لقد انشغلت لسنوات عديدة بالسؤال الآتي: «هل يمكن أنّ تكفِّر الحياة المهنيّة عن الحياة الشخصيّة؟». كنت أعتقد، في البداية، أنّ ثمّة خطًّا يفصل ما بين الحياة العامّة والحياة الشخصيّة، أيّ أنّ الحياتين قابلتان للانفصال وأنّه يمكن الموازنة بينهما بطريقة أو بأخرى، كأن نقول مثـلًا إنّ النجاح المهني قد يعوّض عن العديد من الإخفاقات على المستوى الشخصي، ولا سيما الإخفاقات الأخلاقيّة. إذن، على سبيل المثال، «هل يمكن أن تعوّض إنجازات أحد الرّسامين الموهوبين الفنيّة أو مآثر كاتب موهوب عن كونه زوجًا سيئًا؟».
لقد صعقني هذا السؤال؛ فهو سؤالٌ مهمٌّ ولكن مِن الصعب الإجابة عنه. صحيحٌ أنّ الجميع قد يتّخذون خيارات سيّئة، إلّا أنّه عندما يتعلّق الأمر بشخصيّة عامّة، فإنّ قياس الاستجابة المناسبة مِن جانب الجمهور المعجَب بهذه الشخصية، يؤدّي دورًا مهمًّا في التغاضي عن الخَيار السيّء. قد يتّخذ البعض موقفًا مفاده أنّه مِن السهل فصل الخَيارات الأخلاقيّة عن حياة المرء الشخصيّة، وبالتالي يستمرّ أصحاب هذا الموقف في دعم مشاريع هذه الشخصيات العامة أو الثناء على نجاحاتهم على الرّغم مِن كونهم أشخاصًا سيّئين، إلّا أنني لست متأكدّةً ِمن صحّة هذا الحكم. سأناقش الأمثلة الّتي تتعلّق بالفنّ والمتعة تحديدًا، رغم وجود الكثير من المجالات الأخرى التي يمكن الاستفادة منها أيضًا؛ وذلك من أجل تضييق نطاق المناقشة.
أثار الفيلسوف برنارد ويليامز في كتابه “الحظّ الأخلاقي” قضايا مِن هذا النوع في مناقشته لأعمال الفنّان پول غوغان (1848-1903). إذ تخلّى غوغان عن زوجته وأطفاله وسافر إلى تاهيتي مكرّسًا وقته للرسم. صاغ ويليامز هذه القضية من منظور عنوان كتابه “الحظ الأخلاقي”، أي الفكرة القائلة بأنّ النتائج الأخلاقيّة في بعض الأحيان تكون بسبب عوامل خارجة عن سيطرتنا. وقد كان ويليامز محقًّا إلى حدٍّ ما فيما يتعلق بحظ غوغان الأخلاقي؛ فلو لم ينجح غوغان في صنع فنّ مشهور، فربّما كنّا سنحكم على خيارات حياته بقسوة أكبر، هذا إذا تذكّرناه من الأساس.
أجد سؤالي مُلِّحًا مع ذلك ولا سيما في ضوء حركة #أنا_أيضًا (#metoo) تحديدًا، ولا أعتقد أنّ المشكلة في جوهرها تتعلّق بالحظّ الأخلاقي. فهناك الكثير للغاية من الأمثلة عن السلوك السيّئ، ويكفي ما نراه في عالم الفنّ حصرًا؛ على سبيل المثال، عندما بدأت الغوص في هذه الإشكاليّة، شعرت بخيبة أمل عندما علمت أنّ علاقة الدكتور سوس خارج نطاق الزواج، ربّما أدت إلى انتحار زوجته الأولى. وأُصبت بخيبة أمل أيضًا حينما قرأت عن تشارلز ديكنز واكتشفت كيف كان زوجًا وأبًّا فظيعًا وسيّئًا للغاية. سِفاح بايرون، معاملة بيكاسو المقيتة للمرأة في حياته؛ القائمة الكريهة تطول وتطول…لقد صنع عدد صادم من الأشخاص السيّئين فنًا مشهورًا، وهي ليست ظاهرة يبدو أنّها ستختفي. لقد كنت أفكّر منذ عدّة سنوات في كيفيّة تبرير هذا الكشف.
كان الموقف الّذي اتّخذته، في البداية، موقفًا نفعيًا: إذا كانت حياة الفنّان الشخصيّة بكليّتها، بدت أنها تزيد مِن إجمالي السعادة البشرية (أو ربّما المتعة)، فربّما حينئذٍ يمكننا التغاضي عن بعض الخيارات الشخصية السيّئة. يبدو أن هذه الفكرة تصلح في بعض الحالات؛ لعلها تصلح في حالة الدكتور سوس (الاسم الحقيقي ثيودور سوس جيزل)، إذ تفوق إسهامات دكتور سوس الأدبية خياراته الشخصية.
لكن لم يكن هذا المنظور النفعي مع مرور الوقت مناسبًا لي. بادئ ذي بدء، كيف يمكننا حتّى قياس ما إذا كانت اختيارات الشخص، على المستوى الفردي والمهني، تروّج للخير العام أم لا؟ لا يبدو أنّ هناك طريقة موضوعيّة لتقييم الخيارات وتأثيراتها. حتّى لو كان هناك أيّ طريقة لذلك، يبدو أنّه مِن الجهل والقسوة أن نتجاهل الضرر الّذي سبّبته خيارات سوس (مثلًا)، على زوجته؛ لذلك، حتّى لو كانت هناك طريقةٍ ما لإثبات أنّ أفعاله قد أسهمت حقًا في تحقيق فائدة عظمى للبشريّة جمعاء، فيبدو أنّ مثل هذه الحسابات قد تقودنا إلى تبرير السلوك غير الأخلاقي تجاه الأفراد.
أدركت، عند إعادة التفكير، أنّه مِن المحتمل أن تكون هناك طرق أسهل للتعامل مع طبيعة هذا السؤال، وأنّ أخلاقيات الفضيلة، بدلاً مِن الموقف النفعي، قد تسفر عن نتيجة أفضل، أو على الأقل نتيجة تناسبني. وربما يكون هذا هو المبحث الذي وجدتُ فيه ضالّتي.
تقوم أخلاقيّات الفضيلة على تربية الفضائل، أملًا في إنتاج تفكير وسلوك فاضليْن. إحدى هذه الممارسات هي التحلّي بالصبر، على سبيل المثال، على أمل أن يؤدي ذلك إلى تطوير شخصية صبورة. تتضمّن أخلاقيّات الفضيلة غالبًا «مثالاً أخلاقيًا»، وهو مصطلح فخم يشير للنموذج الذي يُحتذَى به. فالقدوات الأخلاقية مهمّة، لأنّها توضّح لنا الكيفية التي من المفترض أن يكون عليها السلوك الأخلاقي.
وهذا يسمح لنا أيضًا، بالتغاضي أخلاقيًّا عن اختيارات الفنانين الكِبار الشخصيّة؛ على سبيل المثال، يسمح لنا هذا الموقف، بتجنّب مسألة الأخلاق بالقول إنّ معظم الفنانين ببساطة لا يتعهَّدون بأن يكونوا قدوةً أخلاقيّةً ولا ينبغي الحكم عليهم على هذا النحو؛ ربّما يتيح لي هذا الموقف مع ذلك، أن أتابع قراءة روايات نورمان ميلر، رغم أنّه كاد يقتل زوجته.
لكن هذه الإجابة قد لا تكون كافية، وربما تستمرّ مشكلة سؤالي الافتتاحي دون حلّ. فنحن في النهاية، بعد كلّ ما تقدّم، لا نعجب بأخلاق الفنّانين، بل بموهبتهم. ما زلت مصرّةً، رغم ذلك، على أنّه يجب ألا يؤدي هذا الإعجاب بالموهبة إلى أن نغض الطرف عن الآثام. إنّ أفعالنا كمشترين للفن قد يكون لها عواقب أيضًا، كمشجعين للفنانين على التصرّف بشكلٍ سيء. لعلنا ينبغي علينا حينئذٍ أن نكون حذرين من دعم المسيرات المهنية للفنّانين غير الأخلاقيّين، سواء من الناحية المالية أو من النواحي الّتي تسهم في تعزيز شهرتهم؛ وربّما لا يجب علينا إثراء جيوب الفنانين الّذين يرتكبون العنف المنزلي، أو الّذين يستعملون خطاب الكراهية، أو الّذين ارتكبوا جرائم شنيعة. هناك عدد متزايد من الأشخاص في وسائل الإعلام وصناعة الترفيه والسياسة، الّذين اخترتُ تجاهلهم ببساطة في ضوء اتّهامهم بسوء السلوك الجنسي؛ لقد رسمتُ خطًا أخلاقيًا خاصًا بي، مسارًا قرّرت فيه تجاهل هؤلاء والاحتفاظ بأموالي بعيدًا عنهم. لكنّ هذا الخط بالتّأكيد غامضٌ وشخصي؛ ففي حين أدرت ظهري لبيل كوسبي ، أناسٌ كثيرون لم يفعلوا ذلك.
