القائمة الرئيسية

رجلٌ من زحل، ورجلٌ من الشِّعرى اليمانية.

رجلٌ من زحل، ورجلٌ من الشِّعرى اليمانية.
ملخص المقال

في قصة ""مايكروميغاس"" لڤولتير، يعيش العملاق مايكروميغاس، الذي يبلغ طوله ثمانية فراسخ، ويجوب الفضاء بحثًا عن المعرفة. يلتقي بأقزام على كوكب زحل ويتبادلون الأفكار حول الطبيعة والوجود. يناقشون عدد الحواس ويستنتجون من حواراتهم عمق الفهم والاختلافات بين الكائنات.

فولتير.

في أحد الكواكب التي تحوم حول نجم الشعرى اليمانية، عاش رجل يافع يُدعى مايكروميغاس، وهو اسم يناسب كل عظيم. كان طوله ثمانية فراسخ، أو أربعة وعشرين ألف خطوة هندسية، كل واحدة منها تبلغ خمسة أقدام. ظل مايكروميغاس مرتحلًا متنقلًا بين الكواكب طالبًا العلم من المهد إلى اللحد -كما سرى المثل- حتى وقع على كوكب زحل. كان قاطنوه أقزامًا؛ إذ لا يزيد طولهم على ستة آلاف قدم، ثم جمعته صداقة قوية مع أمين سر أكاديمية هذا الكوكب، وَلِأَقُلْ لكم الحقيقة، هو شاب انعدم فيه الابتكار، لكنه يفهم ابتكارات الآخرين كأحسن ما يكون الفهم.

بعدما جلس سعادته ليستريح، أقبل أمين السر، وقال له مايكروميغاس: «ينبغي لك الاعتراف أنَّ الطبيعة متلونة متنوعة».

فرد عليه الزحلي: «بلى، فالطبيعة كروضة الأزهار؛ إذ إنها...».

فقال الآخر: «أف! دعك من روضتك».

فأخذ أمين السر يكمل ما قاله: «عرسٌ من الشقراوات والسمراوات اللاتي...».

فقال الآخر: «ما عليَّ فعله في سمراواتك؟».

«إذن، الطبيعة معرضٌ فني سِمَاته...».

فاعترضه الرحالة: «لا، وألف لا، إنني أكرر، الطبيعةُ هي الطبيعة. لمَ تبحث عن المقارنات؟».

فرد عليه الأمين: «لإيناسك».

فأجابه الرحالة: «لا أبتغي المؤانسة، بل العلم. أخبرني عن عدد حواس أهل هذا الكوكب».

أخبره الدارس: «نحن نملك اثنتين وسبعين حاسة، ودائمًا ما نشكو منها، فخيالنا يفوق حاجتنا، بل نجد -مع حواسنا هذه وحلقة كوكبنا وأقماره الخمسة- قصورًا في فهمنا؛ وعلى الرغم من فضولنا وعاطفتنا الفياضة المتولدة عن حواسنا الوافرة، لدينا من الوقت ما يؤدي بنا إلى الملل».

وقال حينها مايكروميغاس: «صدقت؛ ففي مسقط رأسي لدينا ألف حاسة تقريبًا، ومع هذا يعترينا شعور غامض، كأنه قلق ينذرنا بوجود كائنات أعلى قدرًا وأرفع شأنًا. ارتحلتُ إلى كثير من البلاد، ووجدتُ فانين يفوقوننا وبعضهم أسمى، لكني لم أرَ مخلوقًا يقنع بما بين يديه قط، وربما أقع في يوم ما على بلد لا تفتقر إلى شيء، لكن حتى الآن لم يدلني أحد على مكان كهذا».

مضى الرجلان في التأمُّل، ولكن بعد نظريات عبقرية وأخرى مشكوك فيها، كان  لا بد من الرجوع إلى الحقائق الملموسة.

سأل مايكروميغاس: «كم تعيشون؟».

فأجاب الزحلي: «أوه! نزرًا يسيرًا من الزمن».

فقال مايكروميغاس: «نتشابه في هذا؛ إذ إننا نشكو من الأمر نفسه. لا بد أنها قاعدة كونية».

وتنهد الزحلي: «واحسرتاه! نحن نعيش لخمسمئة دورة حول الشمس (أي 15 ألف سنة بمقاييسنا)، كأننا نولد، وفورًا نموت، ووجودنا نقطة، وعمرنا لحظة، وكوكبنا ذرة. ما إن نتعلم قليلًا إلا وافتنا المنية، فلا نحظى بأية تجربة. أمَّا أنا فلا أجرؤ على التخطيط. كأنما أراني قطرة في مُحيط. وأنا مُحرج -أمامك خاصة- من مدى ضآلتي في هذا العالم».

فأجابه مايكروميغاس: «لو لم تكن فيلسوفًا، ما كنت سأُثقل عليك بإخبارك أنَّ أعمارنا أطول من أعماركم بسبعمئة ضعف؛ لكنك تعي ضرورة رجوع جسدك للعناصر الأولية؛ لتحيا في الطبيعة  حياة مختلفة، وهذا ما ندعوه الموت. عندما يدركنا هذا التحول، فسيان أن نعيش أبدًا أو يومًا واحدًا. لقد زرتُ بلدانًا يقضي ساكنوها عمرًا أطول منا ألف مرة، ومع ذلك يموتون. لكنَّ للمخلوقات في كل مكان منطق سليم؛ إذ تعي دورها، وتشكر فاطر الطبيعة؛ فهو الذي بث في الكون ألوانًا من الكائنات تستثير الإعجاب بحسن تكوينها. فعلى سبيل المثال: تختلف الكائنات المُفكِّرة، لكنها تتشابه في هبة العقل والرغبة والمادة، وتمتدُّ إلى كل مكان، لكنها مختلفة الخصائص في كل كوكب. سؤال: كم خاصية يمكنك أن تحصيها في كوكبك؟».

قال الزحلي: «إن كنتَ تعني الخصائص اللاتي لا يمكن أن يقوم من دونها الكوكب، فإننا نُحصي 300 منها كالتمدد والمناعة والحركة والجاذبية والانقسامية، وما شابه».

فردَّ الرحالة: «يظهر أنَّ هذا العدد القليل كافٍ لما قدره الخالق لمعاشكم، وإني لَأحب حكمته في كل شيء؛ إذ أرى الاختلافات في كل مكان، ولكن بمقدار محكوم. كوكبكم صغير، وأنتم كذلك، ولديكم حواس قليلة، وعناصركم قليلة السمات؛ كل هذا بفعل العناية الإلهية. وما لون شمسكم؟».

فأجاب الزحلي: «بيضاء ضاربة للصفرة، وعندما نقسم أشعتها، نرى سبعة ألوان».

فقال مايكروميغاس: «أما شمسنا فضاربة إلى الحُمرة، ولدينا 39 لونًا أساسيًّا. ولقد وجدت أنَّ الشموس تختلف كاختلاف وجوه الناس».

وبعد كثير من الأسئلة من هذا النوع عرف مايكروميغاس عدد الماهيات الأساسية المختلفة في زحل. فعرف منها ما يقارب الثلاثين، كالله والمكان والمادة، وذوات الإحساس، والعقل، ومن المواد ما لا مناعة له، وغيرها. وبعث مايكروميغاس الدهشة في نفس صاحبه باكتشافاته الثلاثة آلافًا في  كثير من رحلاته، والذي قُدر لموطنه أن يملك ثلاثمئة منها. في نهاية الأمر، بعد أن تبادلا قليلًا مما يعرفانه وكثيرًا مما لا يعرفانه، وبعدما/ أن ظلا دورة واحدة حول الشمس يتبادلان الحجج والأدلة؛ قررا أن يقوما برحلة فلسفية صغيرة.

فأجابه مايكروميغاس:

«لو لم تكن فيلسوفًا، ما كنت سأُثقل عليك بإخبارك أنَّ أعمارنا أطول من أعماركم بسبعمئة ضعف».

 نَزَل الرحَّالتين حلقة زحل أولًا، ووجدوها مسطحة كما أشار إلى ذلك عالِمٌ جهبذ في أرضنا الصغيرة، ومن هناك تنقلا  تنقلًا سهلًا من قمر إلى قمر، ومرَّ مذنب على القمر الأخير، فقفزوا ومعهم خدمهم وآلاتهم، وبعدما قطعوا مئة وخمسين مليون فرسخًا، تلقّتهم أقمار المشتري، وأقاما فيه أسبوعًا، وقضيا الوقت في تعلُّم أسرار في غاية العجب، وكنت سأكتبها لولا محاكم التفتيش التي وجدت أنَّ بعض هذه المقولات قاسية بعض الشيء.

...

لكن دعونا نعود الآن إلى مُسافرينا، بعدما غادروا المشتري، وسافروا 100 مليون فرسخًا، قاربوا كوكب المريخ الذي -كما نعلم- يَصغُر كوكبنا بخمسة أضعاف، ثم تأرجحا إلى قمرين يلحقان بهذا الكوكب أغفهما علماء الفلك. أعرف كل المعرفة أنَّ الأب كاستِل سيكتب ضد فكرة وجود هذين القمرَين، ولو على وجهٍ مقنع؛ لكني أُعوِّل على من يستخدمون القياس في الاستدلال. فهؤلاء الفلاسفة الطيبون يرون أنه يبعد أن يبقى المريخ -على بُعده عن الشمس- من غير قمرين يبعد أن يبقى المريخ –رغم بعده عن الشمس- بقمر واحد. على أية حال، لضآلة حجم المريخ، صعُب على المسافرين الهبوط فيه؛ فمرَّا به مرور الكرام، ولكن فيما بعد، ندما أشد الندم؛ إذ ظلا يجوبان الفضاء طويلًا دون العثور على شيء. وأخيرًا، التمعت شمعة صغيرة، وكانت هذه الأرض. لقد كان مشهدًا يُرثى له لمن غادر المشتري لتوه؛ ولكن خوفًا من الندم،  رأيا أن ينزلا فيها.

...

ظنَّ القزم -الذي كان متسرعًا أحيانًا- أنَّ الكوكب غير آهل بالمخلوقات، والذي دفعه إلى هذا الاعتقاد أنه لم يرَ أحدًا. أشار مايكروميغاس بلطفٍ أنَّ هذا المنطق فاسد؛ فقد قال: «إن لم ترَ بعينيك الصغيرتَين جملة من النجوم التي يمكنني أن أراها، فهل تستنتج أنها غير موجودة؟»

فقال القزم: «لكني تفحَّصت كثيرًا».

فقال الآخر: «لكنك ضعيف الحواس».

فأجاب القزم: «لكن هذا الكوكب رديء البناء؛ فهو غير متسق وليس منتظم الشكل، وكل شيء هنا يبدو فوضويًّا: ""الغُدران الملتوية، والمسطحات المائية التي لا تشابه أي شكل معروف من الأشكال، وهذه الدبابيس التي تزعج قدمي؟ (في إشارة إلى الجبال). انظر إلى شكله  مرة أخرى، كيف أنَّ قُطبيه مُسطَّحان، وكيف يدور حول الشمس على نحو يجعل الطقس ينعدم في القُطبين؟ ولأصدقك القول الذي يحملني على الاعتقاد أنه ليس آهلًا بالسكان. أنَّ: أي أحد يتمتَّع بالعقل السليم لن يرغب في البقاء هنا».

من قصة «مايكروميغاس» للكاتب الفرنسي ڤولتير، 1752م.

مقالات ذات صلة