القائمة الرئيسية

الرجل الفولاذيّ: سوبرمان في مقابل الإنسان الأعلى

الرجل الفولاذيّ: سوبرمان في مقابل الإنسان الأعلى
ملخص المقال

يتناول روي شوارتز في مقاله أصول شخصية ""سوبرمان"" وعلاقتها بفلسفة نيتشه، خاصة مفهوم ""الإنسان الأعلى"". سوبرمان، الذي أُنشئ في 1934، يمثل الأمل والقيم الإنسانية، بينما استخدم النازيون ""الإنسان الأعلى"" لتبرير أيديولوجيتهم الفاشية. يبرز الاختلاف بينهما: سوبرمان يسعى لحماية الإنسانية، بينما ""الإنسان الأعلى"" عند نيتشه يرمز للقوة الفردية المطلقة. في النهاية، يمثل سوبرمان بطلًا يحتفي بالتضامن والديمقراطية.

ترجمة: رضا زيدان

يبحث روي شوارتز Roy Schwartz ما إذا كان أول بطل خارق في العالم مستوحًى حقًّا من ""الإنسان الأعلى"" لنيتشه، وما هي علاقة النازيين به.

ربما يكون سوبرمان هو الشخصيّة الخياليّة الأشهر في العالم. من أستراليا إلى الجزائر إلى ألاسكا. فالجميع يعرف من هو سوبرمان، من الأطفال الصغار إلى كبار السنّ. ظهر سوبرمان لأول مرة في العدد الأول من سلسلة القصص المصورة ""Action Comics"" في يونيو 1938، وكان أيضًا أول بطل خارق، وهو القالَب الذي استمد منه الآخرون. ومع اندلاع الحرب العالميّة الثانية، أصبح رمزًا لأمريكا. ووفقًا لاستطلاع حديث، فإن سوبرمان لا يزال البطل الخارق المفضّل لأمريكا، على الرغم من أنه لم يعد الأكثر قابليّة للتمويل. ومع ذلك، من المفارقات، أنه غالبًا ما يقارَن أو يُنسب إلى الإنسان الأعلى Übermensch لنيتشه (الذي تُرجم حرفيًّا بـ ""الرجل الخارق superman"" أو ""الحاكم المطلق overman"")، وهو بناء فلسفيّ مرتبط عند البعض بالعدميّة والفاشيّة. فهل هذا هو القصة الأصليّة الحقيقيّة لسوبرمان؟
جرت مقارنة سوبرمان بالإنسان الأعلى منذ بدايته. ففي عام 1941، افترضت [المجلتان الأمريكيّتان] ""New Repuplic"" و ""Saturday Evening Post"" وجود علاقة بينهما. وفي عام 1943، استنكر العالَم الكاثوليكيّ سوبرمان بسبب ذلك. وفي عام 1954، أطلق طبيب علم نفس الأطفال الشهير فريدريك فرثام Fredric Wertham، في كتابه الشهير ""إغواء الأبرياء: تأثير الكتب الهزليّة على صبية اليوم Seduction of the Innocent: The Influence of Comic Books on Today’s Youth"" على سوبرمان لقب ""نيتشه في غرف الأطفال""، مدعيًا أنه بصفته الحاكم المطلَق overman النازيّ قد أحدث تحيّزًا ضد ""الإنسان المطيع submen"" لدى الأطفال. وتتواصل مناقشة تلك العلاقة وتقديمها كحقيقة في الكتب والمقالات. لكن الحقيقة، كما هو الحال دائمًا، أعقد من ذلك.

سوبر مان: الأصل

ابتُكر سوبرمان في عام 1934 على يد طالبَيْنِ من طلّاب المدارس الثانويّة اليهوديّة في كليفلاند، جيري سيغل Jerry Siegel وجو شوستر Joe Shuster. وقد قاما بتركيب بطلهما من عناصر مختلفة في فلكهم الثقافيّ، بما في ذلك البطل التوراتيّ شمشون، وأسطورة غولم confected، وجوهر شخصيّات خياليّة مثل جون كارتر John Carter، أمير حرب المريخ، ورسوم متحركة مثل بوباي Popeye، وأفلام المغامرين الطائشين. وقد فصّلا مصادر إلهامهم في مقابلات مختلفة بالإضافة إلى مذكّرة سيغل غير المنشورة، ولم يذكرا نيتشه في أيّ موضع. علاوة على ذلك، كان كلاهما من أبناء المهاجرين من أوروبّا الشرقيّة، وكان صعود النازيّة خارج الولايات المتّحدة وكذلك معاداة الساميّة في الولايات المتّحدة دافعًا رئيسًا لابتكار شخصيّة سوبرمان. وقد استندا في رسمهما لـ ""الأنا الأخرى"" لسوبرمان، كلارك كينت Clark Kent، على أنفسهما، فهو جبان عصابيّ يرتدي نظارة، وهو أيضًا مفكّر وكاتب ولبق. كان سوبرمان هو أمنيتهما، في حين كان كينت هو ما هما عليه في الواقع. كان كينت أيضًا يمثّل قائمة مرجعيّة للقوالب النمطيّة اليهوديّة المعاصرة، التي قاما بهدمها بتحويلها إلى مظهر زائف لإخفاء قوّة عظمى. ولذلك كان بطل سيغل وشوستر تجسيدًا شخصيًّا وتكوينًا يمثّل ردّ فعل يهوديّ. إن آخر شيء كانوا ليقصدونه هو تجسيد سوبرمان للأيديولوجيّة الفاشيّة.
ومع ذلك، فإن اسم ""سوبرمان"" في حدّ ذاته لا بدّ أنه حمل هذا الإيحاء حتمًا في ذلك الوقت. فالفكرتان مترابطتان، سواء قصدوا ذلك أم لا. ظهر الاسم الإنجليزي ""سوبرمان"" لأول مرة في عام 1903، في مسرحية ""الإنسان والسوبرمان Man and Superman"" لجورج برنارد شو، كترجمة لـ ""الإنسان الأعلى Übermensch"". ومن نشر الكلمة الألمانيّة نفسها (لكن لم يصغها) هو فريدريك نيتشه في كتابه ""هكذا تكلّم زرادشت: كتاب للجميع ولغير أحد Thus Spoke Zarathustra: A Book for All and None"" (1883). هنا الإنسان الأعلى هو الرجل الذي يتجاوز بقيّة البشريّة بتحرير نفسه من أخلاق ""الخير والشرّ"" الوهميّة، ليقتصر في أفعاله فقط على إرادته الخاصة.

بهذا المعنى يتوافق سوبرمان مع الإنسان الأعلى. فهو رمز القوة والتفوق لدى نيتشه، ويفرض عدالته الخاصّة بسلطة قوّته الفائقة وبوصلته الأخلاقيّة الشخصيّة لا غير. من السهل وصفه بالفاشيّ: فالإنسان الخارق بالتعريف أعلى من الإنسان (كلمة super لاتينيّة، وتعني ""فوق"")، وفرض الإرادة بالعنف هو سمة مميّزة للفاشيّة. لكن لمقارنة شخصيّة سوبرمان وشخصيّة الإنسان الأعلى على نحو صحيح، يجب أولًا فهم المفهوم الفلسفيّ الفعليّ لنيتشه.

الإنسان الأعلى لنيتشه في مقابل الإنسان الأعلى لهتلر

لقد شكّلت أفكار نيتشه الثوريّة، باعتباره أحد روّاد الوجوديّة وما بعد الحداثة، المجال الفكريّ الغربيّ في القرن العشرين إلى حدّ أنه لا يضاهيه إلا داروين وماركس وآينشتاين وفرويد. في العديد من كتبه، ولا سيما ""ما وراء الخير والشرّ""  (Beyond Good and Evil)(1886) و""في جينالوجيا الأخلاق""  (On the Genealogy of Morality) (1887)، قدّم فكرة الضغينة ressentiment؛ فكرة أن أولئك الذين لا حول لهم ولا قوة -بسبب ظروف الولادة أو ضعف الشخصيّة- يحملون ضغينة حتمًا تجاه القلّة القويّة. وهكذا، كما يجادل نيتشه، خلق المضطهدون ""أخلاق العبيد""، التي هي تحريف للقانون الطبيعيّ الذي بموجبه يصبح ما هو جيد للحيوان -الحيويّة، والاستقلاليّة، وإرادة الحياة- شرًّا اجتماعيًّا؛ ويصبح ما هو ضارّ للحيوان مفيد اجتماعيًّا. وتُصوَّر القوة، والانتصار، والسيطرة على أنها خطيئة، ووحشية، وقمع، في حين يُنظر إلى الضعف على أنه فضيلة، وتعاد صياغته باعتباره التواضع، والوداعة، والسكينة. وهكذا يروّض الخرفان الأدنى الوحشَ الأعلى، مقتنعة بأن قوّتها الفطريّة شرّ، وتخدع الوحش بالتخليّ عنها.
يتتبّع نيتشه تلك ""التحيّزات الأخلاقيّة""، فيعود إلى ما قبل المسيحيّة، إلى اليهوديّة. وقد كتب في كتابه ""في جينالوجيا الأخلاق"": «لقد أحدث اليهود معجزة قلب القيم، التي بفضلها مُنحت الحياة على الأرض جاذبيّة جديدة وخطيرة»، و""مع [اليهود] تبدأ ثورة العبيد في الأخلاق"". قدّم الكتاب المقدّس العبريّ للعالم مفاهيم خاطئة عن الحريّة، والعدالة، وقدسيّة الحياة، وتكريس ما هو روحيّ في مقابل ما هو ماديّ، فساد الطبيعة الذي قاد إلى عالميّة ضغينة العبيد واستعباد السادة، ما أدّى إلى انحطاط وتقزّم طوعيّ للجنس البشريّ. 

جدير بالذكر أن نيتشه، على عكس الاعتقاد السائد، لم يكن معاديًا للساميّة. إذ كان يقصد بهذه التعليقات أن تكون ملاحظة لأصول الأخلاق، وليس كهجوم معادٍ للساميّة؛ وقد تبرّأ من المسيحيّة لنفس الأسباب. لذلك كان يحتقر الإيمان اليهوديّ، وليس اليهود أنفسهم. في الواقع، هو رفض علانية معاداة الساميّة. تجسّد رؤية  نيتشه رفضًا لكل العقائد الدينية والأخلاق المصاحبة لها. كان بديل نيتشه هو تعزيز السمو إلى أخلاق ذاتيّة تمامًا تمليها فقط ""إرادة السلطة"" لدى المرء. ولذلك، وفقًا لنيتشه، فإن الإنسان الأعلى هو الرجل الفائق الذي تحرر من القيم الوهمية، المتحرر في ملاحقة رغباته وتحقيق عظمته.  إن فلسفة نيتشه قاسية بلا شك، لكنها ليست سياسيّة. قد يكون الإنسان الأعلى بارد الدم، لكنه ليس فاشيًّا؛ لأن غرضه الوحيد هو نفسه. وإذا أخضع الإنسان الأعلى الآخرين، فإن هذا لطموح شخصيّ فقط، وليس لروح قوميّة أو عرقيّة. إذ إن نيتشه أدرك أن الاستبداد من أيّ نوع يجعل الإرادة الفرديّة تابعة لفئة، كما أنه اعتقد أن كل الأيديولوجيّات هي تهرّب جبان من الحقائق الصارمة للعالَم.
ومع ذلك، أصبح ""الإنسان الأعلى"" عقيدة مركزيّة للأيديولوجيّة النازيّة. وبتشجيع من إليزابيث شقيقة نيتشه المعادية للساميّة، حوّل هتلر الإنسان الأعلى إلى شخصيّة دعائيّة قويّة، إلى رمز لـ ""عِرق السادة"" الآري. واختُزل إنسان نيتشه المتعالي أخلاقيًّا إلى عيّنة من تحسين النسل برعاية الدولة؛ واستبدلت الاشتراكيّة القوميّة بعدميّة نيتشه الأخلاقيّة؛ وتحوّلت دعوته المثيرة للتغلب على قيود الإنسانيّة إلى ذريعة لاستعبادها.
وقد شوّه هتلر بالمثل آراء نيتشه حول الأخلاق الفاسدة لليهوديّة، ناسبًا إياها إلى العرق بدلًا من الدين، وبالتالي خلَق ""الإنسان الأدنى Untermenschen"" (""undermen"" أو "" submen"") من أجل أن يقضي عليه ""الإنسان الأعلى"" النازيّ كأمر ضروريّ. قال هتلر: «الضمير اختراع يهوديّ. إنه علّة»، وصرّح في خطاب له أن «النضال من أجل الهيمنة على العالم هو بيني وبين اليهود». ومن ثَمّ فإنه لمقارنة سوبرمان بالإنسان الأعلى يجب التمييز بين نسختَيْنِ من ""الإنسان الأعلى""، النيتشويّة والنازيّة.
ومع ذلك، بالنسبة إلى نيتشه، كان الرجل الفولاذي لعنة. يُعتبر رجله الأعلى هو الفرديّ المطلَق، في حين أن سوبرمان هو الموظّف العامّ المطلَق، الذي لا يلتزم فقط بـ ""أخلاق العبيد""، وإنما يفرض قوانينها أيضًا. إنه أقوى مفترس جرى استغلاله في العبوديّة من قِبل الأضعف. لذلك، من منظور نيتشه، فإن سوبرمان جبان وليس بطلًا، وفاسد وليس نبيلًا، وكُرِّس على نحو مضلّل للطموحات الواهنة لـ ""الإنسان الأخير letzter Mensch""، الرجل العادي الذي يسعى فقط إلى الأمن والسلام والراحة. إن شعار سوبرمان، ""الحقيقة والعدالة والطريقة الأمريكيّة"" سيعني تقريبًا عكس ما يريده نيتشه أكثر ممّا كان عليه الحال بالنسبة إلى سيغل وشوستر. من شأن نيتشه أن يزدري هويّة سوبرمان السريّة على نحو خاصّ. إن ""الإنسان الأعلى"" هو الإنسان الذي يطمح أن يكون إلهًا، وكلارك كينت هو إله يطمح أن يكون إنسانًا. بالنسبة إلى الإنسان الأعلى ليس هناك قانون ولا سلطة أعلى منه، أما سوبرمان، في كلا الهويّتين، يعتنق نفس القيم الأخلاقيّة و(إلى حدّ كبير) نفس القوانين مثل أيّ شخص آخر. والأسوأ من ذلك أنه تنازل عن الذات، فقد عاش حياته في خدمة الآخرين، باسم المُثل العليا التي لا تعدو كونها خيالًا. يشبه سوبرمان نبيًّا توراتيًّا: بطل أخلاق العبيد التي انتقدها نيتشه. ومثل نبيّ في الكتاب المقدّس، الذي لا تكمن أهميّته في معجزاته وإنما في رسالته، فإن تأثير سوبرمان يتجاوز أفعاله البطوليّة. يخبره والده جور-إل Jor-El في فيلم "" Superman: The Movie"" (1978): «يمكن أن يكونوا أناسًا عظماء»، «إنهم يفتقرون فقط إلى النور لإظهار الطريق. ولهذا السبب قبل كل شيء -أي قدرتهم على فعل الخير - أرسلتُك إليهم». ويرمز رمزه الشهير ""S""، كما أعلن في فيلمه الأخير الرجل الفولاذي "" Man of Steel"" (2013)، إلى ""الأمل"". إنه يسعى إلى إلهام الآخرين، وبالتالي العمل كقوة غير مباشرة من أجل الخير، ما يجعله ليس مجرّد مدافع عن الواضع الراهن، بل مصلحًا يعمل على تحسين هذا الوضع.
لقد قصد نيتشه بـ ""الإنسان الأعلى"" أن يكون شخصيّة ملهمة أيضًا، لكن لم يقصد به أن يكون داعية للجميع مثل سوبرمان. إنه يتحدّث فقط إلى القلّة التي لديها الإرادة القويّة بما يكفي لتجاوز البقيّة. ويمكن القول: إن هذه النقطة هي أكثر النقاط التي يُساء فهمها في فلسفة نيتشه- الإنسان الأعلى ليس حالة محدودة من الوجود؛ وإنما عمليّة مستمرّة للتغلّب والصيرورة.

مقارنة بين متضادّات الفائقَيْنِ

ربما تكون نزعة الإنسانيّة-الفائقة superhumanism لسوبرمان ردّ فعل معاكس لنفس القوى المعادية للأنسنة التي أنجبت الإنسان الأعلى؛ إذ كان أواخر القرن التاسع عشر إلى أوائل القرن العشرين حقبة من التصنيع industrialization السريع، والنمو السكانيّ المتسارع، والهجرة الجماعيّة، والتمدّن، والعلمنة، والاضطرابات الجيوسياسيّة، ما أثار لدى الفرد إحساسًا بالعجز وعدم الأهميّة. رأى نيتشه فلسفته على أنها شكل جديد من أشكال التنوير، وانحراف جذريّ عن الماضي، أما سوبرمان فكان إعادة تأكيد للقيم الاجتماعيّة التأسيسيّة وأولويّة الإنسان. إن الإنسان الأعلى هو جلجامش، نصف إله يسعى سعيًا شخصيًّا نحو السلطة والمجد، في حين أن سوبرمان هو موسى، زعيم خادم متواضع مهمته هي النوايا الحسنة والتضحية. إنه مفهوم للفضيلة مشتقّ من رؤية الإنسانية كمجتمع، ومن نظام كوزمولوجيّ يتعارض مع العدميّة الأخلاقيّة الأنويّة solipsistic التي يقول بها نيتشه.
إن جماعيّة سوبرمان لا تأتي من نشأته في قلب أمريكا فحسب، وإنما تأتي أيضًا من تجربته كآخر ناجٍ من حضارة مدمَّرة. إن كون جور-إل هو العالِم الوحيد في [الكوكب الخيالي] كريبتون المستعدّ لتحدّي العقائد وإدراك هلاكهم الوشيك ربما جعله ""رجلًا فائقًا"" بمعنى ما؛ لكن تفكيره كان فائقًا فقط بما يكفي لإنقاذ ابنه، وليس نفسه، أو زوجته، أو عرقه. قد يجادل نيتشه بأن مجلس الديمقراطيّ في كريبتون هو الذي قضى عليهم -وهذا دليل على زيف المساواة- لكن بالنسبة إلى سوبرمان نفسه، فإن القوة الحقيقية لا تكمن في أيدي الفرد، وإنما في أيدي الجماعة، ولهذا السبب لم يتّخذ المزيد من الإجراءات الاستباقيّة على الأرض.
إن عدو سوبرمان اللدود، ليكس لوثر Lex Luthor، هو في الواقع أقرب إلى الإنسان الأعلى عند نيتشه. هناك نسخ مختلفة لقصّة لوثر الأصليّة، ولكن سواء كان ثريًّا منذ ولادته أو عصاميًّا، فقد نال القوّة والتأثير باستخدام عقله العبقريّ ومكره الذي لا يرحم، وهو يستهزئ بالمعايير والقوانين من أجل النهوض بأهدافه الشخصيّة. ومن المفارقات أن ما يمنعه من أن يكون الإنسان الأعلى النيتشويّ بكل معنى الكلمة هو كراهيته الشديدة لسوبرمان. فهو يشعر بالغيرة من قوة البطل وإعجاب الجمهور به، الشيء الذي لم يستطع الوصول إليه بنفس الدرجة. وفي النهاية، هو مدفوع بالضغينة. ومن ثَمّ هو ليس بالضبط نوع العقليّة النبيلة التي كانت في ذهن نيتشه لكائنه الفائق.
أما بالنسبة إلى الإنسان الأعلى النازيّ، الذي يضع الفائقيّة محلّ تحقيق الذات، والفاشيّة محل الفكر الحرّ، فهو بالضبط ما خُلق سوبرمان لمعارضته. كان ""الرجل الفولاذيّ"" -الذي عُرف في وقت مبكر باسم ""بطل المستضعفين""- النقيض الذي أتى به سيغل وشوستر للنموذج النازيّ. وقد تمكّنا من قلب مفهوم ""السوبرمان"" بنجاح كبير لدرجة أنه بمجرد ارتباطه عالميًّا بالنازيّة أصبح المصطلح يشير إلى بطلهما عالميًّا تقريبًا. إن سوبرمان قوّة مهيمنة، لكن القوانين التي يفرضها تمثّل إرادة الشعب. لقد بدأ بالفعل كحارس خشن للقانون، وجعله التجاهل الصارخ للقانون أكثر الرجال المطلوبين في [المدينة الخيالية] ميتروبوليس Metropolis في "" Action Comics"" العدد 12 (مايو 1939)، لكنه لا يزال يُظهر ضبط النفس والرحمة، وهو من الذين يسيئون استخدام السلطة بعنف للدفاع عن الأبرياء الذين استغلوهم. وسرعان ما اعتدل، وعمل خارج نطاق السلطة القانونيّة، ولكن بمعرفة ومباركة مؤسّسات القانون والحكومة. وجرى تفويضه في النهاية من قِبل عمدة ميتروبوليس في ""الرجل الفولاذي The Man of Steel"" العدد الرابع (نوفمبر 1986). إنه لا يقتل، ولا يجرح، ولا يستخدم القوة أبدًا بما يتجاوز ما هو ضروريّ لإيقاف المعتدي، وعندما يقوم بذلك يكون دائمًا لحماية الحياة والحريّة والممتلكات. وهذا لا يجعله فاشيًّا بقدر ما يجعله كأيّ وكيل لإنفاذ القانون. أما الإنسان الأعلى النازيّ فهو رجل التنافس الوحشيّ، ويفتقر تمامًا إلى تأنيب الضمير، ولا يقيّده إلّا مدى قوته. إن سوبرمان قد يكون هو رجل الحبّ الأخويّ، وهو أجدر بهذا الوصف من عرق السادة Herrenvolk. وقد ظهرت قوته العظيمة فقط بسبب شفقة الغرباء الذين وجدوه وأخذوه عندما كان رضيعًا بلا حول ولا قوة. إنه نقض سيغل وشوستر لهتلر، ورمز الإيثار والقيم اليهوديّة-المسيحيّة، ورفض للدعوة الفاشية إلى حُكم الضعفاء من أجل الإيمان الديمقراطي بالقيمة الفطرية للبشر. إن الإنسان الأعلى هو صاحب قوة يفعل الصواب؛ أما سوبرمان فهو صاحب حق يصنع القوة.

بدائل سوبرمان

كان هناك عدد لا يُحصى من القصص التي أعيد تصوير سوبرمان فيها كطاغية، عادة في حكايات غير معتمَدة uncanonical أو في وقائع بديلة. وقد استندت العديد من هذه البدائل إلى الإنسان الأعلى أو ألمحت إليه، لكن نادرًا ما جرى التمييز بين الإنسان الأعلى نسخة نيتشه والإنسان الأعلى نسخة هتلر. في سلسلة "" The Multiversity: Mastermen"" العدد الأول (أبريل 2015، هبط سوبرمان عندما كان طفلًا في [الإقليم الألماني] السوديت Sudetenland في عام 1939، وتربّى على يد هتلر نفسه ليصبح ""الحاكم المطلق Overman"" (ترجمة بديلة لـ ""الإنسان الأعلى Übermensch"")، ويقود النازيّين للانتصار في الحرب وقهر العالم. لكن هذا التحطيم الشائع للأيقونات لا يفيد سوى في إظهار مدى بُعد الشخصيّة عن النموذج النازيّ أو النموذج النيتشويّ.
إن التصويرات الهزليّة للأبطال الخارقين هي فلسفيّة بطبيعتها. فهي عالم مجازيّ مبالِغ من الرموز. وسوبرمان، باعتباره النموذج المثاليّ وأحد أشد الشخصيّات قوة، يتصارع باستمرار مع المعضلات الأخلاقيّة، ولا سيّما تلك المتعلّقة بالسلطة والمسؤوليّة. وعلى الرغم من الإغراء المتكرّر، إلا أن سوبرمان لم يمكر بأحد أبدًا. فهو يظلّ ضمن نطاق المقبول اجتماعيًّا، ويقتصر عمله على الأمور الطارئة فقط تقريبًا. فهو ينقذ الجسور من الانهيار لكنّه لا يبنيها. وينقذ الأبرياء من الكوارث لكنه لا يتدخّل في الحروب (منذ الحرب العالميّة الثانية). ويوقف لصوص البنوك لكنه لا يطيح بالأنظمة القمعيّة. إنها النسبيّة التي تتعارض على ما يبدو مع أخلاقه المطلقة. ومن المحتمل أن يجادل نيتشه بأن موقف سوبرمان هو موقف جبان أخلاقيًّا.
لا يمكن أن يواجه سوبرمان، باعتباره شخصيّة خياليّة، قضايا العالَم الواقعيّ في تعقيدها الكامل دون أن يأتي بتصوّرات خياليّة. وستكون الواقعيّة هي كريبتونيّته الحقيقيّة. وسيصبح متورطًا بلا نهاية في العواقب المعقّدة من الأسواق الماليّة إلى الحكومات والمؤسسات الدينيّة. في القصّة، بصفته أعظم بطل خارق في العالم، هو لا يرغب في اتّخاذ إجراءات أكثر عدوانيّة على نطاق واسع على وجه التحديد بسبب المنحدر الزلق للاستبداد. ونجد مثالًا جيّدًا على ذلك في ""JLA"" العدد 4 (أبريل 1997)، حيث يتصدّى لغزو سكّان المرّيخ البيض، الذين استعبدوا وأبادوا سكّان المريخ الخضر، إذ إنهم اعتبروهم أدنى منزلة. ويصرخ زعيمهم، بروتكس Protex، بأسلوب الإنسان الأعلى النازيّ الحقيقيّ، في سوبرمان: «كم أنت غبيّ؟ تركتَ تلك الخراف البشريّة تفعل ما تريد رغم أن بإمكانك أن تحكم العالم! إنهم عبيد بلا قيمة! إنهم ينظرون إليك ويرون ما يمكن أن يصيروا إليه...أنت تعلم في صميم قلبك أنهم أقلّ منزلة!» وكانت إجابة سوبرمان بسيطة: «إنهم يؤمنون بي. وفي صميم قلبي أؤمن بهم».
بعد أن انتصر سوبرمان وزملاؤه في فريق العدالة في المناظرة، توقفوا عن التفكير في دورهم كأبطال خارقين. وتتساءل ""المرأة المعجزة Wonder Woman"": «هل نحن متجاوزون أم مقصّرون في ما نقوم به؟ متى يصبح التدخّل هيمنة؟». ويجيب سوبرمان بحزم: «يجب السماح للبشريّة بالصعود إلى مصيرها»، «نحن لا يمكننا حملهم إلى هناك». ثم يطرح فلاش  Flash سؤالًا: «لماذا يحتاجون إلينا أصلًا؟»، ويجيب سوبرمان، مرة أخرى ببساطة: «للإمساك بهم إذا سقطوا».

روي شوارتز Roy Schwartz هو مؤلف الكتاب الجديد ""هل سوبرمان مختون؟ التاريخ اليهوديّ الكامل لأعظم بطل في العالم Is Superman Circumcised? The Complete Jewish History of the World’s Greatest Hero"". تابعوه على تويتر وإنستغرام وفيسبوك @RealRoySchwartz و royschwartz.com.

 

مقالات ذات صلة