نهاية النسيان
الضيف: كيت آيكهورن.
المُحاوِر: زان بواغ.
كيت آيكهورن: رئيسة وأستاذة مساعدة لقسم الثقافة والإعلام في جامعة ذا نيو سكول بنيويورك. ألّفت كيت خمسة كتب غير روائية في مجالي الدراسات الإعلامية والدراسات الثقافية التي منها نهاية النسيان، كما شاركت في تأليف وتحرير ثلاثة كتب أدبيّة أخرى، وتشمل الأفكار والموضوعات المتكررة في أبحاثها وكتاباتها ومحاضراتها الجامعية: الإعلام والذاكرة، والإعلام والتحول الاجتماعي، وممارسات صناعة الإعلام الشبابية، وكتبت لعدة مجلات، منها: مجلة وايرد، ومجلة إم آي تي تكنولوجي ريفيو، وساينس، وتايمز للتعليم العالي. كما أنها عضوة في عدة هيئات، ومحررة أيضًا لسلسلة Page and Screen، وهي سلسلة كتب ودراسات إعلامية تنشرها مطبعة جامعة ماساتشوستس.
زان بواغ: كان لدى الناس في الماضي ما يُعرَف بالكتاب السنويالذي كان أغلبه عاديًّا؛ إذ كان يتضمن القليل من المعلومات، ربما صورة واحدة وبضعة كلمات فقط. أمَّا الآن فكل ذلك متاح على الإنترنت؛ فجميع تحركات الناس، والأفكار التي خطرت على بالهم - ويمكن الحكم عليها وتصنيفها بأنها جيّدة أو سيئة أو عنصرية أو تمييزية – أيًا كانت الفكرة؛ كل ذلك على الإنترنت، وموثّقة إلى الأبد. ماذا سيحدث للجيل الحالي الذي نشأ أعضاؤه كمواطنين رقميين؟
كيت آيكهورن: ""إذا تأمّلت الكتاب السنوي، فستجد فيه صورًا محرجة لك إن كنت قد نشأت في أمريكا الشمالية. صُنع هذا الكاتب ليضم 300 شخصًا، بل 1000 شخصًا: إذا كنت تدرس في مدرسة ثانوية أكبر. وماذا تفعل بالكتاب السنوي بعد التخرج؟ غالب الظنِّ أنك ستضعه على رف كتب أو تدفعه في درجٍ ما أو صندوق في قبو والديك، ولن تنظر إليه مرة أخرى أبدًا. ربما تتصفّحه مرة كل عشرة أعوام أو عشرين عامًا، لكنه حبيس تحت سيطرتك تمامًا. تغير هذا قليلًا الآن بعد رقمنة تلك الكتب السنوية، لكنَّ تلك الذكريات كانت حبيسة إلى أبعد حد...
أمَّا الآن فلدى خريجي الثانوية العامة الآلاف، بل وعشرات الآلاف، من الصور الرقمية المتداولة. هذه الصور مرتبطة بأصحابها، ومعظمها خارجٌ عن السيطرة وإن لم يكن خروجًا كليًّا، لكنه خروج إلى حدٍ كبير. وينطبق الأمر ذاته على ما يقوله الناس على الإنترنت. تاريخيًا، عندما كان يتعرض شخص للاعتقال، كان الصحفيون يتصفحون كتابه السنوي للتوصل إلى اقتباس التخرج الذي كتبه، أمَّا الآن... فهناك قضية حدثت منذ زمن قريب، وهي لامرأة يافعة -أصبحت المحررة الجديدة لمجلة Teen Vogue- كانت قد كتبت تغريدة تعتبر عنصرية، وهي ابنة سبعة عشر ، حيث كانت لا تزال في المرحلة الثانوية. ولمَّا بلغت ثامنية وعشرين حصلت على هذه الوظيفة في Vogue. تصفح الناس جميع تغريداتها، وعثروا على هذه التغريدة. وبالرغم من أنها ثنائية العرق -أي: إنها أمريكية من أصل أفريقي- إلا أنَّ قدمها لم تطأ تلك الوظيفة؛ فقد أُجبِرت على الاستقالة منها قبل أن تبدأ... لذا فإنَّ هذا الذي بدأنا نراه الآن -من نشأة هؤلاء الناس بأرشيف رقمي- بات ذا تأثير حقيقي على حياتهم المهنية.
ثمة عنصر آخر هامّ بصدد هذه المسألة، وهي عقلية القطيع، أي التراكم الذي يحدث. ربما حسدها آخرون؛فبحثوا عن أي سبب للتأكد من عدم حصولها على هذه الوظيفة. وهذا ما لم يكن ليحدث في الماضي كذلك؛ فلم تكن ثَمَّة ملاحظات خارجية حول مَن فعل ماذا، ومَن كان ملائمًا لمنصبٍ ما.
كلا. في هذه الحالة كان الموظّفون الآخرون فيTeen Vogue هم من شرعوا في تصفّح تغريداتها، واتضح أنّ أحد الذين تسببوا في الإطاحة بها كان ممّن تصفحوا تغريداتها، وعثر على تغريدةٍ عنصريّة.
لدينا بعد ذلك امرأتان من الأقليات البارزة، وهما صحفيّتان في العشرينات من العمر، وقد دمّرتا مسيرتَيْهِمَا المهنية؛ لأنّ كل واحدة منهما اتّهمت الأخرى بالعنصريّة؛ وذلك لأنهما نشرتا تغريدات غير لائقة عندما كانا بعمر 15 أو 16 أو 17 عامًا. وإنَّ هذا -في رأيي- لأمرٌ مُؤسفٌ وكارثيّ حقًّا.
إنه كذلك حقًا؛ فلا يستطيع المواطنون الرقميون تحمُّل بيئة تفتقر إلى وسائل التواصل الاجتماعي ومستوى التواصلية والترابط الذي توفّره. لقد نشؤوا منذ نعومة أظفارهم على توثيق حياتهم، وواصلوا فعل ذلك طوال فترة المراهقة إلى أوائل العشرينات من العمر وما تلتها؛ فأكسبهم ذلك قوة فاعلة؛ إذ تمكّنوا من توثيق حياتهم كما يحبون، عوضًا عن توثيق أبائهم لها، لكن كما تقولين سيكون لذلك تأثير عظيم الأثر في تشكيل هوياتهم. تُرى ما نوعيّة هذا التأثير ؟
حسنًا. يكون هذا التأثير إيجابيًا في بعض النواحي، فلأول مرة في التاريخ يُتاح للشباب الوصول إلى الأدوات اللازمة لتوثيق حياتهم، ونشر تلك الصور والكتابات لمن شاؤوا. وهذا -في رأيي-أمر يستحق الاحتفاء. أمَّا الجانب الآخر من الموضوع فهو أرشفة الصور والتصريحات التي أدلى بها أشخاص آخرون بشأنك، أو صورك التي لا تعرف أنَّ الآخرين يتداولونها، والتي لا يمكنك التحكم فيها أو تحديد ما يُعرض منها. إذا فكّرت في الماضي، في ذلك الأرشيف؛ ألبوم الصور ذاك الذي كان لديك في طفولتك، أو الذكريات التي تحملها، أو ذكريات الناس عنك، فستجد أنها انتقائية جدًّا ومحدودة ومُنَمَّقَةً تنمقًا بارعًا/. وهذا ما نفتقده اليوم. أعتقد أنَّ عنوان كتابي: ""نهاية النسيان"" يمثل تصريحًا جريئًا، وهذا لا يعني أنَّ النسيان قد اختفى تمامًا، لكنَّ قدرتنا على إدارة ما يمكن نسيانه أو تذكّره قد تضاءلت كثيرًا.
لقد أصبح أكثرنا –إن لم يكن جميعنا- من صغار المشاهير وإن اختلفت وسيلة الشهرة. وكما ترين في مجلات المشاهير الفظيعة تلك، حيث ينقّبون عن الصور القديمة، ولديهم صورة فظيعة هنا وهناك، ووصف للصورة لا يعّبر عنها أبدًا، لكن من خلال هذه الصور فَقَد المشاهير -صغارًا كانوا أو كبارًا- السيطرة على هوياتهم وعلى نظرة الآخرين لهم. ولعل هذا المُصاب قد طالنا جميعًا الآن.
لقد تغير شكل الطريق إلى الشهرة، وأرى أنَّ الرغبة في الشهرة قد تغيرت كذلك؛ لا سيما في الولايات المتحدة. قرأتُ استطلاعًا حديثا أجاب فيه أكثر من ثلاثة أرباع الشباب بالإيجاب عن سؤالهم عمّا إذا كانوا يرغبون في أن يصبحوا من ""المؤثرين"". ما زلتُ أسألُ نفسي... ماذا يعني ذلك؟ فتلك الفكرة القائلة بأن مجرد أن يصبح المرء ""مؤثرًا"" لهدفٌ نهائي في حد ذاته، وهي فكرة أجدها مُقلقة جدًّا ؛ لأننا لا نعرف ما تعنيه حقًّا، ولا ما يجعلها مهمة.
أعتقد أنّ الأمر يتلخّص في السُّلطة؛ فمِن أعظم الدوافع لدى البشر هو الرغبة في السلطة بطريقةٍ ما عظيمة كانت أو ضئيلة، ولعلّ الأجيال الشابة لا تملك كثيرًا من السلطة بطرق أخرى -سواء كانت السلطة السياسية أو نفوذًا مالًيّا أو وظائف أفضل . وهذه هي طريقتهم لامتلاك نوع من السلطة.
أو لنقل: وَهْمُ السلطة؛ ف النساء اليافعات مثلًا -اللاتي يشكّلن أحد محاور عملي-... أرى أنه لكي يصبحن مؤثرات فعليهن التخلي عن كثير. بل يتعين عليهنَّ أحيانا التخلي عن كثير من السلطة؛ فهناك كثير من المقايضات والتنازلات، ولهذا السبب كل هذه المنصّات مجانية؛ لأنَّ الناس يتخلون عن شيءٍ ما في المقابل. وكلما زادت شُهرتك على هذه المنصات، زادت الأشياء التي يتعين عليك التنازل عنها.
دعينا نعود الآن إلى ما ذكرتيِه قبل قليل، وهي صعوبة التملّص من بقايا الهويّات السابقة. وتنطبق صحة هذا القول تمامًاعلى أيامنا هذه نظرًا لحجم انتشار اإانترنت واطراده. لكن ماذا يعني عدم قدرتنا على ترك الماضي وراء ظهورنا بعد الآن في قضية/ أمر/ شأن تطور الهويّة؟
كلما زادت شُهرتك على تلك المنصات،زادت الأشياء التي يتعين عليك التخلي عنها.
من المهمّ أن أبدأ هنا قائلة: ""إنني لستُ مختصة في علم النفس، وأنَّ هناك أشخاص متخصصون في الكتابة عن هذا الأمر -مثل سايمون نوربي وغيره- ممن يتناولون موضوع النسيان وأهميته. والحقيقة أنَّ هناك كثير من الأبحاث في علم النفس التي تقول بأهمية نسيان التجارب السلبية في تنمية الهوية الاجتماعية للفرد؛ لأنَّ تذكّر كل لحظة مخزية ومهينة من لحظات حياتنا سيجعلنا نتجمّد في مواقعنا.
من المهم أيضًا أن ننسى؛ كي نتعلم أمورًا جديدة، لكنني أعتقد أيضًا أنَّ النسيان- بنظرة أكثر تجريدية- أمر مهمّ؛ إذ إنه يخلق أحيانًا بعض الحرية في وضع تصورات متجددة لذواتنا بطرقٍ جديدة، لمواصلة التغيّر والنمو. في رأيي، نأأن وأيضًا أرى النسيان يتعلق بتنمية الهوية الاجتماعية، لكنّ له أيضًا تداعياتٍ سياسيّة، وأرى أنَّ القدرة على النسيان والمضي قُدُمًا هي ما تمكّن الناس في بعض الأحيان من تبني وجهات نظرٍ جديدة التي منها/ ومنها وجهات النظر المهمة للتحول والتغيير الاجتماعيين. وإن كنا نقر أنَّ لذلك تداعيات شخصية، لكنَّي أري تداعياته الاجتماعية أوسع في رأيي.
ذكرتِ في كتابك قائلة: ""النسيان، ذلك المورد المدمج بداخلنا الذي كان يُعتبَر من المسلمات والذي يتمتّع به جميع البشر، أصبح الآن يتعارض مع مصالح الشركات التقنية"". إننا نواجه اليوم/ الآن مشكلة جديدة تتمثل في امتلاك/ استحواذ الشركات ل/ بكثير من المعلومات عنّا. هل من حقّنا أن نُنسى؟
أعتقد أنه من الإنصاف أن نقول: ""إن شركات التقنية قد استثمرت في تذكرنا لكل شيء، وفي استثمارنا في ذاكرتنا الشخصية. فعندما نتأمل في منصة مثل فيسبوك سنجد أنّها استغلت حقًّا حنين الناس إلى الماضي ورغبتهم في التفكير فيه والحفاظ عليه/وحفظه. وهذا ما مكّنهم من جمع كل تلك الصور والبيانات.. ونعرف جميعًا ما حدث بعد ذلك. كما تستغل شركة مثل ancestry. Com حاجة/ حنين الناس لتذكر/ تفقد/ استرجاع الماضي، لكنَّ التداعيات المترتّبة على ذلك أعمق مما نتصوّر؛ فثمة توتر شديد بين ذلك الاستغلال والاستفادة المالية من الذاكرة، وبين الحاجة إلى النسيان. ولطالما حاججتُ بأننا في سبيل الحفاظ على النسيان، سيتعين علينا -للأسف- العثور على طريقة للتربح منه ماليًّا؛ ولذا سينبغي على شركات التقنية أن تهتمّ بمساعدتنا على النسيان.
نمحو ماضينا. في فيلم Eternal Sunshine of the Spotless Mind، تربحت إحدى الشركات من ""النسيان"" عن طريق السماح للأشخاص بمحو الذكريات محوًا انتقائيًّا، لكنني أعتقد أنَّ الفكرة الأساسية للفيلم هي إثبات ألَّاا مفر من أنفسنا أبدًا. ولو تمكنا من إزالة هذه الذكريات من شبكة اإانترنت، فلا مفر أيضًا؛ إذ إنَّ الأمر لا يتعلق باختبار شيء ما، ومن ثَمَّ مرور الوقت الذي قد يجعلنا ننساه، فالناس سيختبرون الأمر، ثم سيعيشونه مرة أخرى مرارًا وتكرارًا؛ لأنهم سيشاهدون المقاطع المصورة، ويرون الصور، ويقلِّبون مرة أخرى في ماضيهم، ويعيشونه من جديد. ربما لا نستطيع الهرب من أنفسنا بعد الآن.
هذا صحيح؛ لأنَّ الناس يستيقظون في كل صباح، ثم ماذا يفعلون؟ يقولون: ""أوه، انظر. انظر إلى ما كنتُ عليه قبل عام أو قبل خمسة أعوام من الآن"". فهم في الواقع يبدؤون كل يوم من حياتهم بخطو هذه الخطوة نحو الماضي. أعتقد أنه سيكون من الصعب علينا للغاية في هذه المرحلة العودة إلى ما كنا عليه بداية الألفية أو في التسعينات أو الثمانينات من القرن الماضي، وذلك لوجود هذا الكم الهائل من البيانات والمعلومات بشأننا جميعًا. قد يُظنّ أنه يستحيل هذا إلا عندما نبدأ التفكير في حل، أحيانًا ما يقول الناس لي: ""حسنًا، ألن يُعدّل الناس سلوكهم في مرحلةٍ ما؟ سينخفض اهتمامهم بكل هذه البيانات الموجودة"". لكنني لا أعتقد أنه قد يحدث تصحيح طبيعي للتحول الذي حدث.
أعتقد أن النسيان مُهمّ؛ لأنّه يخلق أحيانًا بعض الحرية في وضعِ تصوّراتٍ متجددة لذواتنا بطريق جديدة، لمواصلة التغيّر والنمو.
من المسائل المهمة التي طرحتِها أننا كنا نمتاز في مراهقتنا بما أشار إليه إريك إريكسون بـ ""تعليق الهوية moratorium""، ويقصد به المرحلة النفسية والاجتماعية بين الطفولة والبلوغ، حيث تتخطى الحدود وتحاول تجاوزها، ويكون هناك ""تساهل انتقائي من المجتمع وعبث استفزازي من الشباب اليافعين"". يسمح هذا التساهل المجتمعي للشباب بتخطي الحدود واستكشاف ذواتهم دون أن يواجهوا عواقب أفعالهم بقيّة حياتهم. لكن هل اختفت الآن مرحلة تعليق الهوية؟ لأنَّ أفعالنا لن تذهب طي النسيان وسنحاسب عليها تمامًا مثلما حدث مع محررة Teen Vogue، وسنجد أنفسنا في مواجهة عواقب أشياء قلناها أو فعلناها في الماضي؟
إنني أستفيد من بعض أعمال إريك إريكسون ، ولكن بحذر ؛ فلطالما نجح موضوع تعليق الهوية ذاك مع بعض الناس دون الآخرين، لكن مما لا شك فيه أنّ معظم المجتمعات والثقافات تريد أن تمنح شبابها الحرية في ارتكاب بعض الأخطاء وخوض التجارب والمُضيّ قُدُمًا، وهذا لا ينجح دائمًا على هذا النحو، وأرى أنَّ أكثر الناس يريدون ذلك للأطفال والشباب في مجتمعاتهم، بيد أنَّ هذا الأمر بات أكثر صعوبة الآن.
من الأمور التي لم أُعطِها حقّها من التقدير حتى بدأتُ في إجراء المقابلات بعد صدور كتابي: ""نهاية النسيان""، اعتقاد الناس أنَّ أطفالهم يقضون أكثر
أوقاتهم على هواتفهم المحمولة، ويتصفّحون برامج وسائل التواصل الاجتماعي؛ لأنهم مدمنون على التقنية. والحقيقة أنَّ صدور هذا الكتاب جعلني أدرك أنهم ليسوا مدمنين على التقنية، بل على إدارة السُّمعة؛ ففي الثمانينيات أو التسعينيات كان المشاهير والسياسيون هم من يهتمّون بإدارة السمعة. أمَّا الآن فنجد الأطفال ذوي عشر سنوات فأكثر مهووسون بإدارة سمعتهم. وإنما سبب تواجدهم على الإنترنت طوال الوقت أنهم إذا نشروا صورة ولم يُعجَب بها سوى 10 عشرة أشخاص مثلً، فهي صورة غير جيدة للنشر في معتقدهم، ومن ثَمَّ يحرصون على المتابعة تارة بعد أخرى..
هذا يبيّن لي مرة أخرى أنَّ تعلق الهوية ذاك الذي تحدث عنه إريك إريكسون لا يترتب عليه المزيد من العواقب والخيمة وحسب، بل يشير كذلك إلى أنهم يُخضِعون أنفسهم للرقابة الذاتية على نحو لم يكن الناس قبل 20 أو 30 أو 40 أو 50 عامًا يفعلونه.
هذا صحيح، وأعتقد أنه لم يكن هناك ردود فعل فوريّة آنذاك، أليس كذلك؟ لم تكن هناك ردود فعل فورية على سلوكك أو أفعالك أو كلماتك. وهذا أمرٌ مُثيرٌ للاهتمام من منظور تنمية الهوية وتطوّرها؛ لأن الناس إنجازيون في الوقت الحالي. والمراهقة مرحلة يفعل فيها الشباب إثبات أنفسهم/ خلق مكانة لأنفسهم بين أقرانهم، لكن لم يكن لدينا تعليقات وردود فعل فورية على ذلك. ما يقلقني قليلًا أنَّ الناس يغيرون ما بأنفسهم بما يستحسنه الآخرون، لا بما يريدون أن يكونوا عليه/ بما يحبون. هل ترين في ذلك مصدر قلق؟
نعم، وبطُرُقٍ مُدهشة. أعتقد أننا نصبّ تركيزًا كبيرًا على تواجد الشباب اليافعين على شبكة الإنترنت في خضم حديثنا عن المسألة. هناك تركيز كبير على الشباب الذين قالوا شيئًا غبيًا أو مؤسفًا أو نشروا صورة ما عادت لمطاردتهم بعد حين. لكن ما شهدته مرة أخرى -وهو أمرٌ سعيتُ للبحث عنه وإخضاعه للملاحظة منذ نشري لهذا الكتاب- كان التحول المعاكس في تأرجح البندول؛ إذ بات الشباب مهتمين بإدارة سمعتهم لدرجة تمنعهم من اتّخاذ أيّ مخاطر، ومن الأمور التي اكتشفتها امتلاء لينكدإن -وهو موقع تواصل احترافي- بقصار السنّ. أكثر رواد هذا الموقع يبحثون عن الوظائف، ولديهم حد أدنى معين -أعتقد أنه يتعين عليك أن تكون بعمر السادسة عشر للتسجيل فيه- لكنَّ بعضهم لم يتجاوز الثانية عشر من العمر. حاولتُ الحصول على بعض البيانات من موقع لينكدإن، لكنهم أَبَوْا.
إنه لا يندرج تحت قائمة المواقع التي قد تتوقع وجود مستخدمين دون السن القانوني فيه.
هذا صحيح. فغالبًا ما يستخدمه مسؤولو التوظيف وموظفو الموارد البشرية، ولكن هناك أطفال تتراوح أعمارهم بين 12 أو 13 عامًا عليه/ يدخلونه/ مشتركون فيه. اكتشفتُ هذا الأمر؛ لأنَّ ابنتي كذبت في شأن عمرها للتسجيل في الموقع عندما كانت لا تزال في الثالثة عشر من عمرها. وعندما سألتُها عن الأمر أجابت بصراحة أنَّ لديهم محسنات رائعة لمحركات البحث SEOs، وأنهم يحتلون النتائج الأولى في أي بحث. ولمَّا تحدَّثت مع أطفال آخرين - أعمارهم بين الثانية عشر والرابعة عشرمن غير المسموح لهم بالتسجيل في الموقع- كانوا جميعًا يقولون: ""إننا نرغب في الالتحاق/ التسجيل بجامعة ممتازة والحصول على وظيفة جيدة"". إنهم يتأكدون فقطمن شروعهم في مسيرة البناء [المستقبلي] هذه. وكان أول ما فكرت فيه هو كم أنّ هذا مروّع ومخيف! طفل في الثانية عشر من العمر يفكّر في أنّ عليه أن يحظى بملف شخصي يعجب الشركات. أرى أنّ هذا يحمل دلالة واضحة على الخوف الموجود في مستوى النفور من المخاطرة، والناتج عن وعي الأطفال الهائل بحجم الضرر الذي يمكن أن يحدثه نشر الشيء الخاطئ على الإنترنت، مما جعلهم يذهبون إلى أقصى النقيض.
لقد شهدتُ أيضًا ... هذا التحول المعاكس في تأرجح البندول؛ إذ بات الشباب مهتمين بإدارة سمعتهم لدرجة تمنعهم من اتّخاذ أيّ مخاطر.
يعني هذا أنهم سيواجهون كثيرًا من التحديات والمتاعب أثناء تكوينهم لمعتقداتهم الحقيقية حول مجموعة من المشكلات؛ لأنهم فضّلوا التعامل بحذر طوال الوقت. أذكُر أنني أثناء دراستي الجامعية -قبل فترة من الزمن- كان لدي أستاذ قلق للغاية بشأن نوعية الآراء التي يمكننا التعبير عنها علنًا، وما قد نكتب أو نتحدّث عنه أثناء تواجدنا في المجال العام. نتحدث هنا عن موقف حدث منذ 20 عامًا - أي قبل وسائل التواصل الاجتماعي، وقبل أن تكون انطلاقة فعلية للإنترنت-. كان يشعر بالقلق من أننا سنكون عالقين"" بأفكارنا؛ لأننا عبّرنا عنها علانية؛ إذ يترتّبُ على هذا التعبير العلني دفاعنا المستميت عنها لبقية مساراتنا المهنية. وفي رأيه كان هذا مصدر قلقٍ كبير. أما هذه الأيام، فالجميع منخرطون في المجال العام، لكنهم لا يفكرون كثيرًا في نوع الأفكار التي يُعبّرون عنها على الإنترنت. هل تعتقدين أنَّ هذا قد يجمّد هويات الناس وشعورهم بماهيّاتهم، ويجعلهم عالقين بالأفكار التي عبّروا عنها علانية؟ لنأخذ مستخدمي لينكدإن الأطفال هؤلاء مثالًا؛ هل يضعون حدودًا، ويقولون ""هذا أنا... وهذه معتقداتي""؟
لا أعتقد أنه عندما ينشر مراهق شيئًا ما عبر الإنترنت، فإنه يفكر قطعًا في أنَّ هذا موقفٌ سيتعيّن عليه الدفاع عنه بقية حياته. ولكن بالعودة إلى المثال الذي افتتحنا به اللقاء -محررة Teen Vogue التي نشرت شيئًا ما عندما كانت في السابعة عشرة من عمرها. بعد مرور 11 أحد عشر عامًا على تلك الحادثة- ما زال العالم ينظر إليها باعتبارها ذلك الشخص الذي كتب تغريدة عنصرية ضد الأسيويين. كتبتُ في موضع آخر عن حال عمليات القبول في الجامعات الأمريكية. ففي كل عام يشرع حوالي ربع الطاقم المسؤول عن القبول في الجامعات في تصفح الحسابات الشخصية للطلاب على وسائل التواصل الاجتماعي الآن، ويقول أكثرهم: ""إنّ هذا يترك انطباعات سلبية"". وفي كل عام يحصل عدد معين من الطلاب على منحة دراسة في جامعات مرموقة مثل هارفارد أو ييل، ثم يتم التحري عنهم، ويمكن أن يقول أحد الموظفين: ""لقد قال هذا الشخص شيئًا شديد العنصرية، وعمره خمسة عشر تقريبًا ""؛ فيُحرم هذه المنحة، ولدينا الآن كل عام مجموعة كبيرة من الطلاب الذين لا يلتحقون بالجامعة في المقام الأول نتيجة الحرمان من المنحة، ولدينا أيضًا أشخاص لا يستطيعون الحصول على وظائف بسبب أشياء قالوها عندما كانوا مراهقين. إنَّ العواقب وخيمة، وأرى أنَّ هذا أمر مثير للقلق من الناحية السياسية؛ لأنه يوحي برسالة مفادها أنك ""إذا كنتَ عنصُريًّا، فستظل عنصريًّا على الدوام، وإذا كنت كارهًا للمثليين فستظل دائما كارهًا لهم"". وحجتي هنا أنَّ التحاق الناس بالجامعات سيجعلهم أكثر انفتاحًا وليبرالية... وفي رأيي أنَّ آخر ما قد نودّ فعله/ ما قد نلجأ إليه هو منع الناس من الالتحاق بالجامعات بسبب موقف معين اتخذوه وهم في المرحلة الثانوية، لكنَّ هذا فعليًّا ما يحدث على أرض الواقع، وإنَّ هذا لأمرٌ مُثيرٌ للقلق؛ فالناس يتغيّرون كثيرًا بين سن 15 و25 عامًا وحتى 30 عامًا.
إنهم يتغيرون حقًا. هذا بالإضافة إلى أنَّ الناس عندما يكونون في مرحلة المراهقة -ومرحلة الشباب وما بعدها كذلك- قد يعبروا عن معتقدات طبقتهم آنذاك - و قد لا تكون معتقداتهم الشخصية، لكن بتأثير من حولهم قد يلتزمون بأي أيدلوجية تعتنقها المجموعة الرئيسية التي صادف انتماؤهم لها في ذلك الوقت. نعم، سيتغيرون، ويمضون قدمًا، وستتغيّر هوياتهم، لكنهم باتوا الآن مُقيدين بالماضي. يصف نيتشه النسيان بأنه ""قدرة فاعلة على القمع، إيجابية بكل ما يحمله معنى الكلمة من قوة"". إنَّه يراه أمرًا إيجابيًّا، وأظنُّ أنّكِ توافقينه. ماذا يحدث عندما يصبح هذا مُتعذّرا؛ فلم ننسَ ولم نُعد كتابة تاريخنا وتغيير هويّتنا؟
من جهة: أعتقد أنَّ عزو مثل هذه الوظيفة المهمة إلى النسيان أمرٌ خطيرٌ للغاية؛ فقبل تأليفي لهذا الكتاب، كنت قد أمضيتُ مسيرتي المهنية في الكتابة عن الأرشفة وتوثيق تواريخ النضال الاجتماعي خاصة. ولذا أدركُ أنَّ النسيان قد يكون كذلك في غاية الخطورة، لكنَّ هناك أوقاتًا تكون فيها القدرة على النسيان، والقابلية لأن نُنسى، جزءًا لا يتجزأ من التحوّل الاجتماعي. من المهم أيضًا أن تكون قادرًا على تخيّل عوالم مُحتملة. إذا كُنتَ لا تستطيع نسيان الماضي وتحرير نفسك من جميع أثقاله، فستقلّ احتمالية حدوث بعض الأشياء. لا يتناول كتابي قضايا مجتمع الميم، لكن أعتقد أنه في سياق المثلية الجنسية تاريخيًّا، كان من المهم للمثليين والمثليات أن يكونوا قادرين على الاعتراف بهوياتهم الجنسية وتحرير أنفسهم من الماضي إلى حدٍّ مُعيّن. ومما يثير قلقي اليوم هم الشباب وقدرتهم على إعادة تصوّر هوياتهم في وجود كل هذا الضغط من وسائل التواصل الاجتماعي.
عادة ما نغيِّر هذه الشبكات أثناء مُضيّنا قُدُمًا ، وننتقل إلى مجموعاتٍ مختلفة. أمَّا الذين يكونون في طور تغيير ماهيتهم سواء كان تغيير اهتماماتهم الشخصية، أو سلوكياتهم، أو معتقداتهم، أو توجّهاتهم السياسية، فإنهم لا بد ل أن يتخلصوا من شبكاتهم الاجتماعية؛ كي يتمكّنوا من أن يصبحوا هذا الشخص الجديد. ماذا يحدث عندما تظل تلك الشبكة الاجتماعية مُلاحقةً لك؟ هل عليك كبح جماح معتقداتك؟ هل يجب عليك تغيير شخصيتك على الإنترنت؟ هل يجب عليك تقديم نفسك بصورة مختلفة بحيث تتجنب الدخول في معارك دائمة مع الآخرين؟
أسأل طلابي عن هذا الأمر طوال الوقت -لا سيما أولئك الذين أتوا من مناطق محافظة جدًا- وينتهي بهم الأمر عادةً إلى إنشاء هويات جديدة تمامًا عبر الإنترنت، لكن كذلك في تلك الحالة، سيعثر عليهم بعض الأشخاص بعد مرور فترة من الزمن ويبدؤون بمتابعتهم. إنَّ تحقيق هذا الانقطاع الجذري [عن الماضي] لأمر غاية في الصعوبة. ومرة أخرى أرى ذلك مثيرًا للقلق إلى حدٍ ما لكونه يُصعّب على الناس الخضوع لهذا التغيير. لنفترض أنهم ينتمون لخلفيّةٍ دينية متشددة، ثم يلتحقون بالجامعة، ويشرعون في التشكيك في كل شيء؛ فالمساحة التي يمكنهم فيها إجراء ذلك محدودة للغاية ما لم يغلقوا جميع حساباتهم على منصّات التواصل الاجتماعي، وينشؤوا هويّة أخرى جديدة من الصفر.
يتعيّن عليهم تدمير ذواتهم القديمة الموجودة على الإنترنت؟
نعم، وهذا أمرٌ شاق؛ فهذه أشياء لم نضطر من قبل للتفكير فيها. إذا لم تكن تريد البقاء على تواصل مع شخص ما، فكل ما كان عليه فعله هو عدم الاتصال به مرة أخرى. وهذا أمرٌ مثير للاهتمام. حاولتُ العثور على علماء في علم النفس ممن أجروا الأبحاث التجريبية الكثيرة حول تَبِعات هذا الأمر، لكنني لم أجد كثيرًا من الأبحاث حول هذا الموضوع حتى الآن. وأعتقدُ أنّها ستظهر في نهاية المطاف.
لقد مررنا جميعًا بتغير سلوكي بسبب الوباء؛ فاختلفت تصرّفاتنا، وكيفيّة تفاعلنا مع بعضنا البعض، والطريقة التي نتصوّر بها الآخرين، وقد ذكرتِ في مقابلةٍ قريبة أنّ أكثر من عانى أثناء الوباء المراهقون والشباب، وهذا يتعارض مع ما قد يظنه أكثر الناس. ما مدى أهمية تطوير الهويات خارج إطار الإنترنت فيما يخص الشباب، وفيما يخصنا جميعًا؟
إذا تأمّلت في حجم كل تلك القيود المفروضة علينا في هذه المنصات، فستدرك الأهمية الصارخة لهذا الأمر، وكيف أنّه يمنحنا فرصة العودة إلى فضاءٍ من التجريب والزوال. فهو منوط بقدرتنا على المخاطرة، وجميع هذه الأسباب تجعله غايةً في الأهمية.
