم للزمن، هناك عامل اللّا دوام أو التعاقب: يأتي الحاضر إلى الوجود عندما يذهب الماضي. وعندما يكون الحاضر موجودًا، فإن الماضي لم يعد موجودًا. وبالمثل، لا يمكن أن يوجد المستقبل إلا عندما يلتقي الزمن بالمكان ويصبح المستقبل حاضرًا. بمعنى آخر، يصبح المستقبل حقيقيًّا عندما يصبح حاضرًا. لذلك، فإن المستقبل، بمعناه العاديّ، لا يوجد أبدًا فعليًّا.
أخيرًا، هناك عامل رئيس آخر وفقًا لهذا الرأي، وهو الحركة. أي، سواء كان الكون يمر عبر الزمن أو الزمن هو الذي يمر عبر الكون، فإن هناك حركة تجعل اجتماعهما ممكنًا ونتيجة لهذه الحركة فقط يكون الحاضر موجودًا ويكون حقيقيًّا.
تُعرف وجهة النظر هذه في الفلسفة بـ الحاضريّة presentism. وهي الرأي القائل: إن الحاضر فقط هو الموجود. لقد كان الماضي موجودًا، لكنه لم يعد، أما المستقبل فسيوجد لكن ليس بعد. وفي الواقع يعود هذا الرأي إلى المفكّرين القدامى، ومنهم هيراقليطس (حوالي 500 قبل الميلاد)، الذي قال، كما هو مشهور: «لا يمكنك أن تضع قدمك في نفس النهر مرّتين، فهناك مياه أخرى تستمر في التدفق... كل شيء يجري ولا شيء يبقى. كل شيء يُستبدَل، ولا شيء يبقى ثابتًا» (Wheelwright, 1960).
إن الحاضريّة تتناسب مع نظرتنا التقليديّة للزمن، التي تفهم الزمن من حيث إدراك التغيّر؛ كما قال جون لوك، بطريقة مهجورة إلى حدّ ما، «عندما يتوقف هذا التعاقب للأفكار، يتوقف إدراكنا للمدّة أيضًا» (An Essay Concerning Human Understanding, 1689, p.174). وعبّر فيلسوف التنوير الاسكتلنديّ ديفيد هيوم عن فهم مشابه بشكل ما للزمن عندما كتب: «كما أننا ندرك فكرة المكان من ترتيب الأشياء المرئيّة والملموسة، فإننا نشكّل فكرة الزمن من تعاقب الأفكار والانطباعات... وحيثما لا يكون لدينا إدراكات متعاقبة، لا يكون لدينا حركة للزمن، حتى مع وجود تعاقب حقيقيّ في الأشياء» (A Treatise of Human Nature, 1738, p.35)).
في ضوء أنني أقوم بدراسة فكرة الزمن في سياق السفر عبر الزمن، فإن السؤال الرئيس الذي يظهر لي بطبيعة الحال هو: ما الذي يخبرنا به هذا المنظور للزمن عن السفر عبر الزمن؟ هل يمكن اعتبار السفر عبر الزمن ممكنًا، في ضوء هذا الفهم للزمن؟ الجواب القصير بالنسبة لي هو: لا. والسبب واضح. فلنفترض أنني أصنع آلة كي تنقلني إلى نقطة ما في الماضي. لسوء الحظ، وفقًا لوجهة النظر الحاضريّة للزمن، فإن الماضي لم يعد يلبّي معيار الواقع المادي، وبالتالي فهو غير موجود. ولذلك، لا يمكن السفر إلى أيّ نقطة في الماضي، وتنطبق هذه الحجّة أيضًا على السفر عبر الزمن إلى المستقبل؛ إذ إن الكون لم يتقاطع بعد مع اللحظة المستقبليّة التي أرغب في زيارتها، وبالتالي لا توجد الظروف التي تجعل هذا الإمكان حقيقيًّا. ومن ثَمّ فإن السفر إلى أيّ نقطة في المستقبل غير ممكن أيضًا.
وبناءً على ذلك، هل هذا يعني أن طبيعة الزمن تمنع تمامًا إمكانيّة السفر عبر الزمن؟ يبدو أنها كذلك. لكن الأمل ما زال موجودًا. ومع ذلك، كي يكون السفر عبر الزمن ممكنًا، يجب إبطال المفهوم الحاليّ للزمن، حيث لا يمكننا السفر إلّا إلى نقطة موجودة. وبالتالي، لكي نتمكن من السفر إلى أيّ لحظة في الماضي أو في المستقبل، سيكون من الضروريّ أن تكون تلك اللحظات موجودة بجانب الحاضر؛ وأن تكون داخل حدود التقاء الزمان بالمكان. ويمكن أن يحدث هذا فقط إذا كان الزمان والمكان في علاقة ثابتة مع بعضهما البعض، بحيث، دعنا نقول مثلًا، إن خطّ المكان يعمل بالتوازي مع خطّ الزمن أو متراكبًا على خطّ المكان. بعبارة أخرى، السفر عبر الزمن ممكن فقط إذا كانت جميع أوقات الواقع المكانيّ موجودة، وليس فقط تلك الموجودة في الحاضر. ويُعرف هذا الرأي في فلسفة الزمان بـ الأبديّة eternalism، وهي تقول: إن الماضي والحاضر والمستقبل موجودون بطريقة ما «مرّة واحدة جميعًا».
Lost In The Flow of Time, Dror Rosenski 2021
يمكن القول: إن أول مدافع عن الأبديّة على حدّ علمنا هو الفيلسوف اليونانيّ القديم بارمينيدس. وقد شرح فلسفته بالكلمات التالية: «تبقى إذن كلمة واحدة للتعبير عن الطريق [الحقيقيّ]: يكون Is. وعلى هذا الطريق هناك العديد من العلامات الدالّة على أن «يكون Is» ليس له بداية ولن يُدمَّر أبدًا: إنه الكامل والدائم والذي بلا نهاية. إنه لم يكن ولن يكون، إنه ببساطة يكون، فكل هذا الآن هو واحد مستمرّ. إن الدوام هو الأساس. لا شيء يأتي إلى الوجود أو، انزلاقًا إلى الماضي، يتوقّف عن الوجود. إن الماضي والحاضر والمستقبل تمييزات لم تُحدَّد في «يكون» الساكن. إن الزمن والصيرورة هما في أفضل الأحوال ثانويان، وهما في أسوأ الأحوال وهم، كما يؤكّد فهمنا للعالَم» (trans. Philip Wheelwright, 1960).
من الواضح أن مذهب الأبديّة يتحدّى أكثر وجهات نظرنا عن الزمن حدسيّة وشيوعًا. لكن تصوَّر هذا الزمن على النحو التالي. تخيل الوعي كزوج من المناظير من خلالهما يمكنك فقط رؤية إطار ضيق. ومن خلال رؤيتك وشعورك أنت فقط في لحظة معينة، تحصل على فكرة الحاضر، إن لم تكن وهمًا. أنت تشعر وكأنك في هذه اللحظة بالذات في وقت مختلف عن الماضي الذي ذهب بالفعل وكذلك المستقبل الذي لم يأتِ بعد، في حين أنك إذا أبعدتَ المنظار، سترى كل شيء: سيظهر الزمن كأنه سرمدي، حيث إن جميع نقاط الوجود ستتواجد جنبًا إلى جنب في الحاضر، بما في ذلك تلك النقاط التي تعتبر ماضية ومستقبليّة بالنسبة للنقاط ذات الرؤية المحدودة. بالطبع، لحسن أو لسوء الحظ، لا يمكنك أبدًا التخلّص من هذه المناظير بسبب القدرة المحدودة للإدراك البشريّ. فكلنا نعيش بإدراك للزمن، بينما الزمن في الواقع شيء تصنعه أذهاننا بسبب الإطار الضيق الذي بإمكانها أن تدركه وغير قادرة على التحرّر منه.
كما يمكننا أن نرى، فإن الفهم الأبديّ للزمن يسمح بالسفر عبر الزمن. علاوة على ذلك، قد يسمح أيضًا بالإمكانيّة النظريّة لرؤية المستقبل. ليس من الممكن لأيّ شخص، بل أجرؤ أن أقول إنه حتى الإله، أن يرى حقًّا شيئًا غير موجود. إذا قبلنا أن تكون الأبديّة صحيحة، فيمكننا القول: إن المستقبل موجود، وربما الأنبياء والعرافين المحتملين لديهم فقط مناظير أوسع من مناظير الناس العاديّين، ما يمكّنهم من حين لآخر من إلقاء نظرة خاطفة على الأحداث المستقبليّة المخفيّة عن بقيّتنا.
الخلاصة: قد تظلّ دائمًا فكرة السفر عبر الزمن خيالًا، مع عدم وجود إمكانيّة لتحقيقها في العالَم الماديّ، ومع ذلك يمكن أن تخدم غرضًا مهمًّا بالنسبة لنا من خلال إطلاق العنان لفهم مختلف للزمن. في أغلب الأحيان، نعتبر الزمن ظاهرة ذات وجود حقيقيّ فقط في الحاضر. ونظريّة الزمن هذه تنفي تمامًا إمكانيّة السفر عبر الزمن. ومع ذلك، يمكن أن يكون السفر عبر الزمن ممكنًا منطقيًّا إذا وسّعنا فهمنا للزمن، فنعتبره ظاهرة «أبديّة»، بغضّ النظر عن مدى كون ذلك مناقضًا للحدس أو غير معقول فيما يبدو. إذا فعلنا ذلك، فإننا نختار أيضًا أن ننظر إلى مرور الزمن على أنه وهم يبتكره الذهن بفضل قدرته الضيّقة على الإدراك خارج إطار معيّن.
نورانا رجبوفا Nurana Rajabova طالبة ماجستير في الفلسفة في كلية دبلن الجامعيّة University College Dublin.
كيفين تشوب، كاداكستن، بارري
صمويل جروف Samuel Grove
نشر صمويل جروف مؤخرًا كتاب «استرجاع فكرة داروين الثوريّة: الراديكاليّ المتردّد Retrieving Darwin’s Revolutionary Idea: The Reluctant Radical». وفي ذكرى مرور 150 عامًا على كتاب «نشأة الإنسان The Descent of Man» (1871)، التقى روبرتو نافاريت Roberto Navarrete بجروف لمناقشة المعضلات الفلسفيّة التي واجهها داروين في تطبيقه نظريّته عن الانتخاب الطبيعيّ على البشر.
لا يُعرف داروين عمومًا بكونه فيلسوفًا. ألم يتجنّب صراحة التأملات الفلسفيّة الكبرى من أجل العلم فقط؟
بلى. لكن هذا لا يعني القول إنه لم يكن مهتمًّا بالأسئلة الفلسفيّة. هو فقط اعتقد أنه من الأفضل التعامل معها من زاوية علميّة: إذ كتب في دفتره «من يفهم قرود البابون سينشغل بالميتافيزيقا أكثر من لوك». وكتب في موضع آخر:
«إن دراسة الميتافيزيقا، كما دُرست دائمًا، تبدو لي مثل التحيّر من علم الفلك دون دراسة الميكانيكا. تبيّن الخبرة أن مشكلة العقل لا يمكن حلّها بمهاجمة القلعة نفسها. العقل هو وظيفة الجسد. يجب أن نضع أساسًا مستقرًّا لنتجادل بناءً عليه».
فمثلًا، كان داروين مسحورًا بمشكلة الإرادة الحرّة. فقد كان منشغلًا بقلق، كحال الفلاسفة، بسؤال كيف يمكن أن تنشأ الحرّيّة في كون يبدو من منظور سببيّ علميّ أنه يسير على خطوط السبب والأثر الميكانيكيّة، بطريقة محتَّمة سلفًا. وتمثّل حل داروين بالأساس في أسلوب من الأساليب. فإذا كانت نقطة دخولك فلسفيّة فسوف تقع بسرعة في خندق المفارقات التي لا يمكن حلّها؛ ولكن إذا كانت نقطة دخولك علميّة -أي إذا خفّضتَ حجم المشكلة وركّزت على مشكلات أكثر قابليّة للتعامل معها- فقد تصل إلى شيء ما. كتَب داروين: «إن ملكاتنا مهيّأة للتعرّف على البنية الرائعة للخنفساء أكثر من الكون».
ما معنى هذا من الناحية العمليّة؟ في حالة الإرادة الحرّة، كان حدس داروين هو أنها مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالتنوّع في الطبيعة. قم بالتحقّق من أصل التنوّع والقوانين المصاحبة له، وسوف تحرز تقدمًا فيما يتعلّق بالإرادة الحرّة أكثر مما أنجزه الفلاسفة في مئات السنين. في الواقع، أمضى داروين سنوات كثيرة بين كتاب ""أصل الأنواع"" وكتاب ""نشأة الإنسان"" في دراسة النباتات والحيوانات تحت التدجين. وكان اهتمامه علميًّا بوضوح: فقد أراد تأمين أسس نظريته في الانتخاب الطبيعيّ. ولكن، كما عبّر في الفقرة الأخيرة من دراسته الشاقّة ذات المجلدَيْنِ، «تنوّع الحيوانات والنباتات تحت التدجين The Variation of Animals and Plants Under Domestication» (1868)، كان يأمل أيضًا أن يلقي الضوء على أصل الإرادة الحرّة.
نشر داروين «أصل الأنواع» في عام 1859، واستغرق نشر تطبيق نظريّته عن الانتخاب الطبيعيّ على البشر في كتابه «نشأة الإنسان» في عام 1871 اثني عشر عامًا أخرى. فما الذي انغمس فيه في هذا الوقت الطويل؟
حسنًا، هناك إجابة طويلة وقصيرة لهذا السؤال. تقول الإجابة المختصرة إنه لم يُرد تأليف الكتاب. فقد أنهى داروين كتاب «أصل الأنواع» بالعبارة الشهيرة «سوف يُلقى الضوء على أصل الإنسان وتاريخه»، وكان يأمل أن يتوصل أقرانه العلميّون إلى الاستنتاجات الضروريّة، وربما حتى يتحملوا مسؤوليّة تأليف الكتاب. لكنهم لم يفعلوا. حتى أقرب حلفائه لم يكونوا مستعدّين لفعل ذلك. فقد توقّف تشارلز ليل وتوماس هنري هكسلي بل وألفريد راسل عن تطبيق الانتخاب الطبيعيّ على البشر. أدرك داروين أنه لا يستطيع تجنّب المشكلة. وكان عليه أن يقدّم الحجّة.
لماذا لم يرد داروين كتابة هذا الكتاب؟
إن التفسيرات الأكثر شيوعًا لتردّد داروين سياسيّة وعلميّة. فمن الناحية السياسيّة لم يرغب داروين في إثارة الجدل الشديد الذي خلقه على سبيل المثال روبرت تشامبرز Robert Chambers بعد نشرته المؤيّدة للتطور قبل سنوات. وتذكّر أن داروين كان قد عمل على نظريّته عن الانتخاب الطبيعيّ لمدة عقدَيْنِ من الزمن قبل أن يكتب له ألفريد راسل والاس عن نظريّة شبه متطابقة في أواخر خمسينيّات القرن التاسع عشر، الأمر الذي أجبر داروين على الكتابة. كان داروين بلا شك قلقًا بشأن كيفيّة استقبال نظريّته عن التطوّر بالانتخاب الطبيعيّ، ولم يكن أقلّ قلقًا بشأن التصريح بعواقب هذه النظريّة على البشر. إن تردّد داروين السياسيّ أسهم في حذره العلميّ. يشير الباحثون في داروين إلى أنه لم يرغب في تقديم حجّة، على الأقل حجّة راديكاليّة غير شعبيّة، إلا بعد أن يجمع كل الأدلّة اللازمة وتوقّع جميع الانتقادات التي يمكن توجهيها له والردّ عليها بما يرضيه.
هل تجد هذه التفسيرات لتردّد داروين مرضية؟
أعتقد أنها أسهمت في حيرته، وفي الطريقة التي صاغ بها حجّته في النهاية. لكنني أعتقد أن التركيز فقط على التحديات السياسيّة والعلميّة التي واجهها داروين ربما يقلّل من أهميّة المأزق الذي كان فيه. في النهاية، لم تمنعه نزعته المحافظة سياسيًّا من نشر «أصل الأنواع»، الذي طرح بالفعل حجّته الراديكاليّة حول الأصل المشترك لكل الكائنات الحيّة. وهذا التصرف ليس من تصرّفات شخص يعجزه الجبن السياسيّ. كما أن داروين لم يؤجّل عمله بسبب ضخامة مشكلة التطوّر البشريّ. وفي وقت مبكر من ثلاثينيّات القرن التاسع عشر كشفت ملاحظات داروين أنه كان منشغلًا بعمق بعواقب التطوّر على تاريخ البشر. ومن ثَمّ فداروين لم يتهرّب أبدًا من المشكلات العلميّة الصعبة. ومع ذلك، واجه داروين أيضًا بعض المفارقات الفلسفيّة في تطبيق الانتخاب الطبيعيّ على الإنسان. وبمجرّد أن نعرف ماهيّة تلك المفارقات الفلسفيّة، نحصل على فكرة أكمل بكثير عن مدى التهيّج السياسيّ، وكيف كانت مهمّة داروين محفوفة بالمخاطر علميًّا.
ما هذه المفارقات الفلسفيّة؟
بقدر ما يرغب الباحثون في داروين في إبعاده عن الفلاسفة القارّيّين، فإن اهتماماته كانت تقليديّة جدًّا. منذ إيمانويل كانط (1724- 1804)، كانت الفلسفة مهتمّة بالكيفيّة التي يمكن بها للتاريخ الطبيعيّ -الذي كان عبارة عن تاريخ من الأخطاء والعيوب والإخفاقات والمغالطات- أن يؤدّي إلى ظهور شخص قادر على معرفة الذات والحقيقة. حسنًا، كانت هذه مشكلة تهمّ داروين. فمثلًا، كيف يمكن للتطور، الذي أنتج مجموعة لا حصر لها من الكائنات الحيّة لا تمتلك أيّ تصوّر لتاريخها على الإطلاق، أن يولّد نوعًا منفردًا يكون لديه في لحظة معينة تصور لتاريخه؟ لم يكن هذا شيئًا يمكن تفسيره ببساطة بالصدفة أو العرضيّة. ويبدو أن كل شيء يتعلّق بنظريّة الانتخاب الطبيعيّ يقاوم كونه ممكنًا. خذ القوانين كمثال. يقوم الانتخاب الطبيعيّ على ثلاثة قوانين: قانون الوراثة، وقانون التنوع، وقانون الإخصاب الزائد (حيث تنتج الكائنات نسلًا أكثر من النسل الذي يمكن أن يعيش). وتُنتج هذه القوانين معًا الانتخاب، وبمرور الزمن، التطور. حسنًا، كان سؤال داروين هو: كيف يمكن للتطوّر أن ينتج فردًا قادرًا على معرفة هذه القوانين بالذات؟ أو لماذا ينتخب التطوّر الولاء للحقيقة أو القوانين؟ فالانتخاب يفضّل البقاء وليس الحقيقة، ومن المؤكّد أن التطوّر سيفضّل أولئك الذين كانوا مستعدّين للكذب والغشّ في خدمة بقائهم على قيد الحياة، وليس الكائن الملتزم دوغمائيًّا بالقوانين والحقيقة.
ما إجابة داروين؟
أعتقد أن إجابة داروين تكشف مدى انزعاجه من المشكلة. في كتابه «أصل الأنواع»، كان مصرًّا على أن الانتخاب يحدث فقط على مستوى الكائن الحيّ الفرد. وبذل قصارى جهده لإثبات صحّة ذلك. وكما كشفت المخطوطة السابقة لعمله «أصل الأنواع»، «كتاب الأنواع الكبيرة Big Species Book»، كان داروين على استعداد لتوسيع الاستعارات للتشديد على هذه النقطة. ولم يكن مستعدًّا للتنازل عن الانتخاب الفرديّ. ومع ذلك، بحلول وقت كتابه «نشأة الإنسان»، كان مستعدًّا فجأة لوضع استثناء: الولاء للحقيقة لا يمكن أن يمنح الأفراد أفضليّة، لكن يمكنه، نظريًّا، أن يمنح أفضليّة للجماعات. وهكذا جادل بأن البشر طوّروا القدرة على التفكير القانونيّ من خلال انتخاب الشجاعة التي تفضّل بعض «القبائل» على الأخرى. كانت هذه هي المرّة الوحيدة في كتاباته المنشورة التي سمح فيها بإمكانيّة الانتخاب الجماعيّ؛ ولم يكن ليلجأ إلى حجّة للانتخاب الجماعي ما لم يكن يعتقد أن ذلك ضروريّ للغاية.
هل تعامل مع المفارقة تعاملًا مُرضيًا؟
لا. ولكن ليس لأنه لجأ إلى انتخاب المجموعة. كان التزام داروين بالانتخاب الفرديّ دائمًا حُكمًا سيّئًا في رأيي. وإنما أعتقد أن حجّته تبرز لكونها سهلة وبسيطة على غير عادته. إذا قرأتَ كتابات داروين الأخرى، تجده حذرًا للغاية بشأن الالتزام بأيّ عمليّة انتخاب. وفي الواقع، توقّف في كتابه ""أصل الأنواع"" عن الالتزام بأيّ عملية انتخابيّة تاريخيّة على الإطلاق، وتمسّك بدلًا من ذلك بأمثلة افتراضيّة يمكن فيها أن يحدث الانتخاب بشرط وجود مقدّمات معيّنة.
إذن لماذا أدرج في كتابه ""نشأة الإنسان"" هذه القصّة التطوريّة عن القبائل؟
تقول القراءة المتسامحة: إن داروين لا يحاول تقديم إجابة نهائيّة، وإنما يقترح فقط سيناريو افتراضيًّا آخر لإظهار أن تطوّر الحقيقة لم يكن بالتناقض الذي بدا عليه تمامًا. أما القراءة الأقلّ تسامحًا -التي أفضّلها على الأرجح- فتقول: إن المثال سمح له بتقديم التطوّر البشريّ بطريقة مستساغة وتبجيليّة جدًّا، وكان يأمل أن تهدئ هذه الطريقة من الجدل والغضب المحتملَيْنِ.
لذلك أدرجها لأنها كانت ملائمة سياسيًّا؟
نعم. ولذلك كانت حجّته هي أنه على مستوى المجموعات كان هناك انتخاب بطيء وثابت للشجاعة وللولاء للحقيقة، وبلغ ذروته في الرجل الأنجلو-ساكسونيّ. كان داروين صريحًا جدًّا بشأن هذا الأمر في كتابه «نشأة الإنسان». فالرجال الأنجلو ساكسونيّون هم المجموعة البشريّة الأكثر شجاعة وأمانة، وبسبب أمانتهم وشجاعتهم تمكّنوا من السيطرة على العالَم. أظنّ أن داروين قد اعتقد ذلك. ففي النهاية، كان هذا هو الاعتقاد العنصريّ الشائع في ذلك الوقت. ومع ذلك، لم يمنع هذا بكلّ تأكيد أن داروين كان يثني بسخاء على نوع الأشخاص الذين يحتاج إلى إقناعهم.
لاحظ أيضًا أن هذه كانت المرّة الوحيدة التي يذكر فيها الرجال الأنجلو ساكسونيّين في كتابه ""نشأة الإنسان"". بالنسبة لبقية الكتاب، يذكر داروين الأصول الحيوانيّة للأشخاص الأقل مرتبة؛ «المتوحّشين» الأصليّين، والعبيد، والنساء، والفقراء، والأيرلنديّين، وما إلى ذلك. وهناك محاولة واعية جدًّا في كتابه «نشأة الإنسان» لعزل من هم مثله في التعهّد بالحقيقة عن تداعيات التطوّر.
هل كان هذا الإطراء سمة من سمات كتاباته؟
لا، على الإطلاق. فقد بذل داروين جهودًا كبيرة من أجل تخفيض شعور الإنسان بالاستثناء. تذكّر أن داروين بدأ كتابه «أصل الأنواع» بتشبيه الانتخاب الاصطناعيّ، أي التربية الانتخابيّة البشريّة للحيوانات. وبعد ذلك شدّد على حقيقة أن قوى الانتخاب لدى البشر في تربية الحيوانات في غاية الصغر مقارنة بقوّة الانتخاب التي تتمتّع بها الطبيعة. إن انتقاص داروين من «الإنسان الضعيف» هو موضوع متكرّر في جميع أنحاء الكتاب. كما أن هذا، في رأيي، يلهم نثر داروين الأكثر إبداعًا، عندما يوجّه داروين تعبير هاملت «الإنسان، ما أعجب تميّزه What a piece of work is man» ليقول:
«كم هي عابرة رغباته وجهوده! كم هو قصير زمنه! وبالتالي ما أفقر منتجاته مقارنة بتلك التي تراكمت بالطبيعة خلال الفترات الجيولوجيّة بأكملها. إذن، هل يمكننا أن نتعجب من أن منتجات الطبيعة يجب أن تكون ""أكثر صحّة"" جوهريًّا من منتجات الإنسان؛ وأنه يجب على البشر أن يكونوا أكثر تكيّفًا على نحو لا نهائيّ مع أشدّ ظروف الحياة تعقيدًا، ويجب أن يحملوا بصمة صنعة أعلى بكثير؟» (Origin, p.84).
لماذا يقول داروين هذا رغم أن الانتخاب الاصطناعيّ متناوَل في الفصل الأول فقط؟ بالطبع داروين لا يتحدّث هنا فقط عن التربية الاصطناعيّة. إنه يوضّح النقطة الأعمّ وهي أن ميزان الانتخاب الطبيعيّ لا يمكننا فهمه. إنه يحدث بدرجة من التعقيد وعلى مدى زمنيّ على نحو «لا يمكن تصوّره» بالنسبة لنا (p.282). لم يكن بإمكان داروين أن يزيد في التأكيد على هذه النقطة. إذ هو يشير إلى جهل الإنسان العميق بالتاريخ التطوريّ عشرات المرات في كتابه «أصل الأنواع».
Charles Darwin by Woodrow Cowher
لماذا كان شديد الإصرار على هذه النقطة؟
لسبب وجيه جدًّا. فعلى الرغم من إحجامه عن معالجة التطوّر البشريّ مباشرة في «أصل الأنواع»، إلا أنه كان جادًّا جدًّا بشأن تطبيق عواقب التطوّر. كان أحد مبادئ النظريّة هو أن الكائنات الحيّة لا تدرك على الإطلاق العمليّات الانتخابيّة التي تحدث حولها. ومن الواضح أن هذا صحيح بالنسبة لشيء بدائيّ مثل البكتيريا، ولكن حسب داروين لا بدّ أن هذا صحيح أيضًا بالنسبة للحيوانات الأعقد. وإذا فكرتَ في الأمر ستجده على حقّ. فإذا سلّمنا بأن جميع خصائص الكائن الحيّ، بما في ذلك سلوكه، هي إما نتيجة وراثة جينيّة أو تنوّع جينيّ، فما المساحة المتاحة للنظر الواعي؟ كل ما يبدو أنه اتخاذ قرار بوعي في الكفاح الطبيعيّ للكائن الحيّ من أجل البقاء ليس إلا وهمًا. وإنما الواقع هو أن الانتخاب الطبيعيّ ببساطة مزيج من الغريزة (من خلال قانون الوراثة) والصدفة العمياء (قانون التنوّع). ووفقًا لنظرية داروين على الأقلّ، لا يوجد مجال لأن يصبح الكائن الحيّ مدركًا بوعي للقوى الانتخابيّة المحيطة به. هذا هو سبب إصرار داروين في ""أصل الأنواع""، وخلال كتاباته، على أن الانتخاب لا واعٍ.
لكن البشر لديهم القدرة على التفكير؟
بالضبط. هذا هو التناقض. وكان حلّ داروين، كما هو الحال مع مشكلة الإرادة الحرّة، هو تقليص حجم المشكلة. فبدلًا من التركيز على العقل في أعلى صوره -عقل البشر-حدس داروين بأن أثارة منه يجب أن توجد في حيوانات أقلّ بكثير بمقياس الطبيعة. ويعالج عمله الأخير، عن الديدان، هذه المسألة. فقد اعتقد داروين، من تحليله للديدان في جحورها، أن سلوكها لا يمكن اختزاله ببساطة إلى غريزة وصدفة عمياء؛ ففي الواقع، طوّرت الديدان القدرة على إصدار أحكام بدائيّة. كان هذا المنظور أيضًا سمة من سمات أعماله المبكّرة. فقد كتب في «أصل الأنواع» أن «جرعة قليلة من الحُكم أو التفكير غالبًا ما تؤدّي دورها، حتى في الحيوانات المنخفضة جدًّا بمقياس الطبيعة» (p.208). وبالطبع لا يعني مجرّد كون الديدان قادرة على اتّخاذ حكم في بناء جحورها وتأثيثها أن لديها القدرة على التفكير في أيّ شيء معقّد مثل تطوّرها! حسنًا، في الواقع رأى داروين البشر بنفس الطريقة. فقد كان على استعداد للتسليم بأن البشر قد طوّروا القدرة على التفكير في الأسباب والنتائج التاريخيّة، وفي حالات منعزلة قدّم تكهنات معقولة حول كيفية تطور هذا الكائن أو ذاك، لكنّنا لسنا في وضع يسمح لنا بأيّ شكل بسرد كيفيّة تطور شيء ما على نحو قاطع. وفي حالة تطورنا، فإننا لسنا أقرب إلى فهم تطوّرنا من أيّ كائن آخر بالنسبة لتطوّره. وكما كتب داروين في رسالة له، «قد يتأمّل الكلب أيضًا في عقل نيوتن».
حسنًا، لكن يظهر من هذا أن داروين يستسلم أمام المشكلة على أسس تجريبيّة: على أساس أن المشكلة صعبة للغاية من الناحية التجريبيّة.
لا شكّ أن داروين اعتبر مشكلة أصل العقل صعبة للغاية. لكن من الواضح أن داروين اعتبر أنه من المسلّم به أن البشر لا يمكنهم أبدًا أن يصبحوا واعين تمامًا بالقوى الانتخابيّة المحيطة بهم. وإذا تمتّعنا بهذا الوعي، لن تكون عمليّة الانتخاب لا واعية، وبالتالي لن ينطبق الانتخاب «الطبيعيّ» علينا بعد. بل قد يؤدّي ذلك إلى ظهور عملية تطورية مختلفة، عمليّة تطوّر موجَّه بوعي. وفي الواقع، هذا من شأنه أن يمنح البشر قدرة إلهيّة، القدرة على أن يكونوا أسبابًا لأنفسهم. ومع ذلك، إذا كان هناك مبدأ واحد لم يكن داروين مستعدًّا للتنازل عنه على الإطلاق، فهو أن الإنسان مُنح إعفاء خاصًّا من الانتخاب الطبيعيّ. وكما قال داروين في دفاتره: «الإنسان ليس إلهًا، ونهايته في شكله الحالي آنية». لذا، من المفارقات، أن حقيقة أن الانتخاب الطبيعيّ ينطبق علينا هي نفسها تعني أنه لا يمكننا تطبيقه علينا، وإلا لن يَعُود طبيعيًّا. هذا هو التناقض. كان هذا هو جوهر معضلة داروين. ولذلك فإن ممانعة داروين كتابة ""نشأة الإنسان""، كانت مبرّرة تمامًا في الحقيقة.
حصل روبرتو نافاريتي على درجة الدكتوراه في علم الأعصاب من كلّيّة لندن الجامعيّة University College London، ثم كان محاضرًا أول senior lecturer في كلّيّة لندن الإمبراطوريّة Imperial College London.
