ترجمة: فادي حنّا
كانت الكتابة في المقاهي أحد الأشياء العديدة التي افتقدتها في أثناء الإغلاق العامّ. لا شيء يعيب مكتبي، إنني في الواقع محظوظ للغاية لكوني أجلس في مساحة هادئة، مكتظّة بالكتب التي قرأتها، أو قرأت نصفها، أو سأقرأها في أحد الأيام، أو أعاود قراءتها، أو تلك التي سأتبرّع بها إلى أحد المؤسّسات عند وكلاء الجمعيّات الخيريّة. لكن حتى الفلاسفة، أكثر الناس الذين تبتعد أفكارهم عن مُحيطهم الماديّ، يحتاجون إلى تغيير مكانهم بين الفينة والأخرى. إذ يُحوِّل «الخروج إلى الكتابة» الصراع الذي لا ينقطع مع شاشة الحاسوب الفارغة إلى حلقات مُنفصلة، كما أن الرحلة إلى المقهى والعودة منه ترصف الطريقَ للسيرورة الإبداعية (التي ليست مُبهرة دومًا كما تبدو). علاوة على ذلك، إن الخروج من المنزل للكتابة أشبه بالتوجه إلى المكتب بدرجة ما، وهو ما يسبغ على التأمّل في الكون طابعَ الالتزام المُميّز للعمل الجادّ.
ثَمّة فوائد أخرى للكتابة في المقهى؛ إنك حينما تفكّر في الحياة الإنسانيّة فمن المُثير للتأمّل، والمُحبط، أن تكون مُحاطًا ببني الإنسان: مثير للتأمّل لأنه يُذكّرك بتعقيدات العالَم الذي تُحاول الإحاطة به في شبكة من العبارات اللغويّة. ومحبط لأنه يبرز كيف أن الأشياء التي تشغلك، بوصفك فيلسوفًا، لا تهمّ مُعظم الذين يجلسون وراء أفق شاشة حاسوبك.
ثَمّة عيوب أيضًا، بالطبع، بوسعها إخراج قطار التفكير عن مساره؛ فثَمّة مُحادثة صاخبة تتخلّلها انفجارات من الضحك، وأحدهم يصيح عبر الهاتف المحمول، ما يجعلك تنصت إلى نصف محادثة توقظ فيك فضولًا قهريًّا، وموسيقى مُتطفلة، قد تكون أحيانًا صاخبة بما يكفي لكي تُسمّم حديث فكرك الداخليّ. ثَمّة طرق عدّة للتعامل مع هذه كلّها. وقد تقدّمت على مرّ السنين من أن أضع الشمع في أذني (ثمة سدّادات للأذن أخرى متوفّرة) إلى استعمال واقيات للأذن تستبعد الضوضاء، وانتهيتُ إلى استعمال سمّاعات الرأس المُصمّمة للأغاني والرقص التي بوسعها أن تغشي الصوت الخارجيّ في ضباب صوتيّ. حتى إذا لم يفلح ذلك، فإن سحر التقانة، الذي لم يحظ بتقديره المُلائم، بوسعه أن يشملني بحضرة باخ، أو بيتهوفن، أو برامز، الأمر الذي يحفظ أفكاري من الضوضاء التي تسترعي الانتباه. ومع أنني أخجل بطريقة ما من تشتّتي الذهنيّ، إلا أن الفلاسفة الحقيقيّين يكتبون في أيّ مكان وتحت أي ظرف، فنرى سقراط يكتب جالسًا على الجليد، وسبينوزا بين نوبات السعال، وفتجنشتين في أرض قاحلة على الجبهة الشرقيّة في الحرب العالميّة الأولى.
إنني أستمتع بالكتابة في المقاهي بالتحديد عندما أسافر خارج البلاد؛ إذ إن عدم كفاءتي اللغويّة تمكنّني من ملاحظة مُحادثات الناس دون محو الغموض الذي يكتنفها بواسطة تفاهتها (أو أسوأ) بواسطة كشف محتواها؛ وفي ذلك إنما يكمن أحد الأسباب التي من أجلها، كما لاحظ داجوبيرت رونس، «يُسافر الناس بعيدًا ويشاهدون في ذهولٍ نوع الناس الذين يتجاهلونهم في موطنهم».
بالنسبة إلى قاطني الجزر، كحالي، يبدو أن فكرة المقهى قد تحققت تمامًا في القارة الأوروبّيّة. في مقالة رائعة عَدَّ جورج شتاينر George Steiner المَقهى، مع إمكانية التمشّي، والحضور التاريخيّ الذي يملأ المكان، وتراث التوأمَيْنِ، أورشليم وأثينا، بوصفها مكوّنات أساسيّة في «فكرة أوروبّا». إذ يبدو أنه ليس ثَمّة طريقة أفضل للوجود في باريس أو فيينّا أو براغ أو الوصول إلى هذه المدن دون الجلوس في المقهى بصحبة فنجان من القهوة، وفي يدك صحيفة، أو كتاب أو دفتر ملاحظات. يسهّل تفهم الصدمة التي حلَّت بسيمون دي بوفوار التي سجّلتها في خطاب إلى جان بول سارتر في أول زيارة لها للولايات المتّحدة: «ليس من المعتاد هنا أن يعمل الناس حيث يشربون... فبمجرّد أن يفرغ قدحي يأتيني نادل المَقهى مُتطفّلًا، أمَّا إذا لم أفرغه سريعًا فإنه لا يتوقف عن الطوْف حولي». (مقتبس من كتاب كارول سايمور سميث Carole Seymour-Smith، علاقة خطرة A Dangerous Liaison).
التخديم على الإِلهام
من المُحال التفكير في سيمون دي بوفوار وسارتر والمَقاهي دون الإشارة في الحال إلى النُدُل، لا سيّما النادل الذي أفرد سارتر حديثًا عنه في الوجود والعدم، باهتمام فظّ بعض الشيء.
سيذكر قرّاء الفلسفة الآن أن نادل سارتر قد ذُكر بالفعل في هذه المجلّة؛ ففي عام 2007، كتب كارل موراي Carl Murray (سارتر والنادل) حيث قَلَبَ الطاولة بمهارة حينما جعل النادل يتأمّل سارتر؛ وفي مقالة سارتر والنادل (2013) حيث يحاول الأوّل أن يقنع الثاني بالتخلّي عن وظيفته في مَقهى لي دو ماغو (أحد أحبّ الأماكن إلى قلب سارتر ودو بوفوار) والبحث عن وظيفة أكثر طموحًا.
ثمة شيء وراء هذَيْنِ المقالَيْنِ أُشاركه بعمق مع الكاتبَيْنِ؛ ألا وهو شعور عميق بعدم التّهاون مع موقف سارتر إزاء أولئك الذين يخدمونه، ويهرولون من حوله، بينما يجلس مستريحًا يصدر أحكامه على العالَم. لكن قبل أن نصدر على الفيلسوف حكمًا دعنا نلقي نظرة أقرب على قضية اتّهام النادل بما يسمّيه سارتر بـ«سوء النيّة»؛ يتعلَّق سوء النيّة بأحد الأوجه بمسألة عدم الإخلاص [أو النزاهة]:
«لنتأمل صبيّ المَقهى هذا. إن حركاته حادّة مسنودة رقيقة أكثر ممّا ينبغي، سريعة أكثر ممّا ينبغي؛ يقدم على الزبائن بخطى حادّة أكثر ممّا ينبغي، وينحني باستعجال بالغ، وصوته وعيناه تعبّر عن اهتمام فيه إلحاح على الزبون للطلب» (الوجود والعدم، ص129، 1943، ترجمة: عبد الرحمن بدوي)
يدين سارتر خدمة النادل بوصفها سلوكًا «غير أصيل» إذ يبدو كأنه يلعب لعبة، أن يكون نادلًا في مَقهى. ثم يُعمِّم سارتر ذلك النقد إلى ما وراء شخص النادل –المُتزلّف إلى حدّ ما، وربّما كان هازئًا– الذي يمرقه بنظرة لا تتهاون مع أيّ شخص ملتزم بوظيفته، بحيث يتّهم كلًّا من التّجار، والقصّابين، والخبّازين، وصانعي الشموع، بتهمة عدم الأصالة. وقطعًا جميع المهنيّين في كل المجالات. أن يهب الفرد ذاته إلى مهنة، إذن، هو أمر لا ينفصل عن عدم الأصالة [حالة من الوجود غير الأصيل].
مع ذلك، لمّا كان النادل يتقاضى أجرًا لكونه كذلك، فإن أداءه دور النادل بالكاد يمكن أن يُعدّ أساسًا للنقد. إن المقهى الذي يرفض جميع أفراده أداء هذا الدور لن يكون مكانًا ملائمًا لكي يرتاده فيلسوف طواعية لساعة أو ساعتَيْنِ أو أيّ شخص آخر. وأقلّ ما يريد المرء أن يخضع لعمليّة جراحيّة على يد جرّاح لا يلتزم بدوره، ولا بمحلّ عمله، قل الأمر نفسه فيما يخص الطيّارين، والمرشدين السياحيّين. حتى في حال كانت توصيفات ذلك الدور الأساسيّة قد خصّصها أناس آخرون، وضمّنتها عقود صريحة، مع توقّعات ضمنيّة.
إذن، ما شكوى سارتر من النادل؟ لماذا المهنيّة تُعدّ أحد مسالك «سوء النيّة»؟ بصراحة، إن إجادة المرء لعمله قد تتضمّن في بعض الأحيان بعض التصنُّع. إن النادل الذي يقول لنا: إن من الجيّد رؤيتنا لا يشعر بذلك حقًّا؛ فهو لم يتطلّع إلى مُقابلتنا، ولا يشعر بالندم من ذهابنا إلى مَقهى آخر. إن موقف الطبيب التعاطفيّ، الذي أجهده فحص أربعين مريضًا في يوم واحد ربّما كان مصطنعًا. إلا أنها أمور بالكاد يمكن أن يرفضها أحد غير سارتر.
على الرغم من ذلك إلا أن ثمّة ما هو عميق في تهمة سارتر الخاصّة بسوء النيّة. وهو شيء يشقّ طريقه تمامًا إلى صميم فلسفته. فهو يقول إنه إذا كان يريد أحدهم أن يكون «نادلًا أصيلًا» فإنه يصبو إلى ما هو تخيُّليّ: «إني هكذا [صبيّ مَقهى] على نحو وجود بما لست أنا إيّاه» (ص131). أعني عند أداء دور مُعيّن فإني أُحاول أن أكون شيئًا، والذات ليس بمقدورها أن تكون شيئًا على نحو ما تكون المَحبَرة [مثلًا] شيئًا.
لكن ذلك يُجانب المسألة تمامًا. أن يطمح المرء في أن يكون نادلًا، أو خُضَريًّا، أو طيّارًا، أو أن يعمل في جراحة الأعصاب ليس طموحًا في طمس المسافة بين ذات المرء ودوره الوظيفيّ. إن هذه المسافة ستبقى دائمًا. فلا يسعنا أن نكون ذلك الدور على نحو ما تكون الشجرة كذلك؛ لأن الشجرة لا تُشرّع وجودها كشجرة.
يتّضح ذلك في الطريقة التي نُغيّر بها وظائفنا. يكون النادل هكذا بدخوله المَقهى، ويتوقّف عن ذلك بمغادرته محلّ عمله عند نهاية اليوم. لذا، كان حرًّا في أن يختار دورًا آخر، كأب، أو ابن، أو عاشق، أو صديق، أو عضو في فريق كرة قدم، أو جامع طوابع، أو متآمر، أو متسكّع… وتمتدّ القائمة بغير نهاية. حتى إنه في ساعات عمله يمكنه الانفصال عن وظيفته كنادل بطرائق متنوعة؛ كأن ينشغل في اهتمامات أخرى، أو تجمعه علاقات جيّدة أو سيّئة مع زملائه في العمل، وسيكوِّن آراءً خاصّة حول زبائنه.
ميتافيزيقا سيّئة
إذا كان رفض الالتزام بدور دائم ضربًا من عدم الأصالة [الوجود غير الأصيل] فإن عالمًا يسكنه أناس من ذوي الأصالة سيغدو جحيمًا. كما أشار د. ز. فيليبس في مقال «سوء النيّة ونادل سارتر» (مجلة الفلسفة، 1981) إلى أن ميتافيزيقا سارتر تنطوي على القول بأن الانغماس الدائم في أيّ نشاط هو ما يُشكّل سوء النيّة. إلا أن فيليبس يقول: إننا إذا لم تشغلنا أنشطة واهتمامات دائمة فإننا «لم نتحرّك قيد أنملة في اختيار أيّ شيء». وأضحى الاختيار الميتافيزيقيّ منتميًا إلى ذات ميتافيزيقيّة بالمثل؛ «نقطة دون امتداد، تخلو من الجوهر». إنه لا يسعنا أداء أيّ دور، أو وظيفة مفيدة بطريقة جادّة دون أن نهجر أو نتخلّى عن تصوّر سارتر لذاتنا الحقّة.
علينا فقط أن نتذكّر مشروعات سارتر الضّخمة حتى نعرف إلى أيّ مدى لم يؤمن بتصوّره الذي عرضه في الوجود والعدم، من أن تعلُّق المرء بشيء –وظيفة أو مشروع دائم، أو التزام بعيد المدى– يعني الخضوع إلى عدم الأصالة. على رأسها الكتب الضخمة التي وضعها، التي انتهت بدراسته المتخبّطة المشوّشة التي تتعدّى نطاق الـ2500 صفحة حول الأديب الفرنسيّ جوستاف فلوبير، الذي شغل تفكيره طوال عشرين عامًا.
إن ديناميّة الآنيّة الكامنة (التي يبدو أنها تعني عند سارتر تماهي الآنيّة «مع ما ليست إيَّاه، ولا تكون هي ما هي») لا تزعزعها الديمومة المُعبَّر عنها في الشعور بالواجب المُنفّذ بأمانة على مرّ سنوات عدّة. بدلًا من ذلك، على المرء القبول بأن اتّساق الحياة الأخلاقيّة إنما تقوّمه دعائم الاستقلال الذاتيّ، ومقاومة الدافع السيكوباتيّ الداعي إلى رفض الحوادث التي أدّت بالفرد إلى اتّخاذ سبيل معيّن في حياته.
لقد حان وقت المغادرة وأن نشكر النادل على خدمته، ودفئه، وكياسته. أشكره كذلك لا على قهوته الممتازة، وعلى خلق جوّ مُلائم لها، وإنما أيضًا لأنه ألهمني لأكتب موضوع ذلك العمود الصحفيّ. وبينما أُغادر لاحظت شخصًا عاديًّا، ينفث الغليون، ويرتدي نظّارة، ويندر أن يخاطب أحد العاملين بالمكان [يلمح إلى سارتر]. وإني أقتبس الفقرة الأخيرة من ورقة فيليبس تضامنًا مع النادل: « في الواقع ثَمّة حق وحيد تحتفظ به المؤسّسات التي يعمل بها الندل لنفسها، وهو الحقّ في رفض خدمة الزبون. إذا لم أكن مُخطئًا بشأن سارتر وأولئك الذين يتّخذون سبيله في التفكير، فأنا أعتقد أن هؤلاء لا بدّ وأن يندرجوا على رأس قائمة الذين يرفض الندل خدمتهم». فضحك النادل، لكن في سرّه.
الأستاذ. ريموند تاليس 2022 - صدر له في الآونة الأخيرة كتاب الحرّيّة: واقع مُستحيل.
